الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاغتصاب بين تمدد الظاهرة وقصور القوانين
نشر في الصحافة يوم 30 - 07 - 2011

«طفلة دون العامين تتعرض للاغتصاب والقتل»، «عزابة يغتصبون طفلة في الثالثة»، «طفل في الخامسة يتعرض للاغتصاب والقتل»، «مجموعة من الشباب تختطف فتاة تسير بمعية خطيبها».. هذه عينة من عناوين كثيراً ما تقذف بها الصحف في وجوهنا وبصورة متواترة، بحيث لا يمكننا ان ندرجها في إطار الحالات الفردية.
تعتورني حالة اقرب إلى الاكتئاب والقرف منها إلى الحزن، كلما تخيلت منظر طفل أو طفلة لا حول له ولا قوة وهو يتأوه ويتوجع بين براثن مجرم لا أدري بماذا أصفه. طفل لا تسعفه سنوات عمره البسيطة في إدراك كنه ما يحدث له سوى إحساس غريزي بالخطر. ونسبة لافتقاره للقوة اللازمة لمجابهة هذا الخطر الماثل أمامه، نجده على أحسن الفروض يتسبب في احداث خدوش طفيفة بوجه المجرم لا تنقذه من قبضته ولكنها كثيراً ما كانت تشكل دليلاً دامغاً ضد كثير من هؤلاء المجرمين.
لا أريد الاستفاضة في الحديث عن الاسباب التي أدت إلى تفشي هذه الجريمة بهذه الصورة المخيفة، مثل المخدرات التي انتشرت بصورة مذهلة وانشغال كثير من الأسر عن اطفالهم لأسباب تتعلق بالناحية الاقتصادية والقنوات الفضائية والانترنت والتفكك الاسري والتداخل القبلي وحدود السودان المطلة على تسع دول، وما يتبع ذلك من دخول مواطني هذه الدول الرسمي وغير الرسمي حاملين معهم ثقافتهم الغريبة وجرائمهم الدخيلة على مجتمعنا السوداني، كذلك الحرب وما جرته وسببته من نزوح الكثيرين وتشريد اطفال فقدوا أبويهم ومأواهم ونزحوا مع من نزح، حيث أصبحوا عرضة للانتهاكات الجنسية من فاقدي الضمير، كذلك التساهل الشديد في منح الجنسية السودانية لمن يقيم بالسودان لمدة خمس سنوات فقط، بدلاً من عشر سنوات هي شرط منح الجنسية للأجنبي في قانون الجنسية السودانية لعام 1957م الملغي، وفوق ذلك كان يشترط هذا القانون الملغي أن يقيم الاجنبي إقامة دائمة لمدة عشر سنوات لا يغادر البلاد خلالها لمدة تزيد عن شهرين في العام، وما زاد عن الشهرين يهدم ما قبله من مدة إقامة الأجنبي ويبدأ حساب مدة جديدة.
وهو قانون اعتبره صارماً في ما يخص هذا الجانب، لذلك تسكنني الحيرة من الحكمة في تساهل القانون الحالي في منح الجنسية السودانية لكل من هبَّ ودبَّ، وكأن أرضنا هي أرض الأحلام. وهل فات على مشرعي هذا القانون المتساهل حد الدهشة ان مؤدى هذا أن يعج مجتمعنا السوداني المحافظ بخليط من البشر، مما ينجم عنه أنماط من الطباع والجرائم والثقافات السالبة والمختلفة عن ثقافتنا المحافظة حد الانغلاق أحياناً، ليشكل في نهاية المطاف خليطاً من مفاهيم وثقافات متضاربة غاية التضارب تصب كلها في بوتقة مجتمعنا المحافظ. وبحسابات بسيطة يمكن بكل يسر أن تتشكل شبكات اجرامية تتخذ من هؤلاء المتجنسين جسراً لإيصال المخدرات لعقر دارنا ونحن على غفلة من أمرنا. ولا أحد ينكر الآن التغيير المحزن الذي طرأ على تركيبة المجتمع السوداني منذ منتصف التسعينيات وإلى الآن.
والمجتمع السوداني رغم محافظته إلا انه كبقية المجتمعات ليس بالمثالي، فبنظرة رصينة له نجد أن المحاكم ومنذ انشائها عرفت قضايا تؤكد حدوث اغتصاب أطفال وغيرهم. كذلك تداولت المجالس ذكر حوادث من هذا النوع، ولكنها تظل في النهاية حالات فردية تحدث على فترات متباعدة نسبياً. ومهما أبحرنا في التفاؤل فلن نستطيع استئصال شأفة هذه الجريمة البشعة، إلا بخلق مجتمع مثالي خالٍ من الجرائم كافة، وهذا لا يمكن إيجاده إلا في مدينة افلاطون الفاضلة، وتظل هذه مجرد أمنية يصبح من الغباء انتظار تحققها، ولكن هذا لا يمنع تضافر جهود الاسرة والمجتمع بأكمله والجهات الرسمية على الأقل، للرجوع بهذه الجريمة إلى حدها الادنى الذي عُرفت به في السابق.
