شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكايات: أنا وسيلفيا الهولندية (حكاية حب وأنهار وحياة)
نشر في الصحافة يوم 24 - 05 - 2013


: في سبيل الدفاع عن أقداري
« أنا لست مصطفى سعيد وسيلفيا ليست جين مورس»
(مشهد من مشاهد التخلق)
ما حدث بيني وسيلفيا في قطار نهر الراين أوان لحظة لقائنا الأول عبر المصادفة وحدها لا يمكن وصفه بشيء غير أنها معركة. معركة دامية. حرب شيطانية حدثت فجأة وبلا مقدمات أو توقعات. حرب سقط على أثرها قدر من الضحايا وسالت الدماء أنهارآ ودمرت الممتلكات وأهلك الزرع والضرع وأزهقت الأرواح في مبنى الكلية التي كانت تدرس بها سيلفيا. وسقط مارك فان بوميل صديقها المقرب مضرجآ بدموعه. وأنا لم أكن بلا قتلى أو جرحى في صفوفي. إذ أنني فقدت عددآ لا حصر له من الجنود وأربعة من ضباط الصف الأول من الكلية الحربية التي بدأت لتوي أدرس بها تكتيكات اللغة الهولندية وكان من أهم الضحايا شابة جميلة من كازخستان كانت تتشبس بالخطوط الأمامية وكنت أجهزها سرآ لمعركة فاصلة في يوم قريب لكنها ضاعت عند الراين في مجزرة لا رحمة فيها فتمزقت إرباً إرباً فقبرتها في ذاكرتي أضع على ضريحها زهرة الجندي المتفاني.
ونهر الراين مثله والنيل نهر جبار ليس بلا معارك أو أساطير. فقبل معركة سيلفيا جرت على ضفافه معركة لا تقل شراسة أسماها الحلفاء معركة «الأردين» تمكن من خلالها الأمريكان من هزيمة الجيش الألماني العنيد. وهي معركة فاصلة أنتحر على أثرها الرجل الجبار المدعو هتلر. وحدثت معركة الأردين
The Battle of the Bulge
على ضفاف نهر الراين في ديسمبر من عام 1944 بينما جرت معركة سيلفيا والتي أسماها الناس لاحقآ بمجزرة «الراين 2» في يوم السبت الموافق 20 يونيو من عام 1998 أي بعد 53 عامآ من تاريخ معركة الراين الأولى، وأستمرت زهاء العامين من الصدام وبقيت وإلى الأبد في ذاكرة التاريخ.
عند يوم السبت الموافق 20 يونيو من عام 1998 وعند الساعة الثالثة والربع ظهرآ كان الطقس صحوآ جدآ تحنو شمسه على الأرض بأشعة دافئة في بلاد يكاد أهلها يصبحون مجوسآ من جراء حبهم للنار. عند تلك اللحظة تصادف أن كان هناك عند أحد المحطات النائية شابآ في بنطال جينز من الطراز المعتاد وقميص أزرق دافي اللون وكان يبدو مفعمآ بالحياة وممتلأً بالإشراق وتكلله مسحة من حزن طاغي. وكان هناك قليل من الناس حوله يدخنون التبغ ويلوكون قليل من الأرق في إنتظار القطار بينما كان هو ينسل في مواجهة الشمس كنصب لفرعون قديم من قبالة التاريخ . وبينما كانت الشمس هناك تعانق الآفاق البعيدة كان على الأرض سلام. وكانت هناك موجة من البريق الإلهي أعتاد الناس على تسميتها مجازآ ب»سيلفيا». وكانت سيلفيا كالروح القدس تظلل الأمكنة دون أن يعلم بها أحد .
في القطار المتجه نحو نهر الراين جلست أنا ملتصقاً بالنافذة الزجاجية دون أن أشعر بمن هم حولي من الناس. وبينما كنت أنظر الساحات الخضراء وحقول الزهر وطواحين الهواء وأبقار الفريزيان كانت الشمس تضاحكني عبر نافذة القطار في بهائها المهيب. وعلى حين غرة وبينما القطار يأز الأرجاء صعقت بحقيقة صغيرة لم تكن لتعني لي شيء لو لا أنها كانت معجزة من البريق!. نعم. نعم هو كذلك!. في الحقيقة هي مجرد معجزة يتحدى بها الرب خلائقه. إنها سيلفيا. كانت بسيطة الهندام، يانعة وعطرة، وتبدو وكأنها ولدت لتوها من رحم حقل للورود الوحشية. ولم يكن بخاطري شيء آنها غير شيء واحد كان يملأني بالكامل وذاك أن الله حق وأنه موجود، هو وحده لا بد أنه صنع هذا، لأن هذا مستحيل !.
