السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحركة الرومانسية أو ثورة الأدب في معركة التغيير (2-2)
نشر في الصحافة يوم 17 - 12 - 2010

كانت الرُّومانسية في نشأتها أشبه بثورة أدبية واجتماعية وسياسية موجهة ضد الكنيسة والنَّظام الملكي، والأدب الكلاسيكي، وقد استطاع الشَّاعر الرُّومانسي أن يزلزل القيم والمباديء التي يقوم عليها نظام المجتمع آنذاك، ويقول غنيمي هلال في ذلك:»نهج الرُّومانتيكيين نهجاً مخالفاً لأسلافهم فمجدوا شأن العاطفة،وجعلوا حقوق القلب تطغى على قوانين المجتمع ونظمه، ولم يتحفظوا في مهاجمة ما استقر في المجتمع من عقائد سياسية أو دينية. فكان كل شيء في أدبهم موضع تساؤل، ولكنهم في شبوب عواطفهم وفي عالم أحلامهم ساعدوا على نشر العدل الاجتماعي وهدم الطَّبقات الطُّفيلية الأرستقراطية أو مهَّدوا لمحوها، ويسروا الطَّريق أمام الطَّبقة البرجوازية لتملك مقاليد الحكم، وعطفوا على كثير من ضحايا المجتمع». والأدب الكلاسيكي في رأيه:»أرستقراطي يبجل تراث الحاضر، ويرى مثله الأعلى في الماضي، والأدب الرُّومانتيكي أدب تقدمي، ينظر إلى المستقبل ليغير الحاضر ويستبدل به خيراً منه، فليس للحاضر عنده من قداسة إلا بمقدار ما يساعد على بناء المستقبل الذي يحلم به».
ليس هذا فحسب؛ بل أن الحركة الرُّومانسية شكَّلت حدَّاً فاصلاً وعلامةً فارقةً بين عصرين في الحضارة الأوربية وهو ماذهب إليه عبدالقادر القط:»فقد جاءت الحركة الرُّومانسية في الأدب الأوربي تعبيراً عن مرحلة حضارية انتقل فيها المجتمع الأوربي من نمطٍ من أنماط الحياة إلى نمطٍ جديدٍ يناقضه ويكادُ يضع حداً حاسماً بين عالمين مختلفين في أعقاب الانقلاب الصناعي وحروب نابليون، وقد شمل التَّحول كل مظاهر الحياة السِّياسية والاجتماع والأخلاق والمدنية والأدب والفن، وانتقل من مرحلة عرفت بالكلاسيكية الجديدة إلى مرحلة عرفها النَّاس باسم الرُّومانسية».
ومما يُرسِّخ هذا المفهوم أن الرُّومانسية لم تكن مذهباً أدبياً اقتضتها ضرورة المرحلة فحسب؛ بل هي:»مذهب أدبي من أخطر ماعرفت الحياة الأدبية العالمية سواء في فلسفته العاطفية ومبادئه الإنسانية أم في آثاره الأدبية و الاجتماعية».
ومن هذا يمكن القول بأن الرُّومانسية كانت لازمة اجتماعية وسياسية أيضاً لتجسير النَّهضة الأوربية الحديثة آنذاك من أَسْرِ القرون الوسطى ذلك أن الرُّومانسية كانت:»روحاً عامة، تسيطر على مشاعر الرُّومانسي وآرائه، يمكن أن نتوصل إليها حين نربط المذهب الفني بحذره الاجتماعي، فإذا كانت الطَّبقة البرجوازية قد حررت «الفرد» ?ابن طبقتها? اجتماعياً من أسر تقاليد العصور الوسطى، بحيث يُعْدُُّ هذا التَّحرير الإنساني للفرد كشفاً من أهم الإنجازات البشرية التي حققت النَّهضات الحديثة في جميع المجالات، فإن تحرير الإنسان أدى بالضَّرورة إلى تحرير الأدب ?أيضاً- من أسرِ القوالب الكلاسيكية التي أدت إلى تحجر الأدب وجموده».
