حميدتي: قطر تحاول تدمير المجلس العسكري والدعم السريع    دول "الترويكا" تعلن دعمها للوساطة الأفريقية بشأن السودان    خبير اقتصادي يحذر من مخاطر طباعة الفئات الكبيرة من العملة    "المهدي ": "الانتقالي العسكري" سيستمر في حكم البلاد    تعيين مدير جديد لهيئة المواصفات والمقاييس    "علماء" يرصدون "القُبلة" الأولى بين مجرتين كبيرتين    ضبط كميات من الأسلحة والوقود بولاية كسلا    أمم إفريقيا تتسبب في فشل بطولة الدوري الممتاز    اعتقال مهاجم منتخب السودان والمريخ سيف تيري يفجر الاوضاع    التاج إبراهيم : فوزنا على الهلال يعطينا دافعا من اجل الفوز بالنخبة    الصادق المهدي :نحن ضد التصعيد حتى يحدد العسكري موقفه النهائي    منح شركات مربعات جديدة للتعدين في الذهب بجنوب كردفان    قيادي ب"نصرة الشريعة": استصال الإسلاميين من الساحة "لعب بالنار"    تصريح من تجمع المهنيين السودانيين    ورشة المنامة .. استسلام وخيانة .. بقلم: جورج ديوب    بيان صحفي هام من المكتب الاعلامي للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل    "صبي" يقتل عمه بالوادي الأخضر    في دوري النخبة: الهلال يفوز على أهلي شندي.. والمريخ يكسب هلال الأُبيّض    حصاد الجولة الأولى لأمم أفريقيا.. غياب التعادل السلبي وبطاقة حمراء    هواوي تتلقى “قبلة الحياة” من شركات أميركية    الدعم السريع: عناصر تتبع للحركات المسلحة تشوه صورة قواتنا    (315) مليون جنيه نصيب ولاية نهر النيل من عائدات التعدين    السودان: انخفاض معدلات التضخم في 2019    حملة لتطعيم أكثر من 168 ألف طفل بود مدني    ارتفاع صادر الصمغ العربي إلى 80 ألف طن    ترامب: "المصالح" مع السعودية أهم من قضية "خاشقجي"    السعودية: الحوثيون تعمدوا استهداف المدنيين بصاروخ إيراني    أميركا تطلق الجانب الاقتصادي لخطة السلام    عشرات الإصابات الجديدة بالحصبة بالولايات المتحدة    مدني تستهدف تطعيم 168,338 طفلاً    مشروعات ترفيهية جديدة بالساحة الخضراء بالخرطوم    تريند أفريقيا: سعادة عربية بنجاة المغرب وانتصار الجزائر    بومبيو إلى الرياض وأبوظبي    عقار يعالج فقدان الرغبة الجنسية لدى المرأة    محمد مرسي شهيد الانتخاب .. بقلم: د. مجدي الجزولي    سعر الدولار يقفز بتعاملات السوق السوداء برفقة اسعار العملات    الضفة الثالثة للنهر .. بقلم: عبد الله الشقليني    فيلسوف نزع الخوف (1): الذكرى التسعين لميلاد يورغن هابرماس .. ترجمة وعرض: د. حامد فضل الله / برلين    ما الذي أسرى بالبرهان من الشتم وعرّج به إلى الإذعان .. بقلم: عادل عبدالرحمن    وذرفتُ دمعاً سخيناً بميدان القيادة .. بقلم: صلاح الباشا/ الخرطوم    مشروع الشارقة الثقافي في إفريقيا    لزراعة تدشن نثر بذور أشجار المراعي بالنيل الأزرق    الشرطة: المواطن المقتول بابوسعد قاوم تنفيذ أمر قبض    أدبنا العربيّ في حضارة الغرب .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    مبادرة من "المهن الموسيقية" للمجلس العسكري    أين يعيش الطيب مصطفى . . ؟ .. بقلم: الطيب الزين    وفاة (3) أشخاص دهساً في حادث بمدينة أم درمان    اختراق علمي: تحويل جميع فصائل الدم إلى فصيلة واحدة    الصحة: 61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    61 قتيل الحصيلة الرسمية لضحايا فض الاعتصام والنيابة تبدأ التحقيق    عيدية حميدتي وبرهان لشعب السودان .. بقلم: الطيب محمد جاده    الصادق المهدي والفريق عبدالخالق في فضائية "الشروق" في أيام العيد    تعميم من المكتب الصحفي للشرطة    الشرطة تقر بمقتل مواطن على يد أحد ضباطها    "الشروق" تكمل بث حلقات يوميات "فضيل"    فنان ملخبط ...!    العلمانية والأسئلة البسيطة    الآن جاءوا ليحدثونا عن الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحركة الرومانسية أو ثورة الأدب في معركة التغيير (2-1)
نشر في الصحافة يوم 16 - 12 - 2010

تُعَدُّ الرُّومانسية من أكثر المصطلحات التي أثارت جدلاً واسعاً عند نقاد الأدب ودارسيه في تعريفها على وجه التَّحديد والدٍّقة، وذلك لاتساع المعنى الذي تدُور عليه كلمة الرُّومانسية كمصطلحٍ ذي مفهوم محدد في النَّقد الأدبي، ممَّا جعل بول فاليري يصرخ ساخراً:»لابدَّ أن يكون المرء غير متزن العقل إذا حاول تعريف الرُّومانسية».