كانت تلك مصادفة صاخبة، مشحونة بالقلق والتوتر: أنا وسيلفيا في مواجهة بعضنا البعض لأول مرة في التاريخ .
أجواء الرعب والحرب:
ومع تزامن دفقة عنيفة من أشعة الشمس والقطار بدا يترنح على مشارف نهر الراين نهضت سلفيا بغتة، قامت بكل قوامها المهيب تتناول إصدارة القطارات (مجلة إن إس) كانت ملقاة على المقعد الخاوي المجاور لنا. ثم عادت إلى حيث موقعها الطبيعي من أمامي. عند لحظة قيامها تملكني الخوف وسرت في حنايا جسدي كله قشعريرة صادمة. فناجيت في خاطري عددآ من شعراء الحقيبة العظام علهم يطمئنونني ويلطفون بي ويمدونني بالصبر والسلوى في مأساتي المجلجلة. وكنت أراقبها خفية دون أن أدعها تكشف نظراتي الوحشية. وكانت هي على كل حال لا تهتم، وبدت وكأنها مجرد زهرة ياسمين تلهو مع فراشات في حقل بعيد
وعندما شرعت تقلب صفحات المجلة حدث أمر ما!. أمر عجيب. غضب!. تملكتني روح شيطانية مرعبة فهممت بالهجوم على المجلة لأمزقها إربآ إربآ لكني لم أفعل. غير أنه توجب علي فعل شيء فالحرب أولها كلام. وكنت خائفاً بل مرتعباً. هناك زلزال يحدث في مواجهتي بل يحدث في دخيلتي. لا بل أنا الزلزال. وهناك صمت في الخارج يكذبه صخب الداخل !
الحرب أولها كلام. (لا بد من صناعة الكلام) لا بد من الحرب
لا بد من أن أحدثها. أريد ان أسمع صوت الملاك. لا بل الجن. وفي تلك اللحظة أخرجت سليفيا بغتة مسدسآ من حقيبتها اليدوية، مررته على شفتيها فترك من خلفه حبوباً صغيرة فضية خلتها رصاص، فأندفق مزيد من البريق في كل الأرجاء. ثم صوبت المسدس لوهلة ناحية صدري قبل أن تعيده إلى مكانه من حظيرة العتاد. عندها أخرجت أنا من جيبي منديلاً ورقياً مسحت به وجهي وبدأت وكأنني هزمت في الجولة الأولى من الحرب الباردة. لكنه كان وهم. فسرعان ما استعدت قوتي وقررت خوض المعركة بلا هوادة.
حرب سأستخدم فيها كل إمكاناتي وتكتيكات قاتلة خبرت مفعولها في معارك قديمة تاريخية كسبتها طراً قبالة نهر عظيم يدعونه «النيل». ولكن هذه المرة لا يخالجني شك في أنني سأعمل في جيش عدوي أسلحة محرمة لا تبقي ولا تذر. تلك هي حرب الأنهار. إنها الحرب الحرام!. كان لا بد أن أفعل الحرام. الأسلحة كلها. كانت جريمة!. ذاك هو قدري وأنا سليل الكوارث العظيمة منذ الأزل.
رسمت إستراتيجيتي بصرامة وحكمة في مواجهة عدو جبار ووحش فتاك لا يعرف الرحمة. أي خطأ أخسر المعركة. لا بد من تنفيذ التكتيك بدقة متناهية.
Surprise attack مباغتة الخصم
الهدف يبعد عني 120 سنتمتراً في مقاييس القطار وآلاف السنين الضوئية في مقاييس الحقيقة. لا شيء يجمعنا أبداً غير الخيال والصدفة.
