السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    السودان يرحّب بالقرار 1591    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    دوري الملوك يجذب استثماراً جديداً بقيمة 63 مليون دولار لدعم مسيرته العالمية    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخروج للبحر :الدنيا لونها...(وردي)
نشر في الراكوبة يوم 20 - 02 - 2012

في بلدتنا يستعيض الفقراء عن (الخبز) عندما يكون غير متاح إلا للأغنياء ..بأغينة (المستحيل) يملأون بطونهم ب (لو بي إيدي كنت طوعت الليالي)... وتُملأ باقات عرب البدو في البادية ب (جميلة ومستحيلة) عندما يخلف (الخريف) وعده.
ويستبدل (السكر) في أطراف السودان ونواحيها القصيّة إذا عزّ الحصول عليه ب (الطير المهاجر).. (كان تعب منك جناح في السرعة زيد).. ونختلف عاطفيا ب (بعد ايه).. وترجع المياه إلى مجاريها الطبيعية ب (لو بالصد أبيتني ولو بالنار صليتني لا لا أنا ما بنساك).
مازال طلاب المدارس في (جبيت وجوبا وعطبرة وبارا وتمبول) يقيدون على أغلفة كراساتهم الدراسية (الحزن القديم).
وتمشي معاي
خُطانا الإلفَةْ والوحشَةْ
وتمشي معاي... وتْرُوحي
وتمشي معاي وسط روحي
ولا البلْقاهو بِعْرِفني
ولا بعرِف معاكْ ..روحي
أحسب أن (المولود) في السودان يخرج إلى هذا الدنيا صارخا ...فتكون أول صرخاته وهو جنينا (لو بهمسة).. ثم يغدو الجنين طفلا فينشأ ب (نور العين) ..فيصبح الطفل صبيا يقوي عوده مساسقة ب (سواة العاصفة في ساق الشتيل الني)... ثم يصبح غلاما يتوقف عند (بناديها) حتى يصبح (فتى) تصحى فيه (يقظة شعب) ثم يمسي كهلا يتوكأ على (المرسال)... فشيخا يسترجع ذكرى (الناس القيافة).. هكذا هو الفنان محمد وردي اصحطبنا في كل مراحل العمر، ودخل إلى غرف قلوبنا المغلقة ..وجمل عاطفتنا المسكوت عنها وأصبح ناطقا رسميا باسم الحب يشارك العصافير الشدو الجميل.
محمد عثمان وردي يسكن في هذه النواحي من القلب ...حيث (أخادع نفسي بي حبك وأمنيها)... منحنا ذاك (الأمل).. ووصل بنا في نهاية المطاف إلى (حققنا أحلامنا والعاشق عقباله).
مثلما ثبتت ملامح الزول السوداني على (عيون عسلية ولون أسمر وقامة مربوعة) ...كانت أيضا ملامح الزول السوداني من حيث الحس والشعور متمثلة في (الحنين يا فؤادي ليه يعاديك ما بتعادي).
هذا محمد وردي نخرج معه في هذا المساء وهو يمثل (النيل) شموخا ..كأنه يمنح ذاك النهر الخالد (لحن الخلود).
نحن كنا نكتب في كل الكراسات التي ندون فيها حوارات آخر السنة.. هذا المنوال.
الاسم : سين من الناس.
العمر: الأعمار بيد الله.
الهواية: الاطلاع.
الأمنية : أن يكون السودان موحداً.
الفنان المفضل: محمد وردي.
الإجابات كانت تختلف في الاسم من طالب إلى طالب، وكانت تختلف الاجابات في العمر وفي الهواية وفي الامنية ..لكن كل الإجابات من نمولي إلى حلفا كانت تلتقي في (محمد وردي) عندما يكون السؤال عن (الفنان المفضل).
هذا محمد وردي ..يمنح صباحاتنا المزيد من الألق.