لذلك أشار الدَّكتور محمد غنيمي هلال إلى صعوبة هذا الأمر لتوافر التَّعريفات التي وقف عليها في هذا المنحى حتى قال:»من العسير أن تُعطِي تعريفاً قصيراً لهذا المذهب الأدبي المعقد الجوانب، وكثيراً مايؤدي تعريف الأشياء على هذا النَّحو إلى تنكيرها والتَّضليل في مفهومها».
بينما تعلل جيهان صفوت لذلك بأن:»صعوبة الوصول إلى تعريفٍ محددٍ للرُّومانسية يعودُ بالدَّرجة الأولى إلى طبيعة الحركة الرُّومانسية ذاتها، فهي حركة فنِّية أدبية معقدة متعددة المظاهر والاتجاهات. ولذا فإنَّه من العبث محاولة صياغة تعريف محدد في عبارة مقتضبة للرُّومانسية بعامة ومن الأفضل أن نحاول فهم الرُّومانسية على أنها مذهب أدبي من أخطر ماعرفته الحياة الأدبية العالمية، سواء في فلسفته العاطفية ومبادئه الإنسانية أم في آثاره الأدبية والاجتماعية دون أن نحاول تعريفها تعريفاًً دقيقاً». في الوقت نفسه ترى النَّاقدة ليليان فيرست:»قصور التَّعريفات الواسعة والمحددة على السَّواء من حيث إن بعضها يعتبر صحيحاً بالنسبة إلى أعمال معينة بينما لا يعتبر صحيحاً بالنسبة إلى أعمال أخرى».
من هنا تتضح صعوبة الوصول إلى تعريف محدد للمصطلح من خلال المحاولات التي جرت من قبل بعض مؤرخي الأدب في عام 1925م، الذين أحصوا أكثر من مائة وخمسين تعريفاً في سبيل وضع تعريف محدد للرُّومانسية. وقد سبقتها محاولة أخرى على يدِ الألماني شليجل الذي:»جمع محاولات تعريف الرُّومانتيكية في مائة وخمس وعشرين صفحة»، ولم يكن الأمر في مجمله إلا اجتهادت غاية ماوصلت إليها أنَّها وضعت الخطوط العريضة للمصطلح.
وعلى الرُّغم ممَّا يعترض مصطلح الرُّومانسية من مشكلات تفوق الحصر يرى الكاتب أنَّ بحث هذا الموضوع يتطلب إلماماً بالظِّروف التَّاريخية والعوامل الاجتماعية التي نشأ في ظلها هذا المذهب؛ لأنَّ كثيراً من أسماء المذاهب والنَّظريات الاجتماعية أو الأدبية أو السياسية تتخذ لنفسها علاقة وثيقة إن لم تكن لصيقة بالظروف والبيئة التي نشأت في ظلها.
ويتطلب تعريف المصطلح الذي اتخذه هذا الاتجاه أو تلك النَّظرية الرِّجوع إلى أصل الكلمة، أو إلى ما كانت تنطبق عليه، وإلى مدلولاتها المختلفة سواء في الماضي أو الحاضر، ومن هنا يمكن الإنطلاق لبحث الجانب الموضوعي، وإبداء وجهات النَّظر المتباينة فيما يمكن أن يندرج تحتها من مذاهب واتجاهات.
ولكي نصل إلى نتيجة منطقية لهذا المصطلح سنتناول الرُّومانسية بالتَّحليل، ثم نتعرض للظروف الاجتماعية والسِّياسية والفكرية التي أدت إلى ظهور هذا الاتجاه، يستلزم ذلك أن نتناول شيئاً من ملامح الأدب الكلاسيكي وتحليله؛ لأن الرُّومانسية في الواقع ماظهرت إلا لأنَّ الكلاسيكية كانت سائدة، ثم نتعرض بشيء من التَّحديد والتَّفصيل إلى السِّمات والخصائص العامة التي ميزت هذا المذهب.