كان هدف معركتي المصيرية تلك هو حيازة الملاك يومآ ما. كان هدفآ طموحآ حتى في الخيال أو هكذا تهيأ لي. لكني سأحاول. أنا من دنيا العناد مصنوع من عجينة لا تعرف غير النصر أو الشهادة .
تشدقت بنصف إبتسامة ماكرة (الحرب خدعة) وبدأت العد التنازلي
3، 2، 1، 0 ... هجوم. الخطة الأولية مدتها الزمنية دقيقة واحدة ونصف (90 ثانية). في خلال هذه المدة الزمنية يتحدد نجاح العملية من فشلها، وقت قصير لكنه مصيري. توجب علي في كل الأحوال أن أحتفظ بنصف إبتسامة ماكرة في الوقت الذي أفجر فيه فرقعة كلامية وأخترع نكتة صغيرة ثم اسأل ثلاثة أسئلة فانطازية وأجاوبها بنفسي (لازم أكون خفيف الظل) وإلا الهدف حا يطش
Forever
وجهت لسيلفيا سؤالآ مباغتاً. قلت لها: هل حدث أن ألتقيتي ساحراً من بلاد النيل؟. فدهشت سيلفيا مني ومن السؤال وبدت مبهوتة ولا تستطيع الكلام ثم انفجرت ضاحكة ضحكتها الشهية تلك. لكني لم أتركها تخرج من صدمتها فعملت على إفقادها مزيدآ من التوازن فأجبتها على السؤال بنفسي قائلآ : أعرف أنك لم تلتق ابدآ بساحر من النيل غير اليوم. ولم أترك لها مساحة للتفكير فواصلت: هو أنا. أنا الساحر الذي تلتقين. أنا النيل. ثم فعلت المزيد عندما أطمأننت إلى أنها تفقد قدراً أكبر من توازنها وربما رزانتها فأخذت يدها وبدأت أقرأ لها الكف. كل ذلك حدث في تسعين ثانية لا أكثر. لقد كسبت الجولة الأولي من الحرب. ها أنا الآن أملك يد سيلفيا وألعب بها كما أشاء وجيشي يتقدم حثيثآ نواحي القلب. تمت العملية تكتيكياً بنجاح باهر .
تماماً، ذاك ما حدث. أنا الآن أقرأ لسيلفيا كفها وبدأت كمنجم أصيل يردد التعاويذ ويتمتم بالسرياني ويتحدث لغات عديدة من التاريخ بآكسن الجن. وكانت سيلفيا في غاية الدهشة من جرأة أفعالي وفي غاية الثقة من صدق تنبوءآتي. وبدت مستسلمة تمامآ للقدر وكانت في وهاد السحر تفقد جميع خواصها في التمنع أو الإعتراض. وقد نسيت يدها في يدي مدة الخمسة دقائق المقبلة. كانت يدها رقيقة دافئة وشعرت بأنها كانت مصابة برعشة صغيرة تطمئنني أن سيلفيا قابلة للإستسلام أمام وحش لا يعرف الرحمة
وعندما بدأ القطار يعبر النهر أصاب سيلفيا بعض الونى فلم تتمالك ذاتها فقامت بفتح «الزرارة» العليا من قميصي وبدت خجلة حينما قالت لي : «كدا أحسن». وكان الساحر واثق من صيده عندما وصل القطار وجهته الآخيرة «مدينة آرنهم» فأكمل عبوره للنهر الإسطورة. فتهيأ لي أنني قائد جيش الحلفاء في معركة الأردين
وودعتني سيلفيا تاركة نمرة هاتفها في جيبي. وكنت أعلم بوحي غريزتي ذات الدربة العالية أنها لا بد آيلة للسقوط.
وعندما ترجلت مسافة قدرها خمسين مترآ أدارت قدها الرهيف والتفتت إلي من جديد ملوحة بيدها ترمقني نظرة حنان. عندها بدت لي سليفيا ليست بشيء سوى قائد جيش هتلر يرفع راية الإستسلام ذات «أردين». وتهيأ لي لوهلة أنني «أنا» فارس من القرون الخوالي على ظهر حصانه يخطب في القوم، أهل «مدينة آرنهم» التي أحتلتها جيوشه للتو.
