شاهد بالصورة.. مذيعة سودانية حسناء تخطف الأضواء على السوشيال ميديا بإطلالة ملفتة    شاهد بالفيديو.. سوداني يصطحب زوجاته لحضور فاصل كوميدي مع "كابوكي" ويثير غضب الجمهور بعد تصريحه (زوجاتي معجبات بهذا الرجل)    الهلال يكتسح الشعب بكوستي    إصابة لاعب السلام تيو بكسر في القدم اليسرى    نادي الشيخ شريف يُلعن عن الطقم الاحتياطي لفريق الكرة    شاعر سوداني يفجر المفاجأت: (كنت على علم بخطة اختطاف وضرب اليوتيوبر البرنس بالسعودية قبل يومين من تنفيذها)    شاهد بالصورة.. ارتفاع جنوني في أسعار "التمباك" بالسودان وساخرون: (السبب إغلاق مضيق هرمز وتأثيره سيكون عالمياً)    تسيّر (6) باصات من القاهرة لطلاب الشهادة السودانية ضمن خطة العودة الطوعية    البرهان يصدر توجيهًا بشأن ملف الكهرباء    بعد قرار إغلاق ماسنجر فى 16 أبريل.. أفضل 5 بدائل يمكنك استخدامها    توسيع الشراكة الاستراتيجية بين جامعة إفريقيا العالمية والمركز الإفريقي للحوكمة و    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *المُستشار الثقافي بالقاهرة أحبطنا تصريحكم*    لدى ترأسه الإجتماع الأول للجنة إنجاح الموسم الزراعي الحالي والي سنار يؤكد الإستع    مواعيد مباريات اليوم.. قمة ريال مدريد أمام البايرن وسيراميكا مع الأهلى    ملوك التاريخ.. رونالدو وميسي يتصدران قائمة أعظم نجوم دوري أبطال أوروبا    نابولي يتوعد لوكاكو بعد رفضه العودة من بلجيكا    وفاة والد السيناريست محمود حمدان وتشييع جثمانه من مسقط رأسه    نتفليكس تطلق تطبيقاً لألعاب الأطفال    "غوغل" تطلق تطبيقاً جديداً للإملاء الصوتي يعمل دون إنترنت    بعد نجاح الشاطر.. أمير كرارة يبدأ تحضيرات فيلمه الجديد مع سينرجى بلس    نجلاء بدر : مسلسل اللون الأزرق صرخة لتفعيل قانون الدمج بشكل فعلى    سارة بركة : دورى فى على كلاى غيّر مسار الأحداث    9 أطعمة ومشروبات ينصح بتناولها بعد عمر الستين أبرزها القهوة والسمك    معاناة المشاهير مع الصحة النفسية.. حقيقة أم استعراض على السوشيال ميديا؟    مؤتمر برلين.. تمويل الأجندة أم صنع السلام؟    السودان.. القبض على 4 ضباط    في عملية نوعية لمكافحة التهريب بالبحر الأحمر ضبط متهمين أجانب بحوزتهما أسلحة وذخائر    فينيسيوس يهدد لاعبًا أرجنتينيًا بالقتل    ترامب عن إيران: ستموت حضارة بأكملها الليلة ولن تعود أبداً    البرهان يشهد مراسم تسليم وتسلم رئاسة هيئة الأركان    تعليق الدراسة بمدارس ولاية الخرطوم    السودان..ترتيبات لتوفير مبالغ مالية لشراء محصول القمح    كامل إدريس يؤكد مضاعفة ميزانية الشباب والرياضة ويوجه بمنع الإعتداء على الميادين الثقافية والرياضية    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلان جوبا ضربة البداية لإزاحة أحزاب (قحت) للصفوف الخلفية في مشهد الفترة الانتقالية – قراءة تحليلية
نشر في الراكوبة يوم 13 - 09 - 2019

شهدت جوبا عاصمة دولة جنوب السودان في يوم الأربعاء 11 سبتمبر 2019 مراسم التوقيع على إعلان إجراءات بناء الثقة والتمهيد للتفاوض في إطار عملية السلام المرتقبة في السودان والمعروف باسم "إعلان جوبا"، حيث جرت المفاوضات الابتدائية أو التمهيدية بين وفد حكومة السودان ممثلاً في عدد من أعضاء المجلس السيادي ومعظم حركات الكفاح المسلح، وعلى مدار يومين، والتي تكللت بتوقيعهما على الإعلان الذي يمثل تمهيد للأرضية لانطلاق العملية التفاوضية بين أطراف التفاوض الذي ستبدأ قاطرته بالمسير في 14 أكتوبر الجاري، وحسب ما نص عليه الإعلان.
