شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان وفر ملجأ آمنا للطائرات المصرية بقاعدة وادي سيدنا العسكرية
في ذكرى حرب أكتوبر 1973م المجيدة (3)

تعتبر حرب اكتوبر 1973م، من الحروب المهمة التي شهدها القرن العشرين ، لما احدثته من تبدلٍ حقيقيٍ في مفهوم الصراع المسلح الدولي والمحلي، وما احدثته من تغيرات في مفاهيم الاستراتيجية والتكتيك والتسليح، وقد تميز العقل العسكري العربي في هذه الحرب بالنضج الاستراتيجي مما مكنه من التخطيط السليم والتحضير والاعداد الممتاز والتقييد بكل المهنية والحرية العسكرية العالمية، مما ساعدهم في تطبيق كل فنون ومبادئ الحرب الحديثة، وتميز القادة والجنود في المعركة بالخبرة والمهارة في استخدام الاسلحة المعقدة ذات التقنية العالية. و بناء على ذلك تداعى الخبراء والمنظرون العسكريون والسياسيون اصحاب الفكر العسكري من الشرق والغرب لدراستها واستخلاص الدروس المستفادة منها وما احدثته من تغييرات في المفاهيم الاستراتيجية العسكرية. بالرغم من مرور سبعة وثلاثين عاما على هذه الحرب، فما زالت هدفا للاقلام الفكرية العسكرية والسياسية، ما زالت الايام تكشف كل يوم عن خفايا واسرار هذه الحرب، مما جعلها مادة عسكرية وسياسية تجدد كل يوم ومع مرور الزمن.
وفور دخول وقف إطلاق النار إلى حيز التنفيذ إكتشف الإسرائليون أن المصريون قاموا بتقريب بطاريات «أرض جو» للقناة، وقد نفذوا هذه العملية بكل فهم وذكاء، وأن المصريون نجحوا في خداع إسرائيل والولايات المتحدة، كان الهدف الاستراتيجي الذي عملت القيادة السياسية والعسكرية المصرية، هو كسر نظرية الأمن الاسرائيلي والتي تقوم على الآتي:
٭ تفوق عسكري بلا جدال وبلا قتال.
٭ دعم دولي يرى لنفسه مصلحة في ما تفعله إسرائيل بالعرب.
٭ درجة من القوة والشعور بالثقة تمتزج فيها القوة لشخصية من يستغلها، وأن الشخصية الاسرائلية قادرة على فعل كل شئ مع استعمال القوة بغير حدود وبغير رادع، وانه ليس هنالك من يحد قوته وارادته.
٭ إسرائيل هي القوة الوحيدة القادرة على الحركة الحرة في الفضاء السياسي في الشرق الأوسط، والآخرين يشعرون بأستمرار إنهم أمام قوة لا سبيل لقهرها، وبهذا تسعى إسرائيل إلى الدول العربية والمقاتلين العرب نفسياً وعملياً ومعنوياً.
