مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من كتاب (نكبة دارفور) لروبرت كولنز : تاريخ السودان الحديث : ترجمة طه الخليفة طه
نشر في حريات يوم 02 - 07 - 2013

العديد من التعليقات و التقارير و التغطيات الإعلامية قد كُتِبَت عن الأزمة في دارفور ربما اكثر مما كُتِب ع عن العشرين سنة من الحرب الاهلية الثانية في جنوب السودان، قليل من تلك الكتابات ما أظهر فهما لأن نكبة دارفور لم تكن نوع من الثوران العفوي ضد الإهمال، سوء الحكم و العنصرية بل هي فصلٌ أخير في الصراع المأساوي من أجل السيطرة علي حوض بحيرة تشاد. من الناحية الجغرافية دارفور هي جزء من ذلك الحوض العظيم و ليست جزءً من حوض النيل. بالرغم من أن الفاصل بين الحوضين عصي علي التحديد ،يتعرج الفاصل نحو الشمال من خط تقسيم المياه بين حوضي نهر النيل و نهر الكنغو و علي طول الحدود الإدارية بين دارفور و كردفان، سهل دارفور السودانوي ينحدر بهدوء نحو الغرب إلي أن يصطدم بجبل مرّة الذي هو تركيب بركاني خامد يرتفع لعشرة الف قدم فوق سطح السهل الدارفوري. هذا التوجه الجغرافي نحو الغرب شكل بدوره جزءً من تاريخ دافور ( بلاد الفور) قبل الاستعمار ومازال "الفور" يبجّلون ضاحية طرّة في غربي جبل مرة كموطن لأسلافهم.
في منتصف القرن السابع عشر تمكن السلطان سليمان سولونج من تأسيس سلالة الكيرا الحاكمة محولاً مملكة الفور القبلية إلي سلطنة متعددة الإثنيات. في أعراف الفور يعتبر سليمان سولونج محاربا عظيما أسس سلطنة الفور بانتصاره علي المساليت، المراريت، الرغاوة، البرقد و التنجر و بني قصره الفسيح في عاصمته بضاحية طرّة. توسع سلطنة الفور في عهده نحو الغرب إستفز سلطان ودّاي الذي بدوره كان قد بني دولة قوية بصياغته لتحالف بين مجموعة مشيخات صغيرة حدّت من توسعه شرقاً جيوش سلطنة الفور بقيادة سليمان سولونج الذي كان انتصاره علي سلطان ودّاي هو الأول من نوعه في سلسلة من الحروب اللاحقة بين السلطنتين في صراعمها من أجل السيطرة علي الحدود بينهما. يسيطر سلاطين الكيرا علي الحدود عندما يكونوا في تفوق عسكري علي جيوش ودّاي و يتراجعون الي قلاعهم الحصينة بجبل مرّة في سنوات الضعف. خلفاء السلطان سليمان سولونج حكموا سلطنة الفور كانصاف آلهة عن طريق نواب و اداريين من الفور يدين لهم بالولاء زعماء قبليين من عِرقّيات مختلفة. في القرن الثامن عشر توسع سلاطين الفور شمالا و غربا حيث دان لهم زعماءالزغاوة بعدمقاومة عنيدة.
بعد سلسلة من الصراعات علي الحكم بسلالة الكيرا الملكية و في نهايات الخمسينات من القرن الثامن عشر برز السلطان محمد تيراب بن احمد بكر (1752-1787م) كحاكم جديد لسطنة الفور مخضعاً النبلاء الأقوياء و منجزا السلم مع سلطنة ودّاي ليدوم مئة عام غض الطرف عن المناوشات المحدودة علي الحدود، أضفي السلطان تيراب نوعا من المركزية علي الحكم و يعتبر السلطان تيراب أعظم سلاطين الفور و هو الذي ورث عرش سلطنة متعددة الاعراق لعب فيها الفور دورا أقل هيمنةً مما مضي حيث شاركه في الحكم العديد من المسؤولين الكبار من غير الفور،نقل السلطان تيراب عاصمته (فاشره ) نحو الشرق من جبل مرّة لتكون قريبة اكثر من كردفان. قد عايش معظم سلاطين الفور قبل تيراب تهديدات مستمرة من المُسبّعات الذين تم إبعادهم من جبل مرّة عن طريق السلطان سليمان سولونج و منذ ذلك التاريخ ما فتئوا يحاولون بدأب إزاحة سلالة الكيرا عن عرش سلطنة الفور. جمع حاكم المُسبّعات هاشم بن عيساوي جيشاً من المرتزقة لغزو دافور في 1782م فسحق السلطان تيراب ذلك الجيش محتلا كردفان و مخضعا لها تحت إمرة سلالة الكيرا لاربعين سنة لاحقة.
وقع صراع آخر بين سلالة الكيرا الملكية بوفاة السلطان تيراب و نتيجة لذلك الصراع قَبِل الجيش و نبلاء الكيرا بالسلطان عبد الرحمن خليفة للسلطان تيراب في عام 1792م . توفي السلطان عبد الرحمن بعد عشرة سنوات نقل فيها العاصمة الي فاشرٍ جديدة في شمال شرق جبل مرّة حيث خلف السلاطين المحاربين مجوعةٌ من السلاطين الضعفاء لمدة خمسة و سبعين عام شهدت العديد من دسائس و مؤامرات القصور وتميزت بانتشار الإسلام. احتلال الفور الوطيد لكردفان في بداية القرن التاسع عشر وفر الأمان الذي احتاجه الجوالة من "الفقرا" القادمون من وادي النيل صوب دارفور و كان معظمهم يعتبرون دارفور مكان نائي و متوحش. كانت هذه المجموعات من "الفقرا" متنوعة بينهم خريجي الازهر الشريف وغالبيتهم من انصاف المتعلمين والأميين الذين يمكن اعتباراهم روحانيين و جالبي امطار اكثر من كونهم رجال دين اسلامي. كان هولاء الوافدين عادة ما يستقرون و يتزوجوا من نساء الاهالي و يصبحوا جزءً من مجتمعات القري. لقد شجّع سلاطين الفور هذه المجموعات من "الفقرا" بمنحهم أراض للزراعة و أعفائهم من الإتاوات (جاه) و اعفائهم من الخدمة في الجيش و سمحوا لهم ببناء المساجد خاصة في جوار المراكز الحضرية ( فاشر). و بالمقابل عمل "الفقرا" ككتبة و دبلوماسيين و كوادر خدمة عامة يمتازون بالولاء للسلاطين من غير التزامات عشائرية أو قبلية يتكلف بها السلاطين.