إن التوقيع على إعلان جوبا يفصح بوضوح أن قوى إعلان الحرية والتغيير سيتراجع دورها من الآن وصاعدا في المشهد السياسي، بعد أن كانت تتصدره، وذلك لصالح قوى أخرى، وفي مقدمتها حركات الكفاح المسلح، وهذا حتى نهاية الفترة الانتقالية.
هذا يمكن فهمه انطلاقا من حقيقة أن أي عملية سياسية تضم فاعلين أو مؤثرين رئيسيين وآخرين ثانويين، وأن ما يحدد من يكون مؤثرا أو أقل تأثيرا هو الدور الذي يقوم به كل من أطراف هذه العملية في كل مرحلة من مراحلها.
معنى ذلك يمكن أن يكون أحد الأطراف أو يحسب عنصرا فاعلا وأساسيا في مرحلة من عملية سياسية ما، ثم يتدحرج ليكون أقل تأثيرا في مرحلة أخرى، وهو الأمر الذي ينطبق على أحزاب قحت في إطار العملية السياسية في إطار سودان الثورة.
بدأت الثورة السودانية بمؤثر وفاعل رئيسي يتمثل في الثوار ومعهم تجمع المهنيين السودانيين الذي تصدى لمهمة قيادة ثورتهم، وكانت الأحزاب السياسية المعارضة بتحالفاتها المختلفة تأخذ مرتبة الفاعل الثانوي الأقل تأثيرا في مجريات الأحداث منذ اندلاع الثورة، ومرورا بتوقيعها على إعلان الحرية والتغيير، وحتى إسقاط عمر البشير رأس النظام في 11 ابريل المنصرم، حيث كانت تسير خلف تجمع المهنيين السودانيين. بينما كانت حركات الكفاح المسلح، بشكل عام، خارج هذه العملية الثورية التي كانت تجري، على الأقل كانت فاعليتها أدنى من فاعلية أحزاب قحت التي تعتبر الفاعل الثانوي في أحداث الحراك الثوري منذ نشؤه وحتى إسقاط رأس النظام البائد.
يمكن فهم ذلك، وأنه أمر طبيعي، من خلال إدراك أن الثورة اتخذت وسيلة (السلمية) لبلوغ غاياتها، وذلك في الوقت الذي اختارت فيه قوى الكفاح المسلح (المقاومة المسلحة) لتحقيق أهدافها، ومنذ زمن بعيد.
هذا الاختلاف في الوسائل (السلمية والسلاح) هو الذي جعل ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة أشبه بأنه يضم عالمين مختلفين فكرا وأهدافا وجغرافيا. عالم يضم أولئك المنادون بالحرية واسقاط نظام الكيزان بكل عناصره وواجهاته وتحسين الظروف الاقتصادية، وهو العالم الذي كان يقع في المنطقة الممتدة بين النفق وجمهوريته وصينية بري قبالة الواجهة الشمالية للقيادة العامة للجيش، وهو عالم كان يحظى فيه ثواره بالمنصات الرئيسية التي نصبتها أحزاب قحت في الميدان وتتواجد قياداتهم فيها ووسطهم تخاطبهم وتوجههم.
العالم الثاني هو ذلك الذي همه وأهدافه تتبلور في قضية الحرب والسلام والعدالة وإزالة التهميش والمظالم التاريخية التي يتعرض لها، وهو عالم أولئك الثوار الممتد من مفوضية العون الإنساني شمالا وحتى كلية الأشعة جنوبا وقبالة الواجهة الغربية للقيادة العامة، وهي المنطقة المسماة "شارع عبد العزيز – عبد العزيز الحلو"، وهو العالم الذي أهملته قوى الحرية والتغيير ولم تعره اهتماما، فهي لم تفسح له مجالا في المنصات الرئيسية بميدان الاعتصام، والتي كانت تحت يدها، ولا تواصلت معه أو احتضنته أو حاولت أن تثبت له أنها تهتم بشأنه وتكترث لأمره، بل ولم يصعد أحد من قيادات قحت على أي من المنصات المتواضعة لهذا العالم مخاطبا ثواره، وهم الثوار الذين بقدر ما اجتهدوا في إثبات حضورهم وتواجدهم، إلا أنهم كانوا يتراءون للمرء مثل الأيتام في وسط حضور الآخرين بآبائهم.
