وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سد النيل الأبيض.. حينما تعكر السياسة المياه.. الخرطوم: ماجد جادين ساره
نشر في الصحافة يوم 13 - 04 - 2012

أطلت فوبيا المياه في حوض النيل من جديد على سطح الاحداث بعيد ان اعلنت دولة جنوب السودان اعتزامها بناء سد على النيل الابيض، وانطلقت التقارير الاخبارية تمحص عن غرض المشروع المائي، وتبحث عن من يقف من خلف تمويله في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعايشها الدولة الوليدة، وذهبت اجهزة الاعلام المصرية الى ان المشروع يقع من بين حزمة مشاريع تنموية تمولها دولة اسرائيل، بغرض حجز مياه النيل عن مصر والسودان، ربما تمهيدا لبيعها؛،ويبدو ان الابعاد المقلقة التي اتخذها التعاطي مع هذا المشروع هي ما دفعت بوزير الري السوداني ليقلل من آثار قيام دولة الجنوب ببناء اي سدود على حصة السودان من مياه النيل. لكن تصريحات الوزير لم توقف تداعيات ذلك الاعلان من جوبا، كما انها فتحت الباب لاستعادة المخاوف المصرية المتوارثة من تأثيرات الانفصال على مصالحها في مياه النيل وامنها القومي، ومن قدرة الخرطوم التي تراهن عليها القاهرة في احتواء مطامح جوبا، وجرها لتقف بازاء مواقف البلدين تجاه قضية المياه الشائكة في هذه المنطقة.
فوبيا المياه واسرائيل.. الأموال لا تكفي..!
لم يكن غريبا ان تسعى القاهرة الى سماع وجهة نظر الخرطوم في اعلان جوبا عن عزمها بناء سد على النيل الابيض واستجلاء حقيقة المشروع ولكن الامر يضحى غريبا بالفعل حين تسعى الى ذلك في وقت كان وفد وزارتها المعنية بالمياه والرى في قلب الجنوب، ويجرى في عاصمته مباحثات مع نظرائه هناك. وقد عاد وفد وزارة الرى والموارد المائية المصري الى بلاده برئاسة الدكتور محمد عبد العاطى رئيس قطاع النيل بعد مشاورات استمرت اربعة ايام، دون ان يشير الى المشروع او يتطرق اليه، رغم ان الوفد الرسمي شارك خلال الزيارة في اجتماع اللجنة الفنية المشتركة بين الجانبين المصرى والجنوب سوداني، ومناقشة تقدم سير العمل بمشروعات التعاون الفني بين جمهورية مصر العربية وجمهورية جنوب السودان. وهى المشروعات التي تعتمدها القاهرة من العهد السابق كمدخل ملائم لتوطيد العلاقات مع الدول الجديدة في الحوض، وتتضمن حزمة من المشروعات بمنحة مصرية قيمتها 6ر26 مليون دولار. وقام الوفد بزيارة بعض مواقعها مثل مشروع حفر الآبار الجوفية بمدينة «جوبا» والتي تتضمن انشاء (6) آبار جوفية بعمق (75) مترا كي تتماشى مع متطلبات المرحلة الحالية لدولة جنوب السودان، لكن اللغة المشتركة بين البلدين تبدو منعدمة على ضوء الحذر المتبادل من التقارب الواضح بين جوبا وتل أبيب، ويرجع عدد من الخبراء المصريين تسارع الخطى الاسرائيلية باتجاه الجنوب، الى رغبتها في احكام سيطرتها على موارد مصر المائية، وحذر الباحث بمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية الدكتور هانئ رسلان من