شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تثير الجدل: (لو في ولد عجبني بمشي بقول ليهو أديني رقمك) والجمهور يسخر: (خفيفة زي شاي البكاء)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإصلاح الأكاديمي
جامعة الخرطوم، الحاضر والمستقبل: «4-7»
نشر في الصحافة يوم 03 - 02 - 2010


أرني، ربما أتذكر
لكن دعني أتفاعل معك وسأفهم
«مثل صيني قديم».
واكبت الجامعة تطور طرق التدريس بالاستفادة من معينات التقنية الحديثة وتقنية المعلومات. أرجو أن يتزايد الاهتمام بهذه المسألة ويتسارع دون أن ننسى أن هذه المعينات الحديثة أتت لتحسين الأداء التعليمي ولعب دور مساند لأدوات التدريس التقليدية مثل السبورة المتمتعة بقداسة القدم والتي أثبتت، ولا زالت تثبت في أحوال معينة في أكبر الجامعات العالمية المتقدمة، فاعليتها. لقد رأت جامعة الملك سعود أن تطلب من جميع أعضاء هيئة التدريس بها تأسيس مواقع لهم في شبكة المعلومات الدولية يطرحون فيها مذكرات المقررات التي يدرسونها حتى يطلع عليها طلابهم ويتوافر بذلك لهم قناة أخرى، بجانب قاعة المحاضرات- يتفاعلون عبرها مع الأساتذة كما يفعل طلاب الجامعات المفتوحة. وستحسن الجامعة صنعا لو استفادت من تجربة جامعة السودان المفتوحة في هذا المجال لأنها بحق، رغم حداثتها، جامعة مرموقة تتمتع بعلاقات قوية مع مثيلاتها في أوربا وافريقيا وآسيا ، وتقوم على أمرها ادارة نشطة مقتدرة تعمل بجد وتجرد لتلعب دورا متقدما في نهضة البلاد. ربما لا يعلم كثير من الناس، حتى الذين هم في مؤسسات التعليم العالي، كثيرا عن جامعة السودان المفتوحة. انني أقترح عليهم وعلى أجهزة الاعلام القومي زيارتها ليروا نموذجا حيا للعمل الدؤوب الصامت في بناء السودان.
ان وسائل التقنية الحديثة توفر مجالا أوسع لتفاعل الطالب مع أستاذه، وفي هذا السياق أعجبت بمقال كتبه بروفسير عوض أمين عباس «الصحافة 13/11/2009 العدد 5872» عن الجامعات الالكترونية نبه فيه الى أهمية دور التقنيات الحديثة في تمدد مدى التواصل والتفاعل بين الأستاذ والطالب عبر صفحة الأستاذ في شبكة المعلومات، حيث يعرض الأستاذ المقررات التي يدرسها والواجبات المنزلية التي يقررها ويخطر طلابه بأي تعديل في ساعات وجوده بمكتبه «الساعات المكتبية» لاستقبالهم لشرح ما قد يكون قد استعصى عليهم فهمه في دروسهم، وهذا جانب هام في بلد كالسودان حيث وقتك ليس دائما ملكك! ولم ينس البروفسير عوض أن يذكر بأن الحياة الجامعية لم تعد مرتبطة بدوام معين، أو فترة زمنية محددة، ولقد ذكرت في مقالي السابق أن ذلك كان حال جامعة الخرطوم في الماضي عندما كان الأستاذ حاضرا دائما في الجامعة، وكان أساتذة كثيرون يواصلون عملهم في التدريس والبحث العلمي بعد تناول وجبة غداء فاخرة في نادى الأساتذة يدفعون نظيرها مبلغا كان -على كبره، زهيدا بالنسبة لرواتبهم المحترمة آنذاك. وهذا هو السبب في أنك تجد قدامى الأساتذة حاضرين دائما في الجامعة فتلك جبلتهم التي تطبعوا عليها منذ ذلك الزمن وأظنهم لن يبدلوها وان لم يتقاضوا أجرا! ان التفاعل الأكاديمي بين الطالب وأستاذه مطلوب في الجامعة، و كان دائما مطلوبا كما يبين المثل الصيني القديم في بداية هذه المقالة .