+++++++++++++++++++
(1)
(صواردة) تلك الجزيرة التي تقع في أقاصي الشمال؛ ذات طبيعة خلابة ..نخيلها غير كل النخيل في السودان يرقص فقط عندما يغني محمد وردي.. وبيوتهم من طين مازال الحنين يسكنها، والقمر يضع ضوءه على البيوتات في عناق يجعل النخيل أكثر طولا ...من تلك المنطقة خرج محمد عثمان وردي وسط مكونات فنية كانت دعامة له ...وكانت سنده في أن يصل إلى تلك الحدود من (العبقرية) الفنية.
عندما رحل خليل فرح في عام 1932 ولد الفنان محمد وردي ..كأن الأقدار أرادت أن تقول لنا (هذا خير خلف لخير سلف) ...وخليل خرج من جزيرة (صاي) وهي جزيرة تقابل الجزيرة التي ولد وخرج منها عملاق الغناء السوداني محمد وردي.
ما أعجب الاقدار.. في العام الذي رحل فيه خليل فرح ..ولد محمد وردي ..رحلت قامة وجاءت قامة أخرى لونت حياتنا بالفرح الجميل.
محمد وردي لم يشاهد والدته ..رحلت من هذه الدنيا قبل ان يشعر بإحساس الامومة.. كان عبارة عن (قطعة لحم) أو دماء متجمدة... وزادت أوجاع الطفل الصغير عندما رحل والده وهو في السابعة من العمر ليكون الطفل (محمد) يتيما فقد أمه وأبوه في سن مبكرة.
لكن أسرة الفنان محمد وردي وعائلته كانت من العائلات الكبيرة في المنطقة جده والد أمه كان (عمدة) لجزيرة صواردة، وقد كان يغني ولا يفارق (طنبوره)، حتى ان السلطات وقتها عندما أخذته من تلك الجزيرة لأنه لم يخرج عوائد النخيل واقتيد إلى دنقلا ليسجن هناك لم يأخذ جده من بيته غير (طنبوره) وهو عمدة.. وقد ورث أولاده وأحفاده أغنية تدرب عليها الاحفاد وتعلموا عليها عزف الطنبور... وكانت تلك الاغنية هي أول أغنية يتغنى بها محمد وردي.
الى جانب هذا فقد كان "خيلان" الفنان محمد وردي يغنون وقد اشتهروا بذلك في المنطقة، وكانت والدة وردي نفسها صاحبة صوت جميل.
لوردي أختان غير شقيقتين ...وهو قد تزوج مرتين وله أبناء وبنات بعضهم مستقر في السودان وبعضهم خارج البلاد.
(2)
الطفل الصغير كان يبدو عليه التمرد وهو صغير ..دون كل الاطفال ملامحه فنية ..شعره الكثيف ولونه الابيض يمنحه شكلا فنيا مختلفا وقامته الطويلة تحكي عن نخيل صواردة الصامد.. شقاوته كانت تشير إلى ان هذا الطفل سوف يغير شيئا في تاريخ السودان.
عندما مات والد محمد وردي أوصى أعمام وردي ان يعلموا محمد، قال لهم وهو في فراش الموت: (الولد دا ما يشتغل تربال).. ربما كان الأب بحسه الأبوي يحس بعبقرية ابنه.
لذا كان أعمامه حريصين على ان يعلموه ..كانت المدرسة تبعد 27 كيلو من القرية التي خرج منها وردي ..عندما أخذه عمه وبعض أقاربه إلى المدرسة لتقييده طالبا أخذوا معهم زادهم وطنبورهم وأرادوا أن يستريحوا لبعض الوقت في طريقهم إلى المدرسة فطالبوا من الطفل الصغير ان يغني فغنى محمد وردي ذو السبعة أعوام فخرج سكان المنطقة كلهم ونزلوا لطرف النهر ليروا صاحب هذا الصوت البديع.
