رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي    د.إبراهيم الصديق يكتب: الفولة تتفازع..    القتال وضعف الميليشيا..موسى هلال يفجرها مدوية    رئيس مجلس السيادة يؤدي صلاة عيد الفطر بمسجد القيادة العامة    الهلال السوداني يؤدي البروفة الأخيرة مساء اليوم.. و«ريجيكامب» يجهز خطته لعبور نهضة بركان    رئيس الهلال «السوباط» يطير الى كيجالي ليقود شحنة دعم استثنائية للاعبين في معركة الأبطال    نائب رئيس الهلال يتابع مران الفريق..    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    شاهد بالصور والفيديو.. لقطة طريفة.. طفل سوداني يرتبك أثناء محاولته التقاط "سيلفي" مع "البرهان" وقائد الجيش يقابل الموقف بضحكات عالية    شاهد بالفيديو.. قيادي بالدعم السريع: (مرتزقة من جنوب السودان يسيطرون على مدينة "الفولة" ويطردون قواتنا وأفرادنا عردوا وتركوا نساءهم)    شاهد بالفيديو.. مليشيا الدعم السريع تهدي فنانة "سيارة" بعد أن اتهمت أفراد المليشيا بسرقة منزلها ومنازل المواطنين بالفاشر وساخرن: (العربية مشفشفة يا فنانة)    للعام التاسع على التوالي.. الفنلنديون أكثر الشعوب سعادة    996 مؤسسة صحية بالجزيرة لتقديم الخدمات في عطلة عيد الفطر    لجنة أمن سنار توجه بإقامة صلاة العيد داخل المساجد والمباني الحصينة    مفوضية العون الانساني بسنار تدشن كسوة الأيتام    إيران تفتح باب المشاركة في كأس العالم 2026    مشيتك تفضحك.. هكذا يعرف الآخرون إن كنت غاضباً أو حزيناً    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    السيسي يفاجئ الإمارات بزيارة خاطفة.. ويوجه رسالة بشأن الضربات الإيرانية    ترامب: سندمر حقل بارس للغاز إذا قررت إيران مهاجمة قطر    من المستشفى.. منة عرفة تعلن تعرضها ل وعكة صحية شديدة    القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة    بالصورة والفيديو.. ناشطة سودانية تحكي قصة ارتباطها وزواجها من نجم السوشيال ميديا "برهومي": (الشاريك وعايزك بحارب عشانك وعمرو م يلعب بيك)    مقرّ خاتم الأنبياء العسكري يتوّعد بردّ قويّ    بعد تجريد منتخب بلاده من كأس أفريقيا..الاتحاد السنغالي يعلن أول قراراته    تراجع معدّل التضخّم في السودان    ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد    "رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته    مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب    دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام    ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب    ياسين أقطاي يكتب: كيف وقعت إيران في هذا الخطأ الإستراتيجي؟    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    لافروف قلق إزاء مستقبل نظام عدم انتشار الأسلحة النووية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    الترجي يهزم الأهلي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من صنع هذه الوحدة ..ومن بث هذه الروح..؟
هل كانت النيران قدرة والجماهير إرادة .. وانبثاق الفجر .. أحلام السنين؟!
