شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    إطفاء أنوار المطار..!    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القطاع الخاص و التنمية الزراعية
نشر في الصحافة يوم 03 - 12 - 2011

السودان هذا القطر المترامى الأطراف ، المتعدد الموارد الطبيعية ، المبشر بالخير الوفير لأهله و جيرانه و للعالم أجمع ، تنظر له المنظمات العالمية المختصة كواحد من ثلاث دول عليها الأمل و الرجاء فى فك شفرة الغذاء العالمى ، ولكن ذلك لن يتأتى بالأمانى العذبة و لا بالتمنى وكثرة ترداد المقولة الخاوية من التطبيق ألا وهى سلة غذاء العالم ما لم تجد الجدية و الصدق و العلمية فى التخطيط و التنفيذ. فى أرض السودان و تنوع مناخاته المتَسع للجميع محليا و عالميا للاستثمار و لتحقيق تنمية زراعية حقيقية ومستدامة. إن كافة أنظمة ال?نتاج من قطاع عام و خاص و تعاونى يمكنها تطبيق ما ارتأت من فلسفة نظمها دون إخلال او تضاد مع الآخر. إنه معلوم بالضرورة أن القطاع الحكومى أكبر مشترى إلا أنه ايضا ومن واقع الممارسة محليا أو عالميا اسوأ مشترى و أردأ بائع ولذا حرصت الكثير من الدول التى سلكت الطرق القويمة للتنمية- خاصة الزراعية منها- على تحديد مسارات و أدوار واضحة و محددة لكل من الحكومة وللقطاعات الاخرى تعاونية أو خاصة فكان لها ما أرادت من تنمية حقيقية رغم عدم مقارنة إمكانياتها الطبيعية مع قطر كالسودان. للتنمية الزراعية متطلبات عدة يجب أن توفر كأر?ية أساسية ومن أهمها المناخ السياسى و الاقتصادى ممثلا بالسياسات المالية و النقدية و القوانين المقيدة للاحتكار و الشفافية العالية جدا فى التعاملات المالية و الإدارية و تحديد الإختصاصات دون تداخل أو تضارب أو تجاوز، و تطبيق القوانين الاستثمارية بكل عدل وشفافية ويسر. إن مجالات العمل فى التنمية الزراعية متعددة غير أنها متكاملة و تشمل التسويق و الإنتاج و الخدمات الزراعية و المتاجرة فى المدخلات و المنتجات داخليا و خارجيا و التصنيع الزراعى وغير ذلك من المجالات. كما أن أى تنمية زراعية او غيرها لابد و أن تراعى بجانب ?لمناحى الاقتصادية و المالية و الفنية الأبعاد الاجتماعية بحسبان أن المواطن هدف التنمية بدءاً و منتهى.
شهد السودان منذ نهايات العهد الاستعمارى و بواكير الاستقلال مرورا بسنوات الديمقراطية الاولى مشاركة فاعلة من القطاع الخاص فى كافة أوجه التنمية الزراعية، ومنها إنشاء المشاريع الزراعية فيما عرف سابقا بمشاريع النيل الابيض و مشاريع النيل الازرق و مشاريع الشمالية و مشاريع جبال النوبة ، وتبع ذلك الاستثمار المحلى فى القطاع المطرى- الزراعة الآلية- فى مختلف ولايات السودان ذات الامطار الغزيرة ، ورغم ما قيل عن تلك المشاريع و دمغها من بعض التوجهات السياسية بأنها استغلت مواطن المنطقة و أدت لإثراء أصحابها على حساب عرقه و ?