أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنفصال جنوب السودان..ورقة إتهام 2/3
نشر في الراكوبة يوم 13 - 06 - 2016


نبيل أديب عبدالله المحامي
اليسار والجنوب
كنا قد بدأنا عرضنا لكتاب الدكتور سلمان محمد احمد سلمان البالغ الأهمية في الأسبوع الماضي، حيث تعرض المؤلف لبدايات المشكلة إبتداءً من مؤتمر جوبا وحتى الحكم العسكري الأول وتدرُج المعالجة الشمالية من التجاهل إلى محاولة تأسيس الوحدة على صهر الثقافات المتباينة في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية. وننتقل اليوم لمرحلة ما بعد أكتوبر وننظر لرد اليسار على ورقة الإتهام.
كانت ثورة اكتوبر وليدة إضراب سياسي شارك فيه المجتمع المدني بمختلف تكويناته من نقابات العمال والمزارعين والمهنيين، وجمعيات طوعية، وهيئات مختلفة تجمعت تحت مظلة جبهة الهيئات. وفي 27 أكتوبر وفي إجتماع ضم جبهة الهيئات، وجبهة الأحزاب، التي ضمت الأحزاب السياسية الشمالية، تمت صياغة وثيقة الثورة الرئيسية والتي أطلق عليها إسم الميثاق الوطني. وهي وثيقة برغم أهميتها المطلقة غاب الجنوبيون عنها ، كما لاحظ المؤلف، حيث لم تحمل توقيع أياً منهم. كما أن الميثاق لم يتضمن أي فقرة عن مشكلة الجنوب نفسها، رغم أن فشل النظام في إيحاد حل لها كان هو الفتيل الذي أشعل الثورة. ولم يكن ذلك بسبب إهمال القيادة الشمالية للمشكلة، بقدر ما كان إنعكاساً للنهج الأبوي الذي كانت القيادة الشمابية تنتهجه، وتعتقد بسببه أنها ليست في حاجة للجنوبيين للتصدي لمشكلة الجنوب! ولكن من الجهة الأخرى فقد ضمت حكومة أكتوبر ثلاثة وزراء جنوبيين، منهم السيد/ كلمنت أمبورو الذي تولى وزارة الداخلية، وهي المرة الأولى التي يتولى فيها جنوبي وزارة سيادية، كما وتولى وزيران آخران حقيبتين وزاريتين على درجة من الأهمية. فقد تولى السيد/ أزبوني منديري وزارة المواصلات وتولى السيد/ هيلري لوقالي وزارة االأشغال. وهكذا إنتهى العهد الذي إقتصر وجود الجنوبيين فيه في مجلس الوزراء، على وزراء دولة بدون أعباء، أو وزراء يتولون حقيبة وزارة الثروة الحيوانية. كما ومثل السيد لويجي أدوك الجنوب في مجلس السيادة عقب إعادة العمل بدستور 1956 المعدل في 1964. كذلك فقد أعلنت حكومة أكتوبر أن الوصول إلي حل لمشكلة الجنوب هو من أول مهامها. وكان لذلك أثراً طيباً لدي الجنوبيين، فأرسل رئيس حزب سانو وليم دينق رسالة تهنئة لرئيس الوزراء السيد سر الختم الخليفة، يهنئه فيها بنجاح ثورة اكتوبر. وقد إقترح وليم دينق في خطابه عقد مؤتمر مادة مستديرة لمناقشة العلاقات الدستورية بين الشمال والجنوب، وطالب بتبني النظام الفيدرالي، وبالعفو غير المشروط عن اللاجئيين، والإعتراف بحزب سانو كحزب شرعي يحق له المنافسة في الإنتخابات. وطالبت الرسالة بدعوة ممثلين لمنظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة والدول المجاورة لحضور المؤتمر كمراقبين. وقد كان رد رئيس الوزراء ايجابياً، فقبل العفو غير المشروط، ووافق على عقد المؤتمر، ولكنه رأى ترك مسألة نقاش الفيدرالية إلى المؤتمر نفسه. وقد ثار خلاف حول محل عقد المؤتمر، وحضور المراقبين الأجانب، وفي النهاية تم الإتفاق على عقد المؤتمر في الخرطوم. كذلك فلم تكن الخرطوم مرحبة بدعوة أجانب للمشاركة في مؤتمر يناقش شأنا سودانياً داخلياً، لما في ذلك من فتح أبواب للتدخل الأجنبي، وهو أمر كان السودانيون آنذاك يتحسسون منه. إنتهى الأمر بالإقتصار على دعوة الدول المجاورة دون المنظمتين الإقليمية والدولية رغم أن دعوة المنظمتين كان أكثر إنسجاماً مع موقف الخرطوم. عموماً فقد تمت دعوة حكومات كينيا ويوغندا وتنزانيا ومصر ونيجيريا وغانا والجزائر، لإرسال مراقبين للمؤتمر.