اختلفت طريقة انتشار الاسلام و اللغة العربية في دارفور عن الطريقة التي انتشرت بها الاسلام و اللغة العربية في وادي النيل ، كانت في دارفور بطيئة و غير متصلة لا جغرافيا و لا زمانيا. قبول السلاطين باستخدام اللغة العربية و الشريعة في المحاكم بدارفور أُستُقبِل بفتور من الأهالي. علاوة علي ذلك ممارسة الفور و المساليت للاسلام شملت طقوس افريقية ميّزتهم عن نظرائهم الاكثر تشددا في اسلامهم من سكان شرق جبل مرّة من قوميات البرقد ، الميما و البرتي ، خلق هذا الوضع فاصلاً بين اوضاع التعريب و الأسلمة في دارفور. و بنهاية القرن العشرين استبدل سكان شرق جبل مرة لغاتهم النيلية -الصحراوية باللغة العربية. كانت عملية التثاقف هذه بطيئة و راسخة، تسارعت وتائر هذه العملية بانتصار جيوش محمد علي في1821م و في خمسين سنة لاحقة عن طريق تاجر الرقيق الجعلي الزبير رحمة منصور (الزبير باشا) الذي انسحقت امام بنادق جيشه من المرتزقة جيوش الفور و تمكن من ضم سلطنة الفور الي الحكم التركي المصري الذي تم اجلاءه عن طريق الثورة المهدية في 1885م عبر انتصاراتها العظيمة علي جيوش الحكم التركي المصري. توفي الامام المهدي بصورة غير متوقعة في22 يونيو 1885 م . خلف الإمام المهدي عبدالله محمد تورشين الذي ينتمي للتعايشة البقارة من جنوب دارفور. في الفترة ما بين 1885 م و 1892 م واجه الخليفة عبدالله مؤمرات من داخل الانصار ومن غيرهم لاسقاط حكمه تمكن الخليفة من قمعها جميعا و بلا رحمة. و بحلول عام 1892 م كان الخليفة عبدالله محاطاً بأقاربه التعايشة الذين تمكنوا من تأمين حكمه الاتوقراطي و كانوا جاهزين و قادرين علي حماية سلطته من أي تهديد سوداني. مالم يتوقعه الخليفة عبدالله، و ربما لم يكن بمقدوره توقعه هو الغزو الانجليزي المصري الذي كان جيشه مصمما علي تدمير الدولة المهدية و تأمين مياه النيل من أجل بريطانيا و مصر. وتم للجيش الغازي انتصاره علي الانصار في السهول حول جبل كرري علي مقربة من امدرمان في الثاني من سبتمبر1898 م عبر التكنولوجيا الظافرة لقوة السلاح الناري البريطاني. تحطمت الدولة المهدية و حامل لقب سلطان دارفور علي دينار زكريا محمد الفضل الذي كان محاصرا تحت المراقبة اللصيقة لعملاءالخليفة بامدرمان قد استطاع تجميع عدد من اتباعه و إتجه غرباً ليستعيد عرشه . انتزع السلطان علي دينار السيطرة علي الفاشر بانتصاره علي حامية الدولة المهدية حيث تمكن من القضاء علي منافسه ليستلم عرش سلطنة الفور. في عام 1900 م اعترفت سلطة الحكم الانجليزي المصري ( التي كانت بالفعل بريطانية) بالسلطان علي دينار كحاكم لسلطنة الفور المستقلة في مقابل جزية رمزية و اسمية. نظّم علي دينار سلطنته بفعالية بالرغم من بربرية طرائقه إلا أنه تمكن من قمع معارضيه باستثناء البقارة الرزيقات.عندما رفض الرزيقات دفع الاتاوات له في 1901م ارسل السلطان علي دينار قائد حرسه الخاص سليمان تيراب ليعاقبهم و لم تكن تلك الحملة العسكرية حاسمة. انشغل السلطان علي دينار بعد تلك الحملة بالتدخلات الفرنسية علي حدود سلطنته الغربية. بحلول عام 1913 حاول السلطان علي دينار حسم عداوته مع الشيخ موسي مادبو زعيم الرزيقات القوي بجنوب دارفور، حيث طلب السلطان علي دينار منه دفع اتاوة علاوة علي طلبه بالاعتراف به كسيد أعلي علي دار الرزيقات و طالب بتسليم المنشق الدارفوري الذي أواه الزعيم موسي مادبو بدار الرزيقات. رفض الزعيم موسي مادبو هذه المطالب في اكتوبر 1913م تقدم 6000 جندي من جيش سلطنة الفور الذي كان غالبيته من الفرسان نحو دار الرزيقات فاحرقوا و نهبوا القري إلي أن لاقوا مقاتلي الرزيقات في تمبيركو و تحارب الجيشان لمدة خمسة ايام، بحسب طبيعة المعارك الافريقية كانت حربا فادحة الخسائر ، في الاول من نوفمبر1913 م انسحبت جيوش الفور يلاحقهم مقاتلو الرزيقات ليسجلوا انتصارا حيويا خُلِدت ذكراه في اشعار و اغنيات الرزيقات. باصرار شديد من السير سلاطين باشا الذي كان حاكماً لدارفور إبان الحكم التركي و أسيراً خلال المهدية و الذي يعمل الآن مع سلطة الحكم الثنائي كمفتش عام اقتنع الزعيم موسي مادبو بالاعتراف بسلطة السلطان علي دينار علي دار الرزيقات، لم تكن أمام موسي مادبو من خيارات فلقد تم تخريب دار الرزيقات و لم يمنع جيش الفور من القضاء علي الرزيقات تماماً غير ذلك الانتصار غير المتوقع في تمبيركو بالاضافة إلي أن الزعيم موسي مادبو كان محتاجاً لعلاقة صداقة و تحالف قوي مع الخرطوم ليضمن زعامته و سلامة قبيلة الرزيقات.
