قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المعادلة المعقدة والخيارات الصعبة (الخرطوم)..الخروج من مطب حادثة (أبيي)!!
نشر في السوداني يوم 08 - 05 - 2013


المعادلة المعقدة والخيارات الصعبة
(الخرطوم)..الخروج من مطب حادثة (أبيي)!!
تحليل: ماهر أبوجوخ
دانة (الآر بي جي) التي دمرت السيارة التي كان يستقلها ناظر دينكا نقوك بمنطقة أبيي كوال دينق مجوك مساء يوم السبت الماضي وأنهت حياته لم يقتصر مدى تفجيرها على تلك عربته وإنما طال أثرها كل الأوضاع بالمنطقة، وهو ما يجعل هذه الحادثة بمثابة علامة فارقة وفاصلة في تاريخ الصراع بالمنطقة جراء ما قد يترتب عليها من تداعيات جديدة تعيد ترتيب أوراق القضية وتقحم أطرافا إقليمية ودولية في الصراع الدائر منذ مباحثات السلام التي شهدتها ضاحية نيفاشا الكينية حتى باتت أبيي في نظر البعض أشبه ب(كشمير) إفريقيا على نسق كشمير شبه القارة الهندية المتنازع عليها بين الهند وباكستان منذ منتصف القرن الماضي.
++
بغض النظر عن الاختلافات المتصلة برواية وقائع الحادث في بياني وزارة الداخلية وسكرتارية مكتب الحركة الشعبية لتحرير السودان بأبيي – ويشغل منصب سكرتيرها بالمنطقة ادورد لينو- حول وقائع وتفاصيل الحادثة فإن الجزئية الأهم هو اتفاقهما على الجانب الخاص بمصرع ناظر دينكا نقوك كوال دينق مجوك – ومن الاسم يمكن اكتشاف أنه ابن الزعيم التاريخي لدينكا نقوك دينق مجوك الذي أسس وأطر للتعايش السلمي بين قبيلته وجيرانه المسيرية بالتعاون مع الناظر بابو نمر- وهو حدث سيكون ذو تأثير بالغ على مسار التعايش السلمي بين القبيلتين المجاورتين.
تحول موقف
دون استباق لما ستسفسر عنه التحقيقات حيال الحادث فإن أبرز تداعياته هو موقف الحكومة السودانية الذي عبر عنه بيان وزارة الخارجية الصادر يوم الأحد الماضي والذي أعربت من خلاله أسفها وإدانتها لمقتل مجوك وأفراد قوات حفظ السلام الإثيوبية ومنسوبي المسيرية كما أعلنت إجراء السلطات المختصة لتحقيق عاجل وشفاف بغرض محاسبة المتورطين. وناشد البيان جميع الأطراف بضبط النفس كما جددت الخارجية التزام الخرطوم بكل الاتفاقيات الموقعة مع جارها الجنوبي وعزمها على بذل كل المساعي المُمكنة لإنفاذها على الأرض وإكمال عملية تَطبيع وتطوير العلاقات بين البلدين الشقيقين، وتجاوز القضايا العالقة.
التحول الأساسي في الموقف الحكومي حيال هذه القضية نابع من وجود ترابط عضوي بين الموقفين السوداني الرسمي والمسيرية يقابله على الضفة الأخرى ترابط مماثل بين الموقفين الجنوبي السوداني والدينكا نقوك وهي المعادلة التي جعلت الخرطوم وجوبا طيلة السنوات الماضية واستناداً لحالة الترابط تلك على الدوام في خانة الدفاع وتبني وجهة نظر القبلتين حيال القضايا المرتبطة بالمنطقة أو حتى رؤيتهما لمسببات أي خلاف أو صراع يندلع بالمنطقة.
صحيح أن بيان الخارجية تعمد عدم اختزال قائمة ضحايا الحادث في شخص الناظر مجوك ومنسوبي القوات الإثيوبية فقط دون غيرهم ولكنه تضمن أيضاً منسوبي (المسيرية) وهذه قد تبدو نقطة شكلية مقارنة بالمسألة الجوهرية الواردة في ذلك البيان بإعلان تشكيل لجنة تحقيق عاجلة وشفافة بغرض محاسبة المتورطين ومن المؤكد أن هذا الموقف سيثير انزعاج وقلق المسيرية باعتباره صادرا عن الحكومة السودانية التي تعد حليفهم الأساسي وهو ما قد يدفعهم لطرح تساؤل ثانٍ:"هل الحكومة بهذا الموقف الجديد في طريقها لنفض يدها عن مساندة قضيتنا بسبب تحولات ومعطيات خارجية؟!".