هذه التَّغيرات التي أوجدتها الرُّومانسية في مرحلة التَّحول الحضاري وما صاحبتها من تغيرات أدبية واقتصادية وسياسية هي التي أوجدت ظروفاً اجتماعية جديدة مواتية للإبداع والتَّطور أثرت في إيجاد سياقة جديدة لأفكار الفلاسفة والأدباء، ولعل تعريف جاك بارزون للرُّومانسية يلقي أسطع الأضواء على طبيعة الحركة الرُّومانسية وتأثيرها في الفكر الأوربي باعتبارها:»الثَّورة التي نقلت الفكر الأوربي من توقع الثبات والرَّغبة فيه إلى الرَّغبة في التَّغيير وتوقعه».
إنَّ البحث المتأمل للمذهب الرُّومانسي في الشِّعر الأوربي يشيرُ إلى عددٍ من الاتجاهات نحو التَّغيير نشأت في أواخر القرن الثَّامن عشر واستمرت حتَّى منتصف القرن التَّاسع عشر، وهي مدارس تتباين في أوقاتها وأماكنها ودعاتها،وتتدرج من مجرد بحثٍ عن نواحٍ جديدة في إطار القديم إلى الثَّورة الصَّريحة على هذا الإطار نفسه إلا أنَّها تتفق في جملتها على أنها اتجاهات رومانسية تبرز الخيال الإبداعي والتَّعبير الذَّاتي والولع بالطَّبيعة موضوعاً للأدب ومعياراً لجودته.
ومن أبرز المدارس الرُّومانسية التي أسَّست لهذا المذهب في الأدب الأوربي:المدرسة الفرنسية والإنجليزية والألمانية، حيث يقول صاحب معجم المصطلحات الأدبية تعريفاً بالرُّومانسية في الأدب بأنه:»يقصد بها ثلاث مذاهب متشابهة في بلاد مختلفة: فيُراد بها أولاً مدرسة الكتَّاب الألمان في أواخر القرن الثَّامن عشر بقيادة فردريك شليجل، وتتميز بالثَّورة على المباديء والنَّواميس الجمالية الموروثة من أرسطو، واستبدال الوجدان والانفعالات الشَّخصية بها،واعتبار الرِّواية النَّثرية أهم نوع أدبي يعبر عن عصر هذه المدرسة تعبير الملحمة عن العصر الكلاسيكي. ويقصد بها ثانياً:مدرسة الشِّعر والنَّقد الإنجليزية التي ظهرت في العقد الأخير من القرن الثَّامن عشر تحت قيادة كولوردج ووردزورث، والتي ثارت كذلك على الأوضاع الأرسطوطالية الشَّائعة في الأدب الإنجليزي أثناء هذا القرن وذلك في سبيل تحرير الشِّعر من القوافي الجامدة ومن الإفراط في استعمال المحسِّنات البلاغية، وجعل الأدب أداة للتَّعبير عن نفسية الكاتب تعبيراً صادقاً، والاهتمام بالطَّبيعة الخارجية في الوصف الشِّعري. وأما المدرسة الثَّالثة فقد ازدهرت في فرنسا بين 1820و1850م، وأهم خصائصها شدة العناية ب»الأنا» والتَّعبير عن الشِّعور بالوحدة والحزن الناشيء عن القلق،وقد انبثق عن هذا الاتجاه اهتمام جديد باللآداب الجرمانية والأسكنديناوية مقترناً بالرِّجوع إلى مصادر الوحي في الآداب الشَّعبية القومية»1.
وعندما يتحدث النقاد عن العصر الرُّومانسي،يتبادر إلى الذِّهن الفترة الأدبية التي ميزت الأدب الفرنسي في أواخر النَِّصف الأول من القرن التَّاسع عشر، ولكن الواقع أن الرُّومانسية بدأت في ألمانيا وإنجلترا قبل ظهورها في فرنسا بزمنٍ غير قصير وبعد ذلك سادت المزاج الأوربي كله حوالي القرن التَّاسع عشر. ولكن أسبقية الفرنسيين تأتي من أنهم أول من جعلوا من الرُّومانسية مدرسة أدبية لها أعلامها ودستورها، إضافة إلى أن الحركة الرٌّومانسية قد بلورت مباديء الثَّورة الفرنسية في أدبها.
