الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ هل السودان هو الأجابة واقعاً؟
"نعم لتفكيك التمكين، لا للشراكة معه و إصلاحه"


منظور قُطري لقضية عالمية معقدة
أحمد محمود أحمد
*ماذا عن هذا المقال*:
هذا المقال يحاول أن يجيب علي سؤال تم طرحه قبل أكثر من مئة عام و هو المتصل بتخلف و تراجع المسلمين..يقدم هذا المقال اجوبة علي هذا السؤال بعد ان يناقش علاقة المسلمين بالغرب و يكشف تنميط الغرب للشرق عبر مدرسة الاستشراق ذات الرؤية الاستعمارية..المرتكز الذي يقوم عليه هذا المقال يرتبط بالإجابة علي سؤال التخلف عبر تجربة اسلامية تحققت في أرض الواقع و هي تجربة حكم الإسلاميين في السودان و التي انتهت بتدمير السودان نفسه و اجابت علي سؤال لماذا تأخر أو تخلف المسلمون…المقال يتأسس علي ثلاثة محاور: محور تاريخي و محور مفاهيمي ثم اخيرا المحور المرتبط بالنموذج..
*رؤية تاريخية لعلاقة المسلمين بالغرب*
السؤال المعنون به هذا المقال لم يطرحه كاتب المقال أنما طرحه و في العام 1906 المفكر اللبناني الراحل شكيب أرسلان و الذي هو سؤال الحائرين، لماذا تأخر المسلمون قياسا بغيرهم… و هو سؤال صعب نتج عن انفتاح المسلمين علي الغرب و بالذات بعد الحملة الفرنسية علي مصر و بروز التناقض في الحالة التي يعيشها المسلمون قياسا بالغرب و الذي غزا مصر لأنه كان متفوقا علميا و تكنولوجيا و مرتبطا بفكرة التوسع علي حساب الآخرين..لقد حاول السيد شكيب أرسلان الأجابة علي ذلك السؤال عبر كتاب أتخذ ذات السؤال و لم يقدم اجوبة حقيقية غير فكرة العودة أو النكوص نحو تجربة الإسلام في الماضي و تبرير هذا التخلف نتيجة للبعد عن الإسلام و تحديدا البعد عن فكرة الجهاد..الخطير في الأمر أن المسلمين لم يكتشفوا درجة هذا التأخر و التخلف ، الا بعد ان احتكوا بالغرب و نظروا اليه بأعتباره رمزا للتقدم، و الاخطر ان المنظور الذي صاغه الغرب تجاه المسلمين اصبح هو المنظور الذي يحاكم به بعض المسلمين أنفسهم، و لم يستطيعوا صياغة منظور يقع داخل الذات و بالتالي الامساك بقوانين الواقع و من ثم أكتشاف الخلل في تجربتهم المعاصرة… و لهذا نجد حتي رواد النهضة ضمن المشروع العربي- الاسلامي كانوا ينظرون لمشروع النهضة ضمن القياسات الاوربية لكن ضمن منظور ديني يفتش للحلول في الماضي، و لهذا فمفكر كمحمد عبده عندما ذهب للغرب قال مقولته الشهيرة بأنه قد وجد الاسلام و لم يجد المسلمين ، و هنا يتم ترحيل الزمان نفسه نحو الغرب، اي زمان الاسلام ، و يصبح الغرب في هذه الحالة مجسدا لأزمنة الإسلام ضمن نسقها العالي، لكن مع تغييب المسلمين أنفسهم اي تغييب البعد البشري الحامل لهذا الدين ، و طالما الغرب قد أنجز محتوي الاسلام حيث كل شيء كامن في هذا الاسلام اذن فلنجلب كل ما هو غربي و تصبح هي بضاعتنا التي ردت إلينا كما باتت بعض تيارات الاسلام السياسي تردد ذلك..من هذه الزاوية اي زاوية التبعية و زوايا اخري عديدة يمكن النظر لمدارس الأستشراق الغربية و كيفية تنميطها للمسلمين، و لنأخذ مثالا من ذلك و من خلال منظور طرحه المستشرق الفرنسي ارنست رينان في جامعة السوربون 1883 و قال فيه الآتي(ان الاسلام كدين و العرب كشعب يتسمان بالعداء للعلم و الفلسفة و ان وجد اي منجز عربي أو اسلامي في هذين المجالين فقد تم رغم انف الاسلام و علي ايدي أناس ليسوا عربا و ليسوا مسلمين في الغالب، و أنما ينتمون لشعوب غزاها العرب و المسلمون، و بمجرد ان نجح العرب في فرض سيطرتهم مجددا و استعاد الاسلام قوته محقت هذه الانجازات و ظهرت الروح الحقيقية لكليهما العروبة و الاسلام و التي تتسم ب كراهية العلم
(1)..