نشر في الوطن يوم 21 - 10 - 2012

عندما كنا طلابا بمدرسة ود شلعى الابتدائية (الاساسية) بولاية النيل الأبيض كنا نذهب لزيارة قبر شهيدنا القرشي بمسقط راسه بمنطقة (القراصه) فى ذكر ثورة اكتوبر ونجد كل مدارس القرى المجاوره فى مشهد يحكى عن لوحة وطنية تجسد معانى الحرية والديمقراطية و الوطنية الصادقة وأيضاً كان ياتى طلاب جامعة الخرطوم ممثلين الحركة الطلابية السودانية رأس الرمح الملتهب لثورة 21 أكتوبر 1964م وكنا نصتف ونردد الاهازيج والملاحم والاكتوبريات التى تمجد الثورة. تمر الذكرى (48) لثورة اكتوبر المجيدة متزامنه مع موجة الربيع العربى التى تجتاح الدول العريبة هذه الأيام ، وستظل ثورة اكتوبر شامخه ومعلماً بارزاً من معالم التضحية والنضال وعلامه فارقة فى تاريخ السياسية السودانية، ، لتؤكد بان الشعب السودانى معلم الشعوب وقاهر الأنظمه الشمولية والدكتاتورية ، وكان جيل اكتوبر متطلعاً للتغيير فى كافة المناحى السياسية والأقتصادية والأجتماعية لولا(المماحكات السياسية ) التى أضرت بالمسيرة الديمقراطية فى السودان ولم نصل حتى الأن الى مرحلة (الثيرمادور) كما يسميها دراسوا الثورات وهى مرحلة الأستقرار والعودة الى (عقلانية الدولة) ونحن فى عهد كثر فيه المطالبون بالحقوق وقل فيه العاملون لاداء الواجب لاسبيل فيه الى انكار ان العمل السياسى غير الراشد كان ومايزال من أسباب انحسار روح المواطنه والاحساس بالواجب ، بلأضافة الى ضعف التربية الوطنية مع التناحر والتنافس الحزبى الجانح وعدم الأهتمام بالتربية السياسية السليمة فأصبح إداء الواجب عندنا بالحوافز ونيل المطالب بالعصيان ، تمر الذكرى والسودان يمر بظروف متردية فى كافة النواحى السياسية والأقتصادية والأمنية ولذلك لابد للحكومة ان تقوم بأصلاحات عاجله تفضى الى تحول ديمقراطي حقيقى او الطوفان لان الارادة الشعبية لا تقاوم مهام بلغ الحاكم من سلطان
ولايفوتنى فى هذا المختصر أن احى شعراء بلادى حداة الثورة الذين رسموا رمحاً طويلاً ملئياً بالنضال قصيراً كعمر الهزيمة . وأقف هنا مع المفكر السياسى والاديب النحرير الزعيم الشريف زين العابدين الهندى فى سفره العظيم (آخر الكلم) الذى سطر فيه صفحات مشرقة من هذه الثورة المجيدة وكان ( نداء الثورة الانسيابية) الذى اطلقه فى أخر الثمنينات يمثل بعد نظر و رؤية سياسية ثاقبه لان مايشهده العالم العربى من تغيرات وتحولات بفعل الثورات الشعبية يؤكد ذلك .
تستطيع الديموقراطية حمل أعبائها ومسئولياتها فوق كل هذا الجراح .. النازف منها والمحتقن وهي تباشر رسالة التعليم والتعلم من الناس وإليهم ولم يكن سيرها هذه المرة رخاء ولا طريقها معبداً . وواضح ما نال بناءها النفسي من إدماء .. وواضح ما اعترى الذات السودانية من رهق وكلال .. وواضح نذر الأنواء والعواصف مما يتنبأ به خبراء الأجواء عن تحركات الرياح البعيدة وقراءة السحب التي لم تتجمع بعد .. وعندما التقى الناس في طريق الجامعة..بذلك المشهد الذي ما أروعه .. كان في جموعهم من يحمل مطرقة ومن يحتقب سيفاً ومن تأبط شراً ومن يدبر أمراً ... حصائل كن هواجع في هدأة أن النزع الأخر أهاجها الفاصل العسكري وحرك فيها شهوات الوثوب .وديموقراطيون درجوا على الصراع الحبي الذي لا يفسد للود قضية ولا يخرج من نطاق الموضوعية السياسية أثناء نهارها .. ويفكرون بصوت مسموع في لياليهم السياسية الحاشدة ولا يعقبها نصب ولا صخب ولا تورث حقداً يكدر وجودهم وهم يتبادرون إلى المناسبات الاجتماعية المختلفة فيأنسون ويتآنسون ... وهي رابطة العقد الحقيقي والأساسي في المجتمع السوداني حضراً وريفاً وبادية.