ده إلا أنها و لا شك قد أحدثت إضافة حقيقية فى كل المناطق و خلقت فرص عمل غير محدودة للمواطنين فى مناطقهم . وعلى نفس النهج يمكن تصنيف كل مزارعى الجروف النيلية و كذلك مزارعى البلدات و الحواكير و غير ذلك من المنتجين فى مساحات محدودة وتقليدية على إنه إسهام من القطاع الخاص على أساس اعتمادهم الكامل على مقدراتهم الذاتية . كما أن الكثير من الشركات قد نشأت و مارست عمليات استيراد وتوفير المدخلات المختلفة من أسمدة و مبيدات و تقاوى و معدات زراعية وكان لها الإسهام الواسع فى تحقيق التنمية المنشودة . بجانب ذلك مارست الكثير?من البيوتات المالية العريقة عمليات التسويق الداخلى فى أسواق المحاصيل المختلفة وكانت أهم منافذ الصادرات للمنتجات الزراعية مثل الصمغ العربى و السمسم و الذرة و الفول السودانى و الحيوانات الحية و المذبوحة . حسب التعريف العالمى فإن كل المنتجين و المتاجرين والعاملين فى قطاع الثروة الحيوانية وكل أنشطة الانتاج الحيوانى الأخرى يتم تصنيفهم تحت هذا الإطار الزراعى ، وبناء على حقيقة ملكيتهم وتمويلهم الذاتى لأنشطتهم فى السودان يعتبرون أيضا ضمن شريحة القطاع الخاص، لهم دورهم و إسهاماتهم التنموية . ذلك كان المسار والحال إل? أن تفتقت عبقرية بعض الساسة فكان ما سمى بالإصلاح الزراعى ، ثم ما تبعه من ضربة مضرية قاضية فى العهد الشمولى الثانى بتأميم نميرى لكثير من منافذ مساهمة القطاع الخاص بما فيها القطاع الزراعى ، فكان الانكماش التأريخى للقطاع الخاص فى معظم مجالات الاستثمار والتنمية خاصة فى مجالات العمل الزراعى المختلفة ، وهكذا استمر الحال فى عهد «هؤلاء « حين فتح الباب على مصراعيه لأجهزة وشركات حكومية مصنوعة ومحمية و مدعومة تحت مسميات مختلفة للتغلغل فى مجالات انتاجية و خدمية كانت حكرا على القطاع الخاص والتعاونى. هذا الإرث التأري?ى للقطاع الخاص بكل نجاحاته أو مراراته ينبغى أن يؤخذ فى الاعتبار عند أى حديث عن دور القطاع الخاص فى التنمية الزراعية. بل إنه من الأجدر أن نتحدث عن إعادة دور القطاع الخاص فى التنمية الزراعية مع العمل على تطويره ليتماشى مع متطلبات العصر و العولمة .
بما أن السودان قطر زراعي- والأساس الحقيقى لاقتصاده هو الزراعة- فإن التنمية الزراعية تعتبر رأس الرمح لأى تقدم منشود للبلاد ، ولتحقيق ذلك لابد من تحديد الأدوار و المهام لكل المشتركين فى العملية التنموية خاصة الأجهزة الحكومية و القطاع الخاص بكافة مستوياته و تعريفاته. إن الدور الاساسى للجهاز الحكومى على كل الأصعدة تهيئة المناخ للتنمية المنشودة و تحديد خارطة طريق متفق عليها بين كل المعنيين بأمر التنمية الزراعية دون إقصاء لاحد ، ويتمثل ذلك فى الاتفاق على استراتيجية طويلة المدى تغطى كافة جوانب التنمية المنشودة ?واقعية و علمية فى التخطيط و تحديد الاهداف ، وينبنى على ذلك الخطط قصيرة و متوسطة وطويلة المدى. و على هدى هذه الاستراتيجية يتم إعلان السياسات القومية و القطاعية فى ترابط و تناغم و تكامل شاملة الجوانب المالية و الاقتصادية و الاجتماعية. هذه السياسات المالية و الاقتصادية لابد أن تأخذ فى اعتبارها حال المنتج الصغير فى السودان وتقليدية النظم التى يتبعها مما يستدعى تعاملا خاصا لتفعيل دوره فى المشاركة لإحداث النقلة المستهدفة ، علما أنه من حيث العددية يمثل النسبة الأكبر فى تعداد القطاع الخاص. ولابد فى كافة المراحل ?