الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإصلاح الأكاديمي
جامعة الخرطوم، الحاضر والمستقبل: «4-7»
نشر في الصحافة يوم 03 - 02 - 2010


أرني، ربما أتذكر
لكن دعني أتفاعل معك وسأفهم
«مثل صيني قديم».
واكبت الجامعة تطور طرق التدريس بالاستفادة من معينات التقنية الحديثة وتقنية المعلومات. أرجو أن يتزايد الاهتمام بهذه المسألة ويتسارع دون أن ننسى أن هذه المعينات الحديثة أتت لتحسين الأداء التعليمي ولعب دور مساند لأدوات التدريس التقليدية مثل السبورة المتمتعة بقداسة القدم والتي أثبتت، ولا زالت تثبت في أحوال معينة في أكبر الجامعات العالمية المتقدمة، فاعليتها. لقد رأت جامعة الملك سعود أن تطلب من جميع أعضاء هيئة التدريس بها تأسيس مواقع لهم في شبكة المعلومات الدولية يطرحون فيها مذكرات المقررات التي يدرسونها حتى يطلع عليها طلابهم ويتوافر بذلك لهم قناة أخرى، بجانب قاعة المحاضرات- يتفاعلون عبرها مع الأساتذة كما يفعل طلاب الجامعات المفتوحة. وستحسن الجامعة صنعا لو استفادت من تجربة جامعة السودان المفتوحة في هذا المجال لأنها بحق، رغم حداثتها، جامعة مرموقة تتمتع بعلاقات قوية مع مثيلاتها في أوربا وافريقيا وآسيا ، وتقوم على أمرها ادارة نشطة مقتدرة تعمل بجد وتجرد لتلعب دورا متقدما في نهضة البلاد. ربما لا يعلم كثير من الناس، حتى الذين هم في مؤسسات التعليم العالي، كثيرا عن جامعة السودان المفتوحة. انني أقترح عليهم وعلى أجهزة الاعلام القومي زيارتها ليروا نموذجا حيا للعمل الدؤوب الصامت في بناء السودان.
ان وسائل التقنية الحديثة توفر مجالا أوسع لتفاعل الطالب مع أستاذه، وفي هذا السياق أعجبت بمقال كتبه بروفسير عوض أمين عباس «الصحافة 13/11/2009 العدد 5872» عن الجامعات الالكترونية نبه فيه الى أهمية دور التقنيات الحديثة في تمدد مدى التواصل والتفاعل بين الأستاذ والطالب عبر صفحة الأستاذ في شبكة المعلومات، حيث يعرض الأستاذ المقررات التي يدرسها والواجبات المنزلية التي يقررها ويخطر طلابه بأي تعديل في ساعات وجوده بمكتبه «الساعات المكتبية» لاستقبالهم لشرح ما قد يكون قد استعصى عليهم فهمه في دروسهم، وهذا جانب هام في بلد كالسودان حيث وقتك ليس دائما ملكك! ولم ينس البروفسير عوض أن يذكر بأن الحياة الجامعية لم تعد مرتبطة بدوام معين، أو فترة زمنية محددة، ولقد ذكرت في مقالي السابق أن ذلك كان حال جامعة الخرطوم في الماضي عندما كان الأستاذ حاضرا دائما في الجامعة، وكان أساتذة كثيرون يواصلون عملهم في التدريس والبحث العلمي بعد تناول وجبة غداء فاخرة في نادى الأساتذة يدفعون نظيرها مبلغا كان -على كبره، زهيدا بالنسبة لرواتبهم المحترمة آنذاك. وهذا هو السبب في أنك تجد قدامى الأساتذة حاضرين دائما في الجامعة فتلك جبلتهم التي تطبعوا عليها منذ ذلك الزمن وأظنهم لن يبدلوها وان لم يتقاضوا أجرا! ان التفاعل الأكاديمي بين الطالب وأستاذه مطلوب في الجامعة، و كان دائما مطلوبا كما يبين المثل الصيني القديم في بداية هذه المقالة .
ان الجامعة تحتاج أن تولي التدريس وجهود الأساتذة فيه عناية أكبر مما تفعل الآن فترصد الأداء التدريسي رصدا دقيقا وتعلي من شأنه في معايير الترقي، وليت الجامعات و الهيئات والجمعيات المهنية في البلاد تهتم بتكريم أساتذة التعليم العالي المتميزين في التدريس في مجالاتهم، كما تفعل مثلا الجامعات و الجمعيات المهنية الأمريكية . ويحضرني هنا مثال مشرق من جامعة الملك سعود بالرياض التي ترصد الآن جوائز مالية ضخمة للتميز في التدريس، وقد نال الجائزة الأولى لهذا العام على مستوى كافة فروع الجامعة وكلياتها الدكتور كمال الدين حسين الطاهر- وهو أستاذ سوداني شاب بكلية الصيدلة فيها وهو أيضا أستاذ من هيئة تدريس كلية صيدلة جامعة الخرطوم.
