والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رزنامة الأسبوع: ثُعْبَانُ الحُلْم!
نشر في الراكوبة يوم 02 - 08 - 2021


الاثنين
سعدتُّ كثيراً بدعوتي للمشاركة في أعمال اللجنة العليا لمشروع عام محمَّد وردي 2022م؛ وأسعدتني أكثر الاستجابة المستنيرة التي أبداها دولة الرَّئيس حمدوك لتيسير تنفيذ المشروع، وأوَّل ذلك تشريفه بنفسه، وإلقاؤه، شخصيَّاً، كلمة رئاسيَّة في حفل التَّدشين الذي أقيم بقاعة الصَّداقة بالخرطوم، مساء السَّبت 24 يوليو 2021م. فالرَّاحل لم يكن مجرَّد موسيقار أو مغنٍّ عادي، بل انطرحت تجربته، منذ اطلالته الأولى في منتصف خمسينات القرن الماضي، كمشروع فكري وابداعي متكامل، عنوانه «الرُّومانسيَّة الجَّديدة»، على صعيد لغتي الأغاني، العربيَّة والنُّوبيَّة، وعلى صعيد موسيقاها والحانها. لذا لم يكرِّر، أو يقلد غيره، وإنَّما ظهر، منذ البداية، كنسيج وحده. ولعلَّ أبلغ دليل على ذلك أنه، بخلاف أكثر سابقيه، ومعاصريه، ومن جاءوا بعده، لم يردِّد أغاني الحقيبة، باستثناء واحدة، فقط، هي «قسم بي محيك البدري» التي أدَّاها تحت ظرف خاص، هو التَّحدِّي الذي استشعره، وفق ما روى لي هو نفسه، لمَّا سمع بعضهم يتَّهمه بعدم القدرة على أداء أغاني الحقيبة! بل إنه، للمزيد من «التَّحدِّي» والاستجابة ل «الاستفزاز»، وقد كانت هاتان الخصلتان من دوافع ومحفِّزات ابداعه الإيجابيَّة، لم يقدِّم تلك الأغنية بقالبها التَّقليدي، وإنَّما أعمل فيها عبقريَّة فكره الموسيقي، صقلاً وتجديداً، حتَّى حسبها الكثيرون من الأغاني الحديثة! ولعلَّه أعدى موسيقيِّين آخرين بطرح أعمالهم في سياقات مشاريع فكريَّة وابداعيَّة مصمَّمة بعناية تجديديَّة، فترسَّم خطاه، لاحقاً، فنَّانون مميَّزون مثل أبو عركي البخيت، ومصطفى سيد احمد، وعبد القادر سالم، على سبيل المثال.
مشروع وردي توزَّع على مرحلتين: مرحلة «الرُّومانسيَّة العاطفيَّة» حتَّى أواخر السِّتِّينات، قبل أن تتداخل معها مرحلة «الرُّومانسيَّة الثَّوريَّة» التي تلتها إلى ما بعد انتفاضة أبريل 1985م. في المرحلة الأولى ارتبط وردي بشعراء يصدرون عن «رومانسيَّة عاطفيَّة» صرفة، على رأسهم اسماعيل حسن الذي أنتج معه أغنيات أشبه ما تكون، من جهتي اللغة والألحان، بالجِّداريَّات الفخمة في التَّشكيل الكلاسيكي، ك «المستحيل»، و«نور العين»، و«لو بهمسة»، و«ذات الشَّامة»، و«بعد إيه»، مثلاً، حيث تجاوزت، بما لا يقاس، «رومانسيَّات» الحقيبة، وما بعدها، حتَّى منتصف السِّتِّينات. في تلك المرحلة درج وردي على أن ينتقي بنفسه، من قصائد مختلف أولئك الشُّعراء، ما يناسب مشروعه «الرُّومانسي العاطفي»، حتَّى لو عثر عليها منشورة في صحيفة يوميَّة، ك «الطَّير المهاجر» التي انتهجت، دون أن تقلد، المزج الباكر بين ملامح «الرُّومانسيَّتين»، كما في أغنية «ما هو عارف» الخالدة، شعراً وميلوديَّة!
