الى وقت قريب كنت أظن أن أنشطة التأبين التي تقام في ذكرى الراحلين، ما هي الا دمعات تذرف ومناقب تعدد ومآثر تذكر.. ثم ينفض الجمع كل الى مشاغله وهمومه الحياتية. وتبين لي خطأ ظني هذا وخطله عندما وقع بين يدي كتاب فخيم صقيل الورق عنوانه «حامد الخواض.. الإنسان الفذ .. سيرة مهندس معماري 1932 1991م» قامت بإعداده لجنة تخليد ذكرى الخواض، وتضم نخبة متميزة من أبناء الوطن من بينهم د. جعفر كرار.. د. مبارك يحيى عباس.. المهندس عوض الكريم محمد أحمد .. بروفيسور أحمد محمد شبرين.. مهندس أحمد الطيب بابكر.. د. بشير البكري وغيرهم من الأجلاء. ومازلت أجتر مشاعر الحزن والأسف وأنا استرجع السؤال العاطل الذي طوَّف بذهني وأنا أتأمل ذلك الكتاب وأسأل نفسي «من تراه يكون المهندس حامد الخواض ؟!».. فنحن في السودان نحفظ أسماء الساسة وأنصاف الساسة وأرباع الساسة، ونفرد حيزاً من وجداننا الوطني لمبدعي الغناء وللعيبة الكرة علا شأنهم أو تقاصر، ولكنَّا قلَّما نجود بقدر ضئيل من الاهتمام والعرفان للمبدعين من المهنيين والأكاديميين الذين برعوا في مجالاتهم تلك وزانوها بتوهج الإبداع الذي يمس عصب حياة البسطاء في بلادنا.. وحامد الخواض كان واحداً من هؤلاء. المهندس حامد الخواض من مواليد أم درمان عام 1932م.. حاز على دبلوم الهندسة المعمارية بدرجة الامتياز من جامعة لستر ببريطانيا عام 1960م، وحصل على دبلوم التخطيط الإقليمي من جامعة أدنبرة 1968م، وآخر وظيفة شغلها كانت مدير مكتب اليونسكو الإقليمي للدول العربية 1991م في عمان الأردن. في يوم 12/8/1991م تصدر الخبر التالي صحيفة الدستور الأردنية «لقي مدير المكتب الإقليمي لليونسكو في الأردن مصرعه صباح امس على يد سائقه عندما اطلق عليه الرصاص خلال اجتماع. ووقع الحادث المؤلم في حوالي الثامنة وعشرين دقيقة من صباح أمس عندما كان الدكتور حامد الخواض «56» سنة سوداني الجنسية ويعمل مديراً لمكتب اليونسكو بالاردن، يرأس اجتماعاً في الطابق الثالث من مبنى اليونسكو. وقام سائقه الذي كان يحضر الاجتماع ويدعى صبحي يوسف خليل سكر بالوقوف على طاولة الاجتماعات وأشهر مسدسه وأعلن لهم أنهم رهائن لديه، ثم بدأ يطلق الرصاص حيث اطلق سبعة عيارات نارية على مديره الدكتور حامد الخواض فأصابه برأسه وقلبه وتوفي على الفور، فيما اصاب موظفاً آخر مصري الجنسية ويدعى عبد الغفور جمعة بجروح خطيرة، وموظفة أردنية تعمل سكرتيرة وتدعى فريال زعرور وعمرها «39 سنة» .... انتهى الخبر. «غداً نواصل».