يبدو أن الجماعة الإسلامية الغامضة التي اختفت بشكل شبه كامل خلال الثمانينيات بدأت تُفسد الانتفاضة ضد بشار الأسد. «فوراين بوليسي» تابعت الموضوع. لا أحد في سورية توقّع أن تدوم الانتفاضة ضد النظام طوال هذه الفترة أو أن تكون مدمِّرة لهذه الدرجة. لكن بعد سقوط حوالي 70 ألف قتيل وتهجير مليون لاجئ وانتشار الاضطرابات طوال سنتين، لا تبدو النهاية قريبة. صحيح أن الرد الوحشي الذي اختاره الرئيس بشار الأسد هو العامل المسؤول عما يحدث، لكن أدى فشل المعارضة المزمن في تشكيل جبهة فاعلة ضد النظام إلى إطالة مدة الصراع. مع ذلك، ثمة جماعة معادية للأسد مسؤولة عن الوضع المأساوي القائم: «الإخوان المسلمون» في سورية. طوال فترة الانتفاضة السورية، تناقشتُ مع شخصيات المعارضة والناشطين والدبلوماسيين الأجانب حول الطريقة التي اعتمدها «الإخوان» لبناء نفوذهم ضمن قوى المعارضة الناشئة. كان تنامي نفوذ الحركة الإسلامية مذهلاً، فهي اندثرت من الوجود خلال الثمانينيات بعدما أخمد نظام البعث انتفاضة بقيادة «الإخوان» في حماة. منذ ذلك الحين، أصبحت العضوية في «الإخوان» جريمة تستحق عقوبة الموت في سورية وقد تلاشى وجود الجماعة ميدانياً وأصبح شبه معدوم. لكن منذ اندلاع الانتفاضة في 15 مارس 2011، سارع «الإخوان» بكل براعة إلى الاستيلاء على مقاليد السلطة ضمن الفصائل السياسية والعسكرية في المعارضة. وفق شخصية كانت حاضرة في أول مؤتمر عُقد في أنطاليا، تركيا، في مايو 2011 لتنظيم المعارضة السياسية السورية، تردد «الإخوان» في البداية في الانضمام إلى هيئة سياسية معادية للأسد. فعلّقت الجماعة رسمياً معارضتها لنظام البعث غداة الاعتداءات الإسرائيلية على غزة في عام 2009، وانسحبت من تحالف مع عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق الذي انشق عن النظام في عام 2005. لكن أرسل «الإخوان» أعضاء منهم للمشاركة في المؤتمر، من بينهم ملحم الدروبي الذي أصبح عضواً في المكتب التنفيذي للمؤتمر. في غضون ذلك، اتخذت الجماعة الخطوات اللازمة لتشكيل مجموعات مقاتلة داخل سورية، فجندت مقاتلين محتملين واستدعت معارفها القليلة نسبياً في حمص وحماة وإدلب وحلب. تورط في الصراع بعدما كسبت فكرة تشكيل جماعة معارِضة موحدة لقيادة الثورة الشعبية زخماً كبيراً، أصبح «الإخوان» أكثر تورطاً في الصراع. بعد شهر على الاجتماع في أنطاليا، نظمت الجماعة مؤتمراً في بروكسل حضره 200 شخص وكان معظمهم من الإسلاميين (كان ذلك الحدث أحد المؤشرات الأولى على تصدّع وحدة المعارضة)، ثم نظم «الإخوان» مؤتمرات عدة شكّلت جماعات معارِضة كي تكون جبهات تابعة للحركة، ما سمح لها بتعزيز وجودها في الهيئات السياسية. بعد المؤتمر في بروكسل، تشكلت ثلاث جماعات على الأقل «لدعم الثورة السورية». تابعت المنظمات تحركها وبعد بضعة أشهر على المؤتمر الأول، كانت حاضرة في هيئات المعارضة التي شكلت لاحقاً جوهر «المجلس الوطني السوري»، جماعة شاملة كانت تمثل ظاهرياً جميع القوى المعادية للأسد. خصص المجلس مقاعد للإخوان وأعضاء «إعلان دمشق» (جماعة من الإصلاحيين