مطالب التحقيق
قبل محاولة تحليل الدافع الحكومي ودوافعها من إعلانها اعتزام تشكيل لجنة التحقيق وصفتها ب"العاجلة والشفافة" فعلينا التطرق للأجواء الإقليمية والدولية المحيطة بهذا الحادث عن طريق عدد ردود الفعل الإقليمية والدولية حيالها والتي نستهلها بتصريح وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة جنوب السودان برنامين بنجامين – بوصفه الطرف الثاني من القضية- والذي أعلن فيه إدانة واستنكار بلاده ورفضها للحادث ومطالبتها للمجتمعين الاقليمي والدولي خاصة الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة للتحقيق حول هذا الحادث ومحاسبة المتورطين.
أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فقد أصدر بياناً أدان فيه الحادث وطلب من دولتي السودان ضبط النفس، فيما أدانت رئيسة الاتحاد الإفريقي د. نكوسازانا دلاميني زوما في بيان أصدرته الحادث وطالبت دولتي السودان بضبط النفس وعدم الانجراف للانفلات والالتزام بالاتفاقيات الأمنية السابقة بين البلدين وطالبت بتقديم الجناة للعدالة فوراً، أما السفيرة الأمريكية بجوبا سوزان بيج فأعلنت في تصريحات صحفية إدانة بلادها للحادثة وحثت البلدين على ضبط النفس وطالبت بالتحقيق في الحادثة وتقديم المتورطين فيها للعادلة، أما على المستوى المحلي فإن بيان صادر عن مجموعة من قيادات دينكا نقوك مهمور بتوقيع زكريا اتيم حذر من خطورة التصعيد ودعا لضرورة ضبط النفس وطالبوا الحكومة بإجراء تحقيق حول الحادثة.
تناغم أمريكي إفريقي
عند التمعن في جميع تلك المواقف الإقليمية والدولية فإن القاسم المشترك الذي يجمع بينها – بخلاف التصريح المنسوب للأمين العام للأمم المتحدة- هي مطالبة السلطات السودانية بالتحقيق في الحادث مع ضرورة الانتباه لتواجد تناغم بين المطلبين الامريكي والإفريقي فيما يتصل بتقديم الجناة للعدالة.
حالة التناغم الامريكية-الافريقية تلك تعيد لأذهان المراقبين حالة مشابهة جرت قبل أكثر من عام عند مناقشة مجلس الأمن والسلم الإفريقي للحالة بين دولتي السودان عقب المواجهات بين البلدين بهجليج في أبريل 2012م وإصدار توصيات وقرارات المجلس والتي استفادت منها واشنطون في صياغة مشروع قرارها المقدم لمجلس الأمن –والذي عرف بعد إجازته بالقرار 2046- وإصداره تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخول لمجلس الأمن استخدام القوة في الحالات التي تهدد السلم والأمن الإقليميين بوصفه قراراً يعبر عن الدول الإفريقية واتحادهم وهو أمر سهل تمرير القرار، وهي واقعة تخشى الخرطوم من تكرارها مجدداً حيال هذه القضية وتوظيفها لغير مصلحتها لتكثيف الضغوط عليها بمجلس الأمن فيما يتصل بالحل النهائي للنزاع بمنطقة أبيي.
بشكل مباشر فإن منطقة أبيي وحل النزاع حولها بات ضمن بنود وفقرات القرار الأممي 2046 وهو ما يجعلها من بين القضايا التي تحظى بمتابعة مجلس الأمن الدولي ويترتب عليه إدراج الوضع فيها ضمن أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وبموجب ذلك فإن القوات الإثيوبية المناط بها حفظ السلام بالمنطقة – والمعروفة باسم (اليونسيفا)- باتت قوات أممية وبالتالي فإن تعرضها لهجوم يجعل هذه المسألة واقعة ضمن اختصاصات وسلطات مجلس الأمن المباشرة.
الإفلات من (الفخ)
استوجب هذا الوضع وفقاً لتلك المعطيات على الحكومة السودانية إعادة ترتيب أوراقها والتعامل الحذر مع هذه القضية بمحاولة دراسة البدائل المتاحة عن طريق رسم سيناريو افتراضي"ماذا سيحدث إذا ما قررت الحكومة اللجوء لأقل الخيارات كلفة والتزمت الصمت حيال الحادث ولم تعلق سلباً أو إيجاباً عليه ..؟!" مع استبعاد سيناريو اللجوء لتحميل الناظر مجوك ومرافقيه – في هذه المرحلة على أقل تقدير- مسؤولية هذا الحادث نظراً لعدم وجود أي قابلية إقليمية أو دولية لمناقشة هذه الفرضية الآن مع إمكانية اختلاف الأمر مستقبلاً بعد تشكيل لجنة التحقيق وتجميع الأدلة والقرائن والوصول لاستخلاص النتائج، كما أن تبني مثل هذا الموقف الآن وسيتم تفسيره – إذا قيل- بوصفه جزءا من التحالف بين الخرطوم والمسيرية وقد يعتبره آخرون بأنه دليل يؤكد تورط الجهات الرسمية في الحادثة.