بعد ادنلاع الحرب العالمية الأولي في 1914 بدأ الحكّام البريطانيون يفكرون بطريقة مختلفة عن السلطان علي دينار. لم تقدم الحكومة البريطانية بالسودان أي مساعدات للسلطان علي دينار في مجهوداته لوقف التقدم الفرنسي( الدولة الحليفة لهم) في الحدود الغربية لمستعمرتهم و عليه اصبح السلطان علي دينار مشاكساً للحكومة البريطانية بالسودان بصور متزايدة خاصة و الآن قدد تحولت الحكومة البريطانية في الخرطوم إلي حليفة لأعداءه الفرنسيين. عندما شارك خليفة الاسلام و امبراطوريته العثمانية في الحرب إلي جانب المانيا و قام البريطانيون (المسيحيون) بخلع الخديو التركي في مصر تحول مزاج السلطان علي دينار المتعكر تجاه الحكومة في الخرطوم إلي عداء مفتوح و أعلن انضمامه للجهاد ضد الاوربيين (الكافرين) حيث قام بارسال تعزيزات ضخمة لنقاطه الحدودية في الحدود مع كردفان و هو مما أعطي الحكومة البريطانية في الخرطوم ذريعة لتنظيم حملة ضد سلطنة الفور. أعدّت الحكومة الانجلو مصرية قوات تدخل سريع اتجهت غربا و كان قوامها 2500 جندي من مختلف الأسلحة تمكنت من هزيمة جيش الفور و احتلال الفاشر ثم احتلال القصر السلطاني الباذخ بحدائقه الظليلة، برك الاسماك،الممرات ذات العماد في 23مايو1916م . و في خمسة أشهر لاحقة فاجأ مئة من خيالة سلاح الفرسان البريطاني السلطان علي دينار في معسكره في كويبي و قتلوه. في 1919م تم توقيع اتفاقية لترسيم الحدود بين الادارة البريطانية في الخرطوم و الفرنسيين تم علي إثرها ضم دار المساليت إلي دارفور، و بنص الاتفاقية تم اعتبار السلطنات الحدودية في دار تاما ، دار سيلا و دار قمر التي كانت تابعة بالأساس لسطلة علي دينار جزءً من افريقيا الاستوائية الفرنسية.
بعد غزوهم لهذه المساحات الشاسعة غير المرغوب فيها و ضمها لسلطة الحكم الانجلو مصري كانت السياسة البريطانية خلال الحكم الثنائي هي الحفاظ علي الأمن و السلام في دارفور بأقل التكاليف. ثابرت الحكومة البريطانية في الخرطوم علي تنفيذ هذه السياسة بحفنة من المسؤولين حكموا دارفور عن طريق إدارة أهلية، أو نوع من الحكم غير المباشر حيث تم اعتماد الشيوخ و النظار و الشَرَاتِي طالما حافظوا علي الانضباط مع سلطة الحكم الثنائي بحسمهم للنزاعات القبلية و محافظتهم علي مظهر يوحي باستتباب الأمن و سيادة القانون. امتنع البريطانيون عن الإلحاح في تحصيل الضرائب و أكتفوا بتحديد جُعلٍ محدود كجزية. المسؤلون المصريين الذي اعتبرهم البريطانيون مصدراً للمشاكل تم استبعادهم و الذين تبقوا من الحكم التركي تمت ازاحتهم من المناصب الإدارية. بعد هزيمة الانصار في 1898م و استلهاما لمواعظ الإمام المهدي ازدهرت بين البقارة في دارفور روح مهدوية جديدة. في البداية كانت هبّات معزولة و سهلة التطويق قام بها متطرفون انصار تتوجت بانتفاضة نيالا في سبتمبر 1921م حيث تمكن 6000 انصاري بقيادة فكي من المساليت من احتلال مكتب البريد في نيالا و قتلوا ضابطين بريطانيين و 41 جندي سوداني قبل فرارهم تاركين وراءهم 600 قتيل .لم يستتب الأمن في جنوب دارفور للحكومة البريطانية إلا بعد اعمال التمشيط التي انجزتها قوات تابعة للحكم الثنائي تسببت في خسائر فادحة في صفوف البقارة بجنوب دارفور حدّت بدورها من انتشار دعوة مهدية جديدة.
أكبر مشكلة واجهت الإدارة الأهلية في دار فور كانت هي الفشل في استعياب و توطين مظاهر التمدن. ففي نهاية عام 1935م كان بدافور مدرسة أولية واحدة و مدرستين صغريين لتعليم الكتابة و كانت ميزانية التعليم اجمالا 1200 جنيه استرليني للعام لخدمة 500000 طفل في سن التعليم المدرسي!. طلب مفتش التعليم باضافة 55 جنيه استرليني لتحسين الخدمات التربوبية تم رفضه. استشري بين الاداريين البريطانيين خوف من انصاف المتعلمين من أهل المعارف السطحية، غير القَبَلِيين ، المنفصمين ، أشباه الأميين و مثيري الشغب. بناءً علي ذلك رعت الحكومة البريطانية كتاتيب لمحو الأمية تحولت تدريجيا إلي خلاوي لتحفيظ القرآن بإشراف (فكي، فقرا) شبه أميين. تم الإحتفاظ بالمقاعد المتاحة في الكتاتيب لأولاد الشيوخ ، النظار و الشَرَاتي الذين سيخلفون آباءهم في الإدارات الأهلية. في يونيو 1938 كتب حاكم دارفور البريطاني متباهيا " لقد تمكنّا من قصر التعليم علي ابناء الشيوخ، النظار و الشَرَاتي في الإدارة الأهلية و بإمكاننا أن نتطلع بثقة إلي الحفاظ علي الطبقة الحاكمة كما هي لسنوات عديدة قادمة". الأوضاع في الصحة العامة كانت كما في التعليم شملها نوع من الإهمال المستمر. كانت دارفور هي المحافظة الوحيدة التي ليست بها عيادة او مستشفي متخصص في امراض النساء و الولادة. الأوبئة كانت نوعا من الامراض المستوطنة! يحمل عدواها باستمرار الحجيج من غرب افريقيا مثل الجدري،السحائي، الحمي الراجعة ، و الكلازار الباطني و الجلدي.
عندما غادر الاستعمار البريطاني السودان في 1956 ترك ورائه في اقليم دارفور سجلاً من الإهمال المتعمد و اللامبالاة المدروس. لم يتم فتح مدرسة واحدة للبنين منذ 1932م. و بحلول عام 1947م لم يكن في دارفور قاضي مديرية واحد و لا مدير تعليم و لا مسؤول زراعي و لقد كان امثالهم متوفرون في محافظات السودان الأخري. كتم المشايخ ، النظار و الشراتي المسنين انفاس الإدارة الأهلية و بإنعدام كفاءتهم و انصرافهم لملذاتهم في شرب الخمر و السهر علي مصالحهم علي حساب مسؤولياتهم. خلال الاربعين سنة من الإدارة البريطانية لدارفور لم يكن هنالك اكثر من دستة من الاداريين البريطانيين ليشرفوا علي الإدارة الاهلية في اقليم بحجم فرانسا. و خلال المئتين عام السابقة لم يقم الاتراك ،أمراء الانصار ، البريطانيين و السودانيين بإبراز مظاهر الحكم في دارفور غير تلك المظاهر العجلي الزائلة او السلطة المتوهمة في أيدي العمد، الشيوخ، النظار و الشَرَاتي.
