مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    عقار يلتقي مديرة برنامج السودان بمنظمة أطباء بلا حدود ببلجيكا    ماسك: بناء مدينة ذاتية النمو على القمر خلال 10 سنوات    الهلال يعود للدوري الرواندي ويواجه الجيش اليوم    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بعد مقترح القمة الرئاسية... هل حان وقت المقايضات الصعبة بين الخرطوم وجوبا؟!

هل حان وقت المقايضات الصعبة بين الخرطوم وجوبا؟!
تحليل: ماهر أبوجوخ
طيلة الشهور الماضية التي شهدت عقد المفاوضات والمباحثات المشتركة بين حكومتي شطري السودان في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بدا واضحاً للمراقبين والمتابعين أن تحقيق تلك المفاوضات لاختراق حقيقي يفضي لمعالجة القضايا الخلافية بين الشطرين كان أمراً بعيد المنال جراء المنهج التفاوضي الذي كانت تشير كل المعطيات لوصوله في محطة ما "لانسداد كامل" سيصبح بعدها تحرك تلك المفاوضات للأمام رهينا بتقديم تنازلات جوهرية وأساسية تلبي مطالب كل طرف باعتباره الرافعة الوحيدة التي ستسهم في دفع المفاوضات نحو الأمام.
شهدت الجولات الأخيرة تعثرا كبيرا فيما يتصل بملف النفط بين الشطرين وتصعيد غير مسبوق في الملف النفطي بين البلدين جراء اختلافهما حول قضية رسوم استخدام المنشآت النفطية الشمالية وتصدير بترول الجنوب عبر موانئ السودان حيث طالبت الخرطوم بمبلغ 36 دولارا امريكيا عن كل برميل في الوقت الذي اقترحت فيه جوبا مبلغ 40 سنتا عن كل برميل، وتصاعد الموقف بقيام الأولى بحجز سفن الثانية المحملة بالنفط في الموانئ السودانية وحصولها على قيمة المبالغ على الثانية "عيناً" وهو ما دفع الثانية لإصدار قرار بوقف إنتاج النفط من حقولها وعدم تصديره عبر المنشآت النفطية أو الموانئ السودانية.
وتبادل الطرفان الاتهامات بدعم المجموعات المعارضة المسلحة وشرعا في قرع طبول الحرب وتبادلا الاتهامات بخرق اتفاق وقف العدائيات الموقع بينهما منتصف الشهر الماضي حيث اتهمت الخرطوم جوبا بشن هجوم على مناطق حدودية، فيما ردت جوبا باتهامات مضادة لجارها الشمالي واتهمته بالقذف الجوي لمناطق داخل حدوده ولآبار نفطية.
خلاصة تلك المعطيات والتطورات كانت تشير لنقطة أساسية وهي أن المنهج المتبع في مفاوضات أديس أبابا بين الطرفين بدأ وقد بلغ منتهاه بعد وصوله لمرحلة "الانسداد التام" وبدأ جلياً الخيار المطروح والمتاح بات يتمثل في أحد أمرين إما استمرار منهج المفاوضات الحالي والاعتماد على اتفاقيات عدم الاعتداء بوصفها العاصم للشطرين من الانزلاق في أتون الحرب أو إعادة توجيه المفاوضات مجدداً بما يمكنها من إحداث اختراق سياسي يترتب عليه تهدئة أمنية وعسكرية.
الخيار الأول الخاص بالاعتماد على "اتفاقيات التهدئة" جرب على أرض الواقع مرتين خلال نصف عام –الاتفاق الأول كان في سبتمبر من العام الماضي والثاني اتفاق وقف العدائيات الشهر الماضي- وكانت حصيلتهما أن التوجه لساحة الحرب بين الشطرين كانت الفرضية الأقرب للحدوث بسبب وجود قضايا سياسية عالقة بينهما لا يمكن أن يقود المنهج المتبع في مفاوضات أديس أبابا لأي تقدم فيها.