أن موقف الجنوب فى قضية مياه النيل يخضع لمؤثرات خارجية منها اسرائيلية وسيكون مع دول المنبع ضد مصر، ولن يقف ازاء القضية موقف السودان. فالجنوب كما يقول رسلان أقرب إلى دول المنابع وتربطه علاقات وثيقة بأوغندا وكينيا، لكنه عاد واشار الى انه من غير المتوقع أن ينضم إلى مجموعة «عنتبي» على الأقل الآن، لانشغاله بمرحلة بناء الدولة ولن يكون بحاجة إلى صراع جديد لن يستفيد منه خاصة وأنه دولة هطول مطري غزير يقدر في حده الأدنى ب(500) مليار متر مكعب من المياه سنويا، فضلا عن انه لا يعتمد على المياه في الزراعة وانما يعتمد على الزراعة المطرية، لذا فالدولة الجديدة لديها تخمة في المياه. وعلى ضوء هذه الوقائع يقول رسلان ل» الصحافة» ان الجنوب ليس من مصلحته التدخل بشكل سلبي لتقليل كمية المياه المتدفقة حاليا إلى شمال السودان ومن ثم إلى مصر. ولا تبتعد د. أمانى الطويل الخبيرة الاستراتيجية في ذات المركز بعيدا حيث تقول ل» الصحافة» بدورها ان دخول اسرائيل كلاعب جديد في حوض النيل يشكل خطورة كبيرة على مصر، مشيرة إلى أن مصر تعاني من تهديد أمنى كما تعاني من تهديد صريح لمواردها المائية في نهر النيل مؤكدة ان بلادها قد دخلت بالفعل مرحلة الفقر المائي وتراجعت حصة الفرد مع زيادة السكان، وهو ما أدى إلى أن تقوم مصر بتحلية 200 مليون متر مكعب من المياه، واشارت الطويل الى ان اسرائيل سبق وأن طرحت من خلال اليونسكو في عام (2002 ) مشروعاً ثقافياً بعنوان «الأخدود العظيم» يمتد من الأردن وحتى جنوب أفريقيا، وان هناك عدة مشاريع إسرائيلية لسحب مياه النيل إلى إسرائيل لزراعة صحراء النقب، وبالتالي يتم تقوية الدولة الإسرائيلية.
من جانبها ظلت دولة الجنوب تؤكد على انها لن تصبح مصدرا للتهديد للدول العربية، كما انها واعية تماما لمصالحها ومخاوف جيرانها ومحيطها الاقليمي ، واعلن وزيرها للري والمياه بول مايوم على هامش اجتماعات المنتدى العالمي للمياه بمدينة مارسيليا الفرنسية عن سعيها لتنفيذ مشروعات مشتركة مع مصر تستهدف التنمية في بلادها، مشددا على ان الجنوب لن يسعى للاضرار بالمصالح المصرية، وان دولته لا ترضخ لاي ضغوط من جانب إسرائيل للتأثير على العلاقات مع القاهرة، وأن العلاقات مع إسرائيل لها حدود تراعي المصالح المشتركة دون أن تتجاوز الحدود للعلاقات الطبيعية بين دول الحوض ومصر والسودان ، وقطع الوزير بأن السدود التي تعتزم دولته انفاذها في أعالي النيل، من بينها السد المعني، « لن تضر مصر». فيما يؤكد وزير الري السوداني الاسبق الدكتور يحى عبد المجيد ل» الصحافة» تعليقا على الموضوع المثار، ان قضية مياه النيل لن تحل الا بتعاون دول الحوض كلها وفق اتفاق يحقق مصالح شعوبها المشتركة ويدعم من عمليات التنمية فيها، وشدد الوزير السابق على اهمية ابعاد الحسابات السياسية عن هذه القضية المحورية في المنطقة، مطالبا الاطراف الثلاثة بالجلوس معا للوصول الى تفاهمات مرضية للجميع.