غيوم تسبق المؤتمر
عكرت حوادث الأحد الأسود صفو الأجواء السابقة لعقد المؤتمر، وهي حوادث تسبب فيها تأخر هبوط الطائرة المقلة لكليمنت امبورو في مطار الخرطوم، وقد أدى ذلك إلى إنتشار إشاعات كاذبة وسط الجنوبيين، الذين كانوا قد اتوا إلى المطار في أعداد غفيرة لإستقبال الوزير، مما أدى لشغب وحوادث عنف، أدت بدورها لعنف مضاد. قابلت الشرطة الإضطراب الخطير في الأمن الذي نجم عن ذلك بإجراءات حازمة، إنتهت بحبس أعداد كبيرة من الجنوبيين في ملاعب الكرة في ظروف سيئة، وهو إجراء كان ضرورياً في ظروفه، إلا أنه ألقى بظلال سالبة على العلاقات بين الجنوبيين والشماليين. كذلك فقد أدى ضغط الأحزاب التقليدية ومعهم جبهة الميثاق الإسلامي، إلى استقالة سر الختم الخليفة وإسقاط حكومة أكتوبر الأولى ذات التوجه اليساري، التي كانت اطروحاتها أكثر قبولاً للجنوبيين من اطروحات الحكومة التي خلفتها، وهو ما سنعود له لاحقاً. عموما فقد شكل سرالختم الخليفة نفسه حكومة جديدة أصبح لليمين فيها القدح المعلى. وبعد أقل من شهر من تكوين حكومة سر الختم الثانية إنعقد مؤتمر المائدة المستديرة، والذي تشكل من ثمانية عشر شمالياً، ثلاثة من كل حزب من أحزاب الأمة، والوطني الإتحادي، والشعب الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وجبهة الميثاق، وجبهة الهيئات، وثمانية عشر جنوبي، يمثل نصفهم حزب سانو، والنصف الآخر جبهة الجنوب، وتسعة آخرين من جنوبيي الداخل تختارهم المحكومة، وكان هؤلاء قد تم ضمهم بإصرار من الحكومة. وقد تم تعيين سكرتارية المؤتمر من شماليين ثلاث، ورأس المؤتمر البروفسير النزير دفع الله مدير جامعة الخرطوم. وقد كان تكوين عضوية المائدة المستديرة وسكرتاريتها ورئاستها موضع أخذ وجذب مع الجنوبيين، وإنتهي إلى هذا الشكل الذي رُفِض فيه تمثيلهم في سكرتارية المؤتمر ولا في رئاسته، وهو امر لم يساعد على إعادة بناء الثقة لدى الجنوبيين تجاه القيادة الشمالية كما لاحظ بحق المؤلف. وهكذا كان التكوين العام لعضوية المؤتمر ولرئاسته يُغلِّب ما إعتبره الجنوبيون رأي الشماليين في مخرجات المؤتمر، وكان ذلك عشية محاولة التوصل لإتفاق على تأصيل علاقة الجنوبيين بالدولة السودانية دستورياً.