ن استصحاب آراء اصحاب المصلحة الحقيقية من مستهدفين بالتنمية و منفذين لها سواء كان فى الجهاز الحكومى التنفيذى أو الأكاديمى أو التشريعى بجانب الممثلين الحقيقيين للمواطن السودانى- المستهدف الاساسى بكل العملية التنموية - و كذلك ممثلى القطاع الخاص بكل مستوياته وأحجامه و تنوع مجالاته. ولاشك أن هذا الاتفاق الكلى لكافة أطراف المعادلة لهو الضمان الوحيد للاستدامة و فيه تطبيق حقيقى للشفافية اذ لامعنى للبداية من الصفر بين كل حين و آخر وتلو كل تغيير فى نظام الحكم او الافراد. إن الجوانب التشريعية و القانونية المرتبطة باع?ال التنمية لهى من مهام الدولة الأساسية على المستوى القومى أو الاقليمى أو المحلى دون تضاد أو تقاطعات بينها بل تكامل و تناغم. كما أن الدولة مطالبة بالتركيز على أمر البنيات الاساسية مع مراعاة العدالة و التوازن فى توزيع هذه البنيات حتى تتيح للقطاع الخاص الإنطلاق فى الجوانب الإنتاجية المباشرة. وكما هو معلوم فإن العولمة التى تسود عالم اليوم لتعول كثيرا على القطاع الخاص فى إرتياد كافة المجالات التنموية ، ولعل فى الإشارة لبعض المتطلبات التى تشجعها العولمة ما يضمن للقطاع الخاص لعب دوره المنشود ، و من ذلك إلزام الح?ومات بالشفافية العالية فيما يتعلق بالعطاءات و تحجيم الاحتكار و الإهتمام بأمر البحث العلمى و نقل المعرفة بل حتى الدعم فى مجالات محددة و على أسس معلومة. أما القطاع الخاص فبجانب مشاركته الفاعلة فى مراحل التخطيط العام للاستراتيجيات و السياسات فمطلوب منه فى مراحل التنفيذ الجرأة فى ولوج المجالات التنموية المختلفة وعدم التقوقع و التخوف من ارتياد المجالات الجديدة ، ممايخلق فراغا تعمل بعض الاجهزة الحكومية على التمدد فيه بدون وجه حق . كما ان على القطاع الخاص المقتدر ان يدرك منذ البداية طبيعة العمل الزراعى و تعرضه ?لمخاطر الطبيعية و غيرها مما يستدعى ان يتسلح كما قيل قديما بشئ من « صبر ايوب و عمر نوح و مال قارون». إن دور القطاع الخاص ليتعدى الجانب الربحى فقط - رغم أنه هدف اساسى و مشروع - إلا أن الابعاد الاجتماعية فى المنطقة المستهدفة بالتنمية الزراعية لواجب له آثاره الإيجابية على عمل القطاع الخاص ، ففى استقرار أهل المنطقة و مشاركتهم كعمالة او فى أى نمط من أنماط المشاركة ما يضمن نجاح و استمرارية المشروع التنموى ، ولذا فإن مساهمة المستثمر الخاص فى ذلك الجانب الخدمى مطلوبة وفق أسس معلومة ومقبولة لكافة الاطراف. وكما أن?ا نجد فى كثير من الدول المتقدمة أن للقطاع الخاص «من ذوى الاحجام الكبيرة « إسهاما واضحا فى عمليات البحث العلمى التطبيقى ولذا من المتوقع ايضا من القطاع الخاص السودانى المقتدر المساهمة فى هذا الجانب دفعا لما تقاعست الدولة فيه . لابد أن يدرك القطاع الخاص مهما كان حجمه صغيرا أم كبيرا ، وطنيا أو أجنبيا مهامه وواجباته وحقوقه ايضا و أن يحسن التخطيط قبل مرحلة التنفيذ ، فإن من لا يحسن التخطيط للنجاح حتما يخطط للفشل ، وفشل القطاع الخاص لأى سبب من الأسباب آثاره مدمرة على مجمل مستقبل واستمرارية مشاركة القطاع الخاص ا?وطنى أو الأجنبى فى العملية التنموية.