ولما كان ميدان الاعتصام تعبير صادق عما يجري في كل ما يخص الثورة، فهو قد بيّن بصورة جلية أن الثوار في السودان انقسموا إلى كتلتين لكل منهما رؤى وأهداف مختلفة حول المسار الذي يجب أن تأخذه الثورة.
لعبت أحزاب قحت الدور الأبرز في وقوع هذا الانقسام بسبب عدم تعاملها بالحصافة والحساسية اللازمة مع هذه الوضعية التي يقوم عليها ميدان الاعتصام، بل وقد قامت عبر كثير من سلوكياتها في وقته، ولاحقا أيضا، بالعمل على مفاقمتها، وهو ما أخرج الثوار من مناطق الهامش، وهم الأغلبية في الثورة حتى في الخرطوم التي تعتبر أكبر معاقل المهمشين في البلاد، من طوع أحزاب قحت كقيادة للثورة، وفضّل هؤلاء الثوار أن يعملوا بمعزل عنها، وذلك حتى اليوم الذي يجتمع فيه شملهم بقياداتهم من حركات الكفاح المسلح.
لاحقا، فقدت أحزاب قحت حتى أولئك الملتفين حولها من الثوار بعدما ظهر لهم أنها حريصة على السلطة والمناصب، وليست حريصة على الثورة ومبادئها التي استشهد عدد كبير من الثوار من أجلها، والذي برز في تهافت مكونات قحت ولهثها خلف السلطة، والذي ظهر في المحاصصات الحزبية التي قامت بها في مجلس السيادة، وحاولت إكمالها في مجلس الوزراء في إطار المساومات المحاصصية بين مكوناتها، والتي لولا حزم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووقوفه بكل قوة في وجه أحزاب قحت رفضا للمحاصصات على مستوى مجلس الوزراء، لكانت قد وقعت المحاصصة بالمجلس،ولضاعت الثورة.
إذ إن هذه السلوكيات "القحتوية" المفارقة لروح ومبادئ الثورة جعلت حتى الثوار الذين كانوا يتخذون منها قيادة لهم ليتمردوا عليها ويرفضونها ويعودوا أدراجهم ليصطفوا مجددا خلف قيادتهم الحقيقية تجمع المهنيين السودانيين ومعه فاعل ومؤثر جديد هو رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الذي استطاع أن ينال ثقتهم من خلال مواقفه المشرفة والمسؤولة تجاه الثورة ومبادئها وأهدافها بداية من وقوفه في وجه قحت بكل صلابة رافضا لمبدأ المحاصصة الحزبية على مستوى مجلس الوزراء، ونال كذلك احترام ورضاء شعبي واسعين جدا بعد تكوينه لمجلس وزراء يعبر عن تطلعات الثورة بقدر كبير، وهذا قطعا بجانب عدم رضاء قطاع واسع من الثوار السائرين خلف أحزاب قحت عن الإعلانين السياسي والدستوري اللذين وقعتهما مع المجلس العسكري، حيث يرى هذا القطاع في الإعلانين أنهما لم يأتيا ملبّيان لطموحاته، وأن قيادات أحزاب قحت قد قدمت فيهما تنازلات كبيرة للعسكريين ما كان لها أن تقدمها، وإن كان هذا غير صحيح إن كنا واقعيين.
عموما، وبفقد السند الجماهيري الشعبي والثوري الذي كان هو السبب الرئيسي لأن تكون أحزاب قحت هي الفاعل الأول في الثورة، أخذ تأثير قحت يقل في المشهد السياسي لصالح تجمع المهنيين السودانيين من جديد، وفي معيّته حمدوك، وليتصدرا معا المشهد السياسي، وأن تتزحزح أحزاب قحت إلى الصفوف الخلفية فيه.
المعروف أن العلاقات بين المجلس العسكري وأحزاب قحت بدأت واستمرت لفترة طويلة متوترة، تخللها صراع شرس بين الطرفين. العسكريون كانوا يفهمون أن قحت في نفسها لا تسبب لهم مشكلة ولا قوة لها لتصارعهم بها، ولكن المشكلة كانت بالنسبة لهم تتمثل في القوة الدافعة والمساندة لأحزاب قحت والمتمثلة في الثوار، ولذا كانوا مجبرين لاحترام أحزاب قحت والتعامل معها معاملة الند للند.