القيادة السياسية والعسكرية المصرية استطاعت أن تحقق هذا الهدف الاستراتيجي وأن تكسر هذا الحاجز النفسي وأن تحدث إنقلابا في توازن القوة مادياً ونفسياً، وإنها الآن تمتلك زمام المبادرة للقيام بعمل عسكري ناجح وذلك باستغلال النجاح الذي تحقق عبر حرب الاستنزاف وبناء حائط الصواريخ واكتمال بناء القوات المسلحة لتنفيذ المهام الاستراتيجية والحيوية وهي استرداد الأراضي المغتصبة بالقوة. وهو ما دفع الفريق «محمد فوزي»، وزير الدفاع في ذلك الوقت ليعلن للقيادة السياسية وبكل الثقة أن القوات المسلحة المصرية جاهزة لتحقيق المهام القتالية لوحدها، أو مع الآخرين «سوريا والاردن» وأنها جاهزة لتنفيذ الخطة المجازة وهي «غرانيت1» والخاصة بالعبور في حماية حائط الصواريخ والتمركز على الناحية الأخرى من لقناة في الشرق، ثم العمل على استنزاف قوى العدوالاسرائيلي بحرب صواريخ مستمرة تواجه حشوده وتكلفة نزيف دم ومعدات، ثم تنظر التطورات في العمليات، واذا اتتها الفرصة تصل للمضائق طبقا لخطة «غرانيت2». ولتنفيذ هذه المهام القتالية الاستراتيجية، تم تجهيز عدد خمسة فرق مشاه وثلاثة فرق ميكانيكية وإثنين «2» فرقة مدرعة، وثلاثة لواء مدرع مستغل وثلاث كتائب استطلاع بري ولواء إنزال بري، بالإسناد وحدات الصواريخ الثابتة من سام« 2،3 » المتحركة من «سام 6،7» مع إمكانية تحريك منصات اطلاق الصواريخ إلى الأمام إذا تطلب الأمر العملياتي ذلك، وفي الإسناد الجوي أيضا طائرات «الميج ،السخدي، الميراج الفرنسية، طائرات هل مقاتلة».
هنالك عوامل سياسية خارجية واقليمية ساعدت في جاهزية القوات المصرية لدخول المعركة، بجانب المساندة الروسية المادية والبشرية والمعنوية، وهذه العوامل تمثلت في قيام ثورتي «مايو» في السودان، «والفاتح من سبتمبر» في ليبيا، الأولى كانت في 1969/5/25م، والثانية 1969/9/1م. قيام هذه الأنظمة في السودان وليبيا وتضامنها غير المحدودة مع مصر وإنها في خندق واحد وصف «واحد» اعطى هذا المتغير السياسي في السودان ليبيا، مصر عمق استراتيجي في جنوب وغرب، وهذا ما كانت تفتقده مصر بعد احتلال اسرائيل لمنطقة سيناء واصبحوا على ضفاف القتال الشرقية. وفي هذا الإتجاه وفر السودان ملجأ آمنا للطائرات العسكرية بقاعدة وادي سيدنا العسكرية الجوية..
كذلك إستضاف السودان الكلية الحربية المصرية بمنطقة جبل اولياء ، كما قدم السودان بجانب ذلك، الدعم السياسي والمعنوي.. وكان لقيام الثورة الليبية اثرها الكبير في تقديم العمق الاستراتيجي التعبوي وتقديم المائدة السياسية والمادية والمعنوية، قيام الثورة الليبية في هذا التوقيت قلب موازين القوة في البحر الأبيض المتوسط و تأثرت الاستراتيجية الغربية عموما سلبا بقيام هذه الثورة.
فقد كانت لكل من امريكا وبريطانيا قواعد عسكرية في ليبيا في كل من «بنغازي وطرابلس»، وهذه القواعد «حسب أكثر التقارير» تقدم المائدة لاسرائيل في عدوانِها على مصر عام 1967م، فليبيا الآن بمدادها المالية وموقها الجيو بولتيل والجيو سياسي أصبح في خدمة القضية العربية ومساندة مصر وتقديم الدعم لها بلا حدود في حربها مع اسرائيل، وبطلب مصري ورجاء، طلبت القيادة المصرية في ليبيا شراء عدد من الطائرات «الميراج» الفرنسية، كانت تحتاجها القوات المصرية لإكمال عمليات العبور، وكان في ذلك الوقت أمام القيادة الليبية طلبات من روسيا تخص الطائرة «الميج» وطلبات من امريكا تخص الطائرة «الفانتوم». استجابت ليبيا للطلب المصري وعملت على شراء عدد مائة طائرة «ميراج» تدرب عليها طيارين ليبيين ومصريين واعطيت مصر منها عدد «38» ميراج. مصر فضلت «الميراج» لأنها كانت تحتاج إلى طائرة قاذفة بعيدة المدى، وهذا غير متوفر في طائرات «الميج» أذ يبلغ مدى الطائرة الميج «25» دقيقة، بينما يبلغ مدى الطائرة الميراج «60» دقيقة، وهي إذن بهذه الصفات طائرة قاذفة وذات مدى ابعد وتحقق الردع المطلوب. وبإنضمام الطائرة «الميراج» بدأ العد التنازلي لبدأ القتال. والقوات المصرية الآ تمتلك القدرة الكافية من حيث الكم والنوع لتحقيق المهام العملياتية.