وهو ما يقرره الدَّّكتور شفيق البقاعي حين يقول:»لقد عرف الإنكليز والألمان هذا النَّوع من الأدب قبل الفرنسيين. إنمَّا الوهج الذي أعطاه الأدب الفرنسي استجابة لثورته عام 1776م، كان صداه أعنف وأقوى على السَّاحة الفنِّية في نفوس النَّاس أكثر مما قدمه الأدب الإنكليزي والألماني؛ لأنَّ الفرنسيين جسَّدُوا في شعرهم الإحساس العميق من حيث التَّقييد والرَّفض لذهنية المباديء السِّياسية التي قام من أجلها وسلط الأضواء ضدها هذا الأدب والتي تتمثل بالملكية. إذن قامت الرُّومانطيقية لتحطيم الأساليب القديمة التي كانت سائدة في السِّياسة وما ينعكس عنها في الأدب القومي؛ لأنَّ الأديب بعرفهم ينبغي أن يكتب لقضية عامة لا لمَلْكٍ أو لأمير أو نبيل»2.
وقد أخذت الرُّومانسية في كل بيئة نشأت فيها طابعاً خاصاً؛ فكانت ظلاً للمجتمع الذي ظهرت فيه، ولبست في كل منها ثوباً اختلف عن الآخر، وتأثرت الحركة بأوضاع البلاد المختلفة ونفسيات الشِّعوب التي تبنتها والظِروف الاجتماعية السَّائدة في كُلِّ منها،ففي إنجلترا لم تكن شديدة العداء للأدب القديم؛ بل كانت أسلوباً يتبعه بعض الشُّعراء للتحرر من ربقة التَّقاليد ويعودوا لاتخاذ الطَّبيعة موضوعاً لكتابتهم، ويتفننوا في إضفاء لون من الجمال التَّعبيري على جمال الطَّبيعة. ولعل ذلك عائد إلى أن تشوسر وشكسبير وملتون وغيرهم من الشُّعراء القدماء الذين أسهموا بقدر وافر في بعض مفاهيم الرُّومانسية، وإلى أن الإنجليزي محافظ بطبيعته وهو يحب التَّجديد تعديلاً للقديم لا ثورة عليه، ولذلك لم يظهر للرُّومانسية أثرٌ كبيرٌ في الفكر الإنجليزي كما يبدو في الفكر الألماني؛ بل اقتصرت على الأدب والفن.
من المعلوم أن تعريف هذا المصطلح لم يكن موضع اهتمام رواد الرُّومانسية الإنجليزية ومما يدلل على ذلك أن المصطلح لم يرد-على الإطلاق- في أهم وثائقهم التي تشرح النَّظرية الرُّومانسية الإنجليزية في الشِّعر وهي:»دفاع شلي عن الشِّعر»، و»السِّيرة الأدبية» لكلوردج و»مقدمة وردزورث» لقصائده الغنائية.
والواقع أن استخدام كلمة رومانسي في الأدب الانجليزي للدلالة على اتجاهات أدبية متعارف عليها بالفعل يعزي بصفة أساسية إلى كتاب مدام دي ستال عن»ألمانيا»، وإلى كتاب»الفن الدِّرامي والأدب» الذي ألفه أوجست شليجل ونُشرت ترجمته الإنجليزية عام 1815م. وقبل هذا التَّاريخ كانت سمات الأدب الرُّومانسي واضحة من خلال التَّرجمات التي صاحبت إنتاج القرون الوسطى وقد بدأت مردودها يظهر في الأدب الإنجليزي بعد نشر كتاب «فنجال» عام 1762م، ولم يكن هذا غير ترجمات لأشعار وضعت في القرون الوسطى.