لقد تتابع فى السودان على مر العهود و الأنظمة إصدار الخطط بمختلف المدد الزمنية وتنوعت السياسات و التوجهات إلا أنه ومن واقع التطبيق وقياسا على مميزات السودان من ثروات زراعية
نجد أن الحصيلة النهائية لا تتناسب مع ذلك الغنى و التنوع فى الموارد ولعل فى ذلك مما يشير لخلل اساسى إما فى السياسات أو الخطط أو المناخ المطلوب بل و لعل فى عدم الاستقرار السياسى الذى ساد السودان منذ الاستقلال حتى تاريخه ما يفسر ذلك الخلل الشائن. وإيماء لما أشرنا له من مساهمات للقطاع الخاص فى بواكير تاريخ السودان ووأد ذلك بالاصلاح الزراعى ثم تأميم نميرى للشركات و نتيجة لذلك نجد أن القطاع الخاص المقتدر قد تقوقع كثيرا فى الجوانب الانتاجية ومجالات الصادر و إكتفى بجانب التعامل فى تقديم الخدمات و المتاجرة بالمدخل?ت خاصة لمحصول القطن ، و كانت النتيجة الحتمية خروج السودان من العديد من الأسواق العالمية وضعف مساهمته فى أسواق كان لنا فيها مكان مميز مثل الصمغ العربى و القطن طويل التيلة ، كما نلاحظ أنه نتيجة للتأميم فقد تم إنشاء الكثير من الشركات الحكومية بديلا للقطاع الخاص وازدادت ايضا القبضة الحكومية على المشاريع المؤممة مما أدى لترهل فى الأجهزة الادارية و ضعف الدافع للإنتاج و من ثم هجران المزارعين للزراعة و النزوح للمدن مما ضاعف من حجم الماسأة. فى العقدين الاخيرين من زماننا هذا وكنتيجة للتطبيق المتسرع للاقتصاد الحر و ل?يق دائرة التشاور و التحاور متزامنا مع الوهم الذى أصاب متخذى القرار المتنفذين بعد ظهور البترول و ما تبعه من سوء استغلال لعائداته فى أنشطة الزراعة ليست فى قائمة أولوياتها ، وكذلك لسوء تطبيق نظام الحكم الفدرالى وما نتج عنه من اتجاه الحكومات الولائية للجبايات القانونية و غيرها لتغطية نفقات الأجهزة المترهلة مع إغفال تام للخدمات الاساسية ، كل ذلك ادى للمزيد من احجام القطاع الخاص الصادق من لعب دوره المنشود فى التنمية الزراعية. غير أننا وبعد كل هذا الكم من الدمار نجد بصيص ضوء فى نهاية النفق ممثلا فى قانون تشجيع ال?ستثمار و الاستراتيجية ربع القرنية و من ثم النفرة الزراعية و ربيبتها النهضة الزراعية. من الناحية النظرية نجد أن قانون تشجيع الاستثمار ورغم بعض الهنات و المآخذ على نواحى محددة منه إلا أنه قد فتح الباب على مصراعيه للمستثمرين سواء الوطنيين او الأجنبيين و قدم لهم الكثير من الضمانات و الحوافز ، إلا أن الواقع التطبيقى تشوبه الكثير من العوائق أهمها استمرارية التضارب بين المركز و الولايات و إنعدام الخارطة الاستثمارية فى الكثير من الولايات و المشاكل المتعلقة بملكية و تخصيص الأراضى الزراعية و المواجهات غير المنطقية ب?ن المستثمر و مواطنى المنطقة المعنية بشأن الاراضى فى غياب تام للسلطات بل و أحيانا بتشجيع منها بصورة أو اخرى وتأثر المستثمر بكثرة تعديلات و تضارب السياسات المالية و الاقتصادية ، وكما لا نغفل ما يرشح من حين لآخر باتجاه الدولة أو الولاية لتعديل قانون الاستثمار مما يخلق نوعا من البلبلة و عدم الاستقرار، كل هذا أقعد بالاستثمار الزراعى و بعودة القطاع الخاص للعب دوره المنشود فى التنمية الزراعية. أما الاستراتيجية ربع القرنية فلا يبدو أن هنالك من يهتدى بها أو يستند على ما جاء فيها ، و يكفى أن البعض من القيادات لا يعر? عنها سوى اسم «الاستاذ» أمينها العام وهى المفترض أن تكون الاساس الجامع و الموجه لكل الانشطة. وفى شأن النفرة الزراعية- النهضة الزراعية- ورغم أنها احتوت من الناحية الفنية والتخطيطية على كل ما تحتاج له النهضة الحقيقية وشارك فى تصميمها علماء و اداريون لا يتطرق الشك لكفاءتهم ، و توفرت لها الأجهزة التنفيذية و التمويل الادارى و أجهزة المتابعة ، و توفر لها الغطاء السياسى على أعلى المستويات ، وتضمنت فى برامجها التنفيذية تشجيع مشاركة القطاع الخاص، إلا أنه بعد إنقضاء حوالى 5-6 اعوام من عمر هذه النفرة- النهضة نجد أن?المحصلة حتى تاريخه دون الطموحات بكثير بل دون المخططات المجازة فى وثائق النهضة نفسها مما يدل على خلل بين فى اداء هذه النهضة و لا ندلل بغير استمرارية ضعف الانتاجية معضلة السودان الاولى. أما عن دور القطاع الخاص فى تنفيذ برامج النهضة الزراعية ورغم أنه منصوص عليه فى الأهداف الاستراتيجية للنهضة إلا أن واقع الحال يحكى عن شراكات تسمى بالاستراتيجية و الذكية مع القطاع الخاص و ما هى كذلك إلا إذا كان هنالك تفسير آخر لكلمة « الكلمة المركبة لصفات ذكية بالانجليزية ، والعبرة بالنتائج ولنا فى الشراكات «غير SMART» الذكية» ?ى مشاريع الرهد و السوكى و الجزيرة خير دليل.