كان أكتوبر عرسا
فطن الديموقراطيون إلى أن :- الرياح الطيبات اللواقح يخالط مسها نفث كما تريح السموم وأن أكمات تقاوم وخلفها سر يخفى ولا يرى !! وهذا يخالف طبيعة عهدهم وما يألفون ..أترى يعود الجند ثانية وما أفضى الشهيق إلى الزفير ؟! هل يستعين بهم من أقعدته قواه عن نيل المرام ؟! هل ننسج النسيج الرقيق ليمزقه قريب أو بعيد ؟! هل كف ذياك البعيد تحرك الساعين في جنح الظلام ؟! هل هناك مغامرون سيقفرون ويمارسون البطش مثل الآخرين ؟! هل أبطلت قوانين التعامل وسقطت الأعراف والسوالف لترتدي العلاقات مسوحاً جدداً لا عهد بها ؟! وهل يتدعر الأدب السياسي فجوراً وتحل المهاترة محل الاحتشام قصوداً ؟! هل ترى سنكمل مشواراً طيباً !! أم أنا نعد نأمن طوارق الليل والنهار..
كل هذا بعض من كل وقليل من كثير .. ترسب في سد نوفمبر ، وانطلق مع الانفجار الاكتوبري ينصب في الأرض العطيش فتعب من ظماء بملء شقوقها الفاغرة .. فارتوت واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، وقدراً من الحسك والأشواك والزقوم .. “ كان أكتوبر عرساً لشباب يثلجون الصدر للام الرءوم كان عرضاً لبنيها في التحام مستقيم وحميم .. ثلة من نخبة الإعجاب والإعجاز في دنيا الوظائف والعلوم “ نادي الأساتذة .. مجمع الأطباء .. غرفة المحامين وركن القضاء .. نادي العمال .. قبة الأمام .. ساحة القصر .. قطار الموت من كسلا .. رتل الحافلات والسيارات من مدني ، مر سيل الجماهير في كباري الأبيض والأزرق .. وتحت ظلال أشجار اللبخ الشهيرة في المقرن وشارع النيل وكل الشوارع احتشدت الجموع ..فهذا موكب ثلة من أولاد البلد يفترشون شارع المعونة حتى مدني والهدير انطلق يجتاز الآفاق يعلوها طبقاً طبقا .. دموع وزغاريد .. وأناشيد عذارى .. حبور الأمهات .. وثلة في الأقاليم البعيدة أقامت في كل إقليم أكتوبر يشبه أكتوبر “العاصمة المثلثة “ وضواحيها كان إقليم أكتوبر كله فرحة قلب ونشوة روح.. وذراعاً مشرعاً نحو السماء .. وصدراً مكيناً .. وعزماً أميناً.. وسيلاً من القدر العاتي على مد البصر .. من رأى شعباً وجيشاً في عناق يسبحان ؟!ومن رأى الحاكم والمحكوم في فرحٍ عميق يبكيان ويضحكان؟ويلوحان بمدفعٍ وعمامةٍ ويحيّيان ؟!كل أقداس الحياة تجمعت في لحظة في ذا المكان!! لا يحتويها الوصف مهما افتن في تصويرها رب البيان !! فهي أكبر من المعجزات .. جيشٌ وشعب .. رجالٌ ونساء .. أطفالٌ وصبايا .. أرض وسماء ونيل .. ونيل وروافد .. حشر وحيوان وطير .. غابات وجبال .وجودُُ كامل في حالة بعث ذاتي .. وانبعاث عقلي رسولي .. إحدى تجليات الحق الأكثر ندرةً وأبعد منالاً .. استجابة التوفيق لحبل الاعتصام .. وحدة العقل والقلب واليد واللسان . وحدة الوجود الإنساني في أحسن تقويمه قل أن ينزل أسفل سافلين !! من صنع أكتوبر ؟! حزب !! تنظيم !! كيان ؟! جبهة ؟! من ؟! من صنع هذه الوحدة ؟! ومن خلق هذا الإجماع ؟! من بث هذه الروح ؟! من أذاب في ذلك اليوم المشهود كل العصبيات .. وزلزل الفوارق وأزاح الحواجز وفجر محيطاً من الإرادة