تحقيق الاختراق
لعل أبرز الأنباء القادمة من غرف التفاوض بين وفدي الشطرين في أديس أبابا مساء أمس الأول أشارت لتداول الطرفين بشكل غير رسمي لعقد اجتماع قمة رئاسية بين الرئيسين المشير عمر البشير والفريق أول سلفاكير ميارديت بعاصمة جنوب السودان لبحث القضايا العالقة الأساسية التي تحتاج لتدخل وقرارات مباشرة منهما لحسمها وعلى رأسها المناطق الحدودية المختلف حولها ووضعية منطقة أبيي.
ويبدو أن اعتزام الطرفين التوقيع على اتفاقيات إطارية لمعالجة عدد من القضايا العالقة كترسيم الحدود المتفق حولها وتعريف المناطق المختلف حولها وتشكيل آلية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، بجانب الاتفاق على قضايا الجنسية، هو بمثابة منح دفعة إيجابية لتلك القمة الرئاسية التي سيناط بها بحث ومعالجة القضايا الخلافية المفصلية.
لكن ستبقى الجزئية الأكثر إثارة للقلق هي تلك المتصلة بالتداعيات العكسية والكارثية المترتبة على فشل القمة الرئاسية المقررة بين البشير وسلفاكير – في حال انعقادها- وعدم إحرازها لأي اختراقات في ملف القضايا العالقة الأساسية، لأن ذلك بمثابة بلوغ المفاوصات السياسية بين الشطرين لخط النهاية وبالتالى فإن الخيار المتاح أمامهما سيكون البحث عن وسائل أخرى غير سياسية لمعالجة القضايا الخلافية بينهما والتي ستكون اللجوء للحرب المباشرة أو الحرب غير المباشرة سواء كانت حرب بالوكالة بدعم المجموعات المعارضة المسلحة أو الحرب الاقتصادية أو غيرها من الوسائل.
في هذا السياق يمكننا ربط التدهور الكبير في العلاقات بين الشطرين الأخير بفشل اجتماع (البشير-سلفاكير) الأخير بأديس أبابا، فالتصعيد السياسي والعسكري أمر ملازم وناتج عن فشل القمة الرئاسية نظراً لكون الرئيسيين يمثلان القمة السياسية العليا لكلا الدولتين وعدم نجاحهما في إحداث اختراق أو التوصل لاتفاق يعد بمثابة "إنهاء للحلول السياسية" أو تجميد الأوضاع في حدها الأدني.
منع الانزلاق
بدأ واضحاً أن رئيس الآلية الإفريقية رفيعة المستوى الرئيس الجنوب إفريقي السابق ثامبو امبيكي يسعى جاهداً لإنقاذ مفاوضات ومباحثات الشطرين من شبح الانهيار الذي ظل يطاردها خلال الفترات الماضية، ولكنه ركز معظم جهوده في الحيلولة دون انزلاقهما في أتون حرب إقليمية بينهما ستكون الثالثة –في حال وقوعها- بين شمال وجنوب السودان ولكنها ستختلف عن سابقتها باعتبارها ستكون هذه المرة بين بلدين على طول أطول حدود تفصل بين دولتين في القارة الإفريقية وتزيد عن أكثر من ألفي كليومتر مما سيؤدي لازدياد اشتعال مناطق أخرى تتكاثف الجهود الدولية والاقليمية لإطفائها سواء كانت في دارفور أو ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
هذه المعطيات هي التي جعلت أمبيكي ومجموعته في الآلية الإفريقية يبنون استراتيجياتهم بالتركيز على الجانب الأمني والعسكري في المقام الأول خاصة في الفترة التي أعقبت استقلال دولة الجنوب في يوليو من العام الماضي. وفي هذا الإطار أشرف أمبيكي ومجموعته في سبتمبر الماضي على الاتفاق الأمني والعسكري الذي وقعه الطرفان لعل أبرزها تأمين حدودهما ضد أي تحرك أو تسلل للمجموعات المعارضة للطرف الثاني وتكوين آلية مراقبة مشتركة بين البلدين، وبدا واضحاً وقتها أن امبيكي ومجموعته حققوا هدفهم الأول والمتمثل في عدم انزلاق البلدين في أتون الحرب مجدداً.