العسكريون بالنسبة لهم، وهم دائما كذلك في أي مكان وفي أي وقت، أن الذي يجب عمل ألف حساب له هو من يحمل السلاح ويشكل مهدد أمني، وهذا كانوا يرونه في حركات الكفاح المسلح، ولكن المشهد الماثل أمامهم وقتها كان يضغطهم للتفاوض مع أحزاب قحت، ورغم ذلك كانوا متواصلين، في ذات الوقت، مع حركات الكفاح المسلح التي تأخذ الأهمية الأكبر عندهم.
فالعسكريون يعطون عملية السلام الأولوية على ما عداها، وهذا ديدنهم دائما، وهو ما يفسر أسباب تحركهم سريعا عبر مجلس السيادة نحو حركات الكفاح المسلح، وذلك بمجرد أن تحرروا من الضغوط التي كانوا يتعرضون لها من أحزاب قحت بعد تشكيل مجلس الوزراء ليدير مؤسسات الخدمة المدنية وتحمله مسؤولية الخدمات، وأداروا ظهورهم، من بعد، لأحزاب قحت والتي سهلت لهم لأن يقوم العسكريون بذلك من خلال قبولها تشكيل مجلس الوزراء قبل تشكيل المجلس التشريعي، والذي تهيمن عليه، بل وقبلت أن يتم تأجيل تشكيل المجلس لفترة مما حرر المكون العسكري في السلطة من كل ما كانت يمكن أن تستطيع عبره أن تمارس عليه من ضغوط. بل حتى أن هيمنة أحزاب قحت على المجلس التشريعي بنسبة 67% التي منحتها لها الوثيقة الدستورية ستفقدها لا محالة عندما يتم تشكيل المجلس، وذلك لأن هذه النسبة سيتم اقتسامها وقتها شبه مناصفة بينها وحركات الكفاح المسلح بعد توقيع اتفاق السلام المرتقب، حيث أن كل الشواهد تقول أن تشكيل المجلس التشريعي لن يتم إلا بعد توقيع الاتفاق النهائي للسلام.
هكذا، وبعد أن أخذ ملف السلام الأولوية عند العسكريين في السلطة، واستطاعوا أن ينجحوا في خلق أرضية مشتركة تجمعهم بحركات الكفاح المسلح، ومع علمهم أن أحزاب قحت فقدت القاعدة الجماهيرية التي تستند عليها وساعدتهم بخطئها بتأجيل تشكيل المجلس التشريعي، أصبحت قحت لا تعني العسكريين في شيء وليس لهم لها شيء، وذلك لأنها لم يصبح بيدها شيء، هكذا بكل بساطة.
من جانب آخر، هو جانب حمدوك ومجلس وزرائه، فإن الأولوية لهم هي تحقيق السلام الذي بدونه يعلمون أنهم لن يستطيعوا القيام ببقية مهامهم في الفترة الانتقالية، فالمفتاح لنجاح أي سياسات يودون تطبيقها خلال الفترة الانتقالية هو إحلال السلام. بل أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيش فيها البلاد، لن تتوفر سبل معالجتها إلا برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للأرهاب، والذي شرطه الأول لدى الأمريكيين هو مقدرة الحكومة الانتقالية من التوصل لاتفاق سلام شامل ومستدام مع حركات الكفاح المسلح أو احرازها لتقدم كبير في هذا الملف، على أقل تقدير.
إحلال السلام هذا لا يتم مع أحزاب قحت في الواقع، بل ولا أهمية لها تذكر فيه، بل أن الأهمية في عملية إحلال السلام تأخذها حركات الكفاح المسلح التي تمثل الطرف الأهم في هذه العملية، ولذلك سينصب تركيز حكومة عبد الله حمدوك عليها وستكون حريصة على أن تصل معهم إلى اتفاق سلام، وهذا بجانب حرص حميدتي منفردا على ذلك، حيث أن بقاء قواته ومستقبلها صار رهينا ومرتبطا بالوصول إلى اتفاق سلام يتيح إجراء عملية تسريح وإعادة دمج لكل القوى التي تحمل السلاح في البلاد داخل القوات المسلحة، وهي العملية التي ستكون من الناحية الواقعية وقتها عبارة عن عملية "إعادة هيكلة للقوات المسلحة" نفسها، وإن كانت ستسمى "عملية تسريح وإعادة دمج لقوات القوى التي تحمل السلاح"، وحميدتي والدعم السريع سيكونان أول الكاسبين في هذه العملية.
