قارئي.. ادعوك لترتاح قليلا من اجواء هذه الايام التي تحمل شيئا من التفاؤل بانتخابات حرة ونزيهة .. الا انها في الوقت نفسه تملأ النفس توجسا وقلقا من أيام نخشى ان تكون حبلي بالمفاجآت والمظاهرات والبمبان والعصا..!! وبما ان العصا هي رمز انتخابي للحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل، اكون من حيث لا ادري روجت لدعاية انتخابية ما قصدتها .. الامر الذي يفرض عليّ ان اذكر (العلم) الذي هو الآخر رمز انتخابي للحزب الاتحادي الديمقراطي جناح الهندي ود. جلال الدين الدقير (وجناحي) ايضا - ثم وكيف حال اذنيك مع هذا التلوث الضوضائي الذي يحدثه الطنين والرنين للبرامج الحزبية العديدة، التي تقسم كلها يمينا انها ستغير المستقبل وستمسح وجه السودان (بمكياج) رائع ... إلا نحن في الاتحادي الديمقراطي نختلف عنهم اذ اننا لا نعدكم بالمستحيل ولكن نعدكم بأننا سنوجه كل الموارد المتاحة.. المالية والعينية صوب (القضية) .. وسنخلق التوازن العقلاني بين الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية للتنمية - والله ما قصدت دعاية انتخابية لحزبنا العملاق ولكنها الخواطر سمحت لها ان تنساب كما ارادت هي ولا كما اريد انا ... فحديثي لك اليوم هو حديث من لا يرغب في الشأن السياسي وحديث من يدرك ان الوقت غير مناسب لطرح قضايا التنمية.. التي هي (خيطي) الذي (أنزل) فيه كلما سمعت ضربات دفوف (الزار) في مدينتنا او في اي مدينة مجاورة...! ولأن الاجواء محتقنة قلت احدثك في موضوع اجتماعي خفيف الظل الا انه بعيد المغزى، لترتاح قليلا.. ان كان في هذه الحياة راحة فقد قال تعالى: «انا خلقنا الانسان في كبد» .. والكبد هو المشقة والعناء.. وقصة هذا الزواج الذي اريد ان احدثك عنه قد وقعت احداثه فعلا في اواخر ثمانينيات هذا القرن بمدينة ريدنج بانجلترا حيث كنت هناك اعد دراستي للماجستير ، حضرت ذلك الزواج كشاهد عيان لكل احداثه. فقد دعاني زميلنا (سالم) السوداني الجنسية الا انه مصري الثقافة والميلاد، لحضور حفل زواج العريس (يوسف) المصري.. ويوسف لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين على اكثر تقدير. وكان لسالم الفضل في ان يربطنا بشلة من المصريين والمصريات حتى نمت بيننا وبينهم علاقات طيبة وعلمت ان سالم يعمل الآن بالخليج في احدى (البلاطات) الملكية واصبح هو الآخر (رمزا) يشار له بالبنان! ونحمد الله انني لبيت دعوة سالم لذلك الزواج في احدى كنائس ريدنج بانجلترا حيث تمت هناك مراسم الزواج... وانتهز هذه الفرصة لأرسل لسالم موافقتي المفتوحة لتلبية كل دعواته القادمات...! الزوجة انجليزية اماً عن أب، ولدت وترعرت في بيئة نظيفة ورائعة الجمال وبلادا لا تغشاها الشمس الا قليلا.. واجواء يكسوها الضباب والبرد فتسيطر على الفرد الرغبة في العناق... اي عناق كان..! إذ اذكر انني عانقت يوما سخان التدفئة حتى احترق ردائي..!! وتلك حقيقة.. اقول تلك الانجليزية أكل عليها الدهر وشرب وشاخت ويبدو انها في العقد الثامن تظنه الثامن عشر...! لها انحاءة قليلة على الظهر وعند الكتفين.. شعرها قصير ابيض اللون كلون الحليب.. وتحسبها لم تسمع عن الصبغة السوداء التي تلازم النساء...! الا انني احس انها عرفت بالفطنة ان الصبغة تسود الشعر إلا انها لا تمحو التجاعيد.. التي لابد ان تأتي يوما ولا تزول...!! والحقيقة ان كل النساء يخشون ذلك اليوم الذي لابد انه آت لا محالة .. مهما كانت سرعة الهروب منه إذ انه يظل يطاردنا !! - اقول بهذا الفهم العميق، الذي لابد ان يُحترم ، تركت (العروسة) شعرها ابيضاً كما هو - أو ربما - من يدري - تركته هكذا لأن من أحبها يحبه أبيضاً ناصع البياض...! وفي الكنيسة اكملت مراسم الزواج والفرح وسط حضور قليل جدا من اصدقاء وصديقات العروسين وأنا.. وعرفت ان الحضور لا يشمل اقارب وابناء واحفاد العروسة لأنه زواج (سري للغاية..)!! وخرجنا من الكنيسة واتجه الركب الى احد المطاعم الفاخرة لتناول وجبة الغداء وقليلا من المشروبات بينها العصائر الطبيعية والغازية والكحوليات التي شربها من يشربها.. وبما أنني لا اتعاطى الكحول لأنها حامض المذاق وثانيا لأنني خفيفة الظل حتى في عدمه...! وثالثا لأن الكحول كما اعتقد - لا زال - مشروبا ذكوريا بالسودان! وأولاً لأنني أدين بالاسلام دينا وعقيدة لذا اكثرت من العصائر الطبيعية وأسرفت ، ورغم ذلك طربت طرب من تعاطوا الكحول مع انغام الموسيقى الهادئة التي ملأت المكان سحراً ووقاراً... ووسط كل ذلك الجمال.. تبدو (العروسة) كما هي.. واجمة.. فالكبر أقبح ما فيه أنه يقتل الاحساس بالدهشة ويخنق القدرة على الانفعال..! فترى العروسة متبلدة كعروسة (المولد)..يوم زفافها... والعريس يضحك ملء فيه وكأنه يقول وجدتها.. وجدتها...! ثم يضع يده اليمنى حول خصرها كعادة الانجليز ويطوقها تطويقا أشبه بمن يخشى هروبها منه بعد أن وجدها..! ولاحظت ان العريس لا يتحدث مع عروسته بل يلتفت لسالم من وقت لآخر ويحثه ان يخاطبها له نيابة عنه (قول لها يا سالم...)!! ويصبح سالم وزيراً ومترجماً للعريس.. فعرفت ان العريس يجهل اللغة الانجليزية ويخشى أن يخاطب عروسته بلغة ركيكة...!! وانتهت مراسم الفرح.. والدهشة تحتويني .. فأنا - وقتذاك - في عمر لا أعي معه سر مثل هذه الزيجات..؟! ولا أفهم ما هي أهدافها...؟!! ثم جلسنا أنا ومعي رفيقتي الاستاذة آمنة عبدالرحمن فرح وبدأ سالم يشرح لنا اهداف ذلك الزواج.. ففهمت - لهولي - أن ذلك الزواج ما هو إلا صفقة يمنح فيها العريس العروسة مبلغا من المال متفق عليه على أن يمنحه عقد الزواج بانجليزية حق الاقامة ببريطانيا وذلك هو كل ما يسعى له (يوسف المصري)...! ثم ينتهي الزوج بمراسم الفرح وقسيمة الزواج..! عالم بصحيح مجنون..!! وقيماً تهتز أمامي .. وزيجات تعقد (أوانطة) .. واقامات تمنح إلا انها مستوفية لكل الشروط..!!! ماجستير تنمية ولاية شمال كردفان /الابيض