كيف يقبل رجل مهما انحدر للدرك الأسفل وشَابَه الحيوان في صفاته أن يفعل فاحشة بطفل أو طفلة دون العامين أو الثلاثة، يدعو جسدها الضئيل وصغر حجم اعضائها من ناحية تشريحية للنفور من مجرد التفكير في أن ينظر اليها اي ادمي نظرة خبيثة؟ هذه الناحية التشريحية في اعتقادي لا تحتاج لدين إسلامي أو مسيحي ليبعد اي وحش عن طفلة تحسب سنين عمرها على اصابع اليد الواحدة، فالفطرة السليمة وحدها كافية لرفض هذا السلوك القميء، بغض النظر عن الدين.
وإذا كانت جريمة الزنا التي تتم باتفاق طرفين بالغين من الفظاعة بحيث يغضب لها الله سبحانه وتعالى ويهتز لها عرشه، فما قولنا في اغتصاب قاصر ذكراً كان أو انثى؟ فما بالك بفظاعة اغتصاب طفل غير مميز بلغة اهل القانون، اي دون السابعة، يفعل به المجرم ما يفعل ثم يتركه عرضة لأن تتناوشه الكوابيس والامراض النفسية ما بقي حياً؟
إن الصورة الماثلة أمامنا الآن تستدعي وفورا تدخل السلطة التشريعية لسن قوانين رادعة. فكما تدخل المشرع وسن نصوصاً مشددة ورادعة لمرتكب جريمة الاغتصاب في حق الطفل، نناشده ايضا بالتدخل وسن قوانين رادعة لحماية الضحايا الاكبر سناً. فالقوانين السارية التي تعاقب مرتكب جريمة الاغتصاب ضعيفة والعقوبة لا تتناسب وفظاعة الجرم. وقد يقول قائل إن جريمة القتل العمد مازالت مستمرة الحدوث رغم تطبيق عقوبة الإعدام، ولكن لن يستطيع الجزم بأن احداً تراجع عن قتل احدهم خوفاً من العقوبة التي تنتظره. وقياساً على ذلك أقول إن سن قوانين جديدة اشد ردعاً قد يجعل الكثير من المجرمين يتراجع عن ارتكاب هذا الجرم، خوفاً من العقوبة القاسية إذا ما اُكتشفت جريمته.
وفي رأيي شخصي الضعيف أن معالجة الموضوع علاجاً مقنعاً، وليس جذرياً بالطبع، تحتم علينا معرفة من هم الجناة في الغالب من الأحوال؟ فقد ورد على لسان احد المسؤولين انهم احد ثلاثة 1/ أحد الاقارب من العائلة. 2/ ابن الجيران. 3/ اليد التي تمتد بالحلوى للطفل. وبالنسبة للأول فإن آصرة القربى التي تربطه بأسرة الضحية تتيح له دخول المنزل في أي وقت يشاء دون رقيب، فيستغل اطمئنان الاسرة له وثقتها فيه، وينفرد بالضحية على حين غرة ويرتكب جريمته بأعصاب باردة. اما بالنسبة لابن الجيران ففي معظم انحاء السودان تجد الأسر منفتحة في علاقاتها مع الجيران، والحدود العلائقية متداخلة بصورة كبيرة، فنجد أن الطفل يعرف ابن الجيران معرفة تامة ويطمئن له. اما صاحب اليد التي تمتد بالحلوى للطفل فيستغل براءة الطفل وحبه الذي لا يقاوم للحلوى، فينقاد له الطفل دون ان تسعفه سنين عمره البسيطة لتخمين المصير المظلم الذي ينتظره.
