الانتباهة: قرارات حاسمة من مركزيّ التغيير    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الاثنين الموافق 26 سبتمبر 2022م    جبريل: نريد شراكة هادئة مع العسكريين    وداد بابكر ل(القاضي): كل ما أملكه هدايا من زوجَي البشير    مقاومة الخرطوم تعلن مليونية"المشارح والمفقودين قسريًا"    د. الشفيع خضر سعيد يكتب: الجيش والسياسة في السودان    إضراب شامل للعاملين بالزراعة    حافظ يتعهّد بتوفير الخدمات البيطرية للمجمعات الرعوية    اختبار صعب للمريخ في كأس السودان اليوم    سيكافا يختار الشاعر عضوا بلجنة الانضباط وشعبان منسقا    حفل قرعة الدوري الممتاز مساء اليوم بالخرطوم    المرحلة تتطلب قفل أبواب الصراع الناعم !    السلطات في السودان تلقي القبض على متهم خطير    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأثنين" 26 سبتمبر 2022    المادحة والفنانة لكورة سودانية "نبوية الملاك " هنالك إقصاء لي من الشاشات …    تجار سوق الدمازين يدخلون في اضراب    مشروع لضبط المركبات الاجنبية داخل البلاد    البحرية تضبط قارب اجنبي به متفجرات قبالة شاطي سواكن    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة .. لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    هاجر سليمان تكتب: إلى القضاء العسكري وإلى شرطة أم درمان    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة..لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    الأمانة العامة ل"الشعبي.. تفاصيل اجتماع عاصف    الديون والركود يحاصران تجار الخرطوم    منصة الموروث الثقافي تعمل لاعطاء المجتمع قدرة التحكم لتوثيق الموروثات    قاضٍ بالمحكمة العليا: قاتل الشهيد حنفي يعلمه الله    شاهد بالفيديو.. بطريقة مضحكة نجم السوشيال ميديا "أدروب" يقلد الفنانة ياسمين كوستي في رقصاتها على أنغام أغنيتها (دقستي ليه يا بليدة)    شاهد بالفيديو.. وسط احتشادات كبيرة وحراسة أمنية غير مسبوقة..الفنانة السودانية إيمان الشريف تغني في الدوحة وتصعد المسرح على طريقة وزير الدفاع    شاهد بالفيديو.. الفنانة شهد أزهري تعود لإثارة الجدل على مواقع التواصل وتطلق (بخور الجن)    والي الخرطوم يوجه بإكمال محطة مياه الصالحة بعد توقف ل3 أعوام    بدأ الدورة التدريبية الأولى في إدارة المبيدات بجامعة الجزيرة    (35) حكماً في كورس (الفيفا) قبل بداية الدوري الممتاز    جبريل : الموازنة المقبلة من الموارد الذاتية وبلا قروض الخارجية    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    (سودا) تنظم اليوم إجتماع الإسناد الفني لمونديال قطر    توقعات بوجود (200) من ضحايا الاختفاء القسري وسط جثث المشارح    اليوم التالي: مستور: إغلاق مصارف لفروعها لأسباب أمنية    تدشين الكتلة الثقافية القومية لرعاية المبدعين    مركز السودان للقلب يدشن أكبر حملة للكشف المبكر    انعقاد ورشة "دور التصوير الطبي في تطوير زراعة الكبد بالسودان"    عقب ظهوره بمكتب ملك بريطانيا.. ما قصة الصندوق الأحمر؟    برعاية الثقافة والفنون إنطلاق مسابقة عيسى الحلو للقصة القصيرة    أول تجربة نوم حقيقية في العالم تعتمد على عد الأغنام    "كارثة" في ليلة الزفاف.. العروس دفعت ثمناً غالياً    مصرع واصابة (9) اشخاص في تصادم بوكس مع بص سياحي بطريق الصادرات بارا    دراسة: شرب 4 أكواب من الشاي قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكري    إستئناف العمل بحقل بامبو للبترول بغرب كردفان    خروج محطة الإذاعة والتلفزيون بالنيل الأبيض عن الخدمة    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    أمر ملكي جديد في السعودية    ألمانيا تؤمم أكبر شركة غاز لضمان استمرار الإمدادات    بوتين يستدعي جزءًا من الاحتياط دفاعًا عن روسيا    وزير الصحة بكسلا: رصد حالة إصابة مؤكدة بجدري القرود    الشرطة تستعيد رضعيه مختطفه الي أحضان أسرتها    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (3)    الدولار الأميركي يقفز إلى أعلى مستوياته    خلال الوداع الأخير.. "سر" كسر العصا فوق نعش إليزابيث    الاستقامة حاجبة لذنوب الخلوة في الأسافير    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة نقدية في قصة «ود الحبشية»
سنار واصطحاب الدواخل بالسؤال: نحن والآخر
نشر في الصحافة يوم 23 - 02 - 2010

«جثوت على ركبتي ولوح الخشب على فخذي، جمرتان تنحدران على خدي الذي يرتجف من الغيظ، شيخي يمسح على رأسي مواسيا ويتمتم: يا بني اكظم غيظك واعف عنهم، انتظر برق المكادة ولا تحدث احدا بما رأيت».
