كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تكييف المآلات الاقتصادية/الاجتماعية والسياسية لثورة ديسمبر المجيدة وأليات الحلول (1-4)
نشر في الراكوبة يوم 03 - 10 - 2021

2-7 تحديد المسئولية عن انقلابات التجزئة في الفترة الانتقالية
2-7-1 مسئولية المكوِّن العسكري وقحت الناعمة
من الحقائق المهمَّة التي لم ينتبه إليها الكثير من المحللِّين والدارسين، هِيَ أنَّ لجنة البشير الأمنية بقيادة البرهان، وهِيَ إخوانوية مائة بالمائة، لم تكن لتنحاز للثورة والثوار إلاَّ تحت ضغط كوادر الجيش الوسيطة وصغار الضباط، التي أمهلتهم 48 ساعة للتحرك السريع بعد أن اعتصم الثوار أمام القيادة العامة، أو بالعدم سيتم اعتقالهم والتحفظ عليهم ومحاسبتهم.
ومنذ تلك اللحظة التي تضافر فيها ضغط الثوار في الشارع خاصةً بعد مجيئهم لساحات القيادة العامة، وضغط كوادر الجيش الوسيطة وصغار الضباط من داخل القيادة العامة، كان هؤلاء الجنود المجهولون من كوادر الجيش الوسيطة والثوار المعتصمون، محطَّ التفكير والتخطيط المباشر لِلَجنة البشير الأمنية بقيادة السفاح البرهان، بغرض التصفية والإبعاد من الجيش للضباط، وبغرض فض ساحات القيادة العامة من المعتصمين.
وقد تكرَّست هذه الحقيقة في أذهان لجنة البشير الأمنية يوم حمى أشاوس القوات البحرية (حامد عثمان حامد ومحمد صديق وصحبهم الميامين) ظهر الثوار حين أمطرتهم عصابات المؤتمر الوطني بوابلٍ من الرصاصِ قادماً من جهة مبنى عمارة البشير الطبية.
لقد ذكرنا في المقالات السابقة أنَّ لجنة البشير الأمنية قد تولَّت أمر تصفية كوادر الجيش الوسيطة بنفسها (فصلت عدد كبير من رفاق محمد صديق، وشخصه الكريم، وأرسلت البعض لليمن، والبعض الآخر تمت تصفيته، ثم فصلت 32 ضابطاً من كوادر الجيش الوسيطة وصغار الضباط قبل أقل من عشرة أيام؛ أعلاهم رتبةً كان عقيداً، وستفصل بعد محاولة الانقلاب الوهمية الأخيرة عشرات من كوادر الجيش الوسيطة بالمدرعات الداعمين للتحول المدني الديمقراطي؛ والجرم مستمر على كوادرنا الوسيطة للأسف)، وقد اختارت لمن يعمل وسط الثوار أُناساً خارج دائرة اليسار الجذري، بل هم أقرب لشرائح رأس المال التقليدية أو منشقة عنهم إن لَّم يكونوا كاموفلاجات لها، ليقوموا بمسألة الانحراف بالثورة ترقيباً وترهيباً ومخادعةً في أحيان كثيرة.
وبالتالي لم تكن لجنة البشير الأمنية بحال من الأحوال شريكاً في التغيير كما تدعي أو يدَّعي متعهدو النِّفاق السياسي من المدنيين الذين اقتربوا من هذه اللجنة وخادنوها. بل هي في الحقيقة أول من شرع في عملية تصفية الثورة بانقلابات التجزئة.
وعليه أول من يُسأل أخلاقياً عن وتيرة وتسلسل انقلابات التجزئة أعلاه، هو لجنة البشير الأمنية (لاحقاً المُكوِّن العسكري) ومن نصَّبَ نفسه مفاوضاً بين جماهير الثوار في ساحة الاعتصام مع هذه اللجنة (لاحقاً قحت الناعمة). وكما قلنا من قبل، أنْ لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا تمَّ بين المفاوضين الذين يشغلون اليوم معظم وظائف الفترة الانتقالية ولجنة البشير الأمنية، وقلنا أيضاً سنستجلي ذلك بالتحليل الدؤوب المثابر والطويل النَّفَس للخطاب السياسي والشفاهي لنموذج الشراكة المدني – العسكري القلِق، خاصةً في لحظات الاختلاف بينهم، حيث كلُّ إناءٍ بما فيه سينضح.