شعر محمد وردي وقتها أنه سوف يصبح فنانا وقال له عمه: (إنت من هسع بتغني ..ما أظنك تنفع في القراية).
عندما أصبح وردي على أعتاب الشباب كانت موهبته الفنية تشير إلى ان السودان على موعد مع فنان سوف يحدث ثورة غنائية كبيرة ..هكذا كانت تشير الدلائل.
كان محمد وردي يدرس في المدرسة الابتدائية وكان ناظر المدرسة يسترق السمع له من وراء الشباك ووردي يغني بين فواصل الحصص.
الناظر كان اسمه (إبراهيم عمر النحاس) كان كلما يسمع وردي يغني وهو يتخفى خلف شباك الفصل يقول له: (والله صوتك جميل ..غني يا ولدي).
ويحكي وردي لنا عن هذا الموقف ويقول كان الناظر يمسكه من (أضانه) ويقول له: (إنت يا ح تطلع مشخصاتي يا مغني).
ويتذكر وردي ويقول في عام 1960 كان يقدم أغنية (بعد ايه) في المسرح القومي تفاجأ بعد انتهاء الفاصل بناظر المدرسة (إبراهيم عمر النحاس) مع بناته السبعة يأتي له ويقول له: أنا ما قلت ليك ح تبقى فنان ..الناظر كان بنفس العصا التي كان يحملها في المدرسة.
الناظر قال لمحمد وردي وهو يشير إلى بناته السبعة يا محمد أنا ما عندي قروش البنات ديل وقت يعرسوهن أعمل ليهن حفلاتهن.
كان وردي وفيا وحضورا في زيجات بنات الناظر السبعة وقد أحيا لهن حفلات زواجهن.
(3)
المسيرة الفنية للفنان محمد وردي تقول إنه وضع أول لبناته الفنية بأغنية إسماعيل حسن (لو بهمسة) التي تغنى بها في سنة 1959 ..وكانت هذه الأغنية بتوزيعها الموسيقي الرائع تعلن عن فنان مختلف ..ومبدع سوف يدخل إلى كل القلوب.
في مطلع الستينات قدم وردي أغنية (خاف من الله) ..وقبلها كان قد قدم (المستحيل).. ثم جاء عام 1963 وكانت أغنية (الحبيب العائد) لصديق مدثر ثم قدم في نفس العام (مرحبا يا شوق).
كان الانتقال الأكبر للفنان محمد وردي حسب قوله بأغنية صلاح أحمد إبرهيم الذي كتب له (الطير المهاجر) فقدمها وردي في عام 1964.
بعد ذلك جاءت الاكتوبريات ..وأثرت سلبا نكسة 1967 في الفن وتراجعت الاغنية ..الى أن جاءت ثورة 1969 واقتنع بها وردي كما قال ووثق في شعاراتها ..إلا أنه انقلب عليها بعد سنة واحدة ..بعد أن تراجعت الثورة وانقلبت على شعاراتها.
في فترة مايو حصلت إبداعات ..ولم ينقطع حبل الوصل فكان أن قدم وردي (جميلة ومستحيلة) ..ثم غنى وردي في الفترة نفسها (وا أسفاي).
يقول الفنان محمد وردي الذي كان يحدثنا عن هذه السيرة في منزله بالمعمورة إن آخر أعماله الكبيرة والشهيرة كانت أغنية محجوب شريف (السنبلاية) التي قدمه في عام 1989.
بعد هذا العام هاجر محمد وردي ..وكانت حتى الأعمال التي يقدمها لا تظهر ولا تتاح لها فرص البث والإذاعة.
غنى وردي بعد عمليته في قطر أغنية للشاعر محمد بابكر..كما غنى لمحمد المكي إبراهيم وغنلا (سلامات) بعد اتفاقية نيفاشا.
وواصل وردي أعماله الجديد وغنى أغنية أخرى لصلاح أحمد إبراهيم ..وقدم لسعد الدين إبراهيم نتفق أو نختلف ونهر العسل.