الخرطوم وجوبا.. خيوط اللعبة وكروت الضغط
هل تحاول جوبا استخدام المياه ككرت ضغط في ميدان خلافاتها المتعددة مع الخرطوم، وهل يؤشر اعلانها عن بناء سد في النيل الابيض لبداية حرب المياه بين دولتي السودان الشمالي والجنوبي؟، ربما تقدم توضيحات وزير الموارد المائية حول ما اثير عن ذلك المشروع ما يساعد في الاجابة على ذلك، فقد اعتبر وزير الري سيف الدين حمد عبد الله ، أى حديث عن قيام سدود بدولة الجنوب بغرض حجز المياه عن السودان ومصر «حديث سياسي تنقصه الدقة والمعرفة التامة بالنواحى الفنية»، مؤكدا حدوث عكس ما يتوقع، بزيادة الإيراد لا بنقصانه أو احتجازه. ووصف الوزير في الخرطوم التصريحات الصحفية التى أشارت إلى اتفاق بين إسرائيل مع حكومة جنوب السودان على تشييد سلسلة من السدود تحجز غالبية المياه القادمة إلى الشمال، بأنها تنقصها الدقة والمعرفة بالنواحى الفنية وطبيعة ووضعية المياه، وشرح الوزير ان النيل الابيض يغذى نهر النيل الرئيسى بنسبة (16%) فقط من كمية المياه خلال العام لكل من السودان ومصر، بينما يرى خبراء مصريون عدم امتلاك دولة الجنوب للقدرة التخزينية لأى كميات من المياه، واشاروا في وسائل اعلام مصرية الى انها تعجز الآن عن إيجاد حلول ل 30 ألف كيلو متر مربع من المستنقعات المائية بالجنوب، ملوحين الى ان المشروع يتم وفق مخطط تنفذه جوبا بدعم من اسرائيل، لكن خبيراً في مياه النيل بالخرطوم « فضل حجب هويته» ابدى امتعاضا ازاء المخاوف المصرية، ذلك رغم القناعة التي ابداها بعدم حاجة الجنوب الى اقامة سد على النيل الابيض في ظل الوفرة المائية التي يحظى بها، لافتا الى ان طبيعة ذلك النهر وثبات وارداته من المياه طوال العام، يدحض مزاعم من يقول ان جوبا تحتاج لخزن مياه تلبية لاحتياجاتها زمن التحاريق، وقطع الخبير بعدم حاجة دولة الجنوب الى مثل هذا السد مؤكدا أن قيام أى سدود بالجنوب لن يضيف كميات تذكر على كميات المياه الواردة عبر «النيل الأبيض».
اذن الى ماذا تسعى جوبا من اعلانها هذا المشروع ومشروعات اخرى في اعالي النيل؟ وهل هناك حاجة فعلية لمزيد من المياه على ضوء التوسعات المتوقعة في الدولة الجديدة؟. يرى الخبير فى شئون المياه البروفيسور خليل عبدالله المدنى ان هذا الامر مناورة سياسية من قبل الدولة الوليدة وورقة ضغط تستخدمها حكومة الجنوب للضغط على الدولتين فى ظل القضايا الراهنة التى تعيشها، وقال المدنى ل «الصحافة» ان الحديث عن إنشاء سد او مجموعة من السدود على النيل الأبيض فى هذا التوقيت هو بمثابة كرت ضغط من قبل دولة الجنوب بصورة مباشرة على السودان بإقحامها مناورة جديدة فى القضايا العالقة، وتساءل المدنى عن موقع انشاء السد المقترح، مؤكدا انه لا يمكن من ناحية فنية إنشاء الخزان فى اقصى شمال دولة جنوب السودان فى منطقة ملكال، لأنها من أكثر المناطق الزراعية خصوبة فى دولة الجنوب ولايعقل ان يتم غمرها بمياه بحيره السد بخاصة وان الجزء الجنوبى من الأراضى ملئ بالمستنقعات ولا تتوفر عبرها مساحات كبيره من الأراضى الصالحة للزراعة بسبب المستنقعات والغطاء الغابى الكثيف فى تلك المنطقة. واشار المدنى خلال حديثه مع « الصحافة» بالامس الى عدد من الإشكاليات المتعلقة بملف المياه بين دول حوض النيل،واصفا اتفاقية( 1959) بالمعيبة لانها خلفت العديد من المشكلات خاصة مسألة توزيع الحصص ورأى ان التقسيم يجب ان يكون من أجل الإنتفاع وعلى اساس حاجة كل دولة، وذلك من خلال تفعيل المشاريع المشتركة التى تخدم كل دول حوض النيل، وقال الخبير ان من مساوئ عملية تقسيم الحصص انها يمكن ان تفتح ابواب الإبتزاز والمساومة وعملية الشراء والبيع بين الدول. وذهب المدنى الى ان الجنوب يستخدم حصة المياه الآن من اجل الكسب السياسى بخاصة وان تحالفات دولة الجنوب تتجه نحو دول جنوب الحوض خاصة يوغندا، مشيرا الى ان هذا الامر يقف من وراء المخاوف المصرية من الوجود الإسرائيلى فى منطقة البحيرات ودولة جنوب السودان، ورجح المدنى ان تشهد قضية المياه بين دول الحوض تعقيدات فى الفترة المقبلة، لان الخلاف الاساسي بينها يكمن فى مفهوم تقسيم المياه من جديد، وما يدعم من تلك الفرضية التراجع الذي يتضاعف سنوياً فى كمية موارد مياه حوض النيل بسبب العوامل الطبيعية والجفاف مع الأخذ فى الإعتبار زيادة اعداد السكان فى هذه الدول وبالتالى زيادة الحاجة المائية لكل دولة.