ان الجامعة تحتاج أن تولي التدريس وجهود الأساتذة فيه عناية أكبر مما تفعل الآن فترصد الأداء التدريسي رصدا دقيقا وتعلي من شأنه في معايير الترقي، وليت الجامعات و الهيئات والجمعيات المهنية في البلاد تهتم بتكريم أساتذة التعليم العالي المتميزين في التدريس في مجالاتهم، كما تفعل مثلا الجامعات و الجمعيات المهنية الأمريكية . ويحضرني هنا مثال مشرق من جامعة الملك سعود بالرياض التي ترصد الآن جوائز مالية ضخمة للتميز في التدريس، وقد نال الجائزة الأولى لهذا العام على مستوى كافة فروع الجامعة وكلياتها الدكتور كمال الدين حسين الطاهر- وهو أستاذ سوداني شاب بكلية الصيدلة فيها وهو أيضا أستاذ من هيئة تدريس كلية صيدلة جامعة الخرطوم.
لايغيب عن ادارة الجامعة أن طبيعة العلوم التجريبية وأهمية التدريب الميداني يوجبان تطوير مستويات المعامل وبرامج التدريب في كليات الجامعة. ان دولة ألمانيا الاتحادية أعانتنا في الماضي في مجال تزويدنا بمعدات المعامل ويمكن تفعيل اتفاقياتنا مع جامعات في ألمانيا الموحدة الآن وابرام اتفاقيات جديدة مع جامعات أخرى فيها لتطوير المعامل.
إن دور المكتبة في الجامعة محوري والمطلوب أن نسعى لتأسيس مكتبة حديثة في مبنى مخصص لأن يكون بدءا مكتبة- بدلا من المبنى الحالي الذي لم يتغير منذ أن أودع فيه السيد دوغلاس نيوبولد مكتبته الخاصة. ان انشاء مكتبة جامعية عصرية مشروع كبير يحتاج لاستنفار في الداخل وعون خارجي نأمل أن يأتي مع التطورات السياسية الجديدة في البلاد. ان مبنى المكتبة الحديث الذي أهدته دولة هولندا لجامعة الأحفاد شاهد على ما يمكن أن يثمر عنه التعاون الدولي مع ملاحظة أن المانحين من دول الشمال أصبحوا اليوم أكثر انفتاحا على جموع الدول النامية المتعاونة في التعليم العالي في ما بينها، مثل مجموعة دول شرق افريقيا التي ننتمي لها- بدلا عن دول بمفردها.
لقد كان موسم الامتحانات في جامعة الخرطوم في الماضي موسما مخيفا للطلاب يحسبون له ألف حساب بل درجوا علي تسيير موكب حزين صامت عشية أول شهر مارس ، شهر الامتحانات آنذاك ، ترتعد عند رؤيته أوصال من لم يستعدوا ويتحسبوا لما يحمله الشهر لهم في طياته من مفاجآت فيخيم على الجامعة جو من الرهبة والترقب. ومع أن الحال الآن يختلف نسبيا عما كان عليه حينئذ الا أن الامتحانات في جامعة الخرطوم لا زالت الى حد كبير تثير الفزع والاضطراب في نفوس الطلاب المساكين، خصوصا في الكليات العلمية، فيهرع عدد مقدر منهم الى مركزالجامعة للخدمات الطبية والصحية يشكون من علل وأسقام حقيقية و متوهمة ، يأملون أن تهيأ لهم الشهادات الطبية المعتمدة مخرجا من محنتهم!
إن كثيرا من كليات الجامعة تتبع الآن في تدريس الطلاب نظام الفصل الدراسي المعدل وهو نظام هجين يجمع بين سمات من النظام السنوي ونظام الساعات المعتمدة. غير أن من الضروري أن تهتم كافة كليات الجامعة بما يسمي أعمال السنة أو التقويم المستمر للطالب حتى لا يكون الامتحان النهائي هو الفيصل الأوحد في تقدم الطالب من مستوى دراسي لآخر. وفي هذا المجال يمكن الاستعانة، كما تفعل كلية الهندسة، بالخريجين من طلاب الخدمة الوطنية في تنفيذ برامج أعمال السنة «Tutorials». كما أني أرى أيضا أن تفكر الجامعة في تخفيف لوائح الامتحان النهائي على الوافدين الجدد، طلاب السنة الأولى. ذلك لأن هؤلاء الطلاب يجدون أنفسهم في بيئة أكاديمية تختلف تماما عن البيئة المدرسية وهم يحتاجون لوقت حتى يتأقلموا معها، لا سيما وأنهم الآن يدخلون الجامعة وهم أصغر بكثير من طلاب أجيال القرن الماضي. لقد درجت الجامعة قبل زمن على اعتبارامتحان نهاية السنة الثانية - وهو يعادل في بعض الكليات امتحان المستوى المتقدم A-Level في النظام التعليمي البريطاني، الفيصل في مسيرة الطالب الجامعية وكان يجرى تحت اشراف الممتحن الخارجي.