في الأول من سبتمبر 1969 و بعد ثلاثة أشهر من استلام الكولونيل جعفر نمير للحكم في الخرطوم نظّم العقيد معمر القذافي انقلابا علي نظام الحكم ليزيح الملك ادريس عن عرشه في ليبيا. أعلن القذافي نفسه مصلحاً لليبيا و العروبة الإسلام في مسار تقدمي من اجل الحرية، الاشتراكية و الوحدة علي حسب ما نادي به تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر. كان القذافي مهووساً بالجغرافيا السياسية يحلم بليبيا عربية عظمي (دولة الصحراء الإسلامية) متتبعا خطي التجار المسلمين و العلماء الأوائل ليواصل مهمتهم التاريخية علي تخوم العالم الإسلامي. سعي القذافي في بداية حكمه من أجل وحدة السودان، مصر و ليبيا عبر ميثاق طرابلس الذي رفضه الرئيسان جعفر النميري و انور السادات، علي الرغم من أن القذافي هُرع ليقدم المساعدة لجعفر النمير عندما تم تهديد سلطة الأخير عن طريق الشيوعيين في يوليو 1971 يبدو أنه لم يسامح جعفر النميري فيما يتعلق برفضه الاستفزازي لميثاق طرابلس ، بعد ذلك إتجه العقيد القذافي لبناء امبراطورية عربية ليبية ستلعب دارفور فيها دوراً استرتيجي و لإنجاز ذلك وضع كل طاقته و ثروته تحت الطلب. أصبح القذافي الراعي لجبهة التحرير القومي التشادية و المضيف للسيد الصادق المهدي و قام بتموين الجهتين بالسلاح و التدريب العسكري في الجداييم و مارا ( al-Jadda'im and Ma'ra ) في جنوب ليبيا ليتدرب 2000 من الانصار معظمهم من البقارة في دارفور بالإضافة إلي مرتزقة من الفيلق الاسلامي التابع للقذافي في محاولة لاسقاط نظام جعفر نميري في 1976م. بعد فشل محاولة الصادق المهدي لإزاحة نظام النميري بتكاليفها الباهظة ركز القذافي جهده ليخلق لنفسه وجودا في دارفور. قوات جيش الشمال التابعة لحسين حبري سيطررت علي معظم مناطق غرب دارفور و كان معه حوالي 10000 مقاتل من الزغاوة و البديات يبحثون عن ملاذ آمن بعد هزيمتهم في 1980م عن طريق الجيش القومي التشادي . في شمال و وسط دارفور انتشرت الأسلحة الآلية و اهمها الكلاشينكوف و لقد تم تورزيعها لاتباع الصادق المهدي و لقد استخدمت في الغارات القبلية بين الفور (الفلاحين) و الرزيقات (الرعاة) حيث وقفت القوات النظامية التابعة للخرطوم عاجزة امام هذه الصراعات الدامية. في عام 1981م تواصل ارسال شحنات السلاح من امريكا لنظام النميري في توقع ساذج من الإدارة الامريكية أن هذا السلاح سيتمكن حاملوه من من الخلاص من حوالي 5000 مقاتل ينتمون لفيلق الإسلام الذي يسانده الجيش الليبي الذي يسيطر فعلا علي دارفور خاصة المناطق شمال كتم حاضرة شمال دارفور.
بعد سقوط نظام النميري في ابريل 1985م نجح المجلس العسكري الانتقالي في استعادة العلاقات مع ليبيا خاصة ما يتعلق بامدادات النفط و تم تكوين مفوضية مشتركة لتوثيق العلاقات بين الخرطوم و طرابلس. مع ذلك فقد رفض المجلس العسكري الانتقالي طلب معمر القذافي المتمثل في اطلاق يد الفيلق الاسلامي في دارفور علي الرغم من موافقة المجلس العسكري الانتقالي علي الوجود النشط ل 200 عميل ليبي في الخرطوم. بعد انتخابات ابريل 1986م حاول الصادق المهدي تحويل تاريخ علاقاته الوثيقة مع النظام الليبي إلي شيء ملموس و لكن بلا جدوي، لم يعترض الصادق المهدي علي رئاسة حسين هبري لتشاد لا بل سمح له بتحريك قواته و السماح للفرنسيين بإعادة تأهيلها حيث تغير اسمها الي قوات الجيش الوطني التشادي سمح لهذه القوات بسوق عناصر الفيلق الاسلامي عبر شمال دارفور إلي كتم قبل أن تتقدم مئة ميل نحو وادي هَوَر. عندما نفدت ذخير هذه القوات و تجففت تمويناتها انسحبت صوب الاراضي التشادية. في الأشهر اللاحقة انضم الشيخ ابن عمر بقواته ( جيش فولكان) الي الفيلق الإسلامي حيث تم تموين هذه القوات من جديد عن طريق نظام القذافي لتنجز هجوما مضاداً في نوفمبر 1987م عبر الحدود شمال منطقة "أردي" بمباركة الصادق المهدي. و خلال نفس الفترة إبتدأ حسن الترابي الذي كسبت جبهته الإسلامية القومية 51 مقعداً في البرلمان المنتخب، بدأ في تنظيم عرب البقارة في حزام بشري من العرب (البقارة) الإسلاميين في كردفان و دارفور ليؤسسوا فيلق الإسلاميين.
في الخامس من اكتوبر 1987م "اعلن التحمع العربي" عن نفسه بنشره خطاب مفتوح للصادق المهدي من خلال صحيفة الأيام و تم توقيعه باسماءشخصيات بارزة من عرب دارفور أكدو فيه دعاويهم بالتفوق علي غيرهم و كانوا يهددون بكارثة إذا استمر تهميش العرب الدارفوريين. و في منشورهم اللاحق كانوا أقل إحترازاً و أكدوا بصراحة رغبتهم في قتل قبائل "الزرقة" و كتبوا ان دارفور الآن هي دار عرب.