قلت: سأقتلهم جميعا. قال: لا تفعل، انهم اخوتك. قلت: لا، قال: كلنا لآدم وآدم من تراب.
سنار: الزمان وصيرورة المكان
حينما تعاود القراءة في قصة «ود الحبشية» للقاص عثمان احمد حسن، يكون السؤال قد قفز بين السطور: من الذي يسيطر في مركزية السرد، التاريخ ام الخيال.. التاريخ بالزامية الوثيقة وما يستتبع ذلك من دقة حرفية في تكييف وضع اجتماعي وانساني امكن موضوعيا في داخله أن تعايشت اعراق وثقافات متباينة «شعوبا وقبائل» من منطلق وجودي متماسك وفقا لمبادئ وقيم تدين بكل شيء «لدين تم استيعاب غاياته، وتحللت روابطه الفكرية ومضت باتجاه تقديم تعريف واضح لمن هو: هذا الإنسان؟!» والخيال الوارد نثرا كمحاولة فنية لردم الهوة ما بين «الحقائق المجردة وتشتيتها في السردي الإنساني..» صيرورة المكان في سنار تبدأ من هذه الجزئية التحليلية:
1 البناء الفكري لدولة السلطة الزرقاء شكل اول نمط تعايش فعلي بين ثقافات ومجموعات عرقية مختلفة من حيث الخصائص الجغرافية في القرن الخامس عشر بالسودان، ووضعتها في «المكان والزمان: سنار» من خلال التثاقف وشد اطراف اللغة اللغة الأم في شكلها الديواني العربي واللهجة القبلية بمزيجها البيئي والانثربولوجي الفردي المنعزل في التكوين القبلي في بيئة محددة في القارة الافريقية، الإنسان وعلى طريقة الدكتور محمد عبد الحي في العودة الى سنار «كثيف هذا الوجود الانساني في ضمير اللغة، قابع في العمق الملئ بالتجارب للذاكرة القابلة للقاح مع اخريات في فجر تاريخ جاءت به مخاضات طويلة من التناحر والحروب..» هذا اذن تصرفنا في مضمون القراءة الضمنية لتجربة عبد الحي الوجدانية لمفهوم الانسان في ثقافة سنار الاولى، اللغة الهجين وهي اللغة التي كتبت بها طبقات ود ضيف الله وكاتب الشونة، او ما حملته الوثائق السلطانية بطريقة العالم الراحل محمد ابراهيم ابو سليم «لا يغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية فنحن الملوك وهم الرعية» فإن مركزية علوية لانا مستدركة لقيمة وجودها تظهر في عمق وباطن هذا الخطاب الثقافي الثري بمدلولاته «الميتافيزيقية.. ربما؟!» او العملية في الوجه الشعبي لها، وهي الطريقة التحليلية المتجهة نحو استخلاص عنصر «الحركة والتقدم» في القراءة التي قام بها الدكتور عثمان جمال الدين للموروث الصوفي بوضع الشيخ «فرح ود تكتوك» كمجلي لهذا الوجه في دراسته لطبقات ود ضيف الله، وتنطلق قراءتنا لقصة «ود الحبشية» للقاص عثمان احمد حسن من زاوية «الحركة والدرامية» التي تميزت بها هذه اللغة الهجين التي شكلت «على خلفية قاموس اللهجات العامية في السودان للبروفيسور عون الشريف قاسم في مقدمة الكتاب..» في أن اللغة باعتبارها نظاماً هي الوعاء الذي يحمل الأفكار التي انتظمت في داخل الذاكرة الجمعية، وأثبتت ما يشبه «بالأعراف والقوانين غير المكتوبة» في العلاقة مع الآخر.
