كانت تجلس وهي تقوم بطقوس صناعة القهوة، وتضع على (كانونها) الوحيد بالمنزل، بضع حبات من البن، كانت تتقلب داخل ذلك الصاج الصغير قبل أن ترسل رائحة مميزة مفادها أن (القهوة حاضرة)، ولكن ليس لها أو حتى لابنائها الذين جلس بعضهم من على البعد يراقب العملية بشيء من التركيز، فذلك (البن) ذاهب للتجارة، وللعمل، فالخالة (فضيلة) تعمل كبائعة قهوة وشاي بإحدى المناطق، وذلك ضمن كثير من النساء اللائي يبحث عن اللقمة الحلال، في زمان قلّ فيه طالبوه، لكن ذلك يوم امس الاول، تركت الخالة (فضيلة) البن داخل ذلك الصاج، وهرولت فجأة وهي تذرف الدموع، ولم تكن تلك الدموع التي سالت في ذلك النهار الحار جداً، سوى دموع فرحة كبيرة طال انتظارها، بعد أن وصل إليها خبر نجاح ابنتها في امتحانات شهادة الاساس واحرازها لمجموع كبير، لتنطلق الخالة (فضيلة) للمدرسة وهي بين مصدقة ومكذبة، اما (البن) فقد ظل يمارس احتراقاً مبرراً..!! خبر سعيد: دمعة فرح تلك التي سالت على خد الخالة (فضيلة) بعد سماعها لخبر نجاح ابنتها (منال)، كانت برداً وسلاماً على قلبها المكتوي بنيران ظروف عديدة تحاصرها، واشد تلك الظروف فراقها لفلذة كبدها الذي باعدت قلة العافية بينها وبينه وهو يعاني من مرض الزمه البقاء في المستشفى لفترة امتدت لثلاثة اشهر كاملة لم تتذوق فيها (فضيلة) طعم الفرح أو الراحة، وهي تسعى لتوفير مستحقات علاجه من خلال بيعها للشاي في ذاك الميدان. ابتسامة رغم الألم: ولعل نجاح ابنتها في امتحانات شهادة الاساس وحصولها على (233) قد يثلج صدرها لفترة من الزمن قبل أن تعاود بعد ذلك رحلة المعاناة والعذاب، ودوامة البحث عن اللقمة الحلال داخل طاحونة كبيرة لا تعرف التفريق ما بين النساء والرجال، وهكذا تشاهد التفاصيل تتمدد على وجه تلك المرأة الكادحة، والتي بالرغم من كل تلك المعاناة، كانت تجد وقتاً لتتفقد ابنتها وهي على اعتاب الامتحان، وكانت تمنحها الكثير من القوة والعزيمة والاصرار، وتبتسم في وجهها بينما قلبها ينزف الماً ووجعاً وحيرة. للسعادة تفاصيل على وجه (فضيلة) اتخذت السعادة في ذلك اليوم مسكناً لها.. ونصبت صيوان فرح حريري لا يأتيه الا من تذوق طعم النجاح بعد الشقاء ، وتلك الفرحة التي انتابتها في ذلك اليوم اعجبت الجميع، ولم يكن مستغربا فقدً التف الناس حولها مباركين ومهنئين بنجاح زرع رُوح المثابرة والاجتهاد على ابنائها وتمنوا أن يفتح الله عليها ابواب الرحمة، اما (فضيلة) فلسانها في تلك الاثناء كان يلهج بالحمد والشكر لله تعالى، طالبة في الوقت نفسه أن يشفي الذي طال بقاؤه بالمستشفى - وهو ابنها-. دموع (منال): ابنتها المتفوقة (منال) كانت تغالب الدموع عندما تحدثت الينا وقالت إن النجاح هو حليف كل مثابر قبل أن تهدي النجاح الى اسرتها وخالتها وإلى المدرسة .. ولم تستطع منال أن تحبس دموعها عندما قالت إن كل ما تتمناه أن تتخرج حتى تساعد و(تريح والدتها) من لهب (الكانون) رغم انها مهنة شريفة استطاعت بها أن تعلمنا. فرحة طارئة: "فضيلة " كانت تقف أمام البقالة التي تبعد خطوات من منزلها وهى توزع "قوارير" المشروبات على المارة.. لم تحسب كم انفقت.. كأنما تعرف أن المستقبل حافل بكل ما هو جديد..ولم تلق بالاً لأول مرة في حياتها الي اين تذهب تلك المصاريف..فهي المرة الاولى في حياتها التي لم تضع حساباً للظروف، أو تحتاط لطارئ، ففرحة ذلك اليوم كان هي نفسها طارئ فرح عم جميع الاسرة. وتقول (فضيلة) عن ابنائها: لدي ابن ترك الدراسة الجامعية حتى يساعدني بعد وفاة زوجي قبل سبعة اعوام وتركه لي عددا من الابناء والبنات، منهم البعض في مراحل دراسية مختلفة وهم متفوقون مثل اختهم "منال" والحمد لله. بحث عن (سور): (فضيلة) جافى النوم عينيها.. فكل همها أن توفر لقمة عيش كريمة لابنائها الذين توفى عنهم والدهم وتركهم لها في أعمار بضة، هموم مثل الجبال تحاصرها.. خصوصاً انها تعيش في (راكوبة) في ذلك الحي الذي انعم الله على ساكنيه بالمباني الشاهقات...وبحسب قولها فإنهم يعاملونها معاملة الاخ المسلم لأخيه المسلم... وهي تتمنى أن تجد مسكنا آمن لابنائها لأنها تخرج في الصباح الباكر. مجرد توقيع: فضيلة كما هي طيبة فهي كذلك قنوعة تتمنى (سوراً له باب) , فمن يقف بجانب ابنائها ويمنحها (السور) بعد أن ادخلتها ابنتها عبر (باب) الفرح..؟! السوداني