قائلآ لهم: ها أنا أجيئكم وأحط رحالي عندكم. أجيئكم لكني لست من العدم. أنا من دنيا الشموس الباهرة. أنا من النيل العظيم، أشعرني هو أنا، وأنا هو، يحملني رسالة سلام إلى صنوه «الراين». وأنا لست بلا عزيمة بل تخضبني العزائم. و أنا لست بلا معنى بل تكللني المعاني. ولم آت إلى هنا لأنتقص بل لأتمم. ولا آخذ إلا حين أعطي ... وأعطي بلا رجاء في ثواب. ثم رأيتني أجرد سيفي من غمده وألوح به في الفضاء ليعلم القوم أنني لست رجلآ بلا سيف. وإنما فارس عظيم من نسل فرسان عظام. لكني لم آت إلى هنا لأقتل بل جئت لأحيي... فأنا لست مصطفى سعيد وسيلفيا ليست جين مورس
وعندما غابت سيلفيا خلف الجدران عملت على إغلاق «الزرارة» التي فتحتها من قميصي وأنا أوعدها في دخيلتي وأعاهدها عهدآ غليظآ أن هذه لن يمسها غيرك فهي أمانة وأنا لا أخون أحبابي ولا العهود. والله المستعان. ثم طفقت أنشد غاياتي. وما هو إلا بعض حين و صدقت الرؤية
(وتتواصل المشاهد).
حادثة الطائرة
مشهد «1» سيلفيا تحب أن أحدثها عني
«تود أن تعرف كل شيء» !
سيلفيا تصغي إلي بكل جوانحها. وكثيرآ ما تغطي وجهها بكلتا يديها عند المنعطفات الحرجة أو اللطيفة والمجنونة كي لا تقطع تراسل حديثي عبر إنفعالاتي مع دهشتها التي كثيرآ ما تسيطر بالكامل على وجه الملاك. أحدثها عن أشيائي كلها «طفولتي وصباي وشقائي وشقاوتي ولعنتي وفرحتي وخيري وشري، كل شيء». وعن تاريخ أجدادي وجداتي وعن وطني وعن حزني ... وعن كل شيء. وهي تنصت في خشوع وتنصت وتنصت وتخشع وتخشع وتطلب مني المزيد في خشوعها المهيب. فأحدثها عن الجزر الساحرة «أم أرضة ورفيدة» وعن النيل حين يسدر وعن الموج حين يهدر وعن التماسيح حين تغدر وعن أمي حين أشقيها فتصبر وعن أبي حين يندر. وأحدثها عن الملاك الذي شرب المقلب وعن الآخر الذي صدق. وعن أسفاري وعن أقداري وعن كل مغامراتي. وعن كل شيء. و أحدثها عن رحلتي بالطائرة وأنا في طريقي إليها «إلى هولندا». وعندما أردد طريقي إليك «يا سيلفيا» ترتج شفتاها وينداح موج رقيق فوق وجه الملاك فتضحك سيلفيا فيتبثعر شعرها الذهبي فوق كل الفجاج وفوق صدرها العجيب فأهرع أنا إلى إسعافها وأفعل المزيد. فينقطع لبرهة تراسل الكلام ثم نعود أدراجنا إلى نقطة البداية.
قالت لي مرة تسألني في دلال وأنا عند ختام الحكاية : « أنت قلت أن المضيفة في الطائرة تشبهني تمامآ، لكنك كثيرآ ما رددت لي أنك لم تر مثلي أبدآ في حياتك». كيف يستقيم هذا!. المضيفة؟!. وأصبحت ألملم وجه المضيفة في خاطري وأنظر إلى سيلفيا وهي تمتشق إبسامتها الشهية تلك أستعيد المشاهد في دخيلتي.
عندما هممت بالرحيل إلى بلاد سيلفيا كنت مضطرآ. لا خيار لي. إنه قدري!.
ذهبت مرة لزميلة وصديقة بعينها وفي خاطري هدف وفي جيبي بيان بخط اليد من عدة صفحات أودها تطبعه لي وهي كانت تعمل في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بالقاهرة. وكنت قد ألتقيت بها من قبل فحدثتها عن الشهيدة التاية وعن أحداث أخر وحدثتني هي عن حزبها الجديد . وهي كانت زميلتي بالجامعة ولكنها سبقتني في الخروج من السودان. كانت لطيفة وكريمة وشهمة ومهذبة كما قدر لها أن تكون.