وكشف المدنى عن ظلال سالبة على السودان نتاجا لهذا الوضع المعقد بحسبان انه استنفد حصته من المياه، وقال ان البلاد تحتاج بشكل ماس الى زيادة كميتها من المياه وليس نقصانها خاصة في ظل التوسع الجاري فى مشاريع صناعة السكر فمعروف ان قصب السكر يستهلك كميات كبيرة من المياه، مشيرا الى انه برغم عملية التوافق الواضح السوداني المصري فى قضايا المياه ووقوفهم فى صف واحد ضد دول الحوض، الا ان الخلافات بينهم مازالت قائمة لافتا الى ان مصر أشارت الى انها قد تلجأ للتحكيم الدولى لحل قضية المياه للمحافظة على نصيبها والذى لن تفرط فيه، ذلك رغم ان القاهرة فشلت فى إدارة صراعها فى ملف المياه بسبب السياسات الخاطئة والمقفولة التى انتهجتها حكوماتها السابقة، والتى أضرت بمصالح مصر الإستراتيجية ببعدها عن دول الحوض. ويعود الخبير الآخر في المياه ليقول ل» الصحافة» ان عملية بناء السدود في دولتي السودان ومصر لاتتم الا بعد التشاور والتأكد من عدم اضرارها باحداهما،وهو الوضع الذي ينطبق على الجنوب شاء ام أبى، مشيرا ان عملية التمويل الخارجي نفسها تشترط على الدولة صاحبة المشروع عدم اضراره بمصالح الدول المجاورة، فضلا عن ان القانون الدولي يجيز عملية ايقاف المشروع حال اعلان طرف ما تضرره من السد المعني، وقطع الخبير بان الامر لن يختلف في حالة انشاء اي سدود على اعالي النيل بدولة الجنوب، وان مولتها اسرائيل لانه سيظل بمقدور مصر والسودان الاحتكام الى القانون الدولي.