لايغيب عن ادارة الجامعة أن طبيعة العلوم التجريبية وأهمية التدريب الميداني يوجبان تطوير مستويات المعامل وبرامج التدريب في كليات الجامعة. ان دولة ألمانيا الاتحادية أعانتنا في الماضي في مجال تزويدنا بمعدات المعامل ويمكن تفعيل اتفاقياتنا مع جامعات في ألمانيا الموحدة الآن وابرام اتفاقيات جديدة مع جامعات أخرى فيها لتطوير المعامل.
إن دور المكتبة في الجامعة محوري والمطلوب أن نسعى لتأسيس مكتبة حديثة في مبنى مخصص لأن يكون بدءا مكتبة- بدلا من المبنى الحالي الذي لم يتغير منذ أن أودع فيه السيد دوغلاس نيوبولد مكتبته الخاصة. ان انشاء مكتبة جامعية عصرية مشروع كبير يحتاج لاستنفار في الداخل وعون خارجي نأمل أن يأتي مع التطورات السياسية الجديدة في البلاد. ان مبنى المكتبة الحديث الذي أهدته دولة هولندا لجامعة الأحفاد شاهد على ما يمكن أن يثمر عنه التعاون الدولي مع ملاحظة أن المانحين من دول الشمال أصبحوا اليوم أكثر انفتاحا على جموع الدول النامية المتعاونة في التعليم العالي في ما بينها، مثل مجموعة دول شرق افريقيا التي ننتمي لها- بدلا عن دول بمفردها.
لقد كان موسم الامتحانات في جامعة الخرطوم في الماضي موسما مخيفا للطلاب يحسبون له ألف حساب بل درجوا علي تسيير موكب حزين صامت عشية أول شهر مارس ، شهر الامتحانات آنذاك ، ترتعد عند رؤيته أوصال من لم يستعدوا ويتحسبوا لما يحمله الشهر لهم في طياته من مفاجآت فيخيم على الجامعة جو من الرهبة والترقب. ومع أن الحال الآن يختلف نسبيا عما كان عليه حينئذ الا أن الامتحانات في جامعة الخرطوم لا زالت الى حد كبير تثير الفزع والاضطراب في نفوس الطلاب المساكين، خصوصا في الكليات العلمية، فيهرع عدد مقدر منهم الى مركزالجامعة للخدمات الطبية والصحية يشكون من علل وأسقام حقيقية و متوهمة ، يأملون أن تهيأ لهم الشهادات الطبية المعتمدة مخرجا من محنتهم!
إن كثيرا من كليات الجامعة تتبع الآن في تدريس الطلاب نظام الفصل الدراسي المعدل وهو نظام هجين يجمع بين سمات من النظام السنوي ونظام الساعات المعتمدة. غير أن من الضروري أن تهتم كافة كليات الجامعة بما يسمي أعمال السنة أو التقويم المستمر للطالب حتى لا يكون الامتحان النهائي هو الفيصل الأوحد في تقدم الطالب من مستوى دراسي لآخر. وفي هذا المجال يمكن الاستعانة، كما تفعل كلية الهندسة، بالخريجين من طلاب الخدمة الوطنية في تنفيذ برامج أعمال السنة «Tutorials». كما أني أرى أيضا أن تفكر الجامعة في تخفيف لوائح الامتحان النهائي على الوافدين الجدد، طلاب السنة الأولى. ذلك لأن هؤلاء الطلاب يجدون أنفسهم في بيئة أكاديمية تختلف تماما عن البيئة المدرسية وهم يحتاجون لوقت حتى يتأقلموا معها، لا سيما وأنهم الآن يدخلون الجامعة وهم أصغر بكثير من طلاب أجيال القرن الماضي. لقد درجت الجامعة قبل زمن على اعتبارامتحان نهاية السنة الثانية - وهو يعادل في بعض الكليات امتحان المستوى المتقدم A-Level في النظام التعليمي البريطاني، الفيصل في مسيرة الطالب الجامعية وكان يجرى تحت اشراف الممتحن الخارجي.