محمد وردي
ذكر هذه الأهزوجة الخليليَّة الكبيرة يقودنا إلى المرحلة الثَّانية من «رومانسيَّة وردي»، وهي مرحلة «الرُّومانسيَّة الثَّوريَّة» التي شهدت ميلاد شعراء يكتبون، بوجه مخصوص، لوردي، وقد أطلق عليهم هو نفسه لقب «الشُّعراء الفلاسفة»، كمحجوب شريف، وعلي عبد القيُّوم، وعمر الدُّوش، ومبارك بشير، والتِّجاني سعيد، وغيرهم مِمَّن تتَّسق الدَّلالات الفكريَّة لقصائدهم مع ما رسخ في عقول ووجدان المتلقِّين من دلالات سياسيَّة ارتبطت بها قناعات الرَّاحل نفسه، وسيرته ومسيرته، كما ويتناسب التَّركيب المعماري لقصائدهم مع ذات التَّركيب المعماري لموسيقى أغنياته الكبيرة، من بداياتها إلى خواتيمها، من حيث المقدِّمات المطوَّلة، والإيقاعات المتنوِّعة، والكوبليهات الملوَّنة، والزَّخارف النَّغميَّة الدَّاخليَّة، مثل «بناديها»، و«جميلة ومستحيلة»، و«الحزن القديم»، و«عرس الفداء»، و«عرس السُّودان»، وغيرها.
مع ذلك ظلَّ وردي منتبهاً، إبان الانتفاضات، والثَّورات، ولحظات الانفجار الثَّوري عموماً، لضرورة ابداع ضرب متميِّز من الإنشاد الواقعي المباشر، إمَّا عن طريق اختياراته بنفسه، ك «أصبح الصُّبح» للفيتوري، و«أكتوبر الأخضر» لمحمَّد المكِّي ابراهيم، أو بالاشتراك مع أغلب «شعرائه الفلاسفة» المشار إليهم، وبوجه خاص محجوب شريف، كالأهازيج ذوات الطبيعة التي تتَّسق، تماماً، مع حالة الغليان في الشَّارع، بحيث تندغم، سريعاً، ضمن إيقاعات الهتافات والشِّعارات المرفوعة، فتُجلي ثوريَّتها، وترفع حرارتها، مثل «بلا وانجلا»، و«لهبك ثوريتك»، و«حنبنيهو»، وذلك على نهج أهازيج الخليل الثَّوريَّة المباشرة، مثل «الشَّرف الباذخ»، و«نيل الحيا»، و«نمشي المدرسة»، وغيرها.
الثُّلاثاء
حُقَّ للناس أن يتساءلوا: ما فائدة الكلام الكثير عن «استقلال القضاء»، و«سيادة حكم القانون»، إذا كان القاضي الذي يتولى محاكمة بعض قيادات الفلول يظلُّ، طوال الوقت، يتأتئ خوفاً، ويفأفئ رعباً، ويعرق، ويجفُّ، ويبلع ريقاً وراء ريق، ثمَّ ما يلبث أن يطلب إعفاءه من الاستمرار في نظر هذه القضيَّة وحدها، بينما الصَّحيح أن يقدِّم استقالته، ويبحث لنفسه عن «شَغَلَةٍ» أخرى لا تحتاج لشَّجاعةٍ أو قوَّةِ شخصيَّة؟!
الأربعاء
في الثَّاني من يونيو 2021م أصدرت اللجنة المركزيَّة للحزب الشِّيوعي وثيقة بعنوان «السُّودان: الأزمة وطريق استرداد الثَّورة»، نبَّهت في صدرها إلى إن بلادنا تمرُّ بظروف سياسيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، بالغة التَّعقيد، كنتيجة منطقيَّة «لعدم اكتمال ثورة ديسمبر، وعدم تحقيق أهدافها الأساسيَّة».
وفي العاشر من يوليو أصدر تحالف بعض قوى الثَّورة، وأساساً «الجَّبهة الثَّوريَّة + المجلس المركزي لقحت + حزب الأمَّة القومي» إعلاناً سياسيَّاً عن توحُّدهم حول ضرورة «إكمال أهداف الثَّورة»، والتَّغيير، والمشروع الوطني، وإصلاح الحريَّة والتَّغيير، استجابة لرغبة شعبنا، واعترافاً بأن «عدم اكمال هذه الأهداف» هو السَّبب في ما تعانيه بلادنا حاليَّاً.