وكما ذكرنا من قبل أيضاً، فقد أُوكِلَتْ لقحت الناعمة مهمة مركزية هِيَ إبعاد اليسار السوداني الجذري من المشهد الانتقالي بأيِّ وسيلة من الوسائل ولا بأس بالبعثيين. ومن أملى ذلك عليهم، هم درابنة النظام السابق في شخص المُكوِّن العسكري و"عسكوطفيلياته"، والليبراليين الجدد في الداخل والخارج، ورغبة المفاوضين أنفسهم في أن يحتلوا أو يقودوا السودان من موقع الهيمنة الجديد. وينبني كل ذلك بطبيعة الحال على ملموس تتبعناه لفترة طويلة مفاده أنَّ:َ "شرائح رأس المال وكاموفلاجاتها لا تُقصي بعضها البعض إقصاءاً نهائياً في لعبة السياسة".
وبالفعل قد بدأت قحت الناعمة في قتل الروح المعنوية للثوار بالتطويل المتعمَّد والمدفوع القيمة، وبالإخفاقات المتكررة في إنجاز حكومة مدنية تلبي تطلعاتهم، وبالاتفاق المسبق على تشتيت هذه الجموع ليبدأ الشركاء الجدد في تنزيل نموذج حكم يلبي تطلعات من يتنافسون على موضع الهيمنة الجديد، وبالتجاهل التام لتتبُّع أحوال كوادرنا الوسيطة التي دافعت عن ثوارنا والتنسيق معهم لضرورات المرحلة رغم مناشدتنا المتكررة لهم.
وما يدفعنا لترجيح هذا المنحى في التحليل هو عدم وجود سبب واحد "يتيم"، يجعل الثوار أصحاب الجماهير الغفيرة واليد العليا والقدح المُعلَّى في التغيير يقبلون بدَنِيَّةِ التغيير؛ ولكن ذلك قد حدث على أيِّ حال، والمرجَّح أنَّه قد حدث بسبب تبدُّل أخلاق المفاوضين (ربما بالترغيب والترهيب والمخادعة وغيرها). وما يُعضد هذا الاتجاه في التحليل أيضاً هو استعجال المتآمرين المتنافسين على موضع الهيمنة لتحويل هذا التآمر المتَّفَق عليه، من فعل غيبي إلى فعل مادي. وهذا الفعل المادي قد بدأ شريراً للأسف في يوم 07/04/2019، يوم قتلت لجنة البشير الأمنية 25 ثائراً وعسكرياً أمام بوابة القوات البحرية، ثمَّ توالت الهجمات حتى وصلت ذروة مأساتها في عملية فض الاعتصام في 03/06/2019، حيث قتل المتآمرون من شبابنا أكثر من 2700 شهيد (بحسب الإحصاءات الأمريكية) أمام القيادة العامة وما انفكَّوا يفعلون.
ولعلَّ تنزيل ذلك النموذج على الأرض، كان من الممكن أن يكون أكثر فداحةً على الثوار واليسار الجذري فيما بعد، لو لا بقاء جذوة الثورة حيةً، وإصرار الثوار وتجمُّعُهِم وكرَّتُهُم تارة أُخرى على المتآمرين في أكبر مظاهرة طوفانية عرفتها الإنسانية في 30/06/ 2019 (يا نجيب حقهم يا نموت زيَّهم).
ومن وقتها أمعن المكوِّن العسكري الفلولي في التجزئة على نار هادئة، وطفق المتآمرون يتكالبون من جديد على ثورة الوطن الوسيمة، تحفهم الوفود الأفريقية والعربية والعالمية والأممية، ليُصيغوا فيما بعد وثيقتين دستوريتين إحداهما فوق الطاولة والأخرى تحتها، وفي غفلة من الزمان تُغيَّب الوثيقة المتفق عليها ويُجاء بالمحرَّفة، فيتمُّ التوقيع عليها وينتهي الأمر على هذا النحو الذي ذُبِحَ فيه ما تبقَّى لقحت الناعمة من أخلآق.