ود الحبشية: قصة الحرب المختبئة في ثنايا السلوك الفردي والاجتماعي
ارتادت القصة عوالم باطنية سحيقة في وعي الفرد الاجتماعي، مثل: كيف تبدأ الحرب في عالمنا اليومي؟! وكيف تنتهي؟! لأن الصحيح أن الحرب والغارة والمبارزة والصراع كإرث فروسي من ازمان الصيد واللقيط في كل المجتمعات الإنسانية، فإن سنار لم تكن الاستثناء «الفروسية: او قتال الرجال للرجال باخلاق الميدان، القتال من زاوية الغاية العليا بحسب المنطوق الديني في تفسير آيات الجهاد..» فإن الحرب في دولة سنار توقفت بالاتفاق «بين عبد الله جماع وعمارة دنقس» وتأسست المدينة، المدينة بكل ما تحمله المفردة العَلم من مضمون في أنها كانت دولة في التعريف السياقي للتاريخ، ليتدرج السؤال: كيف انطفأت جذوة الحرب الفردية العبثية لأن تصبح هناك اخلاقية للقتال؟! الدين الاسلامي، التربية الصوفية المتجاوبة تأملياً مع حاجة الفرد للبناء الوجداني والفكري في صميم رؤيته للآخر.. النظام الاجتماعي للاقتصاد ومفهوم التبادل في الحاجات والإشباع بتقديم الكل على الجزء واحترام القانون في السوق، والسوق في كتابة الدكتور عثمان جمال الدين فرجة في جوقة سنار هو المسرح المضاء الذي دارت في نواحيه حوارات الشيخ فرح ود تكتوك الذي يبدو في احيان كثيرة كمشاء لو استلهمنا لمحة عرفانية من اكاديمية اثينا الفلاسفة الاول، الحواريات الطويلة بمفارقاتها المنطقية التي تفككت من خلالها «الافكار الكبيرة بمفردات الحياة اليومية: السلطة، الثروة، العلاقات الزوجية والأسرية، الانتاج، الجوار، استخلاصا، المعرفة من خلال التجربة واعادة بناء السياق العقلي للحقيقة التي تبدأ غيبية وما ورائية لتتجلي حركيا على الارض وتبعد عن كونها فكرة معنوية وهي اشكال تفكير بديهي تم تطويره ذاتيا نحو الثبات الموضوعي..» قياسا على أن هناك مقدمات منطقية تسبق الحكاية تتطابق بأوليات اللغة والحوار مع النتيجة التي هي العبرة والمدرك الجديد، انتجت طريقة الحوار عند الشيخ فرح ود تكتوك طرقا واساليب ناجزة في تهيئة الذاكرة للتجاوب مع اللغة والتجربة العلمية، الافحام والصدمة: الرقص المنتشئ بالتهليل مرتكزا على قصبة ساق الذرة اليابسة على سطح البئر.. كيف كان الله قادرا وكانت المعرفة اعمق من الظاهر المسطح؟ جمالية الالقاء لنص اشراقي على خلفية فجر أبيض ينسل من خيوط الحكاية اليومية في حياة الشيخ فرح ود تكتوك:
في قصة ود الحبشية للكاتب عثمان أحمد حسن خرجت باستحياء حواريات الشيخ فرح ود تكتوك موشاة «بلغة درامية حركية على مستوى المنطوق والمدرك العياني في وصف موجز واختزالي لمكان هو اشبه ما يكون بباحة واسعة مفتوحة في وعي أي منا».
الغضب الفردي.. ينتج الموقف، يتحرك في الوعي، والإحساس بالضعة والنقص «يتفرق دم الاهانة على الطرقات» ويستخدم الكاتب تقنية الحلم ليبدأ الرحيل في جو الحضرة، مستلهما تلك القدرة الفريدة لانسان سنار في الانطواء على الجرح والامتثال لصوت الباطن الجهوري.
«غشيتني سمادير وآل وأضغاث أحلام ساقتني الى المغارة التي كان شيخي يدخلها في اول ايام شهر رجب ويخرج منها يوم عيد الفطر.. يصوم ويفطر على القرض»
لحظة التنوير الصغرى «أمك بلقيس» والذي ينطق بذلك في الحلم هو آصف بن برخيا، تجادل اللحظة في اصل الرؤية، اصل الرؤية: اين حدودك يا بلاد الاحباش؟! بامتداد البحث في كتابة البروفيسور الفاتح حسن قريب الله في السفر المقيم: السودان ارض الهجرتين، اين ستنتهي حدودك أيها السودان؟!
لحظة التنوير الكبرى: «صليت بهم المغرب، قال شيخ الحيران: يا شيخنا الحيران المطاميس ما جاء منهم الا واحد، الولد النحيل يهتز من البكاء وشعره الاشعث ينوس على طرفي، شيء ما اجلسه بقربي واللوح الخشبي على فخذه، بين النحيب والنشيج تبينت كلماته، مسحت على رأسه مواسيا وانا اتمتم: يا بني اكظم غيظك واعف عنهم، وانتظر برق المكادة ولا تحدث أحداً بما رأيت.
قال الفتى: بين الدموع الهاطلة: سأقتلهم جميعا.
قلت: لا، إنهم اخوتك.
قال: لا
قلت: كلنا لآدم وآدم من تراب.
للتخييل واختمار الفكرة أثره الحاسم في بناء القصة التي جاءت صلبة ومتماسكة لدرجة الاستقرار داخل الرؤيا والنبوءة: يمكن أن يؤوب الإنسان للأصيل في جوهر التكوين.. ليس بمنظور إحيائي وطقوسي متعالٍ.. وإنما من داخل لغة الحوار.. بالصورة والمشهد الذي يقطر دما زكياً في لحظة الانهيار، الحلم يأتي من بوابة الانهيار في ثوابت معرفة الظاهر.. ولا أعرف إن كنت منفصلا عن كل هذا في قراءتي للقصة أم كنت متورطا في البحث عن هذا الجوهر الأصيل لبنية الوعي في سنار الرمز للمكان والزمان: السودان الكبير بلحيل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.