والقدرة ؟! من انتزع من النفوس حباً اشبعها وداً ؟! حببوا كل أخ مرآة لأخيه واحتراماً لأبيه ووفاءاًلأمة وعطفاً لصغيره والتصاقاً بأرضه وتحقيقاً لذاته ؟! من ؟! إن أكتوبر مثل الروح وهي من أمر الله .. تسري ولا ترى .. تحس ولا تعرف كان كل سوداني اكتوبري .. وكانت النساء كلهن اكتوبريات .. ومضةٌ مقدسة .. مست أمة .. فقامت على قلبٍ واحد !! كانت عينه التي يرى بها وأذنه التي يسمع بها .. وقدمه التي يسعى بها .. ويده التي يبطش بها .. وعقله الذي لايلتئس؟ ولا يلتبس .. فلا يدعيها أحد ، فهي كون أكبر من الاحتواء والادعاء وكل الناس فيها سواسية ..لأنها بهم كلهم ولهم أجمعين .. إن هدايا الله لا يستأثر بها أحد ولا يستطيع فهي مرقومة بالطابع الشخصي والدافع الذاتي والأداء الجماعي .. إنها الروح المعنوي والنفير الإلهي الذي يبعث حتى من القبور .. يدوى في الأعماق قبل الآذان .. ويقود قبل الطريق .. ويسعى قبل الإقدام .. ولو اقترع بعض الناس على ميعاده لأخفقوا ولو تربص بعضهم بوعده لفشلوا ولو ادعاه بعضهم لكذبوا.. إنه تحفة الشعوب ، تتحف بها مرة في عمرها !!
ومبلغ جهد الشعوب أن تحافظ على تحفتها بقوة العدل والحب ولتصون وحدتها من لصوص التحف .. وليكن شهداؤها يقينها وتاج عزها وفخرها يحيون في حناياها منعة ووعياً .. يطلعون الشمس يوماً بعد يوم .. لتحيا بها الأمة جمعاء .. لا فصيل من روافدها صغير .. هل رأى الدهر أناساً يسرقون الشمس من كبد السماء ؟!
أكتوبر رياح الديموقراطية تهب
وعود بعد هذا السياق التعريفي إلى حكومات الائتلاف بعد أكتوبر ..والديموقراطية تسرح طرفها من ماضي عمرها وما اكتنف نشأتها من صعاب.. وما تراكم أمام طريقها من عقبات وتقلب ناظريها فيما بين يديها من حكومات الائتلاف بعد أكتوبر وما لازم عمرها من القِصر وما كان يعترى قِصره من القلق والتسرع والتحول من جانبٍ إلى جانب .. فيصبح النائب على غير ما بات عليه .. يمسى ائتلاف في الحكومات .. ليصبح في المعارضة ويموت جانبٌ من تآلفٍ حيً كان بالأمس ميتاً.
إنه غلى المراجل الديموقراطية لإذابة الشوائب والمستنفذات بينها ثبجٌ من سد نوفمبر يمتطى شوكاً يخالطه شيء من الحسكِ القليل .. وتدور النار في هذا المزيج لا تشتفي إلا بنيل الانصهار وبلوغ الأوج في هام الإذابة ..ويهز الكون عنف الانفلات وهدير كالصواعق .. مؤذن بالانشطار .. ويكاد المرجل المختوم في الأفق يطير ثم يهدأ ويتداعى في سكون.. واللهيب العارم المخضوب ينداح رويداً ثم يهدأ في اتئاد ..لحظة الميلاد وافت وارتدى المرجلُ ثوباً .. مثل قطرات الندى يتجمعن كالحُلة برداً وسلاما ..وتسارعت الجماهير تفض أختام المفاعل .. فالتقت في قلبه الطاهر فجراً مشرق البسمة يرنو فوق مهد من ضياء .. ما اسم هذا القادم الموعود بعد الانتظار ؟! وهو مولود من الرحم الطهور .. طهرته النار في قلب المفاعل .. فاستوى روحاً إلهياً ونورا ..أترى كان المفاعل قلب هذا الشعب ينبض بين جدران الوطن ؟! هل كانت النيران قدرة والجماهير إرادة .. وانبثاق الفجر .. أحلام السنين؟!.