ويقول وردي إن يده الآن في قلبه لأنه سوف يقدم في احتفالات الاستقلال هذا العام عمل للشاعر أمل دنقل بعنون (يا وجهها)... يقول مطلعها:
شاء الهوى أن نلتقي سهواً
كم كنت أفتقدك يا وجهها الحلو
كل الذي سميته شدوا من قبل ما أجدك
أضحى على شفاه الصبا لغوا
كونوا كما أهوى أمطر على الدفء والحلو
(4)
علاقة وردي بالثورات علاقة وطيدة هو لم ينكر انه غني لبعض الانقلابات العسكرية ..حتى ثورة مايو غني لها في عامها الأول ..لأنها كما قال كانت تحمل شعاراتهم ولكن عندما وجدوها انقلبت على تلك الشعارات انقلبوا عليها.
يقول وردي: قبل حكومة مايو كانت هناك حياة ديمقراطية ..وكانت حكومة عبود نفسها تتمتع بقدر من الديمقراطية ..ويكفي أنهم أول من أدخل التليفزيون في السودان ...وهم الذين أنشأوا المسرح القومي وكان فضلهم يمتد لإنشاء فرق المديريات أو فرق الفنون الشعبية التي يحفظ لها الفضل في نشوء الاغنية الشعبية بشكلها التراثي المعروف.
ظهور بعض الأعمال الرائعة في فترة مايو يرجعه محمد وردي إلى البنية التحتية التي كانت للموسيقى والفن والأدب في فترة حكومة مايو ...ويعتبر وردي ان (اللخبطة) في الفن السوداني بدأت منذ عام 1983 عندما ظهر نميري باسم (أمير المؤمنين) وتوقف الفن الجميل منذ ذلك التاريخ.
وسبق محمد وردي ثورة أبريل وهو يغني لها قبل أن تقوم.. حيث قدم بعد إعدام محمود محمد طه (يا شعبا تسامى).. وقبل الانتفاضة بشهر قدم في القاهرة في جامعة الزقازيق (ح نبنيهو البنحلم بيهو يوماتي).
وعن الوضع السياسي الراهن يقول محمد وردي إنه طالب بالحد الأدنى إذا انفصل الجنوب ونادى بأن تبقى شعرة معاوية بين الجنوب والشمال، وهو قد نشط في هذه المبادرة مع الأستاذ كمال الجزولي.
وكان محمد وردي يضحك عندما قلنا له إن هذه الحكومة كرمتك ومنحتك وسام الجدارة وأعطتك جامعة الخرطوم درجة الدكتوراة.
قال وردي البعض ظن أن الحكومة عندما تمنحني وسام الجدارة سوف أساند المؤتمر الشعبي.. واستغرب البعض عندما وقفت في الانتخابات الأخيرة مع الحركة الشعبية.
يقول وردي وسام الجدارة الذي منحته في القصر الجمهوري كان مكتوب فيه: (بما أنك قدمت بكل صدق وأمانة فنا رائعا وجميلا ..بكل إخلاص نحن رئيس الجمهورية نعطيك هذا الوسام المسمى وسام الجدارة).. ويضيف وردي هذا الوسام ليس منحة ولا منة وإنما هو حق ..لأنني قدمت الكثير وظللت في الساحة الفنية لمدة 60 سنة متواصلة... وكنت ملتزم بفني ومسؤول عن الذي أقدمه ..هل مع هذا العطاء ..كثيرة علي (حتة حديدة).. أنا لم أمنح ظرف ولا مال.
أما الدكتوراة من جامعة الخرطوم فقد كانت تقدير لي ونلتها بفضل غناي ..من ثم فإن الكثيرين الآن يمنحوا درجة الدكتوراة... ضحك وردي وقال أي واحد بقى يمنحوه دكتوراة ..الفنانين قربوا يفتحوا ليهم عيادات.. قالها وردي بطريقته الساخرة المعروفة.