أما الجوانب الإيجابية لمشاركة القطاع الخاص - خارج مظلة النهضة الزراعية - فتتمثل فى عودة الكثير من البيوتات المالية-العائلية العريقة للنشاط الزراعى بعد فراق دام زمانا أشرنا له آنفا ، ويحمد لهذه العودة استهدافها لتعمير مساحات كبيرة وفى ولايات متعددة و بإمكانيات كبيرة ، و الأهم من ذلك إتباع النظم الزراعية الحديثة و استهداف الصادر، و رغم العوائق التى تواجهها إلا أن النتائج مبشرة ، ويكفى أن نشير لمحصول البرسيم وكيف أصبح من محاصيل الصادر الهامة ، وفى الطريق محاصيل واعدة أخرى، كما اهتمت هذه البيوتات بالجوانب ا?اجتماعية« طوعا أو كرها » فى المناطق التى خصصت لها . غير أن المطلوب من القطاع الخاص أكثر من هذا بكثير بحكم إمكانياته المادية و تحرره من الروتين وعلاقاته الخارجية مع شركات مماثلة ، فمن ضمن المطلوب المزيد من الجرأة و التوكل فى إرتياد مجالات محاصيل واعدة و مطلوبة خارجيا مثل الزهور، ونشير هنا إلى أن دولا مثل اثيوبيا و كينيا أصبحت أرقاما عالمية فى هذا المجال ، وهنالك أيضا مجال المحاصيل الطبية و العطرية ، و مجال تحديث تربية الحيوان فى مزارع متخصصة لأجل الصادر و السوق المحلى وغير ذلك من المجالات الزراعية. وكذلك ?سبة لارتفاع أسعار الجرارات الكبيرة و المعدات والآليات الزراعية المتخصصة فقد اصبح من المتعذر على المنتجين حتى المقتدرين منهم شراءها ولذا فإن مجال هذا النمط من الخدمات الزراعية متاح ومطلوب إضافة للمجالات الاخرى التى تمترس فيها القطاع الخاص منذ أمد وهى التى تتعلق بالمدخلات الأخرى من تقاوى و اسمدة و مبيدات خاصة و أن هنالك بوادر عودة لمحصول القطن لو صدقت النوايا و «أعطى القوس لباريها» و جودت كل «شركة « ما أنشئت من أجله وكلف كل امرئ بما هو أهل له.
السودان الآن فى مرحلة مفصلية يكون بعدها أو لايكون ، وعلى أعتاب الجمهورية الثانية كما يطلق عليها إعلاميا وهنالك الكثير من الوعود بطى صفحة الماضى والتوافق على ما ينفع أهل السودان كافة تحقيقا للتغيير الحتمى بأيدينا لا بيد عمرو، لذا لابد من وقفة جادة وصادقة و أمينة لمراجعة كافة سياساتنا وأهمها الاقتصادية و على رأسها موضوع الاقتصاد الحر و الدور الأساسى الذى يجب أن يلعبه القطاع الخاص «الحقيقى» فى التنمية عامة و الزراعية خاصة ، وأن نعيد هيكلة آليات التنفيذ على أسس الكفاءة و الخبرة ، وأن نهيىء كافة الاسباب و ا?متطلبات ، ونحدد ونلتزم بدقة بالمهام و المسؤوليات التى توكل لكل مشارك وكفانا «دغمسة» فلا شىء بعد ذلك إلا الطوفان.
*مستشار زراعي
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.