أمَّا باقي الوثيقتين فتفصيل على ما ورد مجملاً. الشَّاهد أن الجَّانبين متطابقان في نقطة أساسيَّة هي أن «عدم اكتمال أهداف الثَّورة» هو «أخطر أسباب معاناتنا الرَّاهنة»، وأن «إكمال هذه الأهداف» يمثِّل «رغبة شعبنا الرَّئيسة» في الوقت الرَّاهن؛ ففيم، إذن، كلَّ هذا التَّباعد، دَعْ التَّباغض، بين هذه القوى؟!
الخميس
في الثَّالث من مايو الماضي أقامت منظَّمة لا أعرف لها أصلاً أو فصلاً تتخذ اسم «المبادرة الشَّعبيَّة لحراسة الثَّورة»، اختصاراً «مشعل»، ربَّما تيمُّناً ب «خالد مشعل»، زعيم «حماس» الاسلاموي المشهور (!) أقامت حفل إفطار رمضاني بصالة «دينار» الملكيَّة بالخرطوم، دعت إليه، كضيف شرف، الفريق أول محمد حمدان دقلو، النَّائب الأوَّل لرئيس مجلس السَّيادة الانتقالي، ربَّما اعتقاداً من قادتها أنه سيؤازر طرحهم السِّياسي. ففي كلمته في الحفل قال رئيس المنظَّمة، الاسلاموي المعروف الشَّيخ احمد الجِّد، ما لا يُمكن تصديقه عن هدف منظَّمته، وهو، كما ادَّعى، «حراسة الثَّورة والفترة الانتقاليّة»، مطالباً الحكومة ب «فكِّ الضَّائقة المعيشيَّة، وأن يخرج مؤتمر باريس بالاستقرار الاقتصادي للبلاد»! وطالب وليد محمد احمد، رئيس المكتب التَّفيذي للمنظمة، الحكومة بحسم موضوع «العلمانيَّة»، وبتوفير «الخدمات» المطلوبة للمواطنين، مؤكِّداً أن هدف المبادرة الأساسي هو مشاركة «أهل الدِّين والتَّصوُّف» في قضايا الوطن! هاتان الكلمتان تفضحان الطبيعة المشبوهة لهذه المنظَّمة، وتوجُّهاتها، بجلاء. على أن ضيف الشَّرف فاجأ مضيِّفيه بأن ألقى، بلهجة «زاجرة» أدهشت الكثيرين، كلمة على الضِّدِّ تماماً من رؤية المنظَّمة، حيث أعرب عن أمله في أن تكون هذه المبادرة «وطنيَّة خالصة وليس لها بعد سياسي»! كما طالب «رجال الدِّين والطرق الصُّوفيَّة» ب «عدم المساومة وعدم التَّلاعب بالدِّين»، لافتا إلى ملابسات الشُّحِّ في «خدمات المياه»، و«الجَّهد الذي تبذله الحكومة الانتقاليَّة في معالجتها»، وأن «قضيَّة العلمانيَّة ستُناقش في المؤتمر الدُّستوري»؛ وأن على رجال الدِّين شرح هذا الموضوع «بالمنطق والتَّبشير بالسَّلام»، مشدِّداً على أن «تقدُّم البلاد لا يتأتَّى الا بالدِّيموقراطيَّة .. عبر صناديق الاقتراع»، وداعياً «للتَّوحُّد حول قضايا الوطن، والانصراف عن التَّخذيل، والمراهنة على فشل الآخرين»!
وبعد، ظللت، قرابة الثَّلاثة أشهر، انتظر، بلا جدوى، أن تتَّخذ «الحكومة الانتقاليَّة» إجراء حازماً تجاه هذا النَّوع من «التَّمكُّن» الذي تمارسه الحركة الاسلامويَّّة عبر مثل هذه المنظَّمة، باسم «الثَّورة» نفسها، ومن باب «الاستهبال» المفضوح .. بلا أدنى حياء!