وينبغي أن نشير هنا على أن اللاحقة»إزم? ISM» في اللُّغة الإنجليزية عند إضافتها إلى الكلمة تعني اتجاهاً أو عقيدةً أو مذهباً، والغالب أن تضاف اللاحقة «إزم ? ISM» إلى الصفة لا إلى الاسم، إذاً فكلمة «رومانسROMANCE» اسم و»رومانتيك-ROMANTIC» الصِّفة المشتقة منه، وأضيفت علامة الحركة أو الاتجاه»إزم» إلى هذه الصِّفة فأصبحت»رومانتيسزم ROMANTICISM-» بينما نجد كلمة «رومانس ROMANCE» اسم وصفة.
وقد ورد في تعريف الرُّومانسية في موسوعة المصطلح النَّقدي:»الرُّومانس:اسم وصفة، يشير إلى نمطٍ من التَّأليف الشِّعري أو النَّثري، تعني بقصص البطولة أوالمغامرة والعجائب، عمَّا نجده في قصص ألف ليلة وليلة وبطولات الزير سالم. لذلك لايمكن ترجمة الكلمة إلى مقابل دقيق في العربية،ويحسن تعريبها، والإبقاء عليها اسماً وصفةً، كما جرى في اللُّغات الأوربية عامةً».
كما وردت الكلمة في الكتب والبحوث الأدبية المختلفة بمسميات مختلفة للمصطلح نفسه فتارةً تأخذ مسمى الرُّومانسية وتارةً أخرى تطلق عليها الرُّومانطيقية أوالرُّومانتيكية، وقد وقع اختيارنا على كلمة الرُّومانسية، وهو المصطلح المعرب من رومانتيكية في اللُّغة العربية، وهو ما أجمع عليه أغلب الدَّارسين. وفي محاولة لتحديد مصطلح الرُّومانسية ينبغي أن نتبع الجذور اللُّغوية لهذه الكلمة حتى نقف على أرض صلبة تمكننا من الانطلاق إلى معرفة المصطلح ومفهومه وماهيته في هذا المقال.
فقد اختلفت الآراء في تأصيل المصطلح من حيث تأريخه وماهيته، فتشير بعض المصادر على أن أصل كلمة رومانسية مشتقة من «رومانيوس» التي أطلقت على الآداب التي تفرعت عن اللاتينية باعتبارها إحدى اللُّغات المبتذلة آنئذ، ثم انتقلت إلى الفرنسيين فاستعملت على غير معنى، وعلى حقب متباعدة لكنها حافظت على معنى الحنين والحزن، وفي الإنجليزية حملت معاني الخيال والمغامرة، ذهب إلى هذا الرَّأي بعض النُّقاد من بينهم محمد بنيس في كتابه عن الرُّومانسية العربية حيث يقول:»ولنا أن نقترب قليلاً من بعض المعطيات التي أنتج في ضوئها مصطلح الرُّومانسية، إنه التَّأريخ اللُّغوي لأوربا حيث كانت اللُّغات الرُّومانسية في العصور الوسطى كلها تعتبر لغات مبتذلة، وينظر إليها كلغات مشتقة من الرُّومانسية المعارضة للاتينية رجال الكنيسة والمثقفون. ولكن هذه اللُّغات انتزعت شرعية نصوصها الأدبية، في الفترات اللاحقة، ثم أصبحت لهذه النِّصوص أشكالها المتميزة بتسميات «ROMANT»وROMANZE»»وROMANCERO»»، وتبعاً للوضعية التَّاريخية للأدبين الألماني والإنجليزي فإن تسميةROMANTICK»»وROMANTISCH»» كانت تدل على القيمة المحتقرة لنوع الأدب العجائبي كما لأدب الفروسية والأحاسيس الجموحة والمتوقدة. ومع ظهور فلسفة الحماسة أصبح هذا المصطلح يأخذ قبولاً وصفياً أو إيجابياً أحياناً، وهو ما يربط تأريخ مصطلح الرُّومانسية بالفلسفة من حيث الوعي بقضايا العقل الحديث وعلم الجمال».