وتقرر جيهان صفوت في هذا المنحى أن:»الوثائق النَّقدية الثَّلاث خيرُ دليلٍ على مدى تنوع الرُّومانسية الإنجليزية واتِّساعها. ومع أنَّ هذه الوثائق الثَّلاث تعبر عن وجهات نظر فردية لكنها تشترك في أربع نقاط جوهرية في الرُّومانسية الإنجليزية:فكُلّها تعطي الشِّعر مكانة عالية بين الفنون، وكلها تبدي اهتماماً باللُّغة الشِّعرية، وكُلَّها تؤكد على أهمية الدَّور الذي يلعبه الخيال في الخلق الفني، وكُلَّها تركز على علاقة العالم المرئي بعالم المثل. إنَّ الرُّومانسية الإنجليزية تتسع لواقعية ورد زورث وتمسكه بعالم الطَّبيعة المرئي، ومثالية «شلي» بفلسفته المتسامية الحالمة. لقد تركت الرُّومانسية الإنجليزية كثيراً من الأفكار النَّقدية البناءة كما تركت ثروة من الشِّعر المُلِهم»3.
وعلى العكس من ذلك نجد اهتمام المدرسة الألمانية بالدِّراسات النَّظرية للمذهب إلى جانب اهتمامها بالإنتاج الشِّعري ويُعزى ذلك لأسبقية المدرسة الألمانية وجهود فلاسفتها ونقادها في تقعيد المذهب ومن أوضح الأمثلة على هذا جهود الإخوة شليجل في وضع تعريف محدد للمصطلح:»ففريدرش شليجل هو أول من قدم المصطلح «رومانسي» في المحيط الأدبي، وكتب مايقرب من مائة وخمس وعشرين صفحة في تعريف الرُّومانسية».
أضف إلى ذلك أن الرُّومانسية وجدت ترحيباً على نطاقٍ واسعٍ في ألمانيا بما تحملها من أفكارٍ جديدة في المحيط الأدبي. وتعزو مدام دي ستال ذلك إلى أنَّ شعر الشَّمال يلائم عقلية الشّعوب الحرة أكثر من شعر الجنوب، شعر هوميروس. بينما يبرر بعض النَّقاد على أنَّ الإحساس بضآلة تراث الماضي كان سبباً أساسياً في التَّرحيب بالأفكار الجديدة وكان لهذا أثره في تحطيم الكلاسيكية الأدبية في ألمانيا على يد «ليسنج» الذي يعتبر تجسيداً حيَّاً لحركة التَّنوير الفلسفية.
وقمينٌ بنا أن نذكر أنَّ المدرسة الألمانية ظهرت بوادرها متطرفة في حركة «العاصفة والشِّدة» والتي استطاعت أن تخلص الأدب الألماني من أثر الكلاسيكيين الفرنسيين مثل راسين وكورني وفولتير وأخذت تقترب من روسو وديدرو، ومن الأدب الشَّعبي الألماني-كماوردت في أغلب المصادر- وقد أثرت في الشِّعر الغنائي «لكن هذه الحركة بالغت في التَّطرف بحيث أن ثورتها على ماكان يدعى الاستنارة كانت تذوب في فوضى عنيفة إلى أن أنقذ الأدب الألماني منها الشَّاعر غوته 1749-1832م»4.
بينما تميزت الرُّومانسية الفرنسية بالتَّحررية الأدبية والتَّعبير عن العواطف الجياشة والحنين إلى الجمال الغريب وكل ماهو مسرف في الخيال، وقد ظهر هذا المصطلح باكراً عند روسو في سنة 1777م، حيث استخدم الكلمة نفسها في الجولة الخامسة من كتابه «أحلام متجول منفرد»، الذي نشر عام 1782م. ثم غدت الكلمة شائعة الاستعمال في السَّنوات الأخيرة من القرن الثَّامن عشر عندما اعترفت الأكاديمية الفرنسية اعترافاً رسمياً بها في سنة 1798م. إضافة إلى ماذكرنا من تميز الرُّومانسية الفرنسية بتأطير النَّظرية الرُّومانسية من خلال المدرسة الفرنسية التي اشتهرت بأدبائها وأعلامها.