مؤتمر المائدة المستديرة وحلف الخصوم
إنقعد المؤتمر بعد أن سوى الجنوبيين خلافاتهم حول العضوية فيما بينهم، حيث كانت هنالك خلافات حول التمثيل في المؤتمر بين اللاجئين في الخارج، والمحاربين في الداخل، بين الجنوبيين الممثلين لجبهة المقاومة. وبعد أن تمت تسوية هذه الخلافات، بدأ المؤتمر بخطاب من رئيس الوزراء وضع اللوم بأكمله في المشكلة على الإستعمار، وعلى قانون المناطق المقفولة، مغفلاً تماماً شكوى الجنوبيين من الطريقة التي تم التعامل بها معهم ومع مطالبهم بعد الإستقلال، وبذلك لم تكن بداية المؤتمر تبشر بإتفاق على النتائج النهائية له.
من الجانب الآخر جاء رد أقري جادين يحمل نفس النظرة الوحدانية الجانب، ولكن من زاوية مغايرة، فأنكر وجود ما يجمع بين الشماليين والجنوبيين، وإنحصر طرحه على أنه قد آن الأوان لإنفصال الجنوب عن الشمال. وكان هذا يكفي لتنبيه القادة الشماليين إلى أن إنكار ذاتية الجنوب، ومحاولة تحقيق الوحدة عن طريق صهر الذاتية الثقافية الجنوبية في الثقافة الشمالية، من جانب الشماليين والدعوة للإنفصال من جانب الجنوبيين كانا عبارة عن وجهين لعملة واحدة، ولكن ذلك لم يثمر عن أي تغيير في المواقف. وهكذا عاشت فعاليات المؤتمر، ومن بعدها باقي تاريخ المشكلة بكافة منعرجاته، المفارقة التاريخية، والتي جعلت من كل من الخصمين الواقفين على طرفي نقيض من بعضهما البعض، يقدم لخصمه ما يحتاجه من حجج ليثبت صحة موقفه. وسيظل هذا الحلف الذي يربط بين الخصمين، متمثلاً في خصومة يقدم فيها كل طرف لخصمه ما يلزمه من ذخيرة، حتى أفلحا سوياً في القضاء في نهاية الأمر على وحدة البلاد.
الطريق الثالث
ظهر في المؤتمر لأول مرة بشكل مباشر طريق ثالث يضع وحدة القطر على أسس من الإعتراف بتباين الثقافات المكونة للهوية الواحدة، وليس عن طريق إنكارها أو صهرها. وقد مثله من الجانب الجنوبي وليم دينق، الذي رأي بوضوح أن الفيدرالية ، إذا تحققت الإرادة السياسية، هي وحدها القادرة على أن تحفظ وحدة السودان بما تتيحه من قدرة على إستيعاب التباينات العرقية، والدينية، واللغوية، والثقافية، الموجودة في القطر. وقد مثل هذه النظرة الواقعية من الجانب الشمالي الحزب الشيوعي السوداني، والذي طرح بالمقابل فكرة نظام الحكم الإقليمي الذاتي لجنوب السودان. ولابد لنا هنا من أن نتوقف قليلاً عند بعض النقاط التي يجب إبرازها لفائدة التوثيق التاريخي. وأول هذه النقاط البيان الذي صدر عن إجتماع اللجنة التنفيذية للجبهة المعادية للإستعمار المنعقد في مساء الثلاثاء 21/9/1954 .قد مدني بالوثيقة التي تحمل هذا البيان الصديق هشام الفيل، والوثيقة كما سنرى حالاً تثبت أن إعتراف الحزب الشيوعي السوداني بذاتية الجنوب، قد سبق إنعقاد المؤتمر بزمن طويل، وأن رأيه المنشور في هذه المسألة قد سبق رأي الأستاذ محمود محمد طه الذي عبر عنه في الكتاب الذي أصدره في ديسمبر 1955 بعنوان "أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فيدرالية ديمقراطية إشتراكية". وهذا يعني أن الأستاذ محمود لم ينفرد بالإعتراف بذلك التباين كما ذهب المؤلف وهو ما عرضناه في المقال الأول.