بعد أشهر ثلاث في الاول من يناير 1988م كرّس الرئيس التشادي حسين حبري خطابه بمناسبة العام الجديد لاعلان سيطرة القذافي علي شمال و غرب دارفور. نقلت قوات ابن عمر (جيش الفولكان) إلي الجنينة كميات كبيرة من السلاح الليبي من معطن السَرّا في شريط اوزو الحدودي جنوب ليبيا ليصل الي وسط دارفور عند عرب القرعان و بقارة الرزيقات الجنوبيين و حتي ليصل جنوبا عند الفراتيت في غرب بحر الغزال. هذا الإمداد المستمر بالسلاح كان من أتفه ممارسات القذافي و اقذرها خلال الثلاثين عام من الحروب التي انجزها لاحكام السيطرة علي تشاد و لإثارة القلاقل في دارفور. و ليدافع الفور عن انفسهم ضد التحالف العربي الليبي مع البقارة أسسوا جيش دارفور الفيدرالي الذي يتكون من 6000 من محاربي الفور (الجاكاب) تم تسليحهم عن طريق تشاد. و كرد فعل علي ذلك طلب الشيخ موسي مادبو من الصادق المهدي بإمدادات من السلاح القادم أصلا من ليبيا فجاء بها (برمة ناصر) علي وجه السرعة في خريف عام 1988م. أُطلق علي الصراع بين الفور و الرزيقات مصطلح "حرب القبائل " الذي انفجر إحياءً لعدوات ماكثة بين الفريقين منذ ايام السلطان تيراب في القرن الثامن عشر. تم بالفعل سحق جيش الفور الفيدرالي و تم ذبح و سحل الناجين فيما وصفته صحيفة الأيام بالإبادة الجماعية و لم يتم تسجيل تلك الأحداث في أيٍ من وسائط الإعلام العالمية.
الوجود الملحوظ للقوات الليبية في دارفور، انهيار مقاومة الفور الذين لم تبذل الحكومة في الخرطوم جهدا لحمايتهم، أو لم ترد ! سببت تلك العوامل نوعاً من الإحراج للحكومة في الخرطوم و مما ضاعف الإحساس بالحرج هو إصرار الحكومة علي إنكار الوجود الليبي في الخرطوم. عندما عجز النظام عن إخفاء تلك الجرائم، طالب الصادق المهدي بطريقة ملتوية، طالب القذافي بسحب قواته من دارفور. رفض القذافي طلب الصادق المهدي و علي إثر ذلك أختفت السلطة الظاهرية لحكومة الصادق من شمال و غرب و وسط دارفور. كانت الجمعية التأسيسية تطالب بإستمرار بإغلاق الحدود مع ليبيا و تشاد و كانت الحكومة عاجزة عن إغلاق حدود لا تسيطر عليها بالأساس. و علي صعيد آخر تواصلت زيارات الوفود الليبية لتضغط من أجل مع وحدة بين السودان و ليبيا و كان الصادق المهدي قد تحول إلي كائن متردد غير قادر علي إتخاذ قرار و يتحجج لليبيين بمعارضة المصريين، السعوديين و امريكا للمشروع لتحويل اصرار القذافي نحو بناء تحالف عربي اقليمي.
في الاول من ابريل 1989م حاول ادريس دِبّي إنتو القائد العام للقوات المسلحة الوطنية التشادية قلب نظام الحكم ليطيح بالرئيس حسين حبري لاحقاً و في تبادل لإطلاق النار حول القصر الرئاسي أُجبر ادريس دِبّي و قواته من الزغاوة علي الإنسحاب ليجدوا مهربا في دارفور لينضم اليهم منشقون من القوات المسلحة الوطنية التشادية في الحدود مع النيجر و 2000 جندي من القوات التي كانت تحرس العاصمة.
سافر الصادق المهدي شخصيا ليقابل ادريس دِبّي و يرافقه إلي طرابلس، اغتنم القذافي هذه الفرصة و أمر ادريس دِبّي بإعتبار قواته جزءً من فيلق الإسلام لينضم إلي قواته مرتزقة بغيضون من تشاد غالبيتهم من الزغاوة و العرب الأبّالة في دارفور توافدوا علي ادريس دِبّي بعد أن باعوا انفسهم لحسن فضل الذي يصرف عليهم الرواتب و الإكراميات من القذافي. استقر ادريس دِبّي في غرب دارفور و شرع في تنظيم صفوف تمرده الذي أطلق عليه " حركة الأول من ابريل" أو حركة الانقاذ الوطنية. خلال الشهور اللاحقة و هي الأكثر قتامة و كآبة في فترة الصادق المهدي الذي أنتقدته المعارضة في الجمعية التأسيسية بشدة واصفةً إياه بالعجز و الفشل في الدفاع عن دارفور و سخرت منه قائلة إن الصادق المهدي قد خلق جمهورية دارفور المستقلة.
في ربيع 1989م اندلعت الحرب الأهلية لتملأ الفراغ الذي تسبب فيه غياب سلطة حكومة الصادق المهدي، في مايو 1989م قُتِل 3000 من الفور و أبيدوا عن آخرهم، و بالقرب من نيالا قُتِل 1500 من الفور أيضا ، سحلتهم مليشيا مكونة من البني هلبة و عرب السلامات حوار جبل مرّة. تقاتل الفور و البقارا المسنودين بفيلق الإسلام لمدة يومين تكبد فيها الفور خسائر فادحة نتيجة لتفوق السلاح اللليبي الذي يملكه البقارا. و في ابريل من نفس العام ارسل القذافي اربعة مليون دولار للصادق المهدي ليجهز القوات الغازية إلي تشاد و ليعيد تأهل القاعدة العسكرية التابعة للجيش السوداني في ساق النعام بمنطقة كبكابية لخدمة فيلق الاسلام. و في مايو اتسعت دائرة الحرب لتصل الي الحدود الجنوبية الغربية مع تشاد حيث تم توزيع السلاح الليبي للمئات من للاجئين التشاديين من قبيلتي الزغاوة و البديات لتصفية الحسابات القديمة بينهم و الفور، بعد اسبوع من القتال بخسائره الفادحة بين الطرفين ثاب المقاتلون المرهقون إلي رشدهم و عقدوا مؤتمرات الأجاويد من أجل الصلح و هي المؤتمرات التقليدية التي تحل عن طريقها النزاعات منذ القدم و تكون قراراتها غير قابلة للتراجع. قاطعت قيادات البقارة المؤتمرات، وليس من فعلٍ أشد تجريحا من هذه المقاطعة، و ليس من دلالة أهم علي عجرفتهم من هذا الموقف خاصة من هؤلاء الذي تم إقناعهم بأنهم أعلي قدراً من غيرهم و بفعل التفوق في التسليح الذي يتوفرون عليه علي رصفائهم الفور الذي يعتبرون مهزومين. و اعتقد البقارة أن المفاوضات غير ضرورية لحسم الصراع طالما إنهم الطرف المتفوق من ناحية التسليح. اندلعت الحرب من جديد بين الفور و البقارة بعنف غير منضبط و قضي المئات من المتحاربين في حرب ضروس وقعت في يوم 22يونيو1989م. أكثر من 50000 من الفور بحثوا عن الملاذ الآمن في نيالا. وقف المسؤولون السودانيون عاجزون أمام هذه الحروب. و من الفاشر أعلن حاكم الإقليم بتحدٍ إنه يتعبر هذه الأعمال غزواً تشادياً و هي بمثابة عمل عدائي و ظل في الفاشر كالمغلوب علي أمره و هو يراقب حسين هبري و قواته ( القوات المسلحة الوطنية التشادية) تعبر الحدود مرة أخري لمسافة مئة ميل ناشرةً الدمار في غرب دارفور و تعود إلي ودّاي.