والسؤال هو كيف يمكننا أن نعالج هذه المسألة؟
بالنسبة للصنف الاول والثاني والمتمثل في الاقارب وابن الجيران وحتى الاصدقاء، سنكون غير واقعيين إذا تصورنا أن الحل سهل بمكان. إذ أن الرقابة في مجتمع تتداخل فيه الحدود والوشائج الاجتماعية وأواصر القربى، وتتعمق فيه العادات الموروثة والمتجذرة، وتسود فيه العائلة الممتدة التي تشمل افراداً يمتون للأسرة بالقرابة من الدرجة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، وما يتبع ذلك من توسع في محيط علاقة أبنائنا بمن حولهم.. الرقابة الفعالة في هكذا أجواء تكون ضرباً من الخيال. ومهما كنت يقظاً وحذراً فلن تصل إلى النتيجة المرجوة. وإذا أردنا علاج المسألة على نحو مقنع سندخل في صراع مرير مع أنفسنا، وستكون المعادلة أصعب مما نتصور، حيث يصعب علينا كسر حاجز ما استقرت عليه عاداتنا، لأن ما كسبناه من أعراف رسخت عبر ممارسة طويلة نشانأ عليها، واصبحت جزءاً من فلسفة حياة الكثيرين، يصعب أن نلغيها بجرة قلم في لحظة استنكار لما صار يحدث من البعض، خاصة أننا نعتز بهذه الموروثات التي أصبحت في ظل المعطيات التي أمامنا سلاحا ذا حدين، في حده الأول أنها موروثات جميلة فيها التكافل والإحساس بالآخر وصلة الرحم وأن الكل مسؤول مسؤولية كاملة عن الكل. ولأن الفن هو مرآة الواقع نجده يعكس هذه الناحية من العلاقة حيث تقول الأغنية «مقنع الكاشفات» و «مدرج العاطلة» و «المأمون على بنوت فريقه». وفي حده الثاني أنها موروثات تصعب كثيراً من عملية مراقبة أطفالنا من أن يقعوا فريسة لمن انعدمت ضمائرهم من الأقارب أو أبناء الجيران أو الأصدقاء. وهذه الموروثات تشكل موضوعاً شائكاً ومتشابك الأطراف، حيث نجدها أيضاً تصعب من عملية الرقابة على أبنائنا من أن يدمنوا المخدرات التي تقود بدورها لارتكاب جريمة الاغتصاب، فيصبح أبناؤنا ضحايا ومجرمين في نفس الوقت.
فحيال مسألة العائلة الممتدة تجد نفسك محرجاً وأنت تمنع ابنك من أن يزور عمته التي هي أختك شقيقتك مثلاً، وأنت تعلم تماماً أن لها ابناً في عمر ابنك ذا سلوك غير قويم، وتكون محرجاً أكثر وأنت ترفض أن يزورك ابن أختك شقيقتك هذا خوفاً على أبنائك منه. فتكتفي على أحسن الفروض بأن تنصح ابنك بعدم التأثر به، كما تنصحه أيضاً بوجوب عدم التأثر بزملاء الدراسة غير الأسوياء وما حوله في المدرسة والشارع من سلوكيات سالبة، وأن يختار أصدقاءه بعناية، وألا يثق في أي شخص سواء كان يعرفه أو لا يعرفه، وتراقبه وهو مشدود إلى التلفزيون أو الإنترنت إن وجد ماذا يشاهد وما هو المسموح وما هو الممنوع وما الذي يناسب سنه والعكس صحيح. وهكذا تصبح علاقتنا بأبنائنا يسودها طابع النصح والتوجيهات وسلسلة طويلة من اللاءات التي يفرضها الواقع المعاش، فيستاء الأبناء غاية الاستياء، ومن منا لا يمل النصح والتوجيه المتواصل؟
ونسبة لضعف قوانيننا في ما يخص جريمة الاغتصاب، أرى مثل كثيرين ضرورة تدخل السلطة التشريعية لسن نصوص قانونية أكثر ردعاً، بدلاً من تلك التي لم تعد مجدية في ظل واقع يعج بأحداث يقشعر لها البدن. وذلك على غرار ما حدث من تعديل في قانون الحشيش والأفيون لعام 1924م، حيث كانت العقوبة في سقفها الأعلى لا تتجاوز سبع سنوات سجناً، أو الغرامة التي لا تتجاوز الخمسمائة جنيه. فلما زاد خطر المخدرات وتعددت أنواعها وتوسعت طرق تهريبها وتجارتها، اضطر المشرع إلى أن يشدد العقوبة حتى يدرأ خطر هذه الجريمة أو يخفف من حدة انتشارها بقدر الإمكان، فكان أن جاء التعديل بأن تغير اسم القانون من « قانون الحشيش والأفيون لعام 1924م» إلى «قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1994م» وهو اسم أشمل من سابقه، لأن المؤثرات العقلية أصبحت كثيرة الأنواع فلم يحصر القانون أسماءها. فتعدلت العقوبة لتتراوح ما بين عشرة إلى عشرين عاماً سجناً أو الإعدام في حالات محدودة، منها تقديم المخدرات لطلاب المدارس أو توزيعها في أماكن الدراسة، وكذلك في حالة أن يكون المروج هو الشخص المنوط به مكافحة المخدرات. وتأسياً بهذا القانون وقياساً عليه، أتمنى أن تسن قواعد تشدد من عقوبة ارتكاب جريمة الاغتصاب، وذلك حتى لا تسود الفوضى ويتزعزع أمن المواطن.