لتقريب الصورة بشكل أفضل دعونا نفترض أن الخارجية لجأت لتكتيك (الصمت) ولم تدين الحادث أو تعلن اعتزام الحكومة طوعاً واختياراً تشكيل لجنة للتحقيق وتبدي استعدادها لمعاقبة المتهمين فما هو شكل السيناريو المتوقع حدوثه لا سيما في ظل حالة الصدمة والغضب الإقليمي والدولي من هذا الحادث..؟!
أولى النتائج المتوقع حدوثها –في حالة انتهاج تكتيك (الصمت)- هو تسبب هذا الصمت في تنامي حالة الاحتقان بين دولتي السودان وتبادلهما الاتهامات على المستوى السياسي والدبلوماسي –هذا إذا لم يجدا أن قدميهما عادتا للانزلاق في أتون الحرب مجدداً بعد حوالي عام من انتهاء حرب هجليج التي دارت رحاها بينهما وإعادة ملف العلاقات بين البلدين لنقطة الصفر- وسيترتب على حالة الاحتقان تلك قيام جوبا بتحركات إقليمية ودولية خاصة على مستوى الاتحاد الإفريقي بغرض استصدار إدانات سياسية ضد جارها الشمالي مع عدم استبعاد مطالبتها بإجراء تحقيق إقليمي أو دولي في الحادثة يصبح من خلاله السودان متهماً لا شريكاً أو منظماً للتحقيق وهي خطوة يترتب على حدوثها ضرر سياسي ودبلوماسي بليغ على الخرطوم مع صعوبة التكهن بالمسارات المستقبلية ومخرجات عمل تلك اللجنة وما يمكن أن تفضي إليه.
يبقى السيناريو المزعج للحكومة حيال هذه القضية هو إمكانية الزج بها من قبل بعض الأطراف في أضابير المحكمة الجنائية الدولية –أسوة بما بحادثة الاعتداء على منسوبي قوات الاتحاد الإفريقي بمنطقة حسكنيتة بدارفور- وهو سيناريو تسعى الخرطوم لتجنبه باعتباره يؤثر سلباً على تحركاته طيلة السنوات الماضية الهادفة للإفلات من شباك الجنائية الدولية عبر خلال قيادتها لحملات سياسية ودبلوماسية –كان آخرها مؤتمر الأحزاب الافريقية الذي استضافته الخرطوم خلال الشهر الماضي- وطالما أن الفخ المنصوب يرتكز أساساً على المطالبة بإجراء تحقيق وتقديم المتهمين للمحاكمة فمن الأفضل قطع الطريق أمام أي توجهات قد تخدم وتعزز مصالح المناوئين لها بتبني حزمة إجراءات تكون بمثابة مصيدة التسلل أمام الهجمات المرتدة الهادفة لإحراز هدف في المرمى الحكومي بهذا التوقيت القاتل.
خطب ود (أديس)
بخلاف الجزئية المتصلة بالجنائية الدولية فإن الخرطوم تبدو قلقة – نسبة لربطها بالميسيرية التي تتهم من قبل أطراف إقليمية ودولية بمساندتهم ودعمهم- من التداعيات المتصلة بالحادث جراء مصرع جنود اثيوبيين تابعين لقوة حفظ السلام الخاصة بالمنطقة، لا سيما أن علاقاتها مع جارها الشرقي تبدو في أفضل حالاتها، كما أن أديس أببا تعتبر مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي – وإن شهد دورها تراجعاً محدوداً بعض الشيء عقب وفاة رئيس وزرائها الراحل مليس زيناوي- وما يزيد من تأثيرها الإقليمي وجود رئاسة مقر الاتحاد الإفريقي بعاصمتها.
تستصحب الحكومة السودانية الجوانب الخاصة بعلاقاتها مع جارها الشرقي وتعلم أن جنوحها للصمت عن الحادث أو حتى التطرق له دون إدانته بشكل كامل قد تترتب عليه بذر مخاوف لدى أديس أببا وتسرب شكوك لديها بأن جارهم الغربي جنح للصمت أو تبنى موقفاً غامضاً من الحادث -الذي راح ضحيته جنود تابعون للقوات الإثيوبية- بوصفه مساندة ودعم للمسيرية –الذين يتهم بعض منسوبيهم بالتورط في تلك الحادثة- وبالتالي يشيير لعدم رغبة في الوصول للحقائق أو التحقق في الوقائع بشكل يمكن من محاسبة المتهمين وهو أمر يترتب عليه معاونتهم على الإفلات من العقاب وعدم الاقتصاص للجنود الإثيوبيين الذين لقوا حتفهم في تلك العملية.