في الثلاثين من يونيو1989م أطاح العميد عمر حسن احمد البشير بحكومة الصادق المهدي العاجزة بانقلاب عسكري، و اعلن إنشاء مجلس قيادة الثورة ( الإسلامي) لينفذ اجندة الاسلاميين – القوميين العرب التي تتبناها الجبهة القومية الإسلامية. توجه العميد عمر البشير إلي القذافي الذي ظنّ أن رؤيته القومية العربية للاتحاد بين السودان و ليبيا في طريقها للتحقق. تم تكوين لجنة وزارية مشتركة سودانية ليبية لتناقش بنود الاتفاقات وتبعا لذلك سافر اعضاء المجلس العسكري في رحلات مكوكية بين الخرطوم و طرابلس ليعودوا بالنفط و السلاح و يقدموا القبول الرسمي بالوجود العسكري الليبي في دارفور. العميد التجاني آدم الطاهر المسلم الورع! المولود في ضواحي كتم، زائرٌ مستمر المكوث بالسفارة الليبية في الخرطوم تم تعينه مشرفا سياسيا لدارفور، علي الرغم من أنه من الفور كان حادباً علي تفضيل مصالحه الخاص علي مصالح أهله الفور. كان التجاني آدم الطاهر مسافر منتظم الركوب إلي طرابلس، وقع مع الليبيين اتفاقاً تم اقتراحه سابقاً عن طريق الصادق المهدي في 1988م، منح الاتفاق الأفضلية للقذافي و لفيلق الإسلام في دارفور. لا التجاني آدم الطاهر و لا المجلس العسكر ي برغم من كرههم لحسين حبري و قوميته (التوبو في شمال تشاد) لم تكن أي نيّة في تقليل الدعم للقذافي في دارفور لا بل اتجهوا لاعادة بناء التقاليد العربية الإسلامية التاريخية لحكام بلاد السودان في قرون خلت.
في 16 اكتوبر 1990 نفذ حسين حبري هجوما ضخما لسوق فيلق الاسلام التابع للقذافي خارج دارفور بضربة واحدة في عملية اسماها " عملية ريزو" و انجزت هذه العملية دمارا امتد ل 120 ميل شمال كتم كما نفذت مواجهة مع قوات ادريس دِبّي ( الحركة الوطنية للانقاذ) و قوات فيلق الاسلام التابعة للقذافي. استمر القتال في هذه الحملة لاسبوع حيث تم تدمير عشرات القري و وقعت اصابات كثيرة في صفوف المدنيين هذا بالاضافة للخسائر الضخمة في صفوف القوي المتحاربة خاصة في صفوف قوات فيلق الإسلام التابعة للقذافي التي اجبرت علي الانسحاب بجرحاها الي القواعد الليبية العسكرية في ابونو و معراتن بشالا. نتيجة للقتال العنيف انسحبت من جديد قوات حسين حبري إلي داخل ودّاي. هزيمة قوات ادريس دِبّي و قوات فيلق الاسلام قربت بين القذافي و المحلس العسكري بقيادة عمر البشير. و في نوفمبر من نفس العام قدم القذافي عرضاً برصف طريق القوافل القديم بين الفاشر و الكُفرَا ليكون صالحاً للاستخدام في كل الفصول لربط دارفور بطرابلس و الخرطوم و كان مشروعا قد دافع عنه العميد التجاني الطاهر بحماس و تبعا لذلك و عد الرئيس عمر البشير بتفيذ التكامل بين دارفور و الكُفرَا و بتملق شديد وقع اتفاقية التكامل بين السودان و ليبيا في ابريل 1990م. انجز القذافي فقط علي الورق حلما ظل يراوده لعشرين عام بالوحدة بين السودان و ليبيا؛ مشروعا كان القذافي قد توخاه منذ اعلان طرابلس في 1969م. كان عمر البشير في حاجة ماسة للسلاح، البترول و المال ليحسم حربه مع الحركة الشعبية في الجنوب. و كانت هنالك مجموعات من الانصار موالية للصادق المهدي يحتاج نظام البشير لاحتوائها. الاعتراف بالوجود الليبي في دارفور و حمايته كان هو الثمن الذي سيدفعه عمر البشير حال حصوله علي المال، السلاح و النفط من ليبيا و كانت هذه التموينات مهمة للبشير لبعث الحياة في جيش هو عبارة عن رعاع مسلحون ورثته الأنقاذ عن نظام النميري.