وتتجاوز الحركة الرُّومانسية بمفهومها الاصطلاحي المظاهر البارزة التي أشار إليها كثير من النُّقاد فيما سبق من آراء إلى معنى أعمق ينهض على أسسٍ أدبية و فلسفية باعتبارها حركة شاملة ومتنوعة امتدت لتشمل أكثر فروع المعرفة في الأدب والفن والفلسفة. ورغم أنَّها قد تختلف من بلدٍ إلى آخر، ومن كاتبٍ إلى آخر فإن لها مميزات عامة مشتركة أبرزها العاطفة مقابل العقل عند الكلاسيكيين، فالقلب عند الرُّومانسيين هو منبع الإلهام والهادي الذي لا يخطيء؛لأنه موضع الشِّعور ومكان الضَّمير. ولذالك يعرف شليجل الشِّعر الرُّومانسي بأنَّّه:»هو الذي يصف القضايا العاطفية بشكل خيالي، ويتساءل ماذا نعني بالعاطفي؟ ليجيب أنه الشَّيء الذي يظهر لنا حيث تكون فيه المشاعر مسيطرة. ليست مشاعر حسية لكنها روحية»5.
ومن سماتها أيضاً التَّأكيد على الفردية والذَّاتية وفي اعتقادي هي من أهم السِّمات التي لعبت دوراً مهماً في ثورة الرُّومانسيين على الشِّعر الكلاسيكي يقول كمال زكي:»إنَّ الفردية لازمة لبناء الفن الحر الخالص، وأنَّها كلما قويت في الأثر الفني كانت دليلاً على أصالته»6.
هذا الانفعال المفرط بالذَّاتية والفردية صبغ شعرهم بالحزن والسَّوداوية حيث وجدوا في الحزن تطهيراً للنفس الإنسانية ومن خلاله نشدوا العظمة والسِّمو حتَّى قال أحدهم:»لا شيء يجعلنا عظماء مثل ألم عظيم»، إلاَّ أنَّ هذه النَّظرة التَّشاؤمية لم تكن حائلاً في سبيل بحثهم عن مجتمع مثالي يحققون من خلاله ذواتهم ممَّا قادهم إلى الإعجاب بالقرون الوسطى، والحنين إلى الماضي، والبحث عن الأمان في أحضان الطَّبيعة، وهذا الفعل كان يتم بشكل واعٍ بحثاً عن الذَّات والجمال في عالم مثالي هو في نظرهم عالم سرمدي خالد وواقعي، في مقابل عالم المظاهر الخارجية وهو عالم مثخن بالجراح والشِّرور والتَّعاسة غير الحقيقية،ممَّا يجبرهم على الاكتئاب والنِّقمة. ولذلك اهتم الرُّومانسييون بالخيال الذي يعتبرونه أداتهم الجوهرية والأساسية والقوة المدهشة التي تحلق بهم في العوالم المثالية وهو عالم الخلود، ويعتقدون باستحالة الشِّعر بدونه. فالخيال كما يرى بليك:»قوة خالقة يستطاع بها تعميق الحقيقة، وقراءة الطَّبيعة على أنها رموز تشير إلى عالم أعمق وأرحب وراءها، أو إلى شيء كامن فيها لا يمكن قراءته بالطَّاقة العادية»7.
ويرى الدَّكتور محمود الرَّبيعي:»في إطار هذا المفهوم العام للشعر عند الرُّومانتيكيين تتحدد خصائص الشِّعر، وهي خصائص مشتركة كذلك، وإن كان هناك خلافٌ في بعض التفصيلات التي تبدو في تركيز طائفة على بعض هذه الخصائص، بينما تركز طائفة أخرى على خصائص أخرى، وهكذا. من هذه الخصائص المشتركة إعطاء الخيال أهمية عظمى واعتبار العالم الشِّعري عالم المعرفة بأعمق الحقائق، والتَّفكير في الطَّبيعة على أنها كائن حي، وإعطاء الجانبَين الإسطوري والرَّمزي أهمية كبيرة في التَّعبير الشِّعري»8.