مثلت حساسية هذه الجزئية المرتبطة بالعلاقات السودانية الإثيوبية عامل ضغط إضافي على الخرطوم وجعلها تقرر اللجوء لخيار آخر بغرض تقليل خسائرها للحد الأدني عملياً عبر إدانتها المباشرة للحادثة وقرارها بتشكيل لجنة تحقيق واستعدادها لمحاسبة المتورطين وهدف هذا الموقف لبث رسائل مباشرة لأديس أببا فحواها "أننا مهتمون بدماء رجالكم التي سالت على أرضنا وحريصون على الاقتصاص لهم". أما الهدف الأساسي فهو حماية العلاقات بين البلدين من التصدع بالحيلولة دون حدوث أي توترات محتملة في علاقات البلدين جراء تسرب إحساس للثانية بأن جارها الغربي يتلكأ في التحقيق بالحادث وغير راغب في محاسبة المتورطين في اغتيال أفراد قواته العاملة بأبيي.
مساعدة سلفا
أكبر المستفيدين من الموقف السوداني بإدانة حادث أبيي هو الرئيس الجنوبي السوداني سلفاكير ميارديت باعتباره دعم موقفه المعلن الرافض لأي تصعيد أو توتر في العلاقات بين بلاده وجاره الشمالي حيث جدد في خطابه أمام فاتحة أعمال برلمان بلاده في الثالث والعشرين من الشهر الماضي موقفه الرافض للحرب بين البلدين.
إدانة الخرطوم الرسمية لحادث أبيي مثل الأرضية الأساسية التي استند إليها ميارديت لمجابهة دعوات التصعيد التي سعت أطراف جنوبية داخلية لإطلاقها وحشد الرأي العام لإعادة أجواء التوتر بين البلدين مع إمكانية تطورها لحرب جديدة بينهما، وعبر الرئيس الجنوبي السوداني عن موقفه الرافض للتصعيد خلال مخاطبته لحشد جماهيري لتأبين الناظر كوال مجوك بجوبا يوم الأحد الماضي بإشارته لمكالمة هاتفية جمعته بنظيره السوداني المشير عمر البشير نقل فيها الثاني التعازي في مصرع مجوك حيث جدد الرئيسن حرصهما وتمسكهما ببناء علاقات طيبة بين البلدين وطلب ميارديت من أبناء شعبه ترك ما يجب القيام به لمعالجة هذا الأمر لحكومتي البلدين وهو موقف يستحصب معطيات داخلية وخارجية أبرزها الحرص على عدم الإضرار بمسار التطور في العلاقات بين دولتي السودان على كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية بجانب عدم وجود رغبة أو استعداد إقليمي أو دولي لنشوب حرب جديدة بين الدولتين، وذات المنافع التي تعود على جوبا من الحفاظ على تطور العلاقات الذي تم تحسينه تراكمياً خلال العام الماضي تصب إيجاباً لمصلحة الخرطوم.
قد تكون نقطة الاختلاف التي لا تتطابق فيها أهداف ميارديت مع الخرطوم – ومن المؤكد أنها لم تقصد منحه هذه السانحة- هو عمله على توظيف هذا الحادث وتداعياته لدفع وتيرة الحوار الثنائي بين الخرطوم وجوبا لمعالجة ملف أزمة أبيي المعلقة وتحريك ذات الملف إقليمياً ودولياً بإطلاق تحذيرات واضحة لخطورة التداعيات المترتبة على تعليق حسم ملف تبعية منطقة أبيي وتنظيم استفتائها وتطاول أمده بشكل يفضي لخلق أوضاع ضبابية تتنامى فيها الاحتقانات وتنفجر مستقبلاً في ميقات لا يستطيع أحد تحديد ميقاتها على وجه الدقة أو التنبؤ بأثرها.
صحيح أن (الجرة) يبدو أنها قد سلمت -لحين هذه اللحظة- ولكن من يعلم ما قد يحدث في المرة القادمة فليس في كل مرة تسلم (الجرة) وربما لا تحتاج لدانة (ار بي جي) كما حدث الآن وقد تكفي طلقة واحدة لإشعال أوار حرب بالمنطقة لا تبقي ولا تذر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.