إن العودة لذلك التقليد سيتيح للطلاب الجدد فرصة يلتقطون فيها أنفاسهم في البيئة الجامعية الجديدة كما أنها ستوفر أيضا نظاما محكما لاختيار طلاب درجة الشرف في الكليات التي يتم اختيارهم فيها بعد انقضاء عامين على التحاقهم بالجامعة.
ان هذا الحديث المسهب عن الامتحانات لا يجب أن يترك انطباعا بأنها أساس التعليم الجامعي. ان ما ينبغى أن يهدف اليه هذا التعليم كما قال جي سي سكوت، نائب عميد كلية الخرطوم الجامعية بين عامي 1944 و1946م، هو « تعليم الطالب» أكثر من « تدريسه المادة»- و أن مهمة الجامعة ليست حمل الطالب على اجتياز الامتحانات- بل تنمية عقله وشخصيته وقدراته ليصبح انسانا سويا مفيدا لنفسه ولغيره «جي. سي. سكوت : كلية غوردون اليوم، محاضرة في سلسلة محاضرات مركز السودان الثقافي 1940 -1950- Khartoum Perspectives ، تحرير دونالد هاولي، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2001 ».
في عام 1998م انعقد بباريس مؤتمر للتعليم العالي نظمته اليونسكو وحضره أكثر من مائة وثمانين قطرا بالاضافة لممثلي الهيئات الأكاديمية من أساتذة وطلاب «الأخيرين كانت لهم مشاركات رصينة لافتة للنظر في الجلسات الموازية»، وكذلك منظمات كثيرة مهتمة بالتعليم العالي. لقد أصدر ذلك المؤتمر ما سمي بالاعلان العالمي عن التعليم العالي وكان من بين بنوده نداء باتاحة فرص مناسبة أمام الذين يتعثرون أكاديميا ويفصلون من مؤسسات التعليم العالي للعودة مرة أخرى للدراسة بها. لقد طبقت جامعة الخرطوم ذلك البند واصبح ممكنا لهؤلاء أن يعودوا للجامعة بعد الجلوس للامتحانات كطلاب خارجيين. واني أعرف طالبا في كلية علمية رسب في امتحانات السنة الأولى وفصل ثم عاد لذات الكلية بهذا النظام وتدرج في دراسته بنجاح حتى نال درجة الشرف الأولى. انني أتمنى أن تتمسك الجامعة بهذا النظام وأن تشجع كافة الكليات على ابداء مرونة معقولة في تطبيقه.
أخبرني، سأنسى
أرني، ربما أتذكر
لكن دعني أتفاعل معك وسأفهم
«مثل صيني قديم».
واكبت الجامعة تطور طرق التدريس بالاستفادة من معينات التقنية الحديثة وتقنية المعلومات. أرجو أن يتزايد الاهتمام بهذه المسألة ويتسارع دون أن ننسى أن هذه المعينات الحديثة أتت لتحسين الأداء التعليمي ولعب دور مساند لأدوات التدريس التقليدية مثل السبورة المتمتعة بقداسة القدم والتي أثبتت، ولا زالت تثبت في أحوال معينة في أكبر الجامعات العالمية المتقدمة، فاعليتها. لقد رأت جامعة الملك سعود أن تطلب من جميع أعضاء هيئة التدريس بها تأسيس مواقع لهم في شبكة المعلومات الدولية يطرحون فيها مذكرات المقررات التي يدرسونها حتى يطلع عليها طلابهم ويتوافر بذلك لهم قناة أخرى، بجانب قاعة المحاضرات- يتفاعلون عبرها مع الأساتذة كما يفعل طلاب الجامعات المفتوحة. وستحسن الجامعة صنعا لو استفادت من تجربة جامعة السودان المفتوحة في هذا المجال لأنها بحق، رغم حداثتها، جامعة مرموقة تتمتع بعلاقات قوية مع مثيلاتها في أوربا وافريقيا وآسيا ، وتقوم على أمرها ادارة نشطة مقتدرة تعمل بجد وتجرد لتلعب دورا متقدما في نهضة البلاد. ربما لا يعلم كثير من الناس، حتى الذين هم في مؤسسات التعليم العالي، كثيرا عن جامعة السودان المفتوحة. انني أقترح عليهم وعلى أجهزة الاعلام القومي زيارتها ليروا نموذجا حيا للعمل الدؤوب الصامت في بناء السودان.