إذاً فليكن إعلان مولده .. محافل تحتوى كل البلاد .. عند جمع الناس يوم الزفة الكبرى غداة الانتخابات!.
الشعب السوداني
يعرف المباعث والأسباب
إن كثيراً من شعوب العالم تعرف أسباب معاناتها وتدرك أبعاد مشاكلها ... ومن هذه الشعوب يأتي الشعب السوداني في مقدمة الذين يعرفون مباعث هذه المشاكل .. بل هو يدري يقيناً محركاتها ، وغاياتها وعناصر إفتعالها ، بل وكثير منها لازمته قبل الاستقلال .. كثير منها بقي بعده يتفجر بين آونة وأخرى ..
مرةً في صورة تمرد لإحدى فصائل الجيش منذ ما قبل الاستقلال .ومرات في صورة انقلابات عسكرية تقتصر أو تطول حيناً من الدهر .. وآونه أخرى في صيغة استنزاف طويل يحمل ملامح حرب أهلية .. وما هو ... هي ... ولكنه يشكل مظهرياً منظور البيت المنقسم والأسرة المتحاربة فيجد له من خارجه معيناً ومحّرضاً وداعماً ... فلا هو ينتصر لاستحالة النصر عليه ، ولا هو منهزم لظهور لجيوب تظهر هنا وتختفي هناك تبعاً لظروف مددها الخارجي ومدى استمالا ته لها ..ولا هو مستقر يشارك في السلام والأمن ويفتح الطريق للتنمية ..
وجاء العسكر ...
وتعرض تواصل الأجيال في السودان .. إلى ثلاثة فواصل عسكرية ومدنية ..
كان لكل واحدٍ منها أثر سلبي وضرر مقيم على المسيرة الديموقراطية .. ففي 17نوفمبر 1958م أبطل انقلاب الفريق “ إبراهيم عبود “ .. رحمه الله ، مشروعية الصراع الوطني الديمقراطي وحلّ الأجهزة المنتخبة ومنعها بالقوة من إصدار قراراتها الناشئة بين حكومة السيدين .. السيد عبد الرحمن المهدي والسيد “علي الميرغني “ .. برئاسة الأميرالاي .. عبد الله بك خليل “ رحمه الله . والمعارضة الحزبية ... التي كان يقودها الحزب الوطني الاتحادي برئاسة الرئيس “ إسماعيل الأزهري “ . كان عمر الممارسة الديموقراطية لها أربعة سنوات . وعمر الاستقلال ثلاث سنوات تنقص شهراً واحداً ، وقد تمكن هذا الفاصل الذي عّمر ستة أعوام . من أن يوقف النبتة الديموقراطية ..وهي لم تزل غضة طرية وحرمت الأجيال المعاصرة القادمة من تعليم وتعلم وممارسة الشورى وإتقان العمل المؤسسي وفنون المزاولة الديموقراطية وتمليكها للجماهير بالتوعية والتعبئة .. وقبعت التجربة اليافعة في سجن النظام العسكري الأول ليطويها النسيان وتتخلخل قواعدها في البنية السودانية تضفي الحماية والسلامة لخصومها وتحول بينهم وبين الهزيمة التي أوشكت أن تحيق بهم . فلولا الجدار العسكري الذي أحيط بهم لقطع دابر التدخل الطائفي في السياسة السودانية
ولسقطت إلى الأبد ظاهرة النفاق (ا لسياسي) - الذي صحب التجربة الديقراطية معكراً صفوها ومقيداً خطوها .. ومثقلاً ظهرها كوزرٍ وبيل .
اكتمل خلال سني الانقلاب الأول صناع الاستقلال وشاخ بعضهم .. وفوجئت القواعد الشعبية برجال الجيش يمارسون مخاطبة الجماهير بنبرات عسكرية ويصدرون قرارات فورية . ويأمرون بقيام مجالس مركزية ويعقدون هيئات تشريعية وينصبون من أنفسهم حكاماً عسكريين على المديريات .