كان هنالك خلاف سياسي واستراتيجي فيما يتعلق بالعمل العسكري، فكانت مصر ترى أن تكون العمليات محدودة وفق الامكانيات المتوفرة وأن يكون الهدف كسر نظرية الأمن الاسرائيلي بالسلاح والسياسية وعلى مدى طويل ولكنه يستهدف كسر هذا الوهم والمنطق الذي يحكم التصرفات الاسرائيلية والذي يشكل في واقع الأمر نظرية الأمن الاسرائيلي. وكانت مصر ترى إنه لا يمكن التحرير الكامل بقفزة واحدة من النهر إلى البحر، لأن قوة اسرائيل تمنع ذلك وتجعل تكاليفه غالية جداً، وأن اصدقاء اسرائيل ومنشئي المشروع الاسرائيلي سواء في اليهودية العالمية أو من القوة صاحبة المصالح والمهمة بالموارد في المنطقة او الدول الكبرى التى تستعمل اسرائيل، كلها سوف تجيء وسوف تدافع وتمنع اي عمل حاسم ضد اسرائيل، وكانت القوى العربية الاخرى، مثل الجزائر وليبيا والعراق، ترى أن يتم التحرير الكامل من النهر إلى البحر، وبقفزة واحدة. لم توافق مصر على هذا الطرح الاستراتيجي المتهور، وقرر الرئيس «جمال عبدالناص»، في مؤتمر طرابلس إن مصر سوف تحارب ولو لوحدها وأن خطط وتجهيزات المعركة قد اعدت وفي إنتظار ساعة الصفر.! كان التخطيط الاستراتيجي المصري في ذلك الوقت مبني على أن تخوض مصر الحرب لوحدها لو تأخرت سوريا والاردن، وأن خططها مرنة بحيث يمكن قبول واستيعاب الآخرين في عمل مشترك يمكن التنسيق له، وأن تعذر ذلك فإن على مصر خوض المعركة لوحدها بالدعم العربي المتوفر.
وتحوطاً لهذا العمل المنفرد جهزت القوات المصرية العدد الكافي من الجسور، بعضها صنع محلياً والبعض الآخر تم طلبه من روسيا، وكانت القيادة العسكرية ترى في حالة عدم مشاركة سوريا في الجهة الشمالية سوف تكون تركيز الطيران الاسرائيلي على كباري العبور، مما يحتم توفير العدد الكافي منها وهذا ما تم بالفعل. ويرى المراقبون في ذلك الوقت في زعامة الرئيس جمال عبدالناصر، على مصر والخلاف السياسي بين مصر وسوريا، إنه يستبعد قيام عمل عسكري مشترك ضد اسرائيل، وخاصة وأن وجود جمال عبدالناصر وزعامته مصرياً وعربياً، كانت تخيف الكثيرين من القادة العرب، لما لها من تأثير سياسي داخلي يؤثر على شعوبهم. ولما كانت مصر ترى إنها الآن قادرة على تنفيذ المهام فإنها سوف تخوض المعركة لوحدها وبناءاً على خطة العمليات «غرانت1» وخاصة وأن السيد وزير الدفاع المصري الفريق محمد فوزي رئيس هيئة الأركان الفريق محمد أحمد صادق، قد أعلن جاهزيتهم للمعركة وفي إنتظار تعليمات العبور، وفي هذا الأثناء وفي يوم 1970/9/28م، توفى لرحمة مولاه رئيس جمهورية مصرالعربية جمال عبدالناصر، وخلفه السيد محمد أنورالسادات وبهذا فقد طويت صفحة سياسية بوفاة عبدالناصر وفتحت صفحة سياسية جديدة في عهد جديد كانت له توجهاته السياسية والعسكرية وخاضت مصر في خلافات سياسية داخلية تغيرت معها اوراق اللعبة السياسية والعسكرية، وتبدلت القيادات العسكرية والسياسية، وبالطبع هذا ادى إلى تغير ساعة صفر العبور حتى1973/10/6م.