(5)
وردي وثق لكل مراحل السودان الحديث الثقافية والاجتماعية والفينة ..ولا تستطيع أن تتجاوز أي مرحلة في تاريخ السودان الحديث دون الرجوع إلى أغنيات محمد وردي.
وردي غني لكل الثورات ..وغنى لوحدة السودان وتعتبر أغنية الشاعر مرسي صالح سراج (يقظة شعب) مثال حي لوحدة السودان.
قال وردي غنيت في (يقظة شعب) للغرب.
نحن أبناء ملوك الزمان
توجوا الفونج وزانوا كردفان
أفسح المجد ليهم خير مكان
نسبا
وغنى وردي في هذا النشيد الخالد للجنوب
قلب أفريقيا
قلب أفريقيا بوعي نابض
حل منا بالجنوب الناهض
منعة الغاب بليث رابض
قدما!!!
وغنى وردي للشرق
شرقنا يوم اللقاء كيف سعى؟؟؟
حين داعي البذل بالروح دعا
كيف يالسيف تحدى المدفعا
ودما
وغنى للشمال
حين خط المجد في الأرض دروبا
عزم ترهافا وإيمان العروبة
عربا نحن حملناها ونوبة
بدمانا من خلود الغابرين
هو يحدونا إلى عز مبين
بهذه التفاصيل الوحدوية فصل لنا الفنان محمد وردي نشيد (يقظة شعب) الاوبريت الكبير ..تأسف وردي وقال إن مثل هذه الأغنيات والأناشيد التي تقدم في الإذاعة ولا تقدم في التلفزيون.
وردي قال إنه وثق لهذا الشعب ..وأرخ لكل الثورات ..غنى للاستقلال نشيد (الاستقلال) الذي يعتبر (بيضة الديك) في إطار الأغاني التي تغنت للاستقلال.
اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا
يا إخوتي.. غنوا لنا.. غنوا لنا..
يا نيلنا يا أرضنا الخضراء.. يا حقل السنا
يا مهد أجدادي ويا كنزي العزيز المقتنى
عاد وردي يحدثنا عن عظمة الشعب السوداني ويقول إن هذا الشعب الذي فجر الثورة المهدية وفجر ثورة اكتوبر وشال العسكر وفجر ثورة أبريل وشال العسكر ..ينتظر منه الكثير.
عن الوضع الآن يقول وردي الآن لا يوجد غنا.. العشرين سنة الاخيرة لم يظهر عمل يمكن ان أتوقف عنده حتى الأعمال الجديدة التي تخرج تغيب بواسطة السلطة ولا تقدم في الأجهزة الرسمية.
دور الفن الآن غائيا تماما لذا وصلنا إلى هذه المرحلة التي تنتهي إلى هذا الزوال والتلاشي ..لدولة كبيرة مثل السودان مهددة بالانقسام.
في السنوات الأخيرة ظهر صراع بين الشمال والجنوب، وبين الشمال والغرب، والشمال والشرق، ولم يسلم الشمال حتى من الصراع الشمالي الشمالي...هذا حدث نتيجة لغياب الفن.
طبيعي في ظل هذا الوضع أن تظهر أغنية مثل أغنية (راجل المرا والقنبلة وحرامي القلوب).. الآن أي حاجة ماشي للوراء ليس الاغنية فقط ..عندما لا تكون هنالك حرية في الإبداع لا يخرج إبداع ..وفي عدم وجود الديمقراطية من الطبيعي ان نتراجع كل هذا التراجع...الفنان الآن غير حر، والفنان نفسه مواقفه غير واضحة، وهو صاحب ثقافة وخلفية ضحلة لذا كل ما يخرج منه يكون ضحلاً.
محمد عبد الماجد - مجاهد العجب - علي الطاهر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.