التوجه الخاطئ
الخطوة الثانية للآلية الإفريقية كان السعي لتوظيف ملف النفط لخلق وتعميق التعاون بين الشطرين باعتبار أن انتهاج التعاون يبني جسورا للمصالح سيفتح الطريق أمام التوصل لتفاهمات ومعالجات للقضايا الأخرى المختلف حولها، ولعل ما شجع امبكي وآليته على هذا الأمر هو مراهنتهم على إمكانية تغليب الطرفين لخيار المصالح – بمحض إراداتهم او استجابة لمعطيات الظروف- بسب اعتماد كل منهما على النفط في ميزانيته العامة والذي يمثل 98% من إيرادات الجنوب، أما بالنسبة لجاره الشمالي فإن العائدات النفطية تعد مهمة نظراً لكونها المصدر الأساسي للبلاد من النقد الأجنبي إذ يمثل 90% من الصادرات.
هذه الرؤية اصطدمت بجزئية لم يتوقع امبيكي وأعضاء فريق آليته تأثيرها الكبير والمتمثلة في أن (النفط) نفسه بجانب تلك الأهمية يمثل ورقة الضغط الرئيسية والأساسية للشطرين للحصول على التنازلات المفصلية بالنسبة لهما في القضايا الخلافية الرئيسية المتبقية نظراً لأهميته الأساسية والجوهرية للطرف الثاني وهي معطيات معلومة للطرفين بحكم فترة الشراكة المتشاكسة بينهما طيلة السنوات الست الماضية ولذلك فإن التفريط في هذا الكرت دون أي خطوات إيجابية حاسمة تجاه ملفات أخرى معلقة "لأجل غير معروف".
حسابات الشطرين
لكل من الخرطوم وجوبا حساباته الخاصة المتصلة بملف النفط، فالأولى تعتبر أن الخيار المتاح أمامها لتجاوز أزماتها الاقتصادية الناتجة عن فقدانها لإيرادات البترول يتمثل في تعويضه من خلال رسوم العبور، وتعتبر أن الخيارات أمام جارها الجنوبي المعتمد على النفط بنسبة 98% في عائداته ستكون ضيقة وسيضطر أمام الضغوط لتقديم تنازلات، وفي أسوأ الأحوال فإن تلك المكاسب يمكن أن تفرض من قبل المجتمع الدولي لحث الطرفين للتوصل لاتفاق.
بخلاف المعطى الاقتصادي فإن الخرطوم تنظر لملف النفط من زاوية أخرى حيث يمثل أقوى كرت ضغط يمتلكه الجنوب ضده وإمكانية أن يوظفه في اكثر من مضمار واتجاه ولذلك فإن الحد من فعالية هذا الكرت وإنهائه سيفقد جارها الجنوبي أهم وأقوى كروت ضغطه.
أما بالنسبة لجوبا فإن كرت (النفط) تنظر له من زاوية مختلفة عن جارها الشمالي فهي تعرف أنه الكرت الأكثر فعالية وربما الأخير المتاح لها حالياً الذي يمكن استخدامه في مائدة التفاوض مع الخرطوم، لكنها تنظر بقلق بالغ في إمكانية حسم هذا الملف في ظل وجود ملفات أخرى معلقة على رأسها قضيتي المناطق الحدودية ووضعية منطقة أبيي، خاصة أن الثانية تمضي قضيتها لتعقيد إضافي حيث كان من المقرر إجراء استفتائها بالتزامن مع استفتاء الجنوب أوائل 2011م، حيث يتوقع أن تنشأ صعوبات عملية إضافية بخلاف النقطة الخلافية الحالية المتمثلة في الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وسيكون على رأسها كيفية تكوين مفوضية استفتاء أبيي والجهة التي ستصدر قرار تعيينها والجهة التي سترفع لها تلك المفوضية تقريرها في خاتمة أعمالها.