الجُّمعة
نبَّهنا في مناسبة سلفت إلى أننا نستخدم مصطلحي «اليسار» و«اليمين» مجازاً، وبحذر، إذ يقيننا أن كليهما عاجز، بوجه عام، عن توصيف حالتنا السُّودانيَّة، لا فكريَّاً ولا سياسيَّاً! الشَّاهد أن ما نريد قوله هنا هو أن الحزب الشِّيوعي، و«اليسار» في بلادنا، وفي المنطقة، عموماً، يجابهان مشكلات جمَّة، من أبرزها ثلاث على النّحو الآتي:
المشكلة الأولى: هي أنه، برغم فداحة التَّضحيات المبذولة تحت سنابك قمع الأنظمة الشُّموليَّة (عبود النِّميري البشير)، ظلت معظم جهود الحزب الشِّيوعي، كشأن «اليسار» العريض، تتركَّز على شكل الخطابات اللفظيَّة المطوَّلة، إمَّا في شكل بيانات وخطب مؤسَّسيَّة، أو في شكل دراسات ومقالات ينشرها الكتَّاب من قادة هذه المؤسَّسات، وكوادرها الفكريَّة. هذه البيانات، والخطب، والدِّراسات، والمقالات صادرة، أساساً، بالعربيَّة الفصحى، ومثقلة، بطبيعتها، بمصطلحات الأطروحات النَّظريَّة، أو بالتَّراجم الفصيحة لهذه المصطلحات، من اللغات الأفرنجيَّة، في شتَّى المعارف الفلسفيَّة، أو الاقتصاديَّة، أو السِّياسيَّة، أو حتَّى في مستوى المعارف الجُّغرافيَّة أو التَّاريخيَّة. لذا فهي عادة ما تكون عسيرة الهضم على جماهير الشَّعب التي تستشري في أوساطها الأمِّيَّة الأبجديَّة والفكريَّة بنسب مهولة، حسب البيانات التي توالي إصدارها، دوريَّاً، مؤسَّسات التَّنمية البشريَّة الإقليميَّة والدَّوليَّة. تُستثنى من ذلك، بصورة مخصوصة، وعلى نحو ملحوظ، نتاجات الفنون الشِّعريَّة التي تعتمد، عادة، الإيقاعات الشَّعبيَّة، ولغة الشَّارع الدَّارجة lingua franca، والتي رتَّبت لصعود أسماء ورموز مبهرة في أفق حراكات النِّضال الجَّماهيري، كمحجوب شريف والقدَّال وحميد في السُّودان، وصلاح جاهين واحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي في مصر، وغيرهم في مختلف البلدان العربيَّة. بل وقد يلاحظ، بشكل لا تخطئه العين، لجوء بعض أبرز وأهمِّ شعراء الفصحى، في السُّودان، إلى دارجة الشَّارع ينتجون بها أشهر مساهماتهم الشعريَّة في فكر الحركة النِّضاليَّة، كصلاح احمد ابراهيم، وود المكِّي، وعلي عبد القيوم، على سبيل المثال.
وإذن، يُفترض أن تشكِّل لغة الخطاب الثَّوري أحد أخطر الهموم التي تجابه حركة الفكر «اليساري» في بلادنا، بحيث ينبغي تقريبها من لغة الشَّارع، فبعض هذا مِمَّا سيتحدَّد به مستقبل هذا «اليسار» في المدَيَيْن المتوسِّط والقريب.