هكذا تصور بعض الغربيين و أقع العرب والمسلمين ضمن هذا التنميط المخل، و هذا الجانب قامت به مؤسسة الاستشراق ذات البعد الاستعماري و التي حاولت تزييف تاريخ المسلمين و النظر للشرق عموما كحيز جغرافي تم تجريده من التاريخ..و الملاحظ ان اهم من تصدي لتلك المدرسة الاستشراقية و الغربية عموما كان من المسيحيين العرب و التي مايزت بين الواقع الاوربي و العربي و الاسلامي حيث نقرأ لميشيل عفلق التالي( اننا نري ان البلاد العربية لا تشبه في شيء حالة الأمم الغربية في مطلع القرن التاسع عشر، فهي اي الأمم الغربية قد انهت دور تشكلها و استكملت شروطها و دخلت في دور جديد من التوسع، و من ناحية اخري فالبلاد العربية ليست في حالة الأمم الغربية من حيث المحافظة الروحية و الفكرية او الأجتماعية
(2)..
كما ان المفكر الفلسطيني- الامريكي الشهير إدوارد سعيد قد قام بتفكيك مدارس الاستشراق جميعها و كشف طبيعتها و منظورها السلبي و لفت الأنظار في الغرب و قبل الشرق الي الدور التهديمي الذي قامت به هذه المدارس تجاه شخص و تاريخ الشرق عموما و العرب و المسلمين علي وجه الخصوص..كما ان جوزيف مسعد في كتابه اشتهاء العرب قد فند الرؤية الغربية تجاه العرب و بالذات حول المنظور الجنسي الذي ينمط به بعض الغربيين الشرق عموما و العرب اختصاصا، و هذه مجرد أمثلة للمفكرين العرب المسيحيين الذين واجهوا المنظور الغربي، و هذا لا يعني ان ليس هنالك مفكرين اسلاميين قد واجهوا هذه الظاهرة لكن ظاهرة المفكرين المسيحيين اعمق تجذرا لأنها تجاوزت المفهوم الديني المتشابه مع الغرب و انتصرت للبعد الأنساني أو القومي في تجربة العرب و المسلمين..الجانب الغير مطروق كثيرا في علاقة الغرب و الشرق هو ان الشرق قد تميز بالأنتباه مبكرا الي ثلاثة مرتكزات مهمة و قبل أن يوجد الغرب نفسه الا في اطار قبائله المتناحرة..هذه المرتكزات ترتبط بقضية العدل و الحرية و المساواة و قد طرحتها كافة الاديان التي ظهرت في منطقة الشرق سواء كانت سماوية او غير ذلك ، و حتي المسيحية و التي تطور علي أساسها الغرب و بالذات عبر الصراع الذي انتجته و بالتالي بروز المذهب البروتستاني و الذي قامت الرأسمالية علي مبادئه، و كذلك استنادا لفكرة التجسيم و التجسيد المسيحيتين للألاه مما يشير ذلك الي حضور مادي يغذي الذهنية المعتنقة للمسيحية مما يقود لتلمس الأشكال المادية في الحياة و هذا ما قام به الغرب عبر تجربته… اقول حتي هذه المسيحية هي منتج شرقي و لم تنشأ في مجال الغرب..لقد تميز الغرب عن الشرق عبر التطبيق الواقعي لهذه المفاهيم التي نادي بها الشرق عبر آلاف السنين حتي بأشكالها الدينية، حيث ان الأنبياء هم في الأساس مصلحين اجتماعين، هذا اذا اخضعنا الدين لطبيعته البشرية النسبية.. كما ان الحضارات التي نشأت في الشرق كان لديها اساس مادي و روحي ، و هذا البعد لم ينتبه اليه المسلمون و انتبهوا للتجربة الغربية و اصبحوا يدورون في فلكها و يقبلون حتي بأسس التنميط الغربي لهم في بعض الحالات..هل يرمي هذا الحديث الي القطيعة مع الغرب ؟ هذا الحديث لا يدعو للقطيعة مع الغرب لكن يحدد الطريقة التي من المفترض ان يتم التعامل بها مع الغرب و هنا استلف مقولة كارل ماركس و التي يقول فيها( يمكن لكل امة بل ينبغي عليها ان تتعلم من الأخري، و حتي عندما يضع مجتمع ما اقدامه علي الطريق السليم نحو اكتشاف القوانين الطبيعية لحركته لن يستطيع إزالة العقبات الراسخة في المراحل المتتابعة لتطوره الطبيعي لا بالقفزات الجريئة و لا بتطبيق القوانين، كل ما يستطيعه هو إختصار الام المخاض او التخفيف منها
(3)..