ولذلك بدا أن جوبا شرعت في توظيف النفط لمصلحة مواقفها التفاوضية من خلال قرارها الخاص بوقف تصدير نفطها عبر المنشآت النفطية والموانئ البحرية السودانية، وربما بدأ هذا القرار ذو دوافع اقتصادية بسبب اعتراضها واحتجاجها على مصادرة الخرطوم لنفطها ومنع سفنها المحملة بالنفط من مغادرة الموانئ السودانية إلا عقب سداد رسوم عبور النفط، لكن هذه الخطوة في ذات الوقت هدفت لتحسين وضعها التفاوضي بزيادة الضغوط على الخرطوم والوسطاء لتحقيق أهداف تفاوضية، وبدا واضحاً أن الحد الأدني لهذه التحركات تمثل في إعادة تحريك ملف أبيي مجدداً ونفض الغبار عنه بعدما طاله النسيان.
النفط مقابل الأرض
تلاحظ خلال الشهور الستة الماضية أن جوبا تسعى لتوظيف ومقايضة ملف (النفط) مقابل (أبيي) من خلال العرض الذي قدمه أمينها العام وكبير مفاوضيها باقان اموم بإعلانه استعداد بلاده التوصل لاتفاق فيما يتصل بقضية النفط وعائداته مقابل إعلان الخرطوم تبعية أبيي للجنوب عبر قرار إداري من رئاسة الجمهورية حيث رفض هذا القرار. ولم تكن تلك المرة الأولى التي لجأت فيها جوبا لمنهج المقايضات إذ سبق أن عرضت وعلى لسان اموم نفسه قبل استفتاء الجنوب لمقايضة مختلفة تقضي بتبني الحركة الشعبية لخيار الوحدة في الاستفتاء مقابل إعادة تبعية أبيي لبحر الغزال بقرار صادر عن رئاسة الجمهورية.
وليس بمعزل عن هذا المنهج ما ذكره سلفاكير خلال مخاطبته لضباط وجنود الجيش الشعبي بقاعدة بلفام العسكرية الشهر الماضي والتي رهن فيها إعفاء بلاده لمستحقاتها على السودان فيما يتصل بنصيب إيراداته من عوائد النفط لآخر شهرين قبل الانفصال بجانب دفع مبلغ 2.4 مليار دولار أمريكي في حال ترسيم الحدود المشتركة وتضمين المناطق الحدودية الخمسة المختلف حولها للجنوب وإعادة تبعية أبيي للجنوب عبر قرار تصدره رئاسة الجمهورية.
هل حان الوقت ؟
تلك المعطيات تجعل الاتجاهات المتوقعة للقمة الرئاسية بين البشير وسلفاكير – متى ما عقدت في ظل الأوضاع الراهنة وعدم حدوث مستجدات إضافية- تتجه نحو أحد مسارين، أولهما عدم تقديم الرئيسين فيها لأي تنازلات في موقفهما وإعادة تكرار مواقف وفديهما المفاوض ووقتها فإن هذه القمة سيكون تأثيرها وخيماً على مجمل الأوضاع بين البلدين حيث ستكون العلاقة بين الشطرين "جامدة" في أحسن الأحوال، مع إمكانية لجوئهما لتصعيد الأوضاع بينهما إما لزيادة الضغوط على الطرف الثاني بقصد إجباره على التراجع عن مواقفه، أو الدخول لمرحلة "اليأس والقنوط" واللجوء للتصعيد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
أما الاتجاه الثاني لتلك القمة الرئاسية فهو حدوث اختراق كبير في ملف القضايا العالقة بينهما إما بتقديم أي منهما لتنازل عن مواقفه وتراجعه عنها – وهو أمر مستبعد- أو توصلهم لنقاط وسطى في جميع القضايا الخلافية الأساسية والمتمثلة حالياً في (النفط-المناطق الحدودية الخمسة المختلف حولها وأبيي) مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن الحل الوسط تجاه هذه القضايا سيتم على أساس الحزمة الواحدة بمعالجتها بشكل كلي.