إلا أن أغلب المصادر التي وقفتُ عليها ترجِّح المدلول الاشتقاقي للرُّومانسية إلى الكلمة الفرنسية القديمة»رومانتس»، والتي كانت تدل في العصور الوسطى على قصة من قصص الخيال والمغامرات شعراً أو نثراً، ومن هذا الجذر تفرعت وتطورت كلمات وأوصاف أخرى في مختلف اللُّغات الأوربية، وقد اقتبستها اللُّغة الإنجليزية عن الفرنسية، فحملت فيما بعد معنى الخيال والمغامرة،وحينما استعملت هذه الكلمة لأول مرة في اللُّغة الإنجليزية كانت تدل على نوع من الإغراق في الخيال.
يؤكد هذا القول ما جاء في تعريف الرُّومانسية في دائرة المعارف البريطانية:»أنَّها كلمة انحدرت من الفرنسية القديمة وتطلق على الأعمال الخيالية خاصة في الملاحم النَّثرية. وهي في المعنى اللُّغوي تستعمل كمقابل للكلاسيكية،وتعني شيئاً شعبياً مغامراً من غير تشكل، وتطورت الرُّومانسية في كل البلدان مسبوقة بانهيار المجتمعات الأرستقراطية وتوضيح الطَّريق والرَّغبة في النَّهضة لدى الطَّبقات الوسطى، كما ترتبط بسقوط الكلاسيكية والجانب المثير في الشِّعور الإنساني ليكون مؤكداً عليه».
والواقع أن ماجاء في دائرة المعارف من إشارة إلى سقوط وانهيار الكلاسيكية ماهو إلا دليل على أن سيادة مذهب أدبي ما في مرحلة تأريخية بعينها يعدُّ مظهراً من مظاهر ارتباط الآداب بجوانب فكرية وعقدية وسياسية كانت تسودُ في تلك المرحلة.
وبحلول العام 1760م، بدأ التَّحول الحقيقي لمفهوم الكلمة يتبلور في المحيط الأدبي، فأصبحت تطلق للدلالة على أدب مغاير للأدب الكلاسيكي؛ وذلك عندما استخدمها النَّاقد الألماني ويلهم شليجلA.W.SCHLEGEL بهذا المعنى في مجلة الآثنوم «1798-1800م» باعتباره أول من وازن بين المذهبين، فخلص على أن الرُّومانسية اتجاه جديد في الأدب يتميز عن الكلاسيكية، وكان لهذا المفهوم أثرٌ كبيرٌ في عناية الأدباء ببعث تراث الأدب الأوربي، ويكاد أن تكون هذه النَّظرة إحدى دعائم فكرة القومية التي تبنتها الطَّبقة الوسطى التي تعتبِر القرون الوسطى الإرث الحقيقي للأوربيين.
ثم أخذ هذا المفهوم يتطور- بمرور الأجيال- فأصبحت تطلق على المناظر الطَّبيعية والحوادث الخرافية والأساطير الخيالية، وأكدت هذا الاتجاه مدام دي ستال متأثرة بالألماني شليجل فعرَّفت الرُّومانسية بأنَّها:»الشِّعرُ الذي يحيا فيه الماضي الوطني، وأنَّه اتجاهٌ مقابل للكلاسيكية من ناحية الشَّكل الفنِّي والتَّعبير العاطفي،وبهذا المعنى انتقلت الكلمة إلى إيطاليا أواخر العشرينيات من القرن التَّاسع عشر ثم إلى إسبانيا». كما أن شيوع الرُّومانسية في أوربا أكسبتها معانٍ متعددة من تلك المعاني الحرية والعاطفة:»، وهما معنيان مرتبطان كما أنَّهما من أكثر معاني الكلمة دلالة، فالحرية تتضمن الفردية والثَّورة ضد القواعد والسلطة والتَّقاليد. أما العاطفة فتتضمن التِّلقائية واللاوعي ومنابع الأحداث والخلق الفنِّي وغيرها من السِّمات الإنسانية الأخرى التي تتصف باللاعقلانية، مثل:دفقة الحياة والملكة الصُّوفية».
ظلت الرُّومانسية محافظة على معناها الحرفي بجانب مدلولها المذهبي على الرُّغم من تعدد التَّعريفات التي تناولت المصطلح بالشَّرح والتَّفسير سواء أكان من مناصري الرُّومانسية أو من معارضيها فجاءت بعض التَّعريفات شاملة وأخرى ذات طبيعة قاصرة ومحددة:فيرى البعض أنه مذهب أدبي جديد مغاير للمذهب الكلاسيكي، بينما يرى أخرون أنه في مقابل الواقعية وذهب فريق ثالث في تعريفها وفقاً لخصائصها الفنية.