القاهرة والخرطوم..هل تجدي رهانات المياه؟
بالرغم من ان قيادات الحركة الشعبية الحزب الحاكم في الجنوب دأبت على تقديم تطمينات مستمرة للقاهرة، قبل الانفصال، على صيانة حقوقها المكتسبة عبر اتفاقية مياه النيل للعام 1959، فإن المخاوف المصرية من تبعات الانفصال وتوجهات الدولة الجديدة ظلت ماثلة، وسجلت جوبا في سبيل ازالة تلك المخاوف تنازلات غير معهودة لاقليم لم يحز على سيادته بعد، فقد اعلن امينها العام باقان اموم من القاهرة في يناير من العام (2011) بأن حكومته لن تطالب بحصة خاصة من مياه النيل، وانها ستكتفي بعد الانفصال باقتسام حصة السودان. ثم مضت جوبا طوال الفترة الانتقالية الى ربط مشروعاتها في المياه والرى ببرنامج مساعدات فنية مصرية، لا زال يتواصل بميزانية لا تتعدى ( 50) مليون دولار، لكنها تمسكت في المقابل برفض المطالب المصرية المتجددة باستئناف العمل في قناة جونقلي، رغم الحاح حكومات القاهرة ما بعد الثورة. وتراهن مصر على الخرطوم فيما يبدو بشأن جر الجنوب الى خط الدولتين في التعامل مع قضية مياه النيل، وكسب صوتها في الجولة القادمة من المباحثات والمشاورات النهائية بين دول الحوض حول الاتفاق الاطاري الذي ترفضه القاهرة والخرطوم، ذلك في الوقت الذي تتأرجح فيه العلاقات بين الخرطوم وجوبا صعودا وهبوطا بسبب القضايا العالقة بين البلدين، وهو ما ينسحب على هذا الملف. وتعتمد مصر على التزامات السودان المقطوعة سابقا على وقوفه معها جنبا بجنب في مواجهة دول الحوض، منطلقا من فرضية تلازم المصالح السودانية المصرية فى هذه القضية، وهو الامر الذي يعتبره مراقبون غير صحيح بالمرة، فمصالح السودان بنظرهم قد تكون فى اعادة اقتسام ايرادات النهر بشكل يحقق زيادة فى حصته الحالية، وخاصة وان هذه الحصة سيتم اقتسامها مع الدولة الجديدة فى الجنوب. وقد اشار السفير السوداني السابق عثمان السيد في حديث ل»الصحافة» ان السودان يرتبط بعلاقات استراتيجية مع دول حوض النيل لا يجدر به ان يخسرها بالخوض فى مواجهة مع هذه الدول بالوكالة عن مصر. وتبرز فى هذا الاطار علاقات السودان المتنامية والمتميزة مع اثيوبيا التى تقف في مقدمة دول الحوض الآن المطالبة بإعادة اقتسام المياه وفق المعطيات الجديدة . ويرى السفير السيد ان على مصر ان تترك السودان ليتصرف ازاء ملف المياه بما يحقق المصالح الوطنية للبلاد، ومضى ليضيف «حتى اذا اقتضى ذلك ان يوافق دول حوض النيل الست فى تحركاتها» ، وانتقد السيد المعالجة المصرية لملف مياه النيل ورأى ان مصر لم تترك الفرصة للخبراء المعنيين بالمياه فى البلدين لحل المشكلة فى اطارها الفني واقحمتها فى اطار آخر يرتبط بأمنها القومي مما تسبب فى تعقيد المشكلة. وطالب السفير عثمان السيد مصر مابعد مبارك بمراعاة حساسية وضع السودان، وترك هذا الملف للخبراء فى وزارتي الري فى البلدين ليعالج فى اطاره الفني، بما يحقق المصالح الوطنية لاي من البلدين.
بيد ان مصر لا زالت تراهن على موقف السودان فقد عقد رئيس وزرائها د.كمال الجنزوري اجتماعا بمكتبه في الاول من الامس للجنة العليا لمياه النيل لاستعراض ثلاثة موضوعات رئيسية ، الأول يتعلق بتطورات أعمال اللجنة الثلاثية، والثاني يتعلق بالتعاون الثنائي بين مصر وكل من السودان وأثيوبيا ، والثالث خاص باستراتيجية التعاون بين مصر ودول حوض النيل. وقال وزير الري المصري للصحفيين بعد الاجتماع، إنه ناقش بشكل خاص سبل تعزيز الجهود المصرية لدفع التعاون مع كل من السودان وأثيوبيا والإسراع في تنفيذ مجموعة من مشروعات التنمية في هاتين الدولتين بمشاركة مصرية خاصة في مجالات التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والكهرباء والطاقة.وأضاف «أن الإجتماع ناقش أيضا دفع مشروعات التعاون بين مصر ودول حوض النيل، بحيث يصبح النيل قاسما مشتركا للتعاون والتنمية وليس التنافس أو الصراع».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.