في يوم توقيعه في ابريل 1990م نُشِر اعلان التكامل بين السودان و ليبيا في الصحف في الخرطوم. اعاد ادريس دِبّي تنظيم قواته و عزز تسليحها ثم انطلقت متدرعة برياح متربة صوب الحدود مع تشاد. سحقت قوات دِبّي نقاط الحدود التي تمسكها القوات المسلحة التشادية الوطنية متسببة في خسائر فادحة في وسطهم و ساقت منهم 1000أسير. في السابع من ابريل وجه حسين هبري قواته بقيادة هجوم مضاد في جبهة تمتد لمئة ميل، حذر الرئيس البشير ادريس دِبّي و نصحه بالانسحاب إلي داخل دارفور، بالمقابل أحتلت قوات حسين حبري غرب دارفور ناشرة الدمار و الخراب و مجبرة مئات القرويين علي النزوح بحثا عن ملاذات آمنة. أرسل القذافي إسنادات مستعجلة من الكُفرا اشتملت علي طائرات السوخوي القاذفة للقنابل. استقل عرب البقارة جوار زالنجي وجود قوات حسين حبري ليواصلوا عدواتهم القديمة مع الفور، تمكن الفور من قتل العديد من العرب المهاجمين، مقتل عرب البقارة وفّر ذريعة لعمر البشير ليقوم باعتقال معارضين لنظام حكمه من الفور، المساليت و الميدوب بما فيهم مئة من قيادات الفور في سجن شالا المقيت بجنوب دارفور. و في يونيو تم اعتقال ثلاثين من الشخصيات الفوراوية البارزة، كانت هنالك تقارير حول تدخلات للقوات الحكومية لمساندة مليشيات البقارة. و في دارفور أسس علي الشمال العضو البارز في الجبهة القومية الاسلامية و الأخ المسلم الملتزم المعروف بعلاقاته بالتجمع العربي، أسس قوات الدفاع الشعبي التي تم استثناء الفور منها عمداُ. فقد التشاديون و الفرنسيون ثقتهم في حسين حبري الذي أصبح معروفا بضلوعه بانتهاك حقوق الانسان بصورة فاضحة، و الذي ملّ جيشه الحرب و نقصت ذخائره، عندما رفض الفرنسيون تقديم أية مساعدات عسكرية اصبح حسين حبري محكوما عليه بالفشل العسكري. في اوائل نوفمبر قطع الفان من قوات ادريس دِبّي ( الحركة الوطنية للانقاذ) الحدود إلي داخل تشاد في جبهة واسعة و بعد اسبوع من المعارك الطاحنة انهارت قوات حسين حبري فانتشرت قوات ادريس دِبّي بآلياتهم في تشاد. في الثاني من ديسمبر 1990 ميلادية سيطرت قوات ادريس دِبي علي انجمينا و فرّ حسين حبري إلي المنفي. بعد رحيل ادريس دِبّي و قواته من دافور فشلت الطغمة العسكرية الاسلامية ي الخرطوم في درء المجاعة في 1990م-1991 م تماما كما فشلت ادارة النميري في 1983م -1984م . نقص الغذاء في 1991م دفع بالآلاف من النازحين من غرب دارفور إلي اللجوء في ودّاي بحثا عن الطعام.، و الذين ظلوا منهم في دارفور هلكوا، المجلس الاعلي للثورة (الاسلامي) لم يبدِ اهتماما بمعاناة أهل الغرب، اما المسؤولون الاسلاميون العرب القادمون من الخرطوم ببطءٍ لشغل الفراغ الذي تركته قوات ادريس دِبّي لم يلقوا بالا للمأزق الذي يعيشه الدارفوريين من العرب أو غيرهم و هنا ازدادت معدلات الوفيات. اضافة الي ذلك في الخرطوم و انجمينا اصبح يُنظَر إلي القذافي بنوع من الإزدراء كناصر ي في منتصف العمر و كممثل لايديولوجيا رثة مكبلة و مرفوضة في لاهوت السُنيين و الصوفيين علي حد السواء. علي أساس أن القذافي لم يكن مريدا او تابعا للإمام السنوسي الأعظم و الأصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر في ليبيا ، لا بل كان القذافي قد قمع اتباعه بلا رحمة. و بالمقارنة مع حسن الترابي لم يكن للقذافي دور و ربما ليست عنده المقدرة ليكون مثقفا او سياسيا بدور بارز في تشكيل مستقبل الاسلام بنهاية القرن العشرين. تجاهل عمر البشير بتهذيب تحذيرات القذافي بأن الترابي ينحدر بدارفور في دروب مظلمة و خطرة. انهكت الحروب ادارة القذافي و كان ترد إليه باستمرار التحذيرات من أن المجاهدين من العرب الافغان يعودون للسودان بحثا عن ملاذ آمن بعدها سيتسربون إلي ليبيا. استقبل حسن الترابي و الاسلاميون ، المجلس العسكري الأعلي و الجبهة القومية الاسلامية العاكفون علي بناء دولة دينية في السودان استقبلوا العرب الافغان بما فيهم اسامة بن لادن ليجهزوا انفسهم لنسف الاستقرار في الدول العربية ذات الانظمة العلمانية علي وجه الخصوص في ليبا و تونس و الجزائر. استجاب القذافي لتلك التهديدات بمزيد من الإضطهاد القاسي ضد الإسلاميين الاصوليين في ليبيا. بذلك اصبح وجود القذافي في دارفور غير مرحبٍ به عند المجلس العسكري الأعلي و الجبهة القومية الاسلامية. في ايام انهماك ادريس دِبّي و القذافي بخلافاتهم الممتدة حول شريط اوزو، طفق النظام الاسلامي بقيادة عمر البشير يحاول بلا هوادة احكام سيطرته علي علي دارفور. و في مايو 1991م تم تعيين العقيد سيء الذكر الطيب ابراهيم محمد خير حاكما علي دارفور الذي كان مديرا لجهاز الامن الإسلامي و كان يعرف بالطيب سيخة نسبة للسيخة الحديدية التي كان يستخدمها للاعتداء علي زملائه الطلاب من غير الاسلاميين خلال احداث جامعة الخرطوم في العهد المايوي. ابتدأ الطيب سيخة قمعاً ممنهجا ضد الفور و ايضا علي الزغاوة الذي تم تجريدهم من السلاح فنزح 12 الف منهم إلي تشاد لينضموا إلي أهلهم هناك في شهر فبراير 1992م. في فبراير 1994م قام ويز الحكم الاتحادي علي الحاج محمد الاسلامي المعروف بإعادة ترسيم الحدود الادارية في دارفور بصورة عشوائية في ولايات متعددة. إعادة التقسم الإداري الذي يبدو ظاهريا غير ضار او تطبيقا لبرنامج الحكم الفيدرالي كان في الحقيقة قد تم تصميمه بتعمد ليعزز سياسات تعريب دارفور و كان خداعا ليخفي التقسيم الاداري للولايات علي اساس الانسجام عرقي و بذلك يكون الفور أقلية مهمشة في كل ولاية . الإداريون في هذه الولايات تم تعيينهم من غير مشاورات و هو ما تم رفضه بمرارة و من العرب و غيرهم في دارفور علي حد السواء. نتيجة لحماسهم من أجل الذهاب بعيدا بتعريب دارفور أظهر هؤلاء الاداريون نوعا من الازدراء و التحقير للعادات و التقاليد الدارفورية و للآليات الراسخة و الاصيلة لحل النزاعات كمؤتمرات الصلح مثلاً و لقد تم استبدالها بالاحكام و التقديرات العشوائية" لابناء دار صباح" لاسلاميي الجبهة القومية الاسلامية من ابناء الخرطوم من قليلي المعرفة بالعادات و التقاليد و المؤسسات المحلية في دارفور.