بيان 21/9/1954
لقد كانت مسألة الحكم الذاتي الإقليمي التي طرحها الحزب الشيوعي /الجبهة المعادية للإستعمار في المؤتمر هي تعبير عن رفض الحزب لتجاهل التباين الثقافي بين مكونات الشعب السوداني، وهو موقف متسق مع فكر الحركة الشيوعية العالمية الذي طرحة لينين، وتم تكوين الدولة السوفيتية على أساسه، والذي وصل به للإعتراف بحق الولايات (الجمهوريات) المكونة للإتحاد السوفيتي في الإنفصال متى أرادت ذلك. ولكن الحزب الشيوعي لم ينقل التجربة السوفيتية إلى الواقع السوداني كما هي، فرفض حق الإنفصال وإعترف بما تمليه الذاتية الإقليمية من حق في الإستقلال في إتخاذ القرار، فيما يتعلق بالشؤون الخاصة بالإقليم. وننقل فيما يلي قرار اللجنة التنفيذية للجبهة المعادية للإستعمار وتفسيرها للقرار من البيان الصادر بالتاريخ أعلاه.
يعلن البيان في مفتتحه أن اللجنة التنفيذية قد تبنت القرار التالي (ترى الجبهة أن حل مشكلة الجنوب يتم على الأساس التالي: تطوير التجمعات القومية في الجنوب نحو الحكم المحلي أو الذاتي في نظاق وحدة السودان).
ويتبع ذلك بتفسير مطول ننقل منه ما يلي"إن موضوع الجنوب يشكل مسألة هامة وعاجلة في حياتنا السياسية اليوم حتى أصبح موضوع خطر على وحدة البلاد وعلى حرية أخواننا الجنوبيين.
إن الحقيقة التي نهتدي بها في حل هذه المشكلة هي حقيقة وجود قوميات متعددة في بلادنا، ففي الجنوب توجد القوميات الزنجية وفي الشمال النوبية، وفي الشرق البجاوية، وفي الوسط وفي الغرب العربية. إن تعدد القوميات هذا قد خلف فوارق في التقدم بينها. والذي يحدث دائماً، هو أنه في حالة نمو بعض القوميات كما يحدث في حالات الإستقلال الوطني، فإن هذه القوميات لا تمكن من مجاراة الظروف الجديدة إلا بقيام حكم محلي أو ذاتي لها يكون قريباً من مشاكلها، فيستطيع حلها ويعمل لتطوير المناطق بما له من دراية بشؤونها وعاداتها ولقد كان قيام الحكومات المحلية في كثير من أنحاء السودان حاجة ضرورية لتطور تلك الأنحاء التي تتمشى مع التطور العام في البلاد.
وفي بلاد كالهند والصين والإتحاد السوفيتي لم تقم الإدارة الجديدة للبلاد إلا معتمدة على حكومات ذاتية للقوميات المختلفة وكذلك نري الحال في بلدان أخرى حيث تنشأ مشاكل القوميات المختلفة.
إن المشكلة النائية في جنوب السودان مردها إلى حقيقة أن تلك القوميات كانت تعاني تأخراً شديداً في الفترة الماضية وقبل ستين سنة كان أهلها يؤخدون ليباعوا في سوق الرقيق، ولقد ساعد الإستعمار البريطاني الذي يعمل وفق سياسة (فرق تسد) ساعد على تركها على تأخرها حتى يستغل تلك الفوارق لإطالة أمد بقائه.
إننا نواجه المشكلة بهذه الحقيقة ونري أن حلها يكون بإعطاء القوميات الجنوبية المتطلعة للتقدم الآن إعطائها الإختيار في وضع مشكلة إدارتها الداخلية في حدود القطر الواحد (السودان) سواء يكون هذا الشكل حكومات محلية أو حكومات ذاتية لها برلماناتها الخاصة وحكامها الخاصون.