إن العودة لذلك التقليد سيتيح للطلاب الجدد فرصة يلتقطون فيها أنفاسهم في البيئة الجامعية الجديدة كما أنها ستوفر أيضا نظاما محكما لاختيار طلاب درجة الشرف في الكليات التي يتم اختيارهم فيها بعد انقضاء عامين على التحاقهم بالجامعة.
ان هذا الحديث المسهب عن الامتحانات لا يجب أن يترك انطباعا بأنها أساس التعليم الجامعي. ان ما ينبغى أن يهدف اليه هذا التعليم كما قال جي سي سكوت، نائب عميد كلية الخرطوم الجامعية بين عامي 1944 و1946م، هو « تعليم الطالب» أكثر من « تدريسه المادة»- و أن مهمة الجامعة ليست حمل الطالب على اجتياز الامتحانات- بل تنمية عقله وشخصيته وقدراته ليصبح انسانا سويا مفيدا لنفسه ولغيره «جي. سي. سكوت : كلية غوردون اليوم، محاضرة في سلسلة محاضرات مركز السودان الثقافي 1940 -1950- Khartoum Perspectives ، تحرير دونالد هاولي، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2001 ».
في عام 1998م انعقد بباريس مؤتمر للتعليم العالي نظمته اليونسكو وحضره أكثر من مائة وثمانين قطرا بالاضافة لممثلي الهيئات الأكاديمية من أساتذة وطلاب «الأخيرين كانت لهم مشاركات رصينة لافتة للنظر في الجلسات الموازية»، وكذلك منظمات كثيرة مهتمة بالتعليم العالي. لقد أصدر ذلك المؤتمر ما سمي بالاعلان العالمي عن التعليم العالي وكان من بين بنوده نداء باتاحة فرص مناسبة أمام الذين يتعثرون أكاديميا ويفصلون من مؤسسات التعليم العالي للعودة مرة أخرى للدراسة بها. لقد طبقت جامعة الخرطوم ذلك البند واصبح ممكنا لهؤلاء أن يعودوا للجامعة بعد الجلوس للامتحانات كطلاب خارجيين. واني أعرف طالبا في كلية علمية رسب في امتحانات السنة الأولى وفصل ثم عاد لذات الكلية بهذا النظام وتدرج في دراسته بنجاح حتى نال درجة الشرف الأولى. انني أتمنى أن تتمسك الجامعة بهذا النظام وأن تشجع كافة الكليات على ابداء مرونة معقولة في تطبيقه.
أخبرني، سأنسى
أرني، ربما أتذكر
لكن دعني أتفاعل معك وسأفهم
«مثل صيني قديم».
واكبت الجامعة تطور طرق التدريس بالاستفادة من معينات التقنية الحديثة وتقنية المعلومات. أرجو أن يتزايد الاهتمام بهذه المسألة ويتسارع دون أن ننسى أن هذه المعينات الحديثة أتت لتحسين الأداء التعليمي ولعب دور مساند لأدوات التدريس التقليدية مثل السبورة المتمتعة بقداسة القدم والتي أثبتت، ولا زالت تثبت في أحوال معينة في أكبر الجامعات العالمية المتقدمة، فاعليتها. لقد رأت جامعة الملك سعود أن تطلب من جميع أعضاء هيئة التدريس بها تأسيس مواقع لهم في شبكة المعلومات الدولية يطرحون فيها مذكرات المقررات التي يدرسونها حتى يطلع عليها طلابهم ويتوافر بذلك لهم قناة أخرى، بجانب قاعة المحاضرات- يتفاعلون عبرها مع الأساتذة كما يفعل طلاب الجامعات المفتوحة. وستحسن الجامعة صنعا لو استفادت من تجربة جامعة السودان المفتوحة في هذا المجال لأنها بحق، رغم حداثتها، جامعة مرموقة تتمتع بعلاقات قوية مع مثيلاتها في أوربا وافريقيا وآسيا ، وتقوم على أمرها ادارة نشطة مقتدرة تعمل بجد وتجرد لتلعب دورا متقدما في نهضة البلاد. ربما لا يعلم كثير من الناس، حتى الذين هم في مؤسسات التعليم العالي، كثيرا عن جامعة السودان المفتوحة. انني أقترح عليهم وعلى أجهزة الاعلام القومي زيارتها ليروا نموذجا حيا للعمل الدؤوب الصامت في بناء السودان.