9- في صباح يوم 1970/8/8م، اليوم التالي ليوم عملية اكمال بناء حائط الصواريخ، شعرت اسرائيل بأن أمراً ما تم وان المصريين تمكنوا بالفعل بكل الذكاء والمهارة ان يكملوا بناء حائط الصواريخ ولكنهم لم يجزموا متى تم ذلك، كذلك رصدت طائرات الاستطلاع الامريكية (U2) والتي كانت تتخذ من القاعدة الانجليزية في قبرص، قاعدة (أكروتيري) لتنفيذ مهمة في مراقبة حركة القوات المصرية غرب القناة، وتم التقاط بعض الصور الجوية التي أوضحت ان تغييراً قد تم، ولكن لضعف التقنية في ذلك الوقت لم تكن الصور بالدقة المطلوبة، مع اعتبار ان المصريين اتبعوا أسلوب الخداع في عمليات التمويه والحركة والمواقع الهيكلية والمزودة بالأجهزة الالكترونية، وكذلك ان الحركة تمت تحت ساتر الظلام. احتجت اسرائيل على هذا الأمر للولايات المتحدة صاحبة المبادرة، ولكن ونسبة للنشاط السياسي والدبلوماسي والاعلامي المصري والذي أدار معركته بكل المهارة منذ لحظة تحرك الصواريخ إلى بناء الحائط ومفنداً الادعاءات الاسرائيلية. ونسبة لعدم توفر الدليل القاطع في ذلك، تم تجاوز الازمة، أصبحت اسرائيل أمام أمر واقع، لا يمكن تحديه، وان سلاح طيرانها ممنوع من الاقتراب من القناة نظراً لأنها مغطاة ومحمية بواسطة بطاريات صواريخ أرض/جو. وبالفعل عندما حاولت اسرائيل الاقتراب من القناة ومحاولة العبور إلى العمق المصري تساقطت طائراتها بمعدلات عالية يومياً، وهي طائرات من نوع (الفانتوم) ذات السمعة العالمية العالية، أدى سقوط هذه الطائرات بطريقة لم تكن متوقعة، إلى اهتزاز هيئة الاركان العامة، وإلى هز أفضل الطيارين والملاحين الجويين، خاصة عندما أسر بعضهم لدى القوات المصرية، أدى هذا لانخفاض الروح المعنوية لدى الطيارين وغيرهم، وأدت هذه الهزيمة التي منى بها سلاح الطيران الاسرائيلي جعلت قادته يدرسون بإمعان مشكلة الطائرة والصاروخ. ولجأت اسرائيل إلى امريكا تشكو روسيا ومصر، وان المصريين بمساعدة الروس، قاموا بخرق وقف اطلاق النار وثبت حائط الصواريخ، وان اسرائيل تطلب من امريكا امدادها بالسلاح والمساعدة في تدمير حائط الصواريخ، حتى يمكن اعادة التوازن العسكري إلى وضعه السابق مع حرمان القوات المصرية من ميزة التفوق العسكري. كان لامريكا تحفظاتها كما يلي:-
أ- ان امريكا لا تريد ان تخسر الاتحاد السوفيتي في هذا الوقت بالذات لأنها تحتاجه لحل قضاياها في فيتنام والصين وقضايا الحد من الاسلحة النووية.