ويأمرون وينهون ويقيمون ويقعدون بأوامر شفهية ومراسيم فردية تنهال في مدٍ غامر يتجذر معه العمل الجماعي وتضمحل المشاركة ويتلاشى شيئاً فشيئاً المظهر الديموقراطي الوليد!!
ويشاهد رواده في السجون والمعتقلات ..
ويتعرض آباء الحركة الوطنية للنقد الجارح والإهمال المميت ويتحطم كل شئ في نفوس الذين صارعوا الاستعمار وأخرجوه وينقصهم شئ في عقولهم وتختلط أشياء في أفكارهم ويتمزقون بين حاضرهم وماضيهم فتعمى الرؤية لمستقبلهم ويسدل عليها ستار كثيف ..
هاهي الطرق التي سلكوها والتضحيات التي بذلوها والمعادلة التي ألفوها تختفي كلها من بين أيديهم ولا يبقى إلا الصمت والطاعة ... صفتان لا تتلاءمان مع حيز الحرية التي اكتسبوها والجهر بالرأي الذي تعودوه ... ويذبل المجتمع وتشاركه الذبول نبتة الديموقراطية ولكنها لا تموت ..
لماذا حتمية الفشل ؟!
ولكن الحكم العسكري لن يجدي نفعاً في السودان وأن طال مداه لأنه يخالف في مناقضة حادة طبيعة الفرد السوداني .. فهو يحس به قيداً ، ويراه سجناً وقفصاً ضيقاً وجهلاً مسلحاً .. وإن أقام له مصانع ومشاريع وأن تودد إليه بمجالس ونيابات .
أنه يجدها فاقدة الطعم مرسومة الخطى .. يحس فيها بالانقباض إذ يرى نفسه مسيراً وليس مخيراً كما هو .... وأنه مقيد وليس طليقاً كما هو ... وأنه عبد وليس سيداً كما هو .. وكل صُناعة قردة ضارية تتواثب على الدرجات . فكل دسم الديكتاتوريات عنده سم ... وكل عسلها عنده علقم . ينطلقون من خيانة العهد وافتئات الأمانة .. ويزاولون ما لا يعلمون .. ويفعلون ما يجهلون .. ويلتصقون بهم من لم تصل به دابته السقيمة إلى سطح الأحداث فيطوعون لهم العلم للجهل .. والنظرية للقوة .. والكرامة للسطوة ..والعدالة للظلم ..والحرية إلى السجن ..ويصنعون الخراب العلمي والدمار المنظم برهط سدنة العقوق والنكران فتذبل الحياة ويعتريها الشحوب .. ولكنها لا تموت وإنما يصحبها رهط ( يعتريها بين الفينة والفينة كلما ضعفت أجهزة المناعة فيها ، عندما تتكالب عليها وافدات بعينها ) عميلٌ مقيم .
* عدة عوامل تضافرت على انهيار سد نوفمبر أو الحركة المباركة كما أسماها الفريق عبود فقد استنفدت أغراضها المختلفة في داخل البلاد وخارجها :
( أ ) استترت خلفها الطائفية السياسية فكتبت لها النجاة .
( ب) أكملت اتفاقية مياه النيل مما مكن من قيام سد أسوان وترحيل أهالي حلفا وخلق مسطح مائي سيكون له أثره في خلق مناخ جديد .
( ج ) وافقت على المعونة الأمريكية .
* ولها أيضاً حسناتها التي لا تنكر عليها : -
1- قدرتها على كبت الحركات التي حاولت الإطاحة بها بما فوت الفرصة على الذين كانوا ينتظرون جنى الغنائم من نجاح هذه الحركات ولذلك حديث آخر سيأتي في حينه.
2- إنشاء خزان الروصيرص والكهرباء القومية ومدينة الدمازين .
3- إنشاء خزان خشم القربة ومشروع التوطين بالقربة ومشروعها الزراعي ومصنع لسكرها
4- مشروع سكر الجنيد .
5- مصنع بابنوسة للألبان .
6- عدة مصانع في كسلا .
7- مشاريع تعليب الفاكهة .