وأنا غاضب من كل شيء ومن المعارضة التي لم يرقن أداءها. كنت جادآ جدآ إلى درجة التهور وربما أحمق!. وهارب من السودان من السجون حرفيآ «السياسية» والقاهرة خطرة وعلمت أن أحدهم «في حالتي» قد رحلوه قسرآ إلى السودان دون جريرة أرتكبها. وعلمت المزيد!. فقررت الهروب من القاهرة إلى عالم آخر . وكانت من المصادفة الحسنة أن يكون ذلك العالم الآخر هو بلاد سيلفيا. أنا عصفور لا يرضيه شيء غير الفضاء بأثره ملك جناحيه. أخرجت لصديقتي الأوراق من جيبي، مسودة بيان باللغة الإنجليزية وطلبت منها أن تطبعها لي بطريقة إحترافية. فدهشت بعض الشيء بعد أن اطلعت سريعآ على النسخة الخطية. لكنني قلت لها هذا ما أوده منك، لطفآ، هو شأني أنا وحدي!. هل ممكن؟. ثم تملكتها مزيدآ من الدهشة حينما علمت بخطتي. لكنها فعلتها من أجلي بطريقة ممتازة. شكراً لها.
الأوراق المعنية عبارة بيان شخصي أخبر من خلاله الشعب الهولندي بقدومي «شخصياً!» إلى هولندا قبل أن تطأ قدماي أرضه. تلك كانت فكرتي المجنونة. وقد نفذتها بدقة متناهية!. وقلت ضمن ما قلت في البيان من أنا ولماذا أنا قادم إلى أرضكم « أيها الشعب الهولندي الحر. وأنني أنا من شعب عظيم له تاريخه العظيم وإسهاماته الكبيرة في مسيرة البشرية عبر القرون وإلخ. غير أن حاضرنا بائس وأنا غاضب من الحاضر ولم أستطع التعايش معه ولهذا قررت أن أحدثكم عن رغبتي الأكيدة في تفضلكم بإستقبالي في بلادكم الحرة الكريمة. إلى أن تتحسن الأمور في بلادي فأعود مرة ثانية إلى هناك. ولكم مني خالص معاني الإحترام و التقدير». وقلت المزيد!.
وعندما هممت بركوب الطائرة المتوجهة إلى مطار أمستردام نسخت بياني خمسين مرة ووضعته في حقيبة يدي.
وفي منتصف الطريق والطائرة تغوص في مطبات هوائية حرجة ناديت أحدي المضيفات وطلبت منها أن تذهب إلى كابتن الطائرة لتخبره بأنني أود أن أجيء إلي كبينة القيادة كي أحدث الكابتن بأمر هام. فقفزت عينا المضيفة من وجهها وردت علي: « هذا غير مسموح به، لا يمكن». قلت لها أنا أعرف أنه ممكن. وفي الحقيقة أنا لا أعرف!. غير أنني أعلم أن المستحيل يستطيع أن يتحقق في عين الوجود فيصبح ممكنآ. تم إبلاغ الكابتن بفحوى الأمر بعد أن تترت الأحداث!. الكابتن قال في دهشة: «أن هذا أغرب طلب من نوعه في تاريخ الزمان مذ خلق الله الطيران». جاءتني المضيفات الأربعة في لباسهن الأزرق الجميل حسناوات فارهات الجمال. رأيت بينهن سيلفيا لكنني لم أسع إلى عناقها فلي شأن آخر!.
إستفسرن عني وعن قصتي وماذا أريد بالضبط. شددت لكثير من الوقت بأنني لا أكلم غير الكابتن. وبعد لأي شديد وهرج ومرج. حدثتهن بمقصدي: «أريد أن أتحدث من مايكرفون كبينة القيادة. عندي بيان هام إلى الشعب الهولندي الكريم». فضحكن في البداية ظنآ منهن أنني أمزح ثم ظنني مجنون!. وحاولن جهدهن أن يثنيني عن مقصدي ولكن دون جدوى!.