2-7-2 كِفل رئيس وزراء السودان في الانقلابات على الدولة المدنية
إذا كان هناك ثمة شئ يجب أن يُشكر عليه د. عبد الله حمدوك، فهو شجاعته وقبوله أن يكون رئيساً للوزراء في السودان عقب أفسد نظام حكم عرفته الإنسانية، وفي ظل ما ذكرناه بعاليه من عوج الثورة الخديج المُتآمر عليها من الداخل والخارج. وفي الحقيقة قد عقد السودانيون على حمدوك كلَّ آمالهم، وأيَّدوه تأييداً لم يُحظَ به رئيسٌ في السودان من قبل. والرجل من الناحية الأكاديمية والمهنية والأخلاقية أهلٌ لكلِّ ذلك، ولكنه من حيث الشكيمة وقوة الشخصية والكارزما ومنازلة العسكر قد أفجعنا وكاد يُضيَّع علينا ما تبقَّى من الثورة الخديج تلك.
فيا سعادة دولة الرئيس حمدوك، يوم قلتَ بعد أداء القسم "أنَّك من اليوم فصاعداً رئيس لكل السودان"، استبشرنا خيراً بأنَّ الرجل يحمل في جُعْبَتِهِ حلاًّ كاملاً لكلِّ مشاكل السودان في إطار مشروعه الوطني الذي لطالما بشرنا به (وبشرنا آخرون بنظائر أُخرى له). ولكن حينما تقدمنا معك وجدناك تتنازل من صميم ما هو حصري لك كرئيس وزراء السودان للمكوِّن العسكري (اللجنة الأمنية للنظام السابق المناصرة حتى اللحظة لعناصره) على حساب الدولة المدنية وأحلام الشباب وتطلعاتهم للحرية والسلام والعدالة؛ وذلك تنازلٌ في لا ضرورة، وأنت عندك من الشباب القائل (أُكرِّر): "لو خضتَ بنا هذا البحر لخضناه معك".
فأولاً، يتجسَّد قولنا بعاليه في سلام جوبا الذي هو من صميم عمل رئيس مجلس الوزراء، ولكن المكوِّن العسكري اختطفه منك ولم تنبُسْ بِبِنتِ شفة. ولما اختطفه منك كان الغرض الحصري من ذلك هو تطويل زمن التفاوض لأطول فترة ممكنة من شأنها أن تُعطِّل قيام المحكمة الدستورية التي سوف تبِتْ في قضايا الإعدام بالنسبة لقتلة الثوار، والمجلس التشريعي الذي يجب أن يتم تشكليله في غضون 90 يوماً (أي بعد 30 يوماً من الزمن الحقيقي المضروب لتحقيق السلام وهو ستة أشهر)، والذي يجب أن ينظر في شرعية ولا- شرعية الكثير من القوانين والقرارات الصادرة في الفترة الانتقالية.
ولما أوشك السلام على الانتهاء، مازال المكوِّن العسكري يتغوَّل على صميم مهامك الوظيفية، وذلك حين أعلن عن قيام مجلس شركاء السلام، وهو مجلس زنيم لم نرَ له أيَّ ضرورة غير الإمعان في تعطيل قيام المجلس التشريعي، بالقدر الذي بدأت معه بعض الحركات المسلحة ستتنكر قيامه بعد قيام مجلس شركاء السلام خاصةً في اجتماعاتهم المغلقة (تقرير هبة محمود سعيد: الراكوبة 22 نوفمبر 2019).
ثانياً، إذا كان الوثيقة الدستورية الشائهة قد أعطت المكون العسكري الحق (وهو حق حصري لرئيس وزراء السودان ذهب للمكون العسكري لغباء المشرِّع أو تآمرِه) في اختيار وزيري الدفاع والداخلية كأشخاص (وقطعاً سيكونون من عناصر النظام السابق)، فأنت المسئول الأول عن صرف الأوامر للوزارتين وتسييرهما ومتابعة وتقييم أدائهما ومحاسبتهما، وفصل أفرادهما من الخدمة إن شئت. فوزير الدفاع وأعلى سلطة موجودة في الجيش السوداني تتبع لك حصرياً، وليس لأيِّ جهة أُخرى.