المشكلة الثَّانية: تتعلق بوجوب إدراك أن شرط صحَّة «الشِّعار اليساري» هو حسن استيعاب الجَّماهير لكونه يعبِّر عن «البرنامج/الموقف»، وإلا أضحى محض ترديد ميكانيكي لدلالات مضادَّة، أو، في «أفضل» الاحتمالات، محض ترديد لألفاظ بلا معنى محدَّد! لذا فالاستعاضة المجَّانيَّة عن «البرنامج/الموقف» ب «الشِّعار» هي مشكلة اخرى تجابه حركة «اليسار» في بلادنا، وضمنها الحزب الشِّيوعي. فوسائط إعلام الحزب، وادوات «اليسار» الدَّعويَّة، عموماً، قد تلجأ أحياناً، في سبيل تبسيط «البرنامج/الموقف»، وجعله في متناول فهوم الجَّماهير، إلى «الشِّعارات» تختزل بها «البرنامج/الموقف»، اعتقاداً بأنها يمكن أن تحلَّ محلَّه، وتقوم مقامه. لكن، بالنَّتيجة المؤسفة، ما يحلُّ، عمليَّاً، مع مرور الزَّمن، محلَّ «مضمون البرنامج/الموقف»، ويحلُّ محله، ليس هو «الشِّعار»، بل «رنين الشِّعار»، حتَّى ليطغى «إيقاعه» الخارجي على أيِّ مضمون له! وقد سمعت، بأذني، في مطالع السِّتِّينات، أحد سائقي بنك باركليز، وقد رفعه زملاؤه على أكتافهم، ذات مظاهرة بالمحطَّة الوسطى بأم درمان، ضدَّ اغتيال باتريس لوموممبا، يهتف بحماس، والعرق يتصبَّب من جسده: «موقف محرج يا لوموممبا»! مثلما رأيت، مؤخَّراً، مظاهرة شبابيَّة، بشارع الجَّامعة بالخرطوم، ترفع، ضمن ثورة ديسمبر، «شعار» المطالبة ب «العدالة الانتقاليَّة»، وتطلق، في نفس الوقت، هتاف: «الدَّم قصاد الدَّم ما بنقبل الدِّيَّة»! دَّعْ الطُّرفة الواقعيَّة الرَّائجة بأن أحدهم هتف، إبان ثورة أكتوبر 1964م: «تكتل طالب نكتل أمَّك!»، بدلاً عن «مقتل طالب مقتل أمَّة» .. ولا شكَّ أنه سمعها خطأ!
المشكلة الثَّالثة: هي أن الخطَّ السِّياسي السَّليم الذي ينبغي أن يتَّبعه الحزب، وباقي كيانات «اليسار»، وطنيَّاً ودوليَّاً، يستحيل أن يلتقى، في أيَّة نقطة من سياقه، مع خطِّ «اليمين»، بأيِّ شكل، وبأيَّة صورة. احتمال كهذا لا يمكن أن يرد إلا في حالة واحدة فقط، أن يفقد «اليسار»، بما فيه الحزب، بوصلته الفكريَّة نهائيَّاً، وتنطمس بصيرته السِّياسيَّة تماماً! غير أننا ينبغي أن نعي حقيقة كوننا مواجهين بضرورة حلِّ إحدى أخطر المعضلات التي تقذف بها في وجوهنا نتائج العولمة الإمبرياليَّة المستجدِّة، حيث فتح انهيار المعسكر الاشتراكي شهيَّتها كي تستغلُّ ظرف انفرادها ب «القطبيَّة الأحاديَّة»، لتميل، كلَّ الميل، نحو التَّدخَّل، في الصِّراع الدَّائر في بلادنا، إلى جانب الخصوم الطبقيِّين للجَّماهير الشَّعبيَّة، دون أن نغفل، في الوقت نفسه، عن أن شكلاً تاريخيَّاً من «تناقض المصالح conflict of interest» آخذ في التَّكوُّن، منذ حين، وبصورة جديَّة، بين دول هذه «القطبيَّة الأحاديَّة»، وبين «الخصوم الطبقيِّين» للجَّماهير الشَّعبيَّة، وفحواه تبنِّي هؤلاء «الخصوم» استراتيجيَّات شديدة الخطورة، تزعزع أمن نفس مفردات «القطبيَّة الأحاديَّة» التي يُفترض أن تكون حليفتها، وتهدِّد، بالتَّالي، مجمل أوضاع الأمن والسِّلم الدَّوليَّين. من ثمَّ فإن ظرفاً جديداً قد نشأ، وفرض تطوُّر العلاقات الدَّوليَّة والقانون الدَّولي باتِّجاه المزيد من التَّعاون الدَّولي للقضاء على المُهدِّد المشار إليه، منذ واقعة الحادي عشر من سبتمبر، الأمر الذي يُدخل في نطاق هذا التَّعاون قوى داخليَّة تمثِّلها جَّماهير شعبيَّة تتعارض مصالحها، بالضَّرورة، مع هذا المهدِّد!