وقد يتبادر إلى ذهنك عند قراءة عبارة «إسفكسيا الخنق» أن الخنق دائماً ما يتم عن عمد وقصد، ولكن الدكتور عقيل سوار الدهب اختصاصي التشريح والذي كثيراً ما بكى أمام جثة طفل راح ضحية لجريمة اغتصاب وقتل، أو لجثة طفلة مسجاة في المشرحة لا يتعدي عمرها الخمس سنوات راحت هي الأخرى لعرف موغل في الخطأ والتخلف هو «ختان الإناث». ولكن الدكتور عقيل أوضح أن إسفكسيا الخنق كثيراً ما كان سببه هو انكباب جسم ضخم على جسد الضحية، ولك أن تتخيل ضآلة حجم الأخيرة التي قد تكون في سن الرضاعة مقارنة بحجم المجرم، هذا إضافة إلى أن الوفاة قد تنجم عن كسر أضلاع الضحية أو بسبب الإيلاج الكامل.
أما بالنسبة للصنف الثالث وهو صاحب اليد التي تمتد بالحلوى للطفل، فيقصد به الشخص الغريب أو عابر السبيل، وهنا تقع المسؤولية في الغالب على الأسرة فالمراقبة المستمرة ضرورة، وعدم ابتعاد الطفل عن ذويه ولو لجزء من الساعة لما فيه من الخطورة ضرورة. ويقع جانب من المسؤولية على إدارة المدرسة في الرقابة، بحيث يجب أن تمنع تحلق التلاميذ خارج مبنى المدرسة حول الباعة المتجولين، فالجريمة غالباً ما تحدث خلال ثوانٍ معدودة لينضم الضحية لقائمة «خرج ولم يعد» والمعطيات التي أمامنا تشير وبكل أسف إلى ضرورة تشرُّب أطفالنا بثقافة «عدم الثقة في الآخر وعدم الانقياد وراء من يعرفه ومن لا يعرفه في الشارع والمدرسة وغيرها» وهنا اعترض دون تردد على وجود طفل في الأساس لا يتعدى عمره الخمس سنوات مع تلميذ آخر مراهق قد يتعدى الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، في بعض الأحيان، في نفس المدرسة. فأي منطق هذا وأي قرار هذا يا سعادة وزير التربية والتعليم مع كامل الاحترام؟ وهل من وضعوا هذا القرار موضع التنفيذ فكروا فيه ودرسوه من كل جوانبه؟ أشك في هذا.
وهناك لمسة لا بد من وضعها حتى تكتمل لوحة الأسباب التي تساعد في ارتكاب هذه الجريمة، ألا وهي عدم الإبلاغ عن هذه الجريمة في الغالب من الأحوال، وذلك لأننا نعيش ثقافة مجتمعية سالبة تتمثل في أن ما حدث للطفل هو فضيحة يجب مداراتها حتى لا يعرفها أحد، رغم أن الطفل ضحية ولا يد له في ما حدث. فمجتمع هذه قناعاته من الصعب أن تتراجع نسبة هذه الجريمة فيه. ولا حل سوى إقامة حملات توعوية لتغيير هذه المفاهيم. فيجب أن يتشرَّب الكل بثقافة جديدة مؤداها أن ننظر للضحية على أنه ضحية، وألا يد له في ما حدث، وأن ما حدث له يجب أن ينسى فوراً، ويمكن أن يحدث لأي طفل أخر أو فتاة أخرى. فالحل يكمن في تنفيذ مشروع توعية مجتمعية لتخريج دعاة لديهم وعي علمي وإلمام ديني بالظواهر الاجتماعية المهددة للمجتمع، وأخذ جوهر الدين لا مظهره، حيث أن هذه هي مأساتنا مع التعاطي مع الدين، حيث يخالجني ظن أشبه باليقين بأن الخطاب الديني المغلوط الذي يركز على أن المرأة مخلوق لامتاع الرجل فقط، يحيل النظرة للمرأة إلى أنها مصدر للجنس فقط، وليست كياناً يجب احترامه، ومن هنا تبدأ المأساة وتتكرر. وهذا المشروع التوعوي عالى التكلفة، ولكنه يظل في نظري السبيل الأمثل لحل المشكلات الاجتماعية بصورة مقنعة. وقد جاءت في إحدى المجلات المصرية هذه العبارة «التحرش بالمحجبات مثله مثل التحرش بالسافرات في الكم»، كما أثبتت الدراسات في مصر أن ملابس الفتيات ليست السبب. ويجب ألا يُساء قصدي في مسألة لبس الفتيات، فأنا لا أشجع السفور وقد أستطيع إدراجه ضمن الأسباب المؤدية إلى التحرش بفتاة غير محتشمة الملبس. إذاً يجب أن نسبر غور هذا الموضوع ونقتله بحثاً، لنضع أيدينا على كل أسباب انتشار هذه الظاهرة، وهذا بمثابة تشخيص للحالة حتى يتسنى إيجاد العلاج الناجع والله الموفق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.