وبالتالي كيف تسمح بأن يسحب المكون العسكري عناصر الجيش والشرطة من حراسة لجنة إزالة التمكين والعقارات المستردة من عناصر النظام السابق دون مساءلة، والأمر في حقيقته تمرد بالكامل على صلاحيات رئيس مجلس الوزراء وقراراته؛ بل هذا انقلاب بالكامل على سلطاتك وأنت مسئول من استمراره.
ثالثاً، وكما قلنا في مقالات سابقة، فإنَّ قرار الحرب قرار دولة وأنت رئيس الدولة؛ وليس بقرار مكون عسكري، ولا بقرار مجلس الأمن والدفاع، ولا بقرار رئيس مجلس السيادة. وهو في مدنيتنا الخمسمشكل هذه يُتَّخَذ بثلثي أعضاء مجلس الوزارء ومجلس السيادة مجتمعين. وكم أعجب كما عجبتُ من قبل ومازال عجبي قائماً، في أن يُعلن السفاح البرهان الحرب على إثيوبيا من غير علمك ومن غير موافقة المجلس التشريعي، بل أنّهَ أعلنها وأنت في زيارة رسمية داخل إثيوبيا بكل ما يحمل تصرفه من لامبالاة ودون مراعاة لأمنك الشخصي وأمن الوفد المرافق لك؛ وإلى الآن لم نرَ أيَّ تحقيق عام أو مساءلة لمجترِح الحرب ومن معه من قِبَل شخصكم الكريم في هذا الصدد.
هذا الحدث والحدث الذي قبله في ثانياً أعلاه (أنا لم أتحدث بعد عن محاولة اغتيالك التي أصبحت مثل التحقيق في عملية فض الاعتصام) فيهما تمرد على رئيس الدولة يستوجب اعتقال اللجنة الأمنية للبشير برمتها ومحاسبتها واستبدالها بمكون عسكري آخر من مؤسسة قوات الشعب المسلحة متناغم مع روح الثورة وداعم للتحول المدني الديمقراطي وبناء الدولة المدنية المكتملة الأركان، وليس مسخَّراً لتقويضها ليل نهار.
رابعاً، تعلم أنَّ سفاحي لجنة البشير الأمنية يتخوفون من قرب أيلولة رئاسة مجلس السيادة للمكون المدني، الذي سيشكل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية لا محالة، والذي ربما يعيد النظر في كثير من تشريعات الحكومة الانتقالية الخرقاء بفعل صنيع المكون العسكري الإخوانوي كما جاء بعاليه. وبالتالي إلتحام المكون العسكري الإخوانوي بحاضنته الإخوانوية في 02/10/2021 بقاعة الصداقة على حساب الشريك الأصيل في الوثيقة الدستورية هو انقلاب مكتمل الأركان، ويجب أن يرفع لمجلس الأمن الدولي فوراً وشركاء السودان، وأنت مازلت تقوم بدور أجواد الخير.
وفي الحقيقة لا فرق بين ما قام به الفلولي تِرِك في شرق السودان من تخريب الموانئ والطرق والمطارات لإعاقة الدولة المدنية، وتعطيل خط السكة حديد في عدد من المناطق لكي يصل قطار ثوار عطبرة، وذلك الصنيع القذر الذي قام به برطم في قفل طريق أمدرمان دنقلا حلفا عند مدينة الدبة؛ وبين ما يقوم به المكوِّن العسكري الفلولي من انقلابات بالتجزئة (آخرها ما حدث في قاعة الصداقة) لكي لا يصل المكون المدني لرئاسة مجلس السيادة والمدنية الصِّرفة للدولة في نوفمبر القادم.