ان وسائل التقنية الحديثة توفر مجالا أوسع لتفاعل الطالب مع أستاذه، وفي هذا السياق أعجبت بمقال كتبه بروفسير عوض أمين عباس «الصحافة 13/11/2009 العدد 5872» عن الجامعات الالكترونية نبه فيه الى أهمية دور التقنيات الحديثة في تمدد مدى التواصل والتفاعل بين الأستاذ والطالب عبر صفحة الأستاذ في شبكة المعلومات، حيث يعرض الأستاذ المقررات التي يدرسها والواجبات المنزلية التي يقررها ويخطر طلابه بأي تعديل في ساعات وجوده بمكتبه «الساعات المكتبية» لاستقبالهم لشرح ما قد يكون قد استعصى عليهم فهمه في دروسهم، وهذا جانب هام في بلد كالسودان حيث وقتك ليس دائما ملكك! ولم ينس البروفسير عوض أن يذكر بأن الحياة الجامعية لم تعد مرتبطة بدوام معين، أو فترة زمنية محددة، ولقد ذكرت في مقالي السابق أن ذلك كان حال جامعة الخرطوم في الماضي عندما كان الأستاذ حاضرا دائما في الجامعة، وكان أساتذة كثيرون يواصلون عملهم في التدريس والبحث العلمي بعد تناول وجبة غداء فاخرة في نادى الأساتذة يدفعون نظيرها مبلغا كان -على كبره، زهيدا بالنسبة لرواتبهم المحترمة آنذاك. وهذا هو السبب في أنك تجد قدامى الأساتذة حاضرين دائما في الجامعة فتلك جبلتهم التي تطبعوا عليها منذ ذلك الزمن وأظنهم لن يبدلوها وان لم يتقاضوا أجرا! ان التفاعل الأكاديمي بين الطالب وأستاذه مطلوب في الجامعة، و كان دائما مطلوبا كما يبين المثل الصيني القديم في بداية هذه المقالة .
ان الجامعة تحتاج أن تولي التدريس وجهود الأساتذة فيه عناية أكبر مما تفعل الآن فترصد الأداء التدريسي رصدا دقيقا وتعلي من شأنه في معايير الترقي، وليت الجامعات و الهيئات والجمعيات المهنية في البلاد تهتم بتكريم أساتذة التعليم العالي المتميزين في التدريس في مجالاتهم، كما تفعل مثلا الجامعات و الجمعيات المهنية الأمريكية . ويحضرني هنا مثال مشرق من جامعة الملك سعود بالرياض التي ترصد الآن جوائز مالية ضخمة للتميز في التدريس، وقد نال الجائزة الأولى لهذا العام على مستوى كافة فروع الجامعة وكلياتها الدكتور كمال الدين حسين الطاهر- وهو أستاذ سوداني شاب بكلية الصيدلة فيها وهو أيضا أستاذ من هيئة تدريس كلية صيدلة جامعة الخرطوم.
لايغيب عن ادارة الجامعة أن طبيعة العلوم التجريبية وأهمية التدريب الميداني يوجبان تطوير مستويات المعامل وبرامج التدريب في كليات الجامعة. ان دولة ألمانيا الاتحادية أعانتنا في الماضي في مجال تزويدنا بمعدات المعامل ويمكن تفعيل اتفاقياتنا مع جامعات في ألمانيا الموحدة الآن وابرام اتفاقيات جديدة مع جامعات أخرى فيها لتطوير المعامل.
إن دور المكتبة في الجامعة محوري والمطلوب أن نسعى لتأسيس مكتبة حديثة في مبنى مخصص لأن يكون بدءا مكتبة- بدلا من المبنى الحالي الذي لم يتغير منذ أن أودع فيه السيد دوغلاس نيوبولد مكتبته الخاصة. ان انشاء مكتبة جامعية عصرية مشروع كبير يحتاج لاستنفار في الداخل وعون خارجي نأمل أن يأتي مع التطورات السياسية الجديدة في البلاد. ان مبنى المكتبة الحديث الذي أهدته دولة هولندا لجامعة الأحفاد شاهد على ما يمكن أن يثمر عنه التعاون الدولي مع ملاحظة أن المانحين من دول الشمال أصبحوا اليوم أكثر انفتاحا على جموع الدول النامية المتعاونة في التعليم العالي في ما بينها، مثل مجموعة دول شرق افريقيا التي ننتمي لها- بدلا عن دول بمفردها.
