الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أنجيلا ميركل.. أعظم سياسيّة عرفها العالم
د. محمد بدوي مصطفى

وصلتني قبل بضع أيامرسالة واتسأبيّة تحتفي أيما احتفاء بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تفند سيرتها وتحيكهاكما عقدالنجوم علىنسق فريد نُظمت حباته ونجيماته خلل سنيّ عملها الدؤوب، أولًا كسياسية ناضجةفي قلب الحزب الديموقراطي المسيحي، وثانيًا كمستشارة مسؤولة عن كل الشعب الألمانيّ، بشقيه الشرقيّ والغربيّ على حد سواء، ذلك بعد الاتحاد الذي أحدثهانهيار حائط برلين بقوة الشعب ومن بعد تشتت الكتلة السوفيتية شذرات،ساعتئذ لم ينكسر القيد فقط بل تحطمت حتى الحيطان! تقتصر الرسالة على استثنائية هذه المرأة، رغم أنها ليست حديثة جدًا في محتواها،لكنها تذكرنا نحن جميعا بأمور هامة تخصنا جُلّنالا سيما في خضم حيواتنا كأفراد، مواطنين بسطاء أو من ناحية أخرى كشعوب مغلوبة على أمرها، عندما تسرد عبر راويها عن السيدة أنجيلا ميركل، هذه الأسطورة، الآتي: "بدون ضجة إعلامية، ودّعت أنجيلاميركل منصبها(…) وذلك إيذاناً بعدم ترشحها مرة أخرى لمنصب المستشارة الألمانية.انتخبها الألمان لقيادتهم فقادت 80 مليون ألماني قرابة 18 سنة بكفاءة ومهارة وتفاني واخلاص، ولم يُسجل ضدها خلال هذه الفترة أيّةتجاوزات. لم تكلّف أحد أقاربها أبدًا (…) ولم تدع أنها المجد والعلاولا أنها صانعة الأمجاد ولم تخرج لها المليونيات ولم يهتف بحياتها أحد ولم تتلق المواثيق والمبايعات ولم تحارب من سبقوها ولم تحلل دماء ابناء جلدتها ولم تتفوه بهراء أبدًا (…) ولم تَطُفْ في أزقة برلين الكثيرة تصافح الناسوتلتقط الصور."
نعم هي الحقيقة، حتى وإن لم نعهدها نحن أبدًا في ما يسمى بجمهوريات الشرق ولعل معمر القذافي قد اختصر ذات يوم ذلكم المفهوم وما آل إليه حال كلمة "ديموقراطية" عبر وحدة معجمية واحدة لا غير، أرجعها أولًا شكليًا إلى أصلها في اللغة اليونانية القديمة ثم قسمها ثانيًا مورفولوجيًا إلى جزئين وجاء بعصارة المعنى السيميائي وبما تحمله الكملة في سياق العمل السياسي وعموما في مفهوم الشرق، ليقول لنا وبكل بساطة هي تعني (ديموا – كراسي / يعني أقيموا كراسي الحكممن المهد إلى اللحد)،بيد أنها في أصلها اليوناني القديم تعني "حكم الشعب"، إذن فيما يتعلق بأنجيلا نقول حينئذ وبكل تواضع، أنها تركت رئاسة الحزب وسلمته لمن بعدها عبر عملية انتقال ديموقراطي سلس كما أشرنا إليه في المعنى الأصل (لا المحوّر!)، وهل هذابربكم شيء اعتيادي؟ ثمّ أنها تركت اقتصاد بلدها وحال شعبها من بني الجيرمان وغيرهم وهم على أفضل حال بعد سنين عجاف وتحديات عارمة مرّت عليهم في قضية احتواء الجزء الشرقي ومرارات ماض لن ينسى خلفته أيضًا الحرب العالمية الثانية وحكم النازية الغاشم، فما كان من الألمان إلاأن أثنوا عليهابعفوية لمدة 6 دقائق متواصلة من التصفيق الحار،ذلك دونشعراء ولاإعلاميين، متلونين أو متسلقين،ولم يكن هناك مديح وطبول، كما سلقت عليه شعوبنا، أونفاق وتمثيل وتطبيلولم يهتف أحد منهم ملئ شدق ليقول"ميركل وبس"، ولم تتفوّه هي نفسها لتعلن على الملأ، لا خوف على ألمانياما دمت أنا قائدتها. " إن هذه الرسالة الواتسأبية يا سادتي ورغم بساطتها وعفويتها لا تحتاج لشرح أو لتفسير منّي لأنها تتضمن كل التعاليم والدروس التي لا تحتاج من بعيد أو قريبلحصة أو درس خصوصيّ، على حد القول، إذ أنها تتحدث عن نفسها بل ومن ثمّ عن كل نفس ذاقت ولا تزال، مرارة العيش في عالم السياسة المعتم في دول تسمى بدول العالم الثالث … لماذا الثالث بالذات وليس الرابع أو العاشر مثلًا، الله أعلم؟! وحدث ولا حرج.