ويضيف كيتس في رسالة من أهم رسائله:»إنَّ الشِّعر ينبغي أن يُدهشنا عن طريق التَّطرف الرَّقيق لا عن طريق الفردية. ينبغي أن يقرع القارئ بحيث يحسُّ كأن هذا الشِّعر يعبر عن أفكاره هو نفسه وفي أعلى حالاتها»9. ويكفي أن نذكر هنا أن الأدب الرُّومانسي أدب ثورة، فالثَّورة هي روحه والدافع إليه والهدف منه في الوقت نفسه ، وليس مبادئه خاصة بثورة بعينها؛ لأنَّ الثَّورة عنده يجب أن تكون أبدية، غايتها إقرار حرية الفرد في المجتمع، وبها انتقل التَّقديس والتَّبجيل إلى المباديء الإنسانية نفسها
ومن هنا يتَّضح لنا أن الكتَّاب الرُّومانسيين لم يكونوا مقيمين في في أبراجهم العاجية كما يزعمون؛ بل كانوا في قلقهم وجهودهم مثار السَّخط والإعجاب في ذات الوقت، ولكن مما لاشكَّ فيه أنهم ساعدوا على إقرار المباديء الإنسانية والاجتماعية، وتمهيد المستقبل لبناء المجتمع الحر.
ويبدو هذا الفعل من حديث الدَّكتورة رشيده مهران عن قيمة الأدب حيث تقول:»ومن هنا نرى أن عالم الأدب لايمكن أن يقتصر على قيمة بعينها.. وإنَّما هو في شموله ورحابته يضم القيم الاجتماعية والقيم النَّفسية. فهو كما يصور حياة الجماعة بكل واقعها.. يصف الواقع النَّفسي بكل خلجاته وانفعالاته»10.
إذن فالشَّاعر الرُّومانسي يجسد هذا المفهوم من خلال رؤية العالم في مرآة ذاته وانعكاسها على ما حوله في صياغة جديدة للواقع بحثاً عن المثالية في تجلياتها المختلفة. ولعل هذا ما رمى إليه مندور في قوله «فالإنسان سيظل دائماً في حاجة إلى التَّعبير عن ذاته.. والتَّنفيس عن آماله وآلامه الخاصة.. والشَّاعر إذ يتغنى بكل هذا لا يتغنى به لنفسه فحسب؛ بل يتغنى لنا جميعاً بحكم ما يجمعنا به من مشاركة وجدانية وإنسانية»11. ومن هذه الوجهة الذَّاتية التي ذكرها مندور يعبر الشَّاعر الرُّومانسي عن العالم من حوله ليحقق رسالة إنسانية ذلك أنه حين يصف عواطفه الإنسانية يتجاوب فيها مع الآخرين من خلال المشاركة الوجدانية بينه وبين جمهوره الذي يكتب له.
ونخلص من هذا أن الرُّومانسية جاءت تعبيراً عن الذَّّات كفرد وعن الذَّوات كشعب وأمة، وكان الوجه الأول يحتم ضرورة الاهتمام بالطَّبيعة البشرية في غموضها وعمقها وفي إمكاناتها غير المحدودة للتحليق فوق الكائنات والنَّظر إلى ما وراء المرئيات، بينما كان الوجه الثَّاني مادياً ملتصقًا بالأرض في مضمونه وآثاره، يرى رسالته في ضرورة تحرير الإنسان من ربقة الاستبداد سواء ما تعلق منه بالسِّياسة أو العرف؛ تعكس جوهرها يقظة حتمية أملتها الضَّرورة الاجتماعية والنَّفسية للمجتمعات البشرية في صراعها مع قوة الشر والاستبداد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.