وكان من أصحاب الاتجاه الأول برونتير الذي يرى أن الرُّومانسية هي:»حركة أدبية تبنت كل ما ترفضه الكلاسيكية». وعند فكتور هوجو:»هي التَّحريرية في الأدب، وهي مزج الخيال الغريب بكل ما هو تراجيدي أو متسامِ،وهذا هو ماترفضه الكلاسيكية، إنَّ الرُّومانسية هي حقيقة الحياة في صورتها الكاملة». بينما يرفض آبر كرومبي جملة الآراء التي ترى في الرُّومانسية أدباً مقابلاً للأدب الكلاسيكي، فيُعرِّف الرُّومانسية بأنَّها:»ليست ضد الكلاسيكية ولكنها عكس الواقعية، هي إنسحاب من عالم الخبرة الخارجية إلى عالم الخبرة الدَّاخلية».
في الوقت نفسه هناك بعض الآراء التي تُعرِّف الرُّومانسية باعتبارها حركة تمثل طبيعة المرحلة وتفي بمتطلباتها الأدبية والفنِّية وعلى هذا الأساس عرَّفها ستندال بأنَّها:»الفن الأدبي الذي يراعي عادات زمانه ومعتقداته، أي أنَّها ترتبط بكل ماهو حديث معاصر»، وهو لذلك يَعِدُّ كل الشُّعراء العظام رومانسيين في عصرهم. وعلى هذا النَّسق يعتقد شيلنج أن:»المزاج الكلاسيكي يميل إلى دراسة الماضي، أما المزاج الرُّومانسي فلا يهتم بالماضي».
وهناك وجهات نظر أخرى تميل إلى تعريف الرُّومانسية وفقاً لخصائصها وسماتها التي تميزها عن المذاهب الأخرى وعلى هذا يعرِّفها ووتر هاوس:»محاولة للهروب من عالم الواقع». أو هي:»إضفاء الغرابة على الجمال» كما يراها باتر. بينما يعرفها هير فورد بأنها:»تطور غير عادي للحساسية الخيالية». وفيلبس لايذهب بعيداً حين يعرف الرُّومانسية بأنَّها:»الذَّاتية، وعشق كل ماهو مثير أو مفجِّر للصور الذِّهنية».
وعلى العموم لم يخرج مفهوم الرُّومانسية عند النُّقاد والفلاسفة والشُّعراء الذين تناولوا المصطلح عن المعنى المتعارف عليه من ربط العاطفة والخيال الابداعي بالمنطلق الذَّاتي ورؤيتهم للعالم من هذا المنظور.
مثل كُلّ المذاهب الأدبية والفنية جاءت الرُّومانسية تعبيراً فكرياً عن طبيعة العصر وروحه ولقد:»سبق ميلاد الرُّومانتيكية عوامل كثيرة منها ما يرجع إلى العصر:في خصائصه الاجتماعية والسِّياسية، ومنها ما يرجع إلى التَّيارات الفلسفية السَّائدة التي مهَّدت لتمجيد العواطف والإشادة بها، ومنها ما يرجع أخيراً إلى منابع أدبية جديدة أُتيح للآداب الأوربية أن تمتاح منها، وتتشبع بها، قبل أن تظهر الرُّومانتيكية مدرسة ذات قواعد محددة. ولابدَّ من الإلمام بهذه العوامل جميعاً ليتسنى لنا فهم المباديء الرُّومانتيكية في مصادرها».
والواقع أنَّ البحث عن البدايات الحقيقية الممهِدة للحركة الرُّومانسية هي بحثٌ عن أصول العاطفة الإنسانية؛ لأنَّها خليطٌٌ من مشاعر فردية وتطلعات مثالية، وقياساً على ذلك يمكن اعتبار أفلاطون إحدى محطات الأصل لهذا المذهب مروراً بشكسبير حتى نصل إلى القرن الثَّامن عشر فنجد عدة عوامل مهَّدت لظهور هذا المذهب.
تتضح العوامل السِّياسية والاجتماعية في الانتفاضات التَّحررية التي هزَّت أوربا في القرن الثَّامن عشر؛ ممَّا نتج عنها قيم جديدة وتحولات اجتماعية أدَّت إلى سيادة الطَّبقة البرجوازية-الوسطى- التي قادت النِّضال في سبيل التَّحرر السِّياسي والثَّقافي من الطَّبقة الأرستقراطية؛ وقد توج نضالهم بقيام الثَّورة الأمريكية عام 1765م و الثَّورة الفرنسية عام 1789م، وما لهما من تأثير في دفع الحركة الرُّومانسية إلى الأمام.