أصلها مزيج من البولندي وألماني:
رأى مولد طفلة صغيرة باسم أنجيلا دوروتيا كاسنر النور في عام 1954 في مدينة هامبورج التي تقع الشمال الشرقي لألمانيا الغربية ذلك قبل اتحاد الألمانيتين. والدها هورست كاسنر، من القساوسة اللوثريين ولد بعاصمة ألمانيا برلين في عام 1926 وأمها هيرليند ولدت في عام 1928 بمدينة دانزيغ (حاليا غدانسك، بولندا)، وعملت كمدرسة للغتين الإنجليزية واللاتينية لكن الحزب الماركسي بألمانيا الشرقية منعها من ممارسة المهنة بسبب عمل زوجها في الكنيسة وذلك كان مرفوضا لدولة علمانية حاربت كل ما هو روحاني. على كل كانت تحمل هذه الطفلة الوليدة ومنذ نعومة أظافرها جينات أوروبية شرقية وغربية، بولندية وألمانية؛ وكان جدها من أبيها لودفيك ماريان غاشميرشك شرطيها ألماني من أصل بولنديّ، وشارك في بولندا في فترة النضال من أجل الاستقلال وفي عام 1930 ألمن الاسم البولندي، أي جعله ألمانياً، فتحول غاشميرشك إلى كاسنر. لم تتنكر انجيلا لأصولها البولندية أبدًا حيث ذكرت ذلك في عدة مناسبات وصارت علاقتها الأبوية ببولندا أكثر انتشارًا عند اصدار سيرتها الذاتية في عام 2013. كان الدين يعلب دورًا رئيسا في صحن هذه الأسرة لا سيما في هجرة والدها من ألمانيا الغربية إلى الشرقية، ولم يقف تحوله من الكَاثوليكية إلى اللوثرية أن يُمنح منصبَ القس، ودرس علم اللاهوت من قبل في جامعة هايدلبيرج وهي أقدم جامعة ألمانية. وفي عام 1954 تولَى والدها منصب راعي أبرشية في مدينة من مدن ألمانيا الشرقية. لذلك نشأت ميركل في ألمانيا الشرقية منذ انتقال والدها بسبب العمل وترعرعت في بقعة تبعد حوالي ثمانين كيلومترًا عن برلين الشرقية.
عُرف عن الأحزاب الماركسية بغضها ونفورها من كل ما هو دينيّ أو لاهوتي وذلك تلخصه المقولة المشهورة "الدين أفيون الشعوب" لذلك فقد كان والدها القس اللوثري مستهدفا ومراقبا من قبل الإشتازي (جهاز المخابرات في ألمانيا الشرقية) وكانت أنجيلا حريصة كل الحرص، انطلاقًا من هذه الخلفية وفي وقت مبكر ألا تجلب المشاكل على نفسها وأسرتها مخافة أن تعرض نفسها أو أسرتها لملاحقات هما في غنى عنها، وتغير الأمر فور سقوط جدار برلين في عام 1989، وكانت أنجيلا في تلك اللحظة باحثة ودكتورة في علم الفيزياء الكمية لا يشق لها غبار. فبدأت الرؤى تضح لها رويدًا رويدًا وسلكت طريقها في العمل الإنساني والسياسي لا تلوي على شيء.