وفي اللحظة الحاسمة نهضت في طريقي إلى كابينة القيادة (كان قبل أحداث سبتمبر 2001) والمضيفات الأربعة يقفن أمامي وأنا أدفعهن دفعآ بكل قوتي عن وجهي وأتقدم ولو في بطء شديد ناحية كابينة القيادة. وعندما أقتربت من مكان مقصدي وبالقرب من التوليت شرعت أحد المضيفات من مايكرفون صغير مثبت على سفح الطائرة قبالة التوليت تشرح للركاب في الطائرة أن هناك سوء تفاهم بسيط مع أحد المسافرين، و هو طبعاً أنا. وتطلب من الجميع إلتزام الهدوء وأن يجلسوا في مقاعدهم مطمئنين وهي تتمنى أن الأزمة تمر بخير!.
وعندها حدثت حالة رعب داوية لدى ركاب الطائرة ومعظمهم ظن أنني أختطف الطائرة وصدرت وسوسات كثيرة متشابكة وشرع البعض يقرأون آيات من أديان الأرض جميعآ يتمنون الخلاص وبعضهم ينشدون حسن الخاتمة.
في تلك اللحظة أبلغ الكابتن مطار أمسرتدام. قال لهم أن هناك أمرآ لا يفهمه يحدث في الطائرة وأنه سيظل يوافيهم بآخر التطورات. وفي تلك الأثناء أنا أستلمت عنوة مكبر الصوت الواقع قبالة التوليت وبدأت أقرأ بياني الهام. في البداية حاولت المضيفات منعي لكن مساعد الكابتن أمرهن بتركي أفعل. فشكرته و فعلت. قرأت بياني بهدوء وبصوت جهور. وشرحت فقراته واحدة تلو الأخرى. وأعتذرت للركاب ولقائد الطائرة ولمساعده وللمضيفات وطمأنتمهم بأنني رجل مسالم يحب الخير للجميع ويكره الظلم والطغيان وأنني ما أنا غير محب للجميع وإني ما أريد إلا ما فعلت. ولا أريد إلا الخير كل الخير للبشرية جمعا!. وشرحت بإسهاب بأنني أنا لا أمثل أي جهة من كانت وأن تصرفي هذا وكل تصرفاتي أنا وحدي المسئول عنها قانونيآ وأخلاقيآ. وأن ليس بالضرورة أن كل شعبي أو جنسي أو لوني يتصرف وفق طريقتي هذي. تلك طريقتي أنا وحدي حتى أن الناس في بلادي يختلفون معي في كل شي تقريبآ ولكن بيننا المحبة والإحترام . غير أن نظامنا السياسي الجديد لا يحترم الإختلاف بين الناس وهذا سر وجودي بينكم وفعلتي التي فعلت. والله المستعان. وشكرآ لكم».
ثم ترجلت من بعدها إلى بطن الطائرة وشرعت أنشر بياني بين الركاب بوصفهم رسل الشعب الهولندي!. فأزداد الهرج والمرج دفقة جديدة.
في تلك الأثناء كانت هناك أشياء مدهشة تجري في الأرض من تحتنا:
تم تجهيز ثلاثة مطارات سابقة لمطار أمستردام للهبوط الإضطراري إن لزم الأمر. تم إبلاغ القيادة العامة للجيش الهولندي والبوليس والمخابرات. تم تجهيز المدرجات الخاصة بالطواريء في مطار أمستردام. وعندما هممت أنا بالنزول من الطائرة كان هناك ست عربات مطافي متأهبة وعشرة سيارات نجدة وصف طويل من قوة رسمية مسلحة بالرشاشات والمسدسات وثلاث طائرات هيلكوبتر تحلق في السماء!. الخلاصة: تم رسميآ إبلاغ الشعب الهولندي!.......... لقد نجحت وفق خطتي... لكن لا بد من ثمن!.
إذ تم إعتقالي بطريقة عنيفة وتفتيشي بدقة بمساعدة كلاب بوليسية كما يتطلب الحدث وأودعوني المعتقل بمنتهى القسوة. وعرفت في المستقبل أن هذه العملية كلفت الحكومة الهولندية 170 ألف دولار «فقط»!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.