السَّبت
البيان التَّوضيحي الذي أصدره ميرغني موسى، وزير النقل، بُعيد عطلة عيد الأضحى المبارك، من الخطورة بحيث يقفُّ له شعر الرَّأس، وتقشعرُّ الأجساد رعباً. فقد كشف عن جرائم تخريب متعمَّد طالت خطوط السِّكَّة حديد، بالثُّلاثاء 27 يوليو 2021م، فى الكيلو 73 قبل محطة «الرَّويان»، حيث جرى تفكيك وسرقة معدات تثبيت للخطوط، من بلنجات ومثبِّتات للفلنكات، مِمَّا نتجت عنه خلخلة مسار قطارات الرُّكاب والبضائع، الأمر الذي كاد يفضي إلى كارثة مأساويَّة، لولا عناية الله وانتباه سائقي قطار ركَّاب كان متوجِّهاً من محطة الخرطوم إلى محطَّة عطبرة، بسرعة 70 كيلو فى السَّاعة! وقد توالت وتيرة هذه الجَّرائم خلال شهر يوليو وعطلة العيد، إذ وقعت، أيضاً، سرقات للمثبِّتات على الخطِّ بين الباقير سوبا، حيث تمَّ حصر 1873 واقعة سرقة لبلنجات وأطقم مثبِّتات فلنكات خرصانيَّة، فضلاً عن فقدان معدَّات ومواد مماثلة بقسم القوز الكدرو.
تخريب السكك الحديدية
الوزارة وهيئة سكك حديد السُّودان أدانتا هذا العمل الجَّبان الذي يستهدف الأرواح، بالأساس، قبل تسبيب الخسائر المادِّيَّة؛ وناشدتا مجاوري الخطوط بالمراقبة، والإبلاغ الفوري للجِّهات الأمنيَّة والشُّرطيَّة لدى ملاحظة أيِّ نشاط تخريبي؛ كما شرعت الادارة القانونيَّة بالهيئة في إعداد مذكرة لوزارة العدل بهدف التَّوصية بتعديل القانون الجَّنائي لتشديد العقوبات على مرتكبي مثل هذه الجَّرائم الخطيرة.
مع ذلك، ورغم معارضتنا المبدئيَّة لتحويل «لجان المقاومة» إلى محض «لجان خدمات»، فليس بمستطاعنا أن نغضَّ الطرف عن مدى إمكانيَّة تنظيمها للمزيد من الجَّهد الشَّعبي في اتِّجاه الحيلولة دون وقوع هذه الجَّرائم مستقبلاً؟!
الأحد
الحُلم، علميَّاً، هو بعض عمل الدُّماغ البشري أثناء النَّوم العميق. ومعلوم أن الثَّعابين تمثِّل بعض زوَّار هذا الدُّماغ أثناء الحُلم. وتفسير ذلك ما يزال على نفس الدَّرجة من التَّعقيد التي عليها الدُّماغ نفسه، حيث ما يزال علماء النَّفس لا يعرفون سوى القليل جداً عن ذلك، أو ما زالوا، بالأحرى، مختلفين حوله! فبعضهم يرى أن ظهور الثُّعبان في الحُلم تعبير عن شيء سيئ؛ بينما يرى البعض الآخر هذا التَّصوُّر غير صحيح. وعموماً فإن أكثر هؤلاء العلماء منقسمون إلى مجموعات حول الأمر: الأولى، وفيها كارل يونغ، تفسِّر مجرَّد رؤية المرء ثعباناً في الحُلم بتحوُّلٍ ما سيحدث في حياته؛ والثَّانية تفسِّر رؤية المرء ثعباناً يعضُّه في الحُلم بخوفه من غدر ما؛ والثَّالثة تفسِّر رؤية المرء ثعباناً يطارده بمحاولته تفادي مهمَّة يشعر بأنه خدع فيها؛ والرَّابعة تفسِّر رؤية المرء ثعباناً يقوده في الطريق بتعرُّضه لإغراء ما؛ أمَّا الخامسة، وفيها سيغموند فرويد، فتفسِّر الحُلم بالثَّعابين، عموماً، بحياة المرء الجِّنسيَّة؛ وأمَّا باربرا كوندرون، المعروفة بمؤلفاتها حول الأحلام، فتحيل هذه الدَّلالات، كما فرويد، إلى شتَّى الارتباطات في لاوعي المرء.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.