في تلك الحالة فإن الصيغة التي يمكن أن تقود لهذه النقطة سيكون عمودها الفقري (النفط) و(أبيي) باعتبارهما القضيتين المحورتين ويبدو واضحاً حتى هذه اللحظة أن جوبا وضعت عرضها على الطاولة بتقديمها (النفط) مقابل (أبيي) و(المناطق الحدودية) وهو السقف الأعلى بمعنى إمكانية تعديلها لموقفها هذا لكن الأمر المؤكد أن جوبا لا تضع ضمن مقايضاتها في (الهات وخذ) إبان المباحثات التنازل عن (أبيي).
بالنسبة للخرطوم فإنها حتى اللحظة تريد الحصول على جميع المكاسب دون التعرض لأي خسائر بالحصول على (النفط، أبيي والمناطق الحدودية) ولكنه بدأت مستعدة للتنازل عن النفط في حين أنها غير راغبة في تقديم أي تنازل في (أبيي) أو (المناطق الحدودية).
قراءة للقادم
السيناريوهات المستقبلية لحل قضية المناطق الحدودية الخمسة المختلف حولها رهين بأحد مسارين أولهما إحالة النزاع حولهما للتحكيم الدولي وبالتالى فإن ما سيصدر عن المحكمة سيخرجها من دائرة (مقايضات المفاوضات) بين الشطرين، أما الاحتمال الثاني فهو التوصل لاتفاق حولها خارج غرف التحكيم الدولي ووقتها سيكون الأمر مختلفا باعتبار أن التنازل فيهما يستوجب تقديم تنازل أو مكافأة في مكان بديل ويبدو واضحاً أن الطرفين يريدان الجائزة في مكان واحد وهو (أبيي).
فيما يتصل بأبيي فإن إحداث اختراق حولها يستوجب الاتفاق على الناخبين الذين يحق لهم المشاركة في استفتائها، وربما يعاد إنتاج وتعديل مقترح سابق تقدم به المبعوث الامريكي السابق سكوت غريشون اقترح فيه تقسيم منطقة أبيي المتنازع عليها عرضياً بين الدولتين بحيث ينال كل طرف جزءا من المنطقة يشتمل مناطق شمالية وجنوبية وهو العرض الذي وافقت عليه الخرطوم والمسيرية ورفضته جوبا ودينكا نقوك باعتبار أن قبولهم بعرض تقرير لجنة الخبراء أمام محكمة التحكيم بلاهاي رغم تمسكهم بإلزامية تقرير لجنة الخبراء أفقدهم نصف المنطقة التى حددها تقرير الخبراء، فيما يفقدهم مقترح غريشون نصف ما نص عليه حكم محكمة التحكيم وبالتالي فإن الحصيلة التي سيخرجون بها هي 25% من مساحة أراضي المنطقة المتنازع عليها.
أما قضية النفط فمن الواضح أن الاتفاق حولها سيرتبط بشكل أساسي لما ستسفر عنه التطورات في ملفي (أبيي) و(المناطق الحدودية المختلف حولها) لكن الأمر المؤكد أن الطرفين خاصة جوبا ستستخدمها لإسالة لعاب الخرطوم لتحفيزها وتشجيعها لتقديم التنازلات.
وسيبقى السؤال الأساسي المطروح والذي ستجيب عليه مقبل الأيام القادمات ما هي مقدار التنازلات التي يمكن أن يقدمها أي من الطرفين وهل بإمكانهما التوصل لمقايضة تاريخية تعالج القضايا المتبقية، لكن الأمر المؤكد أنهما الآن في مواجهة الحقيقة "بأن الأوضاع والمباحثات بينهما ما عاد بإمكانها الاستمرار بذات النسق السابق وهي بحاجة للاختراق وهذا يستوجب تقديم التنازلات".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.