إن نظام الحكم الذاتي ليس جديداً بل هو موجود في دول متعددة كما ذكرنا وهو لا يعني إضاف الصلة بين أجزاء القطر الواحد بل على العكس فهو يقويها لأنه يحل مشكلة يستعصى حلها بدون ذلك والحكومات الذاتية في داخل القطر الواحد تختص بمعالجة المسائل الداخلية ولكنها تتمثل في البرلمان العام أيضاً وتخضع لدستور البلد الموحد الذي يكفل وحدة القطر وسلامته والمحافظة على تقدمه" الصراحة العدد 422 الصادر في 28/9/1954
ومن هنا فإننا نرى أن هذا البيان لم يعترف فقط بخصوصية الثقافة الجنوبية، بل إعترف بواقع التعدد الثقافي، واللغوي، والعرقي، الذي ينتظم السودان. وكان يرى وجوب التوصل لنظام دستوري يستوعب هذا التعدد، وهو الأمر الذي كانت القيادة السياسية الشمالية في حاجة لعقدين من الزمان لتعترف به، وفقط بعد أن قام النظام المايوي بمحاولته الفظة في هدم الحكم الذاتي الإقليمي الذي كانت إتفاقية أديس أبابا قد إستعارته من ذلك البيان، وهو ما سنعود له في المقال القادم.
الفيدرالية والحكم الذاتي الإقليمي
وثاني هذه النقاط هي أن الحزب الشيوعي مدفوعاً بما جره عليه موقفه من إتفاقية الحكم الذاتي 1953 من عزلة سياسية، لم يكن مستعداً لتكرار هذه المسألة بأن يتخذ موقفاً مغايراً لما تدعو إليه الحركة السياسية بشكل موحد. وقد كانت الحركة السياسية آنذاك، والتي تعني الحركة السياسية في شمال السودان، قد أجمعت على رفض الفيدرالية. نتيجة لذلك ورغم أن موقف الحزب الشيوعي من الناحية الموضوعية لم يكن يرفض الفيدرالية، إلا أن تفادي إسم الفيدرالية أصبحت تفرضه الضرورات السياسية العملية، بعد أن أصبح موصوماً، لدى الحركة السياسية الشمالية، بكل ما يهدد وحدة القطر من مهددات. واقع الأمر هو أنه لا يوجد نظام مركزي تتم فيه إتخاذ القرارات جميعاً من المركز لإستحالة ذلك من الناحية العملية، إذ أنه لا بد من أن تترك بعض القرارات ليتم إتخاذها بواسطة السلطة الأقرب للظروف التي تتطلب معالجتها بالقرار. وهذه السلطة قد تكون سلطة محلية أو إقليمية وهذا يتم داخل الدولة المركزية عن طريق تفويض السلطات delegation of Power من الحكومة المركزية. وفي هذه الحالة يكون التفويض بإرادة السلطة المركزية تلجأ له حيثما شاءت. الدولة اللامركزية تقوم على إعتراف بالحاجة ليس فقط لتوزيع السلطات بين المركز والسطات الأقل مستوى من ذلك، بل أيضاً لتقنين ذلك التوزيع. ومن ضمن الانظمة التي تقوم على اللامركزية الأنظمة الفيدرالية، والأنظمة التي تقبل الحكم الذاتي الإقليمي، بمسميات مختلفة. والفرق بين الإصطلاحين يحتاج لوقفة، فالفيدرالية ليست نظاماً واحداً يخلق نموذجاً واحداً من أشكال الحكم، إما أن تقبله أو ترفضه دون النظر للأحكام التفصيلية لكل نظام منها على حدا، وهو التصور الذي كان يحكم الموقف السوداني الشمالي من الدعوة للنظام الفيدرالي، بل هو نظام مغاير لنظام الدولة المركزية، ولكنه يحمل درجات مختلفة من الإستقلال في إتخاذ القرار تتمتع بها الوحدات في المستوى الأقل من مستوى الدولة. من الجهة الأخرى فإن