بأي حال، هذا يعني أن قحت تأخذ أهمية دنيا عند حكومة حمدوك، وذلك مقابل الأهمية القصوى التي تأخذها عندها حركات الكفاح المسلح، وسيستمر هذا الوضع حتى نهاية الفترة الانتقالية، بأن تكون قحت تقف في الصفوف الخلفية للمشهد السياسي الذي سيتصدّر صفه الأول، وحتى نهاية الفترة الانتقالية، المكون العسكري في السلطة وحكومة حمدوك وحركات الكفاح المسلح، فاتفاق السلام لا بد أن يجعل من حركات الكفاح المسلح شركاء ومشاركين حقيقيين في الفترة الانتقالية التي ستطول عن الثلاث سنوات المقررة لها لتبلغ ما بين 5 إلى 6 سنوات تجلس فيها قحت على المدرجات لفترات طويلة.
أوليس أن أي اتفاق سلام يكون تنفيذه عبر مشاركة أطرافه بندية وتوازن وتعاون في السلطة التي تقوم بهذا التنفيذ، وهو الاتفاق الذي قحت ليست من أطرافه: تفاوضا واتفاقا وتوقيعا ومشاركة في تنفيذه، وليس لها في نفس الوقت ما يمكن أن تفعله حيال ذلك ومقاومتها لحدوثه، وإلا فقل لي ما الذي بيدها أن تفعله دون جماهير الثوار التي تخلت عنها، وكما كان ذلك بائنا في الأحداث التي رافقت اللقاء الجماهيري الذي حاولت أن تعقده في مدينة الفاشر وفي مناطق أخرى من البلاد، وهي اللقاءات التي لو كانت قد تمت إقامتها تحت اسم "تجمع المهنيين السودانيين" وليس "أحزاب قحت" لما كان حدث ما حدث، بل أن نجاح موكب استقلالية القضاء الأخير لم يحالفه النجاح إلا لأن من دعا له هو ناس الميدان، أي اللجنة الميدانية، بالتعاون مع إعلام تجمع المهنيين المتمثل في شبكة الصحفيين السودانيين، وهو الموكب الذي كان سيفشل فشلا ذريعا إن كانت قد تمت الدعوة إليه من قبل أحزاب قحت، والتي من الواضح أنها أصبحت تدرك أنها صارت لا يمكنها أن تجرؤ على ذلك وعلى كل ما من مثله، في الوقت الراهن على الأقل، وهذا بكل صراحة.
أحد الأخطاء المميتة التي ارتكبتها أحزاب قحت وقتلت بها نفسها هو تآمرها على الجبهة الثورية وخيانتها لعهودها وميثاقها معها ومحاولاتها لإقصائها من المشهد رغم أنها أحد حلفائها الذين كانت تستند عليهم أبان معارضتها للنظام البائد.
غدرت أحزاب قحت بالجبهة الثورية بعد أن أصبحت السلطة في مرمى أعينها، والذي كان من نتائجه أن انفصلت الجبهة الثورية (عمليا) من نداء السودان، وإن لم تعلن عن ذلك (قولا) أو صراحة.
الملاحظ أن إعلان جوبا ذكر كل المصطلحات ذات الصلة بالثورة: "ثورة 19 ديسمبر، "الحرية والسلام والعدالة، ..إلخ" من المصطلحات، وخلا منها مصطلح وحيد هو "قوى إعلان الحرية والتغيير"، وهو ما يؤشر على زهد الطرفين الموقعين على الإعلان في أحزاب قحت، وفي أن لا يكون لها دور في عملية السلام، وبالتالي أن لا يكون لها دور خلال الفترة الانتقالية إلا في الصفوف الخلفية.
هذه الحالة وضعت أحزاب قحت نفسها فيها بيدها، فهذا ديدن كل من لا يتعدى نظره تحت قدميه ولا يرنو ببصره نحو المستقبل الذي يمكن أن ينجم بسبب تصرفاته الآنية.
الشعب السوداني نفسه أصبح يدرك أهمية السلام، وأن لا مجال لتقدمه وتقدم بلاده إلا أن حل فيها السلام المستدام، ولذلك هو يدعم بقوة عملية السلام ويقف خلف الذين بيدهم أن يحققوه ويشجعهم على ذلك، والذين ليس من بينهم أحزاب قحت بأي حال، فمن بيده تحقيق الحلم الأول للشعب السوداني المتمثل في السلام المستدام هما فقط حركات الكفاح المسلح والحكومة السودانية المتمثلة في مجلسي الوزراء والسيادة.