السيرة الأكاديمية وما بعدها:
كانت أمها تحثها هي وأخواها على المثابرة والدأب في واجبات المدرسة قائلة لأنجيلا "إن لم تفعلي فلنيسمحوالكابدابدخولالجامعة"، وكذلك كانت الحال في ألمانيا الشرقية الماركسية التي تحكم فيها الحزب الحاكم في كل صغيرة وكبيرة وحتى في درجات الامتحانات والدخول إلى الكليات المرموقة بالجامعات وكم من مآسي حكتها سيرة هذا البلد. تعلمت أنجيلا خلال مسيرتها المدرسية اللغة الروسية وبرعت فيها وكانت تتحدثها بطلاقة، وحازت على العديد من جوائز التفوق فيها كما تفوقت أيضًا في المواد العلمية كالرياضيات والعلوم التطبيقية. وبعد أن أكلمت المدرسة التحقت بجامعة تيمبلين ومن بعد بجامعة لايبزيغ ودرست علم الفيزياء من عام 1973 إلى 1978. عملت أنجيلا ودرست في المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية في أكاديمية العلوم من العام 1978 إلى 1990 وتحصلت في هذه الفترة على درجة الدكتوراه عن أطروحة في كيمياء الكم. نشطت في عملها كباحثة وبطبيعة الحال كان شغلها الشاغل أن تشارك بأرواق عمل وأبحاث في المجلات ذات الصيت العظيم في مجالها. كانت أنجيلا في الأصل ترغب في أن تكون معلمة ولكنها لم تُعط الفرصة ذلك بسبب والديها، وتمكنت من دراسة الفيزياء بعد أن سُمح لها وهجرت صحن الأسرة لتبدأ مشوارًا جديدًا في مدينة تيمبلين شمالي برلين ومن بعد في مدينة لايبزغ حيث انقلب منوال حياتها رأسا على عقب.
دخلت في الفورإلى الحياة الطلابية التي تحفها العديد من الصعاب والتحديات وقبل كل ذلك تتيح الحرية، فاستمتعت بها أيما متعة لا سيما مع الزملاء الجدد ومن خلال الرحلات وأيضا بسبب الانشغال ببعض الوظائف الجزئية المؤقتة؛ وفي خضم هذه الأحداث المثيرة والحياة الجديدة تزوجت من زميل لها يدعى أولريش ميركل وكان يكبرها بعام وهي لا زالت تحتفظ باسمه رغم زواجها الثاني وقالت في شأن زواجها المبكر الآتي: "يبدوذلكحمقا … لكننيلماتجهإلىالزواجبالدرجةالكافيةمنالجدية."
شاركت أنجيلا بعد سقوط حائط برلين في حركة الديموقراطية المتنامية وانضمت إلى الحزب الجديد "الصحوة الديموقراطية". ثم عقب الانتخابات الأولى للأحزاب المتعددة في ألمانيا الشرقية صارت نائب المتحدث باسم الحكومة الانتقالية قبل إعادة توحيد الألمانيتين في عام 1990 واندمجت حركة الصحوة الديموقراطية فيالحزب الاتحادي الديموقراطي المسيحي في ألمانيا الشرقية، الذي انصهر فيما بعد مع نظيره في ألمانيا الغربية بعد إعادة التوحيد. وكان لحسن حظها أن شخصيتها تركت لدى المستشار هلموت كول أثرًا حميدًا، فهو الذي اكتشف قدراتها الهائلة وقتئذ وكان يروق له أن يلقبها "بالفتاة الصغيرة"،وأسندإليهامنصبينكبيرينفيوزارةالأوضاعالنسائيةثمالبيئةعام 1994. ويمكن أن نقول إنها كانت دائما في الوقت والمكان المناسب لا سيما عندما جاءت فضائحتمويلخفيمستالحزبالاتحاديالمسيحيالديمقراطيوتمكنت من أن ترأس الحزببدلًا عنمعلمهاهلموت كول وكان ذلك فيعام 2000. ورغمأنها في نشأتها وسليقتهابروتستانتية التوجه،فقدفرضتنفسهاعلىرأسحزبكاثوليكيمعظمقياداتهمنألمانياالغربية،ومنذذلكالحينتمكنتمنإزالةجميعخصومهاالمحتملينعنطريقها لا سيما فريدريش ميرس الذي بقي لها شوكة حوت حتى تمكنت من التخلي عنه، فترك السياسة نادمًا وحانقًا وسلك طريق العمل الاقتصادي فترة طويلة ورجع إلى محافل السياسة الآن عندما آن الأون لرحيل "الفتاة الصغيرة" وكلاهما من المدرسة الكولية.