النظام الفيدرالي لا يحتكر مغايرة نظام الدولة المركزية ، فالدول التي ترفض النظام المركزي ليست مرغمة على تبني النظام الفيدرالي، ولعل المملكة المتحدة مثالاً حياً لذلك، إذ لا توجد كلمة فيدرالية أصلاً في الأدب الدستوري الإنجليزي، ولكن المملكة المتحدة هي دولة غير مركزية تقوم من أقطار تشكل وحدات سياسية مختلفة، هي إنجلترا وويلز وأسكتلندا وكل وحدة منهم تمارس سلطاتها عن طريق تخويل تلك السلطات Devolution of Power وليست مجرد تفويض للسلطات. ويتفق النظام الفيدرالي والنظم اللامركزية الأخرى في أنهم جميعاً يخولون سلطات للوحدات الأقل من الدولة، ولكن الفرق بينهما هو أن النظام الفيدرالي يخول تلك السلطات في الدستور، في حين أن النظم اللامركزية الأخرى تخولها بقانون يصدر من البرلمان المركزي، وبالتالي فإن الضمان لعدم العودة للسلطات التي تقتطع في النظامين من الدولة المركزية إلى الوحدات في المستوى الأقل من ذلك (ولايات أو أقاليم ) أقوى في النظام الفيدرالي منه في الأنظمة اللامركزية الأخرى. لأن ذلك يتطلب في النظام الفيدرالي تعديل الدستور، بينما يتطلب في الدولة غير المركزية أو المتحدة، تعديل القانون، ولكن السلطات نفسها التي تتمتع بها الوحدات في المستوى الأقل من الدولة، تختلف من دولة لأخرى داخل النظامين. واقع الأمر هو أن الدول التي تقوم على مبدأ سيادة حكم القانون والتي تخضع فيها الدولة للقانون، لا تجد فرقاً فيها بين أحكام القانون الذي تم تأسيسه على واقع التعدد، وبين الدستور، لأن الإحترام الذي تحظى به تلك الأحكام لا تدع أي فرصة لمحاولة تعديلها من قبل السلطة، ما لم يكن ذلك التعديل يحظى بقبول المنطقة المعنية.
لم يكن إختيار الحزب الشيوعي/الجبهة المعادية للإستعمار، في تقديري، لنظام الحكم الذاتي الإقليمي ورفضه للنظام الفيدرالي، مبنى علي مفاضلة بين النظامين من النواحي الفقهية والسياسية، بقدر ما كان قد تم تأسيسه على محاولة تفادي لفظ الفيدرالية، مع الأخذ في الإعتبار بواقع التعدد السوداني. لميكن ذلك لأن الفيدرالية لا تلبي إحتياجات الواقع السوداني، بل لأنها كانت سيئة السمعة نتيجة لربطها غير المبرر في العقلية الشمالية، بأنها مقدمة للإنفصال. وفقاً لذلك فإننا نرى أن المشروع المقدم من الحزب الشيوعي السوداني لم يكن في جوهره مختلف من المشروع المقدم من مجموعة سانو/وليم دينق، وكانت المسألة فقط متعلقة باللياقة السياسية أكثر من أي شيء آخر. ورغم أن كياسة الحزب الشيوعي في إختيار الحل لم تثمر عن شيء في موتمر الدائرة المستديرة حين رفضتها الأحزاب الشمالية والجنوبية على السواء، دون أن تلقي بالاً لما كانت تنطوي عليه من حلول، ولكنها كانت، كما سنري في المقال القادم، الأساس الذي إستخدمه النميري لحل مشكلة الجنوب، والذي لم يتمكن النميري نفسه من الحفاظ عليه في نظامه الذي تم ترقيعه كجبة درويش، ليستوعب مزاج الرئيس السياسي السريع التقلب كالجو الإنجليزي.
نبيل أديب عبدالله المحامي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.