أضف إلى ذك فيه فإنَّ الحركة الرُّومانسية قد طبقت مباديء الثَّورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة على الأدب الرُّومانسي الجديد:»طبقت عليه»الحرية»؛ لأنَّه تحرر من القيود الكلاسيكية القديمة، ولم يَعُدْ خاضعاً لقواعد النَّقاد الذين يريدون ماتريده القاعدة النَّقدية لا مايحسه الأديب، وتحرر من بعض الأوزان التي لقنها الكلاسيكيون عن الأدب القديم، وأرادوا أن يكبِّلوا فيها الجُمل والعبارات تسمع صلصلتها ولا تعرف لها وقعاً...وطبقت عليه كلمة «المساواة»؛ لأنَّ الفنون كلها متساوية وطبقت عليها كلمة «الإخاء» وفهم منها أمران:الأول:أن الأنواع الأدبية متكافئة. فليس ما يمنع من خلط المأساة بالملهاة في الأدب المسرحي...والثَّاني:أن الآداب لاينبغي أن تحجزها القومية، فلا تختلط بغيرها، ولاتنقل عنه ماتشاء».
وكان من أثر هذه المقارنة بين الثَّورة السِّياسية والثَّورة الأدبية أن قال فكتورهوجو:إن الرُّومانسية هي الثَّورة الفرنسية، أداتها القلم لا المنجل؛ إذن فالرُّومانسية كانت موقفاً ثقافياً عاماً من قضايا المجتمع في جوانبها الإنسانية والفكرية والسِّياسية في مواجهة الأوضاع السَّائدة في تلك المرحلة.
يقول محمد غنيمي هلال في كتابه الرومانتيكية:» كان كثير من الكتَّاب يشعر بأن جمهوره الجديد من طبقة مهضومة الحقوق، وهي الطَّبقة البرجوازية التي نشأ فيها هؤلاء الكتَّاب، فاختاروا لأنفسهم أن يتحرروا من قيود أسلافهم، ليناصروا مطالب طبقتهم...وقد توجت هذه الجهود بالثَّورة الفرنسية التي كان تأثيرها عميقاً في الأدب الرُّومانتيكي في أوربا جميعاً،بما أوحت من أفكار جديدة في علاقة الأدب بالمجتمع».
أما العامل الفلسفي فيبدو في المفاهيم الفلسفية التي مجّدت العاطفة، ومهّدت للحساسية والشِّعور، فالرُّومانسية:»لم تبلغ هذه المرحلة المناهضة لإمبريالية الدولة والعقل إلاَّ عندما تهيأت لها العلاقة بين الفلسفة وعلم الجمال لدى «كانط» من خلال علم الجمال المثالي. هناك من يعتقد أن فتخه كان العتبة الأولى لبناء الوعي الجمالي عند الرُّومانسيين الألمان بفصله بين الذَّات وغير الذَّات، ثم قدرة الذَّات على التَّخيل الذي به تتعرف على نفسها وعلى ماهو غيرها».
ولكن هذا الأثر الفعَّال يعود لرواد الفلسفة الرُّومانسية الذين وضعوا معاييراً جديدة لبعض المسائل المتعارفة عليها من خلال المناقشات التي شغلت الفلاسفة والأدباء- من رواد حركة التَّنوير- طوال القرن الثَّامن عشر مثل مسائل:»الجمال والذوق والعبقرية التي:»أصبحت معقدة عند المفكرين الذين أثروا ببحوثهم في الرُّومانتيكية إذ مردُّ الجمال عندهم إلى الذَّوق، والذَّوق فردي. وخلق الفنان للجمال يستتبع القريحة أو العبقرية، ومن هنا وجدت مسائل أخرى: فما الذَّوق ؟ وما العبقرية؟ فيضٌ من البحوث زلزلت القواعد الكلاسيكية. فبعد أن كان الجمال موضوعياً أصبح ذاتياً، وبعد أن كان مطلقاً صار نسبياً، وبعد أن كان تطبيقاً لقواعد تجريدية صار مرده إلى تقاليد تجريبية خاصة أساسها الحاسة النَّفسية التي هي منبع ما فينا من مشاعر وعواطف».