8- الإرسال التلفزيوني .
9- تسليح الجيش السوداني .
10- توسيع رقعة الزراعة الآلية “ سمسم وهبيلة“
11- طريق الخرطوم سنار والخرطوم الكباشي .
12- وما علقت بسيرتهم علائق تؤخذ عليهم قضايا من تهم الفساد و الإفساد التي كانت تتطاير مع الإشاعات ضدهم وعندما وقف الرئيس عبود أمام المحكمة مدليا بشهادته للتاريخ قال في ثبات الواثق المنضبط أنه “ أمر باستلام الحكم فأطاع كما تقتضي واجبات وظيفته “ فبرئت ساحته وذهب رضياً مرضياً .. هذا مالهم ولا يحسب ما على غيرهم “ إدانة لهم فاعتراض المسيرة الديموقراطية كان ممن هزم في إجراءاتها فلاذ بحيلة تنجيه من الإطاحة خارج مضمارها وهي إطاحة لا يتسنى له القيام بعدها أبداً ..وما فكر الجيش يوماً في الحكم “. وقد رفض الرئيس إسماعيل الأزهري أول عرض بالانقلاب لصالحه وحرمه ... ورجال الجيش أولئك..
(1)كانوا من أصول الوسط السوداني التي وضعت سودنة الجيش بعد الجلاء .
(2) تلمع على أكتافهم أشارات المعارك الخصيبة التي أبلوا فيها بلاء من أحب الموت فوهبت له الحياة!.
(3) وهم شركاء النصر في المعارك الديموقراطية ضد النازي الفاشيست في الحرب العالمية الثانية .. وسيرهم الخارقة في صحراء الكفرة ومرتفعات كرن أسمره وسهول الروصيرص خلقت نسيجاً من الزهو والفخار غرس في قلب كل مواطن علماً من الاعتزاز لهذا الجهاز المرموق .. واعتبره درعه وأمانه واطمئنانه الوثيق ..
(4)كانوا يألفون الصحاري ومناطق الشدة في بلادهم ويملأون قلوبهم منها بالحب والقوة والجسارة واستهانة الموت .
(5)ويرفعون لياقتهم القتالية إلى أعلى مستويات الجيوش في العالم كل عام في المناورات الشاقة التي يمارسونها وقوة الاحتمال وبراعة الأداء في سمتٍ مهيب يبدو في قاماتهم وهاماتهم التي توحي بقوة الاقتدار والعزم وشجاعة المستميت الجسور .
(6)يشد كل هذا الكون من العزائم سياج منيع مرعي ومحترم ومراد لذاته له قوانين الضبط المحكم والربط المطاع.
كانت قوة دفاع السودان ( مثلاً تتمناه ليكون حارسها الأمين وحاميها المقدام ) رحمهم الله جميعاً .. فقد خلف من بعدهم خلفً مغاير في كل صفةٍ من صفاتهم :
* أفسح المجال لمحاولة تسييس جيش الأمة :وخلق خلايا الاستقطاب الحزبي داخله .
* بدأ مسابقة الصحو فجراً والعدو نحو الإذاعة . وأصيب الجسم القوي بعدوى الانقلاب الشائعة في الستينات . .
كانت هذه ظاهرة الستينات .. وهي من إفرازات الحرب الباردة وراحت ضحية لهذه الظاهرة شعوبً وبلدان بأسرها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حيث لم تجد طريقها السوي إلى الآن.
فإن الانقلاب في أي أمة يفقدها عناصر النشوء الذاتي من أرض واقعها وعناصر تكوينها، ويصعب عليها كثيراً أن تعود إلى الجذور وستسير في مهمة التيه أزماناً تبعثر أجيالها ثم تلتمس العودة فلا تجده .. لقد بعثرت أجيالها واغتالت زمانهم وأحلامهم وغيرت سلوكهم وحرمت عليهم القول والفعل والمشاركة في القرار ...صارت أرضا طاردة
فلاذوا منها بالفرار ..صارت أرضا تعمرها الكراهية....ويحكمها الترصد والخوف ..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.