نجح الأسلاميون في تكبيل المعارضة الفوراوية الفعالة و بعدها وجهوا جهدهم صوب البنية الهرمية الراسخة للسلطة عند المساليت في 1997م تم تجريد زعماء المساليت من اصحاب النفوذ الكبير من سلطتهم ، بعض هؤلاء الزعماء تم سجنهم و تم تعذيب البعض. زعماء المساليت غير المأسورين رتبوا لحرب عصابات شرسة ليأخذوا بثأر رفاقهم ممن طالتهم أيادي النظام، اندلعت حرب العاصابت تلك في 1998م عندما تحرك اعراب بني حسين بقطعانهم من كبكابية بولاية شمال دارفور ؛ تحركوا جنوبا في وقت أبكر من المعتاد فداست القطعان و اعتلفت علي محاصيل المزارعين من المساليت، خلال النزاعات اللاحقة نتيجة لما سبق قُتل مئات المساليت و تم تدمير اكثر من مئة قرية من قراهم و نزح ما يزيد عن الخمسة الف من المساليت إلي الجنينة كمهجرين داخلياً و كلاجئين في دولة تشاد. بالرغم من الاتفاق الهش الذي تم من خلاله توفير تسعة مليون جنيه سوداني كتعويضات لأولياءالدم في الطرفين اندلع القتال من جديد في يناير1999م عندما عاد بني حسين بقطعانهم لدار المساليت و كان هذه المرة حماسهم متقداً بسبب اعمال السلب التي وقعت في العام الفائت. و وقعت خلال القتال العنيف خسائر فادحة. اعتبرت الخرطوم مقاتلي المساليت المتمردين طابور خامس للحركة الشعبية لتحرير السودان. في عام 1999م تم إغلاق دار مساليت و و تم إطلاق يد المليشيا العربية التي كسبت لقب "الجنجويد" سيء الذكر لاحقاً و هو مصطلح شائع في دار المساليت استخدم ليصف قطاع الطرق التشاديين من أي خلفية عرقية. تم سحق المساليت بالكامل و أكثر من 2000 منهم قضوا نحبهم و تم احراق حوالي 3000 قطيّة في قراهم و تم نهب أعداد كبيرة من قطعانهم و تم اعدام 13 زعيم من قيادات المساليت عبر محاكمات مستعجلة في محاكم خاصة. تبعاً لذلك نزح 40000 لاجيء الي معسكرات اللاجئين في تشاد حيث قتل اكثر من مئة من اللاجئين نتيجة لهجمات مليشيا العرب في غاراتها العابرة للحدود علي معسكرات الللجوء تلك. عموم المساليت الغاضبون الذين ظلوا في حطام ديارهم؛ عزموا علي الانتقام.
خيّم صمت مشئوم علي الارض في دارفور عندما تم في 2000م تعيين الجنرال عبدالله الصافي النور حاكماً علي شمال دارفور و كان عبدالله من الشخصيات المؤثرة في التجمع العربي و احد اكبر المدافعين عن الاستعلاء العربي في دارفور. كان اول توجيهاته بتجميع السلاح من افراد الشرطة من القبائل غير العربية " الزرقة" الذين كان يشكلون تاريخياً حوالي 80% من قوات الشرطة في دارفور منذ ايام الحكم البريطاني في عهد الاستعمار. بهذا الاجراء حيّد الجنرال الصافي النور القوات النظامية الوحيدة التي كان بمقدورها ايقاف تعريب دارفور. سلّم الجنرال عبدالله الصافي النور السلاح الذي تم انتزاعه من الشرطة لموسي هلال من أم جلول عبدالله و موسي هلال يقود بالأصل قوات سريعة الحركة و مثيرة للرعب بين الأهالي و لقد قام بتجنيد 2000 من عرب تشاد و البقارة الدارفوريين لبناءنواة الجنجويد او البشمرغة كما عرفوا لاحقاً في غرب دارفور. في نفس العام تم سراً نشر و توزيع الكتاب الأسود في الخرطوم كتبه عسكريون نظاميين دارفوريين. لم يكن في الكتاب الأسود ما كان خافياً لكن نشره كان صادما للمجتمع السوداني في الخرطوم. تجرأ الكتاب الاسود علي كشف أن 80% من الوظائف الحكومية من الوزير إلي سائقي الوزراء كانت حكراً علي اولاد البحر من الدناقلة و الجعليين و الشايقية. و لقد تم استبعاد ابناء غرب السودان من كردفان و دارفور (اولاد الغرب) بصورة ممنهجة في تاريخ طويل من التمييز العرقي و التهميش الذي مارسه السودانيون الذين يزعمون أنهم عرب خلصاء. و من المعروف تأكيداً أن ابناء غرب السودان مسلمون قد خالط ممارستهم للاسلام نوع من التصوف و نوع من التقاليد الافريقية و لقد ساد اعتقاد بأن تدينهم ليس بدرجة النقاء التي يتميز بها الاسلام السلفي المُتبَع في الخرطوم. ما أورده الكتاب الاسود بدا معقداً عندما كُتِب فيه ان 40% من جنود الجيش السوداني النظامي هم من ابناء غرب السودان و لقد أقنعهم الضباط من "اولاد البحر" بفكرة أن المسلم الحق هو من يحارب السودانيين الجنوبيين الكافرين باسم العروبة و التقدمية ضد الافريقانية و التخلف.
في العام اللاحق إلتقي مجموعة من الناشطين من الفور و الزغاوة في أبي قمرة بجل مرّة و أقمسوا عهداً علي القرآن الكريم من أجل تنسيق معارضتهم لتعريب دارفور. و لقد مثّل الفور في ابي قمرة المحامي الشيوعي عبد الواحد محمد نور و احمد عبد الشافع الطالب بكلية التربية و عبد عبد الله اسماعيل حامل التأهيل الجامعي في اللغات الحديثة و تم تمثيل الزغاوة بكلٍ من خاطر طر الكلّا و عبد الله أبكر و جمعة محمد حجر بالاضافة إلي جنود الصف من الزغاوة السودانيين الذي رافقوا إدريس دبّي في مواكب نصره نحو انجمينا في نوفمبر 1990م. لم يكن لهم خبرة تذكر في قيادة التمرد العسكري و كانوا سذّجاً من الناحية السياسية، إلا عبد الواحد محمد نور كان قد نظّم وحدات عسكرية من الفور بجبل مرّة في بداية عام 1998م . و عاد عبد الشافع إلي الخرطوم لجمع اموال من المجموعات الثقافية للفور كمركز علي دينار للتربية و الثقافة و اتحاد طلاب دارفور لدعم التدريب العسكري في براري جبل مرّة. كان قد اتفق الناشطون علي صياغة تحالف لشعوب دارفور غير العربية و إلتقي من أجل ذلك بالنشطاء المساليت في نوفمبر2001م ليجدوا دعماً سياسيا و لوجستيا منهم لحركتهم الناشئة لبداية التدريب العسكري في معسكرات حرب العصابات المموهة في جبل مرّة. في 25 فبراير 2002م انجزوا عمليتهم العسكرية الأولي بالهجوم علي حامية معزولة في الجبال الجنوبية بين طر و نيالا و هي العملية التي بدأت بها نكبة دارفور.
في