وأخيراً يا دولة الرئيس حمدوك: وزيرة خارجيتك التابعة حصرياً لك تُؤمر بدعوة السفراء والبعثات الدبلماسية من وراء ظهرك من قبل جهة غير مخوَّلة البتَّة بذلك، وأردولك الفاسد الذي يعمل ضدك، ووزير ماليتك الفلولي وابن الفلول يعادي مدنيتك ويُعطِّل كل قرارات لجنة إزالة تفكيك التمكين بوزارة المالية لأنَّها تمس عناصر تنظيمه الفلولي؛ والكل في منصبه حتى الآن (كيف تأمنهم على أمال الدولة المدنية)؛ وأنت مازلت تمارس دور أجواد الخير؛ أين المؤسسية يا رعاك الله.
فيا عزيزي دولة الرئيس حمدوك (ويا كل الأعزاء من دعاة المصالحة الوطنية والمشروع الوطني)، ربما أنَّكم تستأنسون في مشروعكم الوطني بفتح مكة، والكل يريد أن يكون أخاً كريماً وابنَ أخٍ كريم (رئيس لكلِّ السودانيين)؛ ولا تثريب. ولكن لا تنسَوْا أنَّ رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد قال في شأن عتاة مجرمي مكة الأربعة: "والله لن أتركهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة" – معني الحديث.
ولما كانت العبرة في مثالنا أعلاه ليست بالعدد بقدر ما هي مرتبطة بالإجرام والعداء السافر والتآمر على الدين الجديد آنذاك؛ وفي واقعنا السوداني الإجرام والعداء السافر للثوار المدنيين العُزَّل (وقتلهم وسحلهم وإغراقهم في النيل واغتصاب بعضهم) وللدولة المدنية والتآمر عليها الذي وصل حد محاولة اغتيال رئيسها والمحاولات الست العسكرية للانقلاب عليها؛ لكلِّ ذلك كان لابد من تنظيف الخدمة المدنية والعسكرية وكل القطاعات العامة والخاصة من عتاة حراس المعبد القديم (درابنة النظام القديم كما يقول د. قصي همرور) وإن تعلقوا بأستار الكعبة؛ المجرمين الذين يعيقون التحول للمدنية كأمثال أفراد المكون العسكري الشاخص الآن، وخط الثورة الموازي للتحول المدني من أمثال هجو وبرطم والجاكومي وأردول ومريم ومناوي وتِرِك وغيرهم من المدسوسين الذين بدأ ينكشف أمرهم في اجتماع يوم الثاني من أُكتوبر 2021 بقاعة الصداقة.
وإذا لم تقم بذلك التنظيف يا دولة الرئيس (وهو واجب ديني كما استنَّه حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم) فإنَّك ستذبح ثورتنا من الوريد إلى الوريد. ونحن لن نسمح بعد اليوم لسفاح ولا لمخادن للسفاحين أن يُملئ علينا وفاقاً أخرقاً ولا مصالحة وطنية مِلئها الغبن والإحن من غير محاكمات عادلة، ولن نجلس من الآن فصاعداً مع من قتل أبناءنا تحت سقف واحدٍ أبداً، ويجب تغيير المكون العسكري السفاح الحالي هذا ومن يُشايعه من المدنيين، بمكون عسكري آخر شريف (وما أكثر العسكريين الشرفاء المنحازين للثورة داخل قوات الشعب المسلحة) منحاز للدولة المدنية والتحول الديمقراطي وليس منحازاً لأعدائها؛ رُفِعَتْ الأقلامُ وجَفَّتْ الصُّحُف.
خاتمة
على كوادرنا الوسيطة المنحازة للدولة المدنية الديمقراطية داخل مؤسسة قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية الأخرى، أن تكون جاهزة لاعتقال المكوِّن العسكري المجرم وبقية أعضاء لجنة البشير الأمنية المجرمين متى ما صدرت الأوامر لهم من رئيس الوزراء الحالي أو من يخلفه. فهؤلاء القتلة السفاحون لابدَّ أن يمثلوا أمام القضاء العادل الشفاف والنزيه بما اقترفت أياديهم في حق أبنائنا في ساحات الاعتصام وغيرها. وعليهم أن يكونوا جاهزين لانتخاب مكوِّن عسكري داعم للتحول المدني الديمقراطي فيما تبقى من عمر الفترة الانتقالية.
يُتبع …
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.