ب- منطقة الشرق الاوسط مورد هام للبترول والذي تحتاجه امريكا، وانها تريد المحافظة على الدول المعتدلة في ملف النيتو، حلف الأوسط (الحلف المركزي).
ج- أمريكا لا ترغب في سقوط بلاد عربية من الدول المعتدلة والتقليدية ومن أصدقائها التقليديين في هذا التوتر السائد في المنطقة، مثل ما حدث في ليبيا.
د- وأما فيما يتعلق بامداد اسرائيل بصواريخ أو أي أسلحة مضادة للصواريخ التي ادخلت مصر، فإن امريكا ليس لها هذا النوع من الصاروخ المضاد، وان الولايات المتحدة لم تتمكن بعد من انتاج صاروخ مضاد للصاروخ.
وأزمة تحريك الصواريخ في مصر من النطاق الخلفي للمعركة إلى الخط الامامي للقتال في 1970/8/7م وهي تماثل في عمومها، معركة الصواريخ الكوبية، بين الاتحاد السوفيتي وبين الولايات المتحدة في أواخر اكتوبر وأوائل نوفمبر 1962م. وفي ازمة الصواريخ الكوبية نشأ موقف دولي خطير حين أقدمت روسيا على تركيب صواريخ حاملة لرؤوس نووية في كوبا قريبة جداً من الشواطئ الامريكية بحيث يمكن ان تطالها، وكان هذا يمثل انقلاباً ضخماً في الخطط الاستراتيجية للبلدين الكبيرين. ولكن أمريكا وبرئاسة (جون كنيدي) فرضت حظراً في المحيط لا تستطيع البواخر السوفياتية الحاملة للصواريخ أو القادمة بأي معدات عسكرية ان تتجاوزه إلا عندما تخضع للتفتيش، ولعدة أيام والعالم كله معلقة انفاسه بهذه المواجهة بين القوتين الكبيرتين. ثم انتهى الأمر بتراجع الاتحاد السوفيتي وانتهت الأزمة. ان الازمات لا تتطابق، ولكنها وفي بعض المرات تتشابه، فالامر هنا في الشرق الاوسط وفي الجبهة المصرية صواريخ تتحرك إلى الامام ولكنها صواريخ تقليدية وليست نووية، والاساطيل الروسية والامريكية موجودة في البحر المتوسط، كذلك الاستطلاع الاستراتيجي الامريكي (U2) موجود في قبرص وفوق سماء جبهة القتال والروس والمعدات المصرية موجودين في العمق المصري، وكأنى بالرغم من محاولة اسرائيل جر الولايات المتحدة نحو الازمة، إلا امريكا كانت في ذلك الوقت لها حساباتها الاستراتيجية السياسية تفرض عليها عدم التقرب وبشكل مباشر نحو الازمة وبالرغم من الوجود الروسي المباشر في مصر. فالروس في الازمة الكوبية تراجعوا وامريكا في ازمة الصواريخ المصرية تريثت. وهذا الموقف الامريكي لا يعني ان واشنطن محايدة في القضايا العربية الاسرائيلية، وان واشنطن ليست محايدة تجاه اسرائيل أو في القضايا العربية الاسرائيلية، والميزان راجح نحوها، وسوف يستمر كذلك، فليس لواشنطن ما يسوغ ان تجعل اسرائيل عدواً لها، وستواصل اسرائيل تمتين علاقتها وتعميقها مع واشنطن، والعلاقات بين امريكا واسرائيل عميقة ومتنوعة ومتشابكة ومستمرة، وأحياناً مغضبة، ولكن الجانبين يعملان معاً لتعزيزها وستعمل امريكا على ادامة الفتها الطبيعية لدولة اسرائيل، ولكن هذه العلاقة العميقة والواسعة لا تعني دائماً ان واشنطن تفهم اسرائيل أو الاسرائيليين.
نواصل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.