كان يمكن أن تلجأ قحت لاكتساب أرضية سياسية وتأثير على المشهد السياسي إذا استطاعت أن تهيمن على العمل النقابي، فالنقابات، كجماهير الشعب والثوار، قادرة لأن تكون سندا قويا في العملية السياسية لمن يحوز عليها وتجعله ذو تأثير كبير فيها يضعه ضمن الفاعلين الرئيسيين. لكن المعروف أن النقابات والعمل النقابي سيكون تحت سيطرة وقيادة تجمع المهنيين السودانيين، وبالتالي لا مجال لأحزاب قحت لأن ينالها نصيب منه بسبب أن النقابات (مهنية) في جوهرها وليست (سياسية)، وربما يمكن أن يكون هنالك استثناء وحيد في ذلك للحزب الشيوعي، وذلك لما له من خبرة تراكمية وتمرُّس في العمل النقابي ويركز عليه كثيرا، وهذا خلافا لأحزاب قحت الأخرى التي لا يمكن أن يكون لها أي موطئ قدم في العمل النقابي في المؤسسات المدنية للدولة.
أما المجتمعين الإقليمي والدولي فمعروف عنهما تعاملهما على أسس واقعية يبحثان معها دائما عن الأقوى والأكثر تأثيرا في المشهد الماثل امامها، ويفضلون التعامل معه مباشرة، وكما أن عمليات إحلال السلام تأخذ الأولوية عندهما وتقع على رأس أجندتهما، وفي الحالة السودانية تكون عملية السلام وأطرافها هما من يعطيهما المجتمعين الاقليمي والدولي الاعتبار الأوحد.
المؤكد أن كل ذلك لن يفوت على الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة، وسيسعى جاهدا، على نحو ما، لأن يجد لأحزاب قحت، والتي من بينها حزبه، موطئ قدم في عملية السلام حتى لا تخرج من المعادلة السياسية في الفترة الانتقالية، سيحاول، وكما هي عادته، أن يقدم "مبادرة سلام" ما للأطراف المتفاوضة تكون مدخلا لتكون قحت جزء من عملية السلام، وإن فشل سيحاول أن يجد لنداء السودان طريقا ليكون جزء من العملية التفاوضية، وإن عجز سيحاول أن يعقد "صفقة" مع الفاعلين الرئيسيين في هذه المرحلة ليكون حزب الأمة في معيتهم في صفهم الأول، وكما عوّدنا الرجل على ذلك دائما في سلوكه السياسي، ولكن الفشل سيتقدّمه في كل من محاولاته، وذلك لأن قافلة السلام قد تحركت وصارت أبعد من أن يستطيع اللحاق بها.
هكذا لا يمكن أن يغالط إلا مكابر في أن أحزاب قحت قد تدحرجت إلى الصفوف الخلفية في المعادلة السياسية للفترة الانتقالية منذ لحظة التوقيع على إعلان جوبا، وستظل كذلك إلى مقدم الانتخابات التي ستأتي بعد سنوات طويلة نسبياً، وربما يمكن أن تكون هذه فرصة "ممتازة" لأحزاب قحت لأن تقوم بمراجعات شاملة لأدائها السياسي والعمل على تحسينه وتنظيم صفوفها وترتيب بيتها الداخلي، وذلك بداية من تنازل قياداتها الكهول وترجُّلهم عن القيادة وإفساحهم المجال للقيادات الشابة في أحزابها لتولي القيادة بدلا عن الاستمرار في عملية الإقصاء الممنهج الذي تمارسه عليها هذه القيادات المُسنّة التي تريد أن تصنع مستقبلا للأجيال الشابة عندما يأتي أوانه تكون هي وقتها "تحت التراب" !!!
ونهمس في آذان هؤلاء الكهول قائلين لهم: "إن المستقبل للشباب، فدعوهم ليصنعوه هم، وليس أنتم الذين لن تحضروه"، أو فإن على شباب كل أحزاب قحت القيام بالثورة الداخلية في هذه الأحزاب من أجل تغيير المفاهيم البالية والسلوكيات التقليدية والقيادات الهرِمة، وصناعة أحزاب برؤى عصرية مواكبة فكرا وسلوكا بقيادات شابّة، والحق أن الوقت أكثر من مناسب لقيام هذه الثورة: "ثورة الشباب داخل الأحزاب".
محمد أحمد شقيلة
محاضر – قسم العلوم السياسية – جامعة بحري
[email protected]
13 سبتمبر 2019


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.