السوريين تأسست في عام 2005)، لكن كان وجود «الإخوان» قد تنامى بشكل ملحوظ ضمن جماعة «إعلان دمشق». يبدو أن هذا النمط أصبح شائعاً. وفق أعضاء «الائتلاف الوطني السوري» الذي كان جزءاً أساسياً من اجتماعات المعارضة الأولى، بالإضافة إلى ناشطين مقربين من «الإخوان»، تشمل الجماعات التي نشطت كجبهات تابعة للإخوان: «الاتحاد الوطني لطلبة سورية الأحرار» بقيادة حسن درويش، و{رابطة علماء بلاد الشام»، و{التيار الديمقراطي الإسلامي المستقل» بقيادة غسان نجار، و{رابطة العلماء السوريين» بقيادة محمد فاروق بطل، و{اتحاد منظمات المجتمع المدني» (كتلة مؤلفة من 40 جماعة تابعة للإخوان المسلمين)، و{المجلس القبلي السوري العربي» بقيادة سالم المسلط وعبد الإله ملحم، و{مجلس ثوار مدينة حلب وريفها» بقيادة أحمد رمضان، و{هيئة حماية المدنيين» بقيادة نذير حكيم، و{جبهة العمل الوطني» بقيادة رمضان وعبيدة نحاس، و{جبهة العمل الوطني لكرد سورية» بقيادة حسين عبد الهادي، وصفحة الفيسبوك الخاصة بالثورة السورية وهي تقرر أسماء المحتجين في أيام الجمعة، و{تجمّع ثورة حماة»، و{الائتلاف الوطني لحماية المدنيين» بقيادة هيثم رحمة، و{الجمعية السورية للإغاثة الإنسانية» التي أسسها حمدي عثمان. ثمة جماعات أخرى تمثّل فروعاً للإخوان ولكنها غير ممثّلة في الهيئات السياسية، وهي تشمل «ﻤركز ﺍﻟﺸﺭﻕ ﺍﻟﻌﺭﺒﻲ ﻟﻠﺩﺭﺍﺴﺎﺕ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﻴﺔ ﻭﺍﻻﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ» برئاسة المتحدث باسم «الإخوان» زهير سالم، و{اللجنة السورية لحقوق الإنسان» بقيادة ممثل «الإخوان» وسفير المعارضة في بريطانيا وليد سفور. ثمة جماعة تمثل النساء والأطفال أيضاً وهي بقيادة ابنة محمد فاروق طيفور، نائب رئيس «الإخوان» في سورية. على صعيد آخر، أنكر بعض الأعضاء التابعين لجماعة «الإخوان» أنهم كانوا جزءاً من الجماعة وانضموا إلى «المجلس الوطني السوري» بصفتهم «مستقلين». يشمل هؤلاء نحاس، مدير «مركز الشرق» في لندن، ولؤي صافي، مسؤول سوري أميركي في جامعة جورج تاون ورئيس سابق للمجلس السوري الأميركي، ونجيب غضبان، أستاذ في العلوم السياسية يعمل أيضاً في المجلس السوري الأميركي. أصبحت هيمنة «الإخوان» السياسية أكثر وضوحاً في أواخر شهر سبتمبر 2011، حين اجتمعت شخصيات وقوى المعارضة في فندقين منفصلين في تركيا لأجل تشكيل هيئة سياسية تمثل جميع قوى المعارضة. قامت جماعة «الإخوان»، في مؤشر أول على براعتها التنظيمية، بتقسيم نفسها إلى مجموعتين واستقرت كل واحدة منهما في فندق للتأثير على الطرفين معاً في شأن كيفية تحديد معالم الهيئة المرتقبة: كان زعيم «الإخوان» رياض الشقفة موجوداً في أحد الفندقين بينما تواجد نائباه، طيفور وعلي صدر الدين البيانوني، في الفندق الآخر. كان الدروبي يتنقل بين الفندقين. نجحت تلك الاستراتيجية: تم تعديل لائحة من الأعضاء المُتَّفق عليهم في أحد الفندقين وأُضيف إليها عدد من أعضاء «الإخوان» والجماعات التابعة لهم قبل الإعلان عن نشوء «المجلس الوطني السوري» في 2 أكتوبر.