والأدب في ضوء الفلسفة المثالية التي تستند عليها نظرية التَّعبير تقدم:»الشِّعور والوجدان والعاطفة على العقل والخبرة والتَّجربة. والفن في هذا السِّياق تعبير عن الصُّورة الخاصة للعالم وهي الصُّورة التي خلقتها الذَّات معتمدة الشِّعور والوَعِي العاطفي.. وكمال «التَّعبير» ها هنا هو قدرة الفن على تصوير خلق الذَّات لعالمها الخاص». ولذلك يرى الفيلسوف «كانط» أنَّ طريق المعرفة الحقيقية هو الشِّعور. بينما يرى هيغل:أنَّ الفن إدراك خاص للحقيقة وأن أداة هذا الإدراك الخيال، وقد استندت نظرية التَّعبير على هذه الفلسفة.
على ضوء تلك النَّظرية يرى الفلاسفة أن الشَّاعر هو الأقدر على المحاكاة في نظرية المحاكاة الأرسطية ومايولد عنه هو الإلهام عند إفلاطون أو غريزة المحاكاة عند أرسطو لكن عند الرُّومانسيين هنا هو الأقدر على التَّعبير ليكون الانفعال والشِّعور هو مصدر الإلهام.
يؤكد هذا القول الدَّكتور عيسى بلاطه في حديثه عن دور الفلسفة المثالية وتأثيرها في بلورة مفاهيم الرُّومانسية في الأدب الأوربي قائلاً:»وعلى الصَّعيد الفلسفي نشأت المثالية، وجاء أمانويل كانط 1724-1804، في كتاب:نقد العقل الخالص-1781 يحاول أن يظهر أنَّ العقل وإن كان باستطاعته شرح العالم المادي فإنه لايستطيع أن يكشف عالم ماوراء المادة؛ لأنَّ ذلك منوط بالتَّجربة الفردية والشِّعور الدَّاخلي أو الحدس. ووضع الحدود التي يمكن أن ينشط فيها كل من العقل والفهم.ومن المؤكد أنَّ هذه الحركة الجديدة لم تنتشر دون أن تلاقي مقاومة شديدة. فقد تصدَّت لها الأفكار القديمة بالنَّقد والتَّجريح حيناً، والسُّخرية حيناً آخراً. لكنها انتصرت في النِّهاية لأنها لاقت تاييداً كبيراً في تعبيرها عن روح العصر».
إضافة إلى ما ذكرنا هناك عامل آخر لعب دوراً مؤثراً وممَّهِداً للحركة الرُّومانسية تمثل في استلهام شعراء الرُّومانسية الغربيين للتراث الشَّرقي في خياله وأحلامه وفنه فيما يعرف بعملية التَّلاقح الحضاري بين الشَّرق والغرب والتي «ساعد الرَّحالة الغربيين على إطلاق خيال مواطنيهم في الحلم بحياة خير من حياتهم في المناطق البعيدة في الأفق المجهول. وكان بعض هذه الرِّحلات في الشَّرق حيث وُصِفَتْ فيه حكمة المصريين القدماء وتسامح الشَّرقيين، كذلك بلاد الخيال والأحلام، بلاد شهرزاد الفاتنة التي استطاعت أن تصوِّر عادات الشَّرق وتقاليده وحفلاته الدِّينية في قصصها اللَّيلية السَّاحرة، وسيطرت بها على السُّلطان لا بالمنطق والعلم، ولكن بقوة الخيال والتَّصوير. وحين ترجمت هذه القصص كان لها أثرٌ في الغرب في خياله وأحلامه وفنه».
ويذهب الدَّكتور طه وادي في مدى تأثر الرُّومانسية بالأدب العربي إلى أكثر من ذلك، في قوله:»إذا كان هناك مجال للزهو?عند الحديث عن الرُّومانسية خاصة? فهو للثقافة العربية التي ألهمت الأدب الأوربي كله كثيراً من سمات المذهب الرُّومانسي وتقاليده، فقد كان استلهام أدب الشَّرق العربي سمة من سمات نشأة الرُّومانسية في ألمانيا وفرنسا».
ويؤكد مارون عبود في هذا الاتجاه اعتراف الأوربيون في مؤلفاتهم بهذا التَّأثر؛لأن «الفرنسيون أنفسهم يقرُّون بأن أدبنا الشَّرقي أثَّر في أدبهم الرُّومانطيقي، ليس من حيث بنيانه فقط؛ بل أنَّه قدم له أزهى صور الوصف. وضربوا مثلاً على هذا كاتبهم الأشهر شاتوبريان في رحلته من باريس إلى القدس، وشاعرهم العظيم هوغو في مشرقياته وكاتبهم وشاعرهم لامرتين برحلته إلى الشَّرق».