و هذا يعني ان طريق التطور و النهضة صعب و معقد و يحتاج أكثر من التعلم من الآخرين و الانتباه للذات و للواقع و المحاولة الجادة لمعرفة طبيعة و قوانين الصراع ضمن الواقع المحدد..و فق هذا المنظور و المرتبط بالنظرة للغرب او ردة الفعل تجاه الغرب فيمكننا تحديد ثلاثة اتجاهات قد تبلورت عبر العلاقة الطويلة مع الغرب و هي:
1-الاتجاه السلفي الذي تظاهر برفض الغرب كلية و ذهب للبحث عن الحلول في الماضي دون ما أدوات، و قد اصبح مجال اعاقة في تطور الواقع العربي – الاسلامي..و هذا العقل يمكن ان نطلق عليه عقل النقل المنفعل..
2- الأتجاه التغريبي الذي تماهي مع الرؤية الغربية ناظرا للإصلاح في الواقع الاسلامي ضمن محددات و تصورات الرؤية الغربية و هذا هو عقل التجاوز..
3- الأتجاه الثالث: هو الأتجاه العقلاني الذي حدد موقفا من الغرب ضمن تجلياته التوسعية الاستعمارية، و لكنه لم يهمل التجربة الحضارية للغرب و التي نظر لها من خلال منظور إنساني عام يستوعب تداخل الحضارات و التعاطي الإيجابي معها، حيث اخذ الغرب نفسه من الحضارة العربية الاسلامية..كما حدد هذا التيار موقفه تجاه الماضي من زاوية ان الماضي يمكن العودة اليه ضمن قضية الوعي بالتراث و توظيف الإيجابي فيه من أجل مشروع النهضة..لقد رفض هذا التيار سلطة التراث و سلطة الغرب معا و لكنه لم يرفض التعامل معهما ضمن منظور علمي يخضع كليهما لمتطلبات الواقع و ضرورياته، و هذا العقل هو العقل العلمي الجدلي….و ضمن هذه الأتجاهات فقد كان حظ السودان الأتجاه الاول، اي الاتجاه السلفي النكوصي و هذا ما نحاول تفصيله و من ثم الأجابة علي سؤال لماذا تأخر المسلمون، لكن هذه المرة وفقا للواقع المجسد..
*السودان و الأجابة الصادمة*
يمكن و دون الاستغراق في التاريخ ان نقول أن تجربة السودان من حيث الإسلام هي التجربة الصوفية..و هذه التجربة و في الغالب ترحٌل قضايا الحاضر الي الآخرة و ليست مهمومة بالغوص في الواقع و لكنها غير متزمتة او متعصبة، و لهذا فعند معاينة تجربة الحكم في السودان و قبل تجربة حكم الإسلاميين، فأننا نجد ان السلطنة الزرقاء و هي اول سلطنة إسلامية في السودان منذ العام 1504 و حتي العام 1821 كانت محورها هو الشيخ او الفكي- الولي و لهذا لم تقدم إجابات حقيقية لواقعها حتي قضي عليها محمد علي باشا حاكم مصر حينها..اما الثورة المهدية و دولتها منذ عام 1885و حتي عام 1898 فبالرغم من قوة و مضمون هذه الثورة التحرري من الاستعمار، فلم تستطع بناء تجربة وطنية متماسكة و كانت أثيرة ظروفها و نمطها الديني الصوفي المرتبط بفكرة المهدي المنتظر ، و لم تخرج من نمط هذا التفكير و الذي يرحُل كل شيء الي الآخرة و لم تستطع تجاوز عقبات التطور حتي قضي عليها الاستعمار البريطاني..لم تسلم هذه التجربة الأخيرة من النظرة الاستشراقية الغربية التي تحاول الحط من شأن كل ما هو مرتبط بالمسلمين و سنأخذ نموذجين لوصف غربي لأم درمان عاصمة الدولة المهدية و بعد ان سيطر عليها كتشنر الحاكم البريطاني..لقد قال المراسل الصحافي بالديلي ميل جي دبليو استيفتس ان المدنية اي ام درمان بأنها حديقة حيوانات و شبُه مساكنها بأنها مثل جحور الأرانب و أعشاش الطيور و خلايا النحل المذدحمة و حفر قذرة و بيوت كلاب مبنية من الطين و انها تشبه حظائر للحيوانات المتوحشة(4)..اما القس الامريكي جي كيلي قيفن فقد كتب في مؤلفه الاستسلام الصادر عام 1905 الآتي( فلتزل ام درمان من وجه الأرض بعد أن زال المهدي حيث يقول ان السكان في ام درمان لا يتنافسون علي قطع سكنية ذات ناصية اذ لا توجد زوايا اصلا، فعقول الغربيين وحدها هي التي تعمل علي شكل زاويا و خطوط مستقيمة بينما تعمل عقول اهل الشرق و المتوحشين علي شكل منحنيات(5)..هذه التجارب السودانية بالضرورة كانت فاشلة لكنها ليست بهذا السوء الذي وصفته به مدرسة الاستشراق، اذ القيمة الحقيقية لهاتين التجربتين بكونهما وليدتي الواقع الا ان ما خذلهما هو الدوران في فلك الدين و الغيبيات و كذلك ادي الاحتلال و الاستعمار الي تدمير التجربتين و قطع الطريق امام تجربة التفاعل الذاتي القائمة علي السلب و الايجاب..التجربة الاخطر و التي ستجيب علي سؤال لماذا تأخر المسلمون هي التي نتناولها ضمن المبحث التالي..