أنجيلا والسياسة:
لم تتهافت أنجيلا على الانخراط في الحياة السياسية المفعمة بالصراع الحزبي والسياسي إلا بعد سقوط حائط برلين عام 1989 حيث شاركتفقط قبل شهرين من توحيد الألمانيتين. لقد تركت أنجيلا وظيفتها كباحثة لتنضم أولّه إلى جماعة سياسية تألفت من شخصيات محلية من محيطها القريب، وانطلقت بعد ذلك وبكل هدوء في مارثون السياسية الطويل، كانت مفاجأتها أن ترقت في السلم بفضل ذكائها الوقاد وبديهتها الحاضرة فضلًا عن أنها استطاعت أن تقوم ببعض التحركات التكتيكية التي أهلتها أن تتربع على كرسي المستشارة في عام 2005، وقد كان هذا النهج في غاية الوعورة والدراماتيكية فضلًا على أنه كان جديدا كل الجدّة عليها، خاصة بالنسبة لامرأة، تعتبر مواطنة من ألمانيا الشرقية، وقبل ذلك باحثة أكاديمية متمرّسة في مجالها فحسب ودون أي خلفيات عملية في مجالات القانون أو الخدمة المدنيّة.
ويتبادر للفرد منّا هاهنا سؤال جوهريّ: لماذا لم تُفصح ميركل علانية عن سبب تخلّيها عن مجالالبحث العلميّ والعمل الأكاديمي مطلقًا؟ وهل فارقها هذا التفكير والسليقة ومنهاجية العمل الأكاديميّ يومًا ما حتى وبعد تقلدها مفاتح الحكم بألمانيا؟ عُرف عنها يا سادتي تمعنها وتفكرها المتأني في قضايا السياسية الحرجة وطلبها الدائم لمشورة أهل العلم والخبراء وكل هذه الصفات لازمتها طيلة فترة حكمها وتعتبر ميزة أصيلة في عملية صنع القرار اليومية لديها. وفي كل فترات حكمها الرشيد كانت في تمام الوعي أنها تتعامل – رغم ما عرف عنها من حديدية وصرامة – أمام الشعب والملأ بكل تواضع ونكران ذات، وهذا ما كتبه لها الشعب الألماني في ميزان أعمالها، فهي لا تزال تحصل على الدعم المعنوي والسياسي طيلة الخمسة عشر عاماً في جمهورية حقّة وبلاد شهد لها العالم بالنجاح، رغم ما حدث من ويلات الحرب، لكن هذا البلد اعترف بما اغترف من ذنب تجاه الإنسانية قاطبة، وربما إن هذا الاعتراف الصريح وتحمل المسؤولية أمام المجتمع الدولي هو الذي يجسد عظمة هذا البلد الذي رافقت إجلاله وسموّه التاريخيّ إنجازات علمية خارقة للعادة وعقول جبّارة مستنيرة، مثل أينشتاين وكانط وجوته وفريدريس روكرت وكارل بروكل مان، وآخرون ممن صُرعوا وقتلوا بسبب النازية الهتلرية وسلبت إنسانيتهم أ وحرقت كتبهم ودمرت أسرهم عن بكرة أبيها، رغم ذلك لم يقفوا مكفوفي الأيدي، إذ سارعوا بعد أن تركت الحرب العالمية الثانية بلادهم حضيضا، وشمروا سواعدهم وبنوا منذ نهاية الحرب بلدًا صار أعجوبة في النضال والتفاني والإخلاص ونكران الذات. لم ينتظروا حكومة تنقذهم من براثن الفقر ولكنهم حملوا أقدارهم على أيديهم وقالوا أما الفقر وإما نحن وهانحنذا نقف الآن ونرى ما وصلت ألمانيا من رقي وشموخ بين الأمم.