إضافة إلى ما ذكرنا هناك أسباب أدبية مهَّدت للحركة الرُّومانسية فإذا عدنا إلى هذه الأسباب محاولين أن نستشف من الأحداث ما كان عليه تاريخ ما قبل ظهور الرُّومانسية لألفينا الكلاسيكية قد صاحبت النَّهضة الأوربية في وجودها،وكانت من مميزات النَّهضة وخصائصها إحياء العلوم والآداب والفنون. ففي إيطاليا مثلاً هاجر العلماء الإغريق الذين فروا من القسطنطينية بعد سقوطها ومن أبرزهم دانتي صاحب الكوميديا الإلهية، وبترارك وبوكاتشيو وكانوا بذلك الرَّعيل الأول الذي بدأ يستلهم وحيه من إنتاج الأدب اليُّوناني والرَّوماني القديم ويسيرون على منواله.
وينبغي أن نذكر هنا بأن الكلاسيكية ترمز إلى نوعين من الأدب والفن،فالكلاسيكية في اشتقاقها اللُّغوي:مأخوذة من كلمة رومانية قديمة حيث كان النَّاس ينقسمون إلى عدة طبقات في قمتها طبقة الكلاسيك ومعناها طبقة الفئة الممتازة، من هنا أطلق من أتوا مع النَّهضة أو بعدها على الأدب الرُّوماني واليوناني القديم اسم الأدب الكلاسيكي بمعنى أنه أدب ممتاز، أو نموذج يُحتذى به وما إلى ذاك كما يدل على التَّفوق، ولذلك أطلق على كتاب النَّهضة بأنهم كلاسيكيون باعتبارهم كانوا مقلدين ومحتذين للأدب الكلاسيكي القديم.
وعندما أصبح الكتَّاب القدماء مقدسين كاملين لا يخطئون في شيء-على حد زعمهم - كان لزاماً على الأدباء أن يسيروا على منوالهم، ولكي يسيروا على منوالهم كان عليهم أن يتَّبِعوا قواعد معينة ويراعوا حدوداً موضوعية، وألا يخالفوا تلك القواعد ولا ينتهكوا هذه الحدود. وهكذا انقلب الشَّاعر إلى صانع ألفاظ وعبارات، كل ماتعبر عنه ألفاظه حدثٌ مفتعل، يهتم بالشَّكل أكثر من اهتمامه بالجوهر، ويولي زخرف القول أهمية تفوق أهمية إحساسه وخياله، فيصبح متكلفاً أكثر من كونه صادقاً فيما يقول أو يكتب ولو نظرنا إلى مؤلفات ميكافيلي وتاسو وغيرهم لوجدناهم يسيرون على نهج الأقدمين ويحذون حذوهم سواء فيما يختارونه من موضوعات أو في طريق التَّعبير عنها أو فيما يوردونه من أحداث، ومن هذا يتضح أن:»الكلاسيكية مذهب تقيده القواعد والتَّقاليد، وأنَّ الرُّومانطيقية مذهبٌ يتميز بالحرية التي تفتح المجال واسعاً أمام الأصالة والخلق والابداع».
ويجب أن نلفت النَّظر في هذه النَّقطة بأنَّ الرُّومانسية ظهرت بكثير من ملامحها في كتابات الأقدمين ولكنها تميزت بالعمومية والشِّمول فيما بعد ظهورها كحركة استهدفت أنظار النَّاس فشغفوا بها وساروا على منوالها. ويمكن القول أن الرَّعيل الأول من الرُّومانسيين لم يبتدعوا المذهب من عدم؛ بل وجدوا جذوره منبثَّةٌ في أعماق القرون الوسطى، حيث وجدوا فنوناً لم يعرفها الكلاسيكيون في بعض الأعمال المتفرقة في القرون الوسطى، وأهم ما كشفت بحوثهم القصة الغرامية بما فيها من سمو عاطفة وخصب خيال مثل مسرحيات عملاق الأدب الإنجليزي شكسبير التي حلَّل فيها النَّفس البشرية بما له من قدرة على التَّصوير،حتَّى أن هذا النَّوع من القصص أصبح وسيلة التَّعبير الوحيدة بالنِّسبة لأشهر الرُّومانسيين وهي الكاتبة «جورج صاند» ولكتاب جاءوا بعدها.
أضف إلى ذلك كتاب»الفصول» الذي أصدره جيمس ثومبسون عام 1730م،الباكورة الأولى للشعر الذي يتخذ موضوعه الطَّبيعة وجمالها وروعتها مثل مرثية «جراي» وقصيدة جولد سميث «القرية المهجورة» وتبلوَّرت فيما بعد في الشِّعر الوصفي الذي أبدعه بيرون ووردزورث وكيتس وسكوت وشيلي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.