*الاسلام السياسي و لماذا تأخر المسلمون*
ربما لكي يدرك المسلمون لماذا تأخروا فيمكنهم الوقوف علي التجربة السودانية و التي حكم فيها ليس من هم مسلمون فحسب لكنهم أخوان المسلمين و الذين حكموا السودان لمدة ثلاثة عقود..و ضمن هذا الإطار من الحكم يمكن تلخيص لماذا تأخر المسلمون و هنا نحن نحكي علي مستوي التجربة و الواقع و ليس التنظير وحده.. و وفقا لهذا الواقع السوداني يمكننا القول ان المسلمين تأخروا للأسباب التالية:
اولا: لقد عكست التجربة السودانية طبيعة الخلط بين الدين و السياسة مما ادي ذلك في النهاية الي تشويه الدين و تخريب السياسة و معها تخريب السودان ككل..حيث تم تدمير كافة المكتسبات السودانية و علي مستوي الحريات و علي الأسس المادية، حيث عاد السودان و في عهد الأخوان المسلمين الي عصور ما قبل التاريخ سواء كان ذلك بالهدم او من خلال الحرب الدائرة اليوم و هي نتاج استراتيجية الأخوان المسلمين..
ثانبا: لقد تم تغييب العقلانية تماما عبر تجربة الأخوان المسلمين في السودان، و قد سيطرت الفكرة الدبنية في بداية حكم الأخوان المسلمين، و غياب هذه العقلانية يمثل الخلل الجوهري في تأخر المسلمين حيث و عبر هذا الحكم اللاعقلاني تم اهدار موارد السودان و من ثم ضرب كل الأسس التي تقوم عليها النهضة..
ثالثا: من اهم التراجعات التي احدثها الأخوان المسلمون هي المتصلة بالتخلي عن العلم و العلمية حيث حول حكم الأخوان المسلمين السودانيين الي دائرة الجهل و الخرافة عبر تعليم سطحي أساسه الغيبيات و أعادة انتاج عقل الخرافة الذي شاع عبر حقبة السلطنة الزرقاء..
رابعا: لقد غابت عبر حكم الأخوان المسلمين المرتكزات الثلاث التي تحدثت عنها في صدر هذا المقال و هي العدل و الحرية و المساواة و هذا هو الأتجاه الذي قضي علي اي تصور لمفهوم الدولة الحديثة..
خامسا: لقد افتقد نظام الأخوان المسلمين الشفافية و أتسم حكمهم بسرقة المال العام و قد وظفوا العقيدة و القبيلة و من أجل الغنيمة حسب المفهوم الذي قال به المفكر المغربي محمد عابد الجابري و من هذه الزاوية انتهي السودان ليكون هو الافقر في المنطقة..
اخيرا: المستفاد من تجربة حكم الإسلاميين و حين تعميمه خارج الدائرة القطرية السودانية هو ان حكم الفرد و المستمد من تجربة المسلمين عبر التاريخ لا يؤدي الا لتدمير الاوطان.. و هذه الحقبة التي حكم فيها الأخوان المسلمون السودان هي دلالة و دليل علي تأخر المسلمين، و بشكل عام فهي تشير الي ذهنية التخلف.. و للخروج من هذه الذهنية فلابد من سيادة العقلانية في المجال الاسلامي، و اطلاق حرية المجتمعات مع ضرورة البناء الديمقراطي القائم علي إشراك كل المجتمع، كما يقود ذلك الي ضرورة فصل الدين عن السياسة و تحقيق الدولة المدنية و هذا ما فشل فيه الأخوان المسلمون في السودان و فشلت فيه غالبية الدول الاسلامية و لهذا السبب تأخر المسلمون..
*المصادر*
1- جوزيف مسعد- اشتهاء العرب-طبعة دار الشروق- القاهرة-2013- www.noor-book.com
2- ميشيل عفلق- معالم الاشتراكية العربية-2002-
abite.canalblog.com
3-جوزيف مسعد..مصدر سابق..
4-روبرت اس- كرامر- مدينة مقدسة علي النيل -ام درمان في سنوات المهدية 1885-1898- ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي- دار المصورات-2019- نسخة علي الانترنت..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.