أنجيلا … الحكمة … العلمية … واحتواء الكوارث:
لم يكن أبدًا بالأمر الصعب أو المستحيل أن يأمنها شعبها على قيادة سفينة الخلاص وسط أمواج المحيطات دونما خوف أو فزع أن تقذف بهم في غياهب طوفان جائحة لم يشهد لها العالم من مثيل. ساندوها ودعموها معنويًا وفكريًا، فكانت ألمانيا وعلماؤها هم رواد الابتكار في اختراع مصل يخلص العالم من جائحة كورونا وأثبت للكل أنها منصفة في معاملة أبناء البلد والأجانب على حد سواء، ذلك في الحقوق والواجبات ولقد رأينا أن البروفسير أغور شاهين وزوجته الدكتورة، وهما من أصل تركي، قد استطاعا مع مجموعتهم البحثية اختراق قلب الفيروس ووجود علاج ناجع له وكل ذلك لما كان حدث إن شاءت الأقدار وعاشوا في بلد من بلاد العالم الآخر.
لا تزال كورونا تفعل بالناس ما تريد، تقذفهم ذات اليمين وتسوقهم ذات الشمال، وحقيقة لا أحد يعرف بالضبط التحديات التي تنتظر هذا البلد، أو بقية العالم بسبب التطورات السريعة والغير منتظرة للعوامل التي تحرك هذه الجائحة. رأينا ما حدث الأيام الأخيرة في إنجلترا وكيف استطاع الفيروس أن يتحور إلى نوع أكثر خطورة. في خضم كل هذه الأحداث التي حركتها الجائحة بالإضافة إلى سوء العلاقات التي ولدها في السنين الأربع الماضية وجود رئيس اتسمت قرارته بالتلقائية وعدم الاكتراث وكان أحد الأسباب في تدهور العلاقات بينه وبين أنجيلا، رغم كل ذلك فهي تعي ما تفعل وتدبر قبل أن تنجز، ليسها كبعض الذين يعتبرون السياسة فيلما من أفلام هوليوود لا يمت للواقع بصلة لكنها وكما يقول الألمان في مثلهم "تقف بكلا رجليها على أرض الواقع"؛ عرفت بأنها صارمة في ترتيب المعلومات، صادقة في اعترافها عن ثغرات جهلها أو عدم إلمامها ببعضها، وقورة وحكيمة في تعاملها وأخذها وعطائها مع الناس، ومن هنا تكتمل لهذه المرأة كل المكونات التي تجعل منها شخصية تاريخية فريدة واستثنائية، لا سيما بقولتها التي أدخلتها في عام 2016 التاريخ من أوسع أبوابه عندما كانت أفواج اللاجئين الذين نزحوا بسبب الحرب تقف على أبوابها سائلة الأمان، فلم تتوان في أن تقول: مرحبًا بكم وسوف نقدر على كل التحديات ومجابهة هذه الكارثة.
سوف تخلد أنجلا اسمها في الذاكرة كأعظم سياسية أوروبية عرفتها ألمانيا، لأنها حافظت طوال فترة حكمها بأسس العلمية التي أدخلتها في حقل السياسة كعالمة من الطراز الأول، كما وأنها التزمت بكل ما تعلمته في سلك حياتها كباحثة في علم الفيزياء وطبعت بصمتها الشخصية في طريقة التفكير المنطقي المستند إلى الدلائل الحقّة في وقت يفتقد فيه العالم بأسره إلى صفات مثلها. لله درّها هذه الأنجيلا … سبحان مالك الملك في ملاك خلقه!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.