لقد كان موسم الامتحانات في جامعة الخرطوم في الماضي موسما مخيفا للطلاب يحسبون له ألف حساب بل درجوا علي تسيير موكب حزين صامت عشية أول شهر مارس ، شهر الامتحانات آنذاك ، ترتعد عند رؤيته أوصال من لم يستعدوا ويتحسبوا لما يحمله الشهر لهم في طياته من مفاجآت فيخيم على الجامعة جو من الرهبة والترقب. ومع أن الحال الآن يختلف نسبيا عما كان عليه حينئذ الا أن الامتحانات في جامعة الخرطوم لا زالت الى حد كبير تثير الفزع والاضطراب في نفوس الطلاب المساكين، خصوصا في الكليات العلمية، فيهرع عدد مقدر منهم الى مركزالجامعة للخدمات الطبية والصحية يشكون من علل وأسقام حقيقية و متوهمة ، يأملون أن تهيأ لهم الشهادات الطبية المعتمدة مخرجا من محنتهم!
إن كثيرا من كليات الجامعة تتبع الآن في تدريس الطلاب نظام الفصل الدراسي المعدل وهو نظام هجين يجمع بين سمات من النظام السنوي ونظام الساعات المعتمدة. غير أن من الضروري أن تهتم كافة كليات الجامعة بما يسمي أعمال السنة أو التقويم المستمر للطالب حتى لا يكون الامتحان النهائي هو الفيصل الأوحد في تقدم الطالب من مستوى دراسي لآخر. وفي هذا المجال يمكن الاستعانة، كما تفعل كلية الهندسة، بالخريجين من طلاب الخدمة الوطنية في تنفيذ برامج أعمال السنة «Tutorials». كما أني أرى أيضا أن تفكر الجامعة في تخفيف لوائح الامتحان النهائي على الوافدين الجدد، طلاب السنة الأولى. ذلك لأن هؤلاء الطلاب يجدون أنفسهم في بيئة أكاديمية تختلف تماما عن البيئة المدرسية وهم يحتاجون لوقت حتى يتأقلموا معها، لا سيما وأنهم الآن يدخلون الجامعة وهم أصغر بكثير من طلاب أجيال القرن الماضي. لقد درجت الجامعة قبل زمن على اعتبارامتحان نهاية السنة الثانية - وهو يعادل في بعض الكليات امتحان المستوى المتقدم A-Level في النظام التعليمي البريطاني، الفيصل في مسيرة الطالب الجامعية وكان يجرى تحت اشراف الممتحن الخارجي.
إن العودة لذلك التقليد سيتيح للطلاب الجدد فرصة يلتقطون فيها أنفاسهم في البيئة الجامعية الجديدة كما أنها ستوفر أيضا نظاما محكما لاختيار طلاب درجة الشرف في الكليات التي يتم اختيارهم فيها بعد انقضاء عامين على التحاقهم بالجامعة.
ان هذا الحديث المسهب عن الامتحانات لا يجب أن يترك انطباعا بأنها أساس التعليم الجامعي. ان ما ينبغى أن يهدف اليه هذا التعليم كما قال جي سي سكوت، نائب عميد كلية الخرطوم الجامعية بين عامي 1944 و1946م، هو « تعليم الطالب» أكثر من « تدريسه المادة»- و أن مهمة الجامعة ليست حمل الطالب على اجتياز الامتحانات- بل تنمية عقله وشخصيته وقدراته ليصبح انسانا سويا مفيدا لنفسه ولغيره «جي. سي. سكوت : كلية غوردون اليوم، محاضرة في سلسلة محاضرات مركز السودان الثقافي 1940 -1950- Khartoum Perspectives ، تحرير دونالد هاولي، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2001 ».
في عام 1998م انعقد بباريس مؤتمر للتعليم العالي نظمته اليونسكو وحضره أكثر من مائة وثمانين قطرا بالاضافة لممثلي الهيئات الأكاديمية من أساتذة وطلاب «الأخيرين كانت لهم مشاركات رصينة لافتة للنظر في الجلسات الموازية»، وكذلك منظمات كثيرة مهتمة بالتعليم العالي. لقد أصدر ذلك المؤتمر ما سمي بالاعلان العالمي عن التعليم العالي وكان من بين بنوده نداء باتاحة فرص مناسبة أمام الذين يتعثرون أكاديميا ويفصلون من مؤسسات التعليم العالي للعودة مرة أخرى للدراسة بها. لقد طبقت جامعة الخرطوم ذلك البند واصبح ممكنا لهؤلاء أن يعودوا للجامعة بعد الجلوس للامتحانات كطلاب خارجيين. واني أعرف طالبا في كلية علمية رسب في امتحانات السنة الأولى وفصل ثم عاد لذات الكلية بهذا النظام وتدرج في دراسته بنجاح حتى نال درجة الشرف الأولى. انني أتمنى أن تتمسك الجامعة بهذا النظام وأن تشجع كافة الكليات على ابداء مرونة معقولة في تطبيقه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.