ان وسائل التقنية الحديثة توفر مجالا أوسع لتفاعل الطالب مع أستاذه، وفي هذا السياق أعجبت بمقال كتبه بروفسير عوض أمين عباس «الصحافة 13/11/2009 العدد 5872» عن الجامعات الالكترونية نبه فيه الى أهمية دور التقنيات الحديثة في تمدد مدى التواصل والتفاعل بين الأستاذ والطالب عبر صفحة الأستاذ في شبكة المعلومات، حيث يعرض الأستاذ المقررات التي يدرسها والواجبات المنزلية التي يقررها ويخطر طلابه بأي تعديل في ساعات وجوده بمكتبه «الساعات المكتبية» لاستقبالهم لشرح ما قد يكون قد استعصى عليهم فهمه في دروسهم، وهذا جانب هام في بلد كالسودان حيث وقتك ليس دائما ملكك! ولم ينس البروفسير عوض أن يذكر بأن الحياة الجامعية لم تعد مرتبطة بدوام معين، أو فترة زمنية محددة، ولقد ذكرت في مقالي السابق أن ذلك كان حال جامعة الخرطوم في الماضي عندما كان الأستاذ حاضرا دائما في الجامعة، وكان أساتذة كثيرون يواصلون عملهم في التدريس والبحث العلمي بعد تناول وجبة غداء فاخرة في نادى الأساتذة يدفعون نظيرها مبلغا كان -على كبره، زهيدا بالنسبة لرواتبهم المحترمة آنذاك. وهذا هو السبب في أنك تجد قدامى الأساتذة حاضرين دائما في الجامعة فتلك جبلتهم التي تطبعوا عليها منذ ذلك الزمن وأظنهم لن يبدلوها وان لم يتقاضوا أجرا! ان التفاعل الأكاديمي بين الطالب وأستاذه مطلوب في الجامعة، و كان دائما مطلوبا كما يبين المثل الصيني القديم في بداية هذه المقالة .
ان الجامعة تحتاج أن تولي التدريس وجهود الأساتذة فيه عناية أكبر مما تفعل الآن فترصد الأداء التدريسي رصدا دقيقا وتعلي من شأنه في معايير الترقي، وليت الجامعات و الهيئات والجمعيات المهنية في البلاد تهتم بتكريم أساتذة التعليم العالي المتميزين في التدريس في مجالاتهم، كما تفعل مثلا الجامعات و الجمعيات المهنية الأمريكية . ويحضرني هنا مثال مشرق من جامعة الملك سعود بالرياض التي ترصد الآن جوائز مالية ضخمة للتميز في التدريس، وقد نال الجائزة الأولى لهذا العام على مستوى كافة فروع الجامعة وكلياتها الدكتور كمال الدين حسين الطاهر- وهو أستاذ سوداني شاب بكلية الصيدلة فيها وهو أيضا أستاذ من هيئة تدريس كلية صيدلة جامعة الخرطوم.
لايغيب عن ادارة الجامعة أن طبيعة العلوم التجريبية وأهمية التدريب الميداني يوجبان تطوير مستويات المعامل وبرامج التدريب في كليات الجامعة. ان دولة ألمانيا الاتحادية أعانتنا في الماضي في مجال تزويدنا بمعدات المعامل ويمكن تفعيل اتفاقياتنا مع جامعات في ألمانيا الموحدة الآن وابرام اتفاقيات جديدة مع جامعات أخرى فيها لتطوير المعامل.
إن دور المكتبة في الجامعة محوري والمطلوب أن نسعى لتأسيس مكتبة حديثة في مبنى مخصص لأن يكون بدءا مكتبة- بدلا من المبنى الحالي الذي لم يتغير منذ أن أودع فيه السيد دوغلاس نيوبولد مكتبته الخاصة. ان انشاء مكتبة جامعية عصرية مشروع كبير يحتاج لاستنفار في الداخل وعون خارجي نأمل أن يأتي مع التطورات السياسية الجديدة في البلاد. ان مبنى المكتبة الحديث الذي أهدته دولة هولندا لجامعة الأحفاد شاهد على ما يمكن أن يثمر عنه التعاون الدولي مع ملاحظة أن المانحين من دول الشمال أصبحوا اليوم أكثر انفتاحا على جموع الدول النامية المتعاونة في التعليم العالي في ما بينها، مثل مجموعة دول شرق افريقيا التي ننتمي لها- بدلا عن دول بمفردها.
لقد كان موسم الامتحانات في جامعة الخرطوم في الماضي موسما مخيفا للطلاب يحسبون له ألف حساب بل درجوا علي تسيير موكب حزين صامت عشية أول شهر مارس ، شهر الامتحانات آنذاك ، ترتعد عند رؤيته أوصال من لم يستعدوا ويتحسبوا لما يحمله الشهر لهم في طياته من مفاجآت فيخيم على الجامعة جو من الرهبة والترقب. ومع أن الحال الآن يختلف نسبيا عما كان عليه حينئذ الا أن الامتحانات في جامعة الخرطوم لا زالت الى حد كبير تثير الفزع والاضطراب في نفوس الطلاب المساكين، خصوصا في الكليات العلمية، فيهرع عدد مقدر منهم الى مركزالجامعة للخدمات الطبية والصحية يشكون من علل وأسقام حقيقية و متوهمة ، يأملون أن تهيأ لهم الشهادات الطبية المعتمدة مخرجا من محنتهم!
إن كثيرا من كليات الجامعة تتبع الآن في تدريس الطلاب نظام الفصل الدراسي المعدل وهو نظام هجين يجمع بين سمات من النظام السنوي ونظام الساعات المعتمدة. غير أن من الضروري أن تهتم كافة كليات الجامعة بما يسمي أعمال السنة أو التقويم المستمر للطالب حتى لا يكون الامتحان النهائي هو الفيصل الأوحد في تقدم الطالب من مستوى دراسي لآخر. وفي هذا المجال يمكن الاستعانة، كما تفعل كلية الهندسة، بالخريجين من طلاب الخدمة الوطنية في تنفيذ برامج أعمال السنة «Tutorials». كما أني أرى أيضا أن تفكر الجامعة في تخفيف لوائح الامتحان النهائي على الوافدين الجدد، طلاب السنة الأولى. ذلك لأن هؤلاء الطلاب يجدون أنفسهم في بيئة أكاديمية تختلف تماما عن البيئة المدرسية وهم يحتاجون لوقت حتى يتأقلموا معها، لا سيما وأنهم الآن يدخلون الجامعة وهم أصغر بكثير من طلاب أجيال القرن الماضي. لقد درجت الجامعة قبل زمن على اعتبارامتحان نهاية السنة الثانية - وهو يعادل في بعض الكليات امتحان المستوى المتقدم A-Level في النظام التعليمي البريطاني، الفيصل في مسيرة الطالب الجامعية وكان يجرى تحت اشراف الممتحن الخارجي.
إن العودة لذلك التقليد سيتيح للطلاب الجدد فرصة يلتقطون فيها أنفاسهم في البيئة الجامعية الجديدة كما أنها ستوفر أيضا نظاما محكما لاختيار طلاب درجة الشرف في الكليات التي يتم اختيارهم فيها بعد انقضاء عامين على التحاقهم بالجامعة.
ان هذا الحديث المسهب عن الامتحانات لا يجب أن يترك انطباعا بأنها أساس التعليم الجامعي. ان ما ينبغى أن يهدف اليه هذا التعليم كما قال جي سي سكوت، نائب عميد كلية الخرطوم الجامعية بين عامي 1944 و1946م، هو « تعليم الطالب» أكثر من « تدريسه المادة»- و أن مهمة الجامعة ليست حمل الطالب على اجتياز الامتحانات- بل تنمية عقله وشخصيته وقدراته ليصبح انسانا سويا مفيدا لنفسه ولغيره «جي. سي. سكوت : كلية غوردون اليوم، محاضرة في سلسلة محاضرات مركز السودان الثقافي 1940 -1950- Khartoum Perspectives ، تحرير دونالد هاولي، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2001 ».
في عام 1998م انعقد بباريس مؤتمر للتعليم العالي نظمته اليونسكو وحضره أكثر من مائة وثمانين قطرا بالاضافة لممثلي الهيئات الأكاديمية من أساتذة وطلاب «الأخيرين كانت لهم مشاركات رصينة لافتة للنظر في الجلسات الموازية»، وكذلك منظمات كثيرة مهتمة بالتعليم العالي. لقد أصدر ذلك المؤتمر ما سمي بالاعلان العالمي عن التعليم العالي وكان من بين بنوده نداء باتاحة فرص مناسبة أمام الذين يتعثرون أكاديميا ويفصلون من مؤسسات التعليم العالي للعودة مرة أخرى للدراسة بها. لقد طبقت جامعة الخرطوم ذلك البند واصبح ممكنا لهؤلاء أن يعودوا للجامعة بعد الجلوس للامتحانات كطلاب خارجيين. واني أعرف طالبا في كلية علمية رسب في امتحانات السنة الأولى وفصل ثم عاد لذات الكلية بهذا النظام وتدرج في دراسته بنجاح حتى نال درجة الشرف الأولى. انني أتمنى أن تتمسك الجامعة بهذا النظام وأن تشجع كافة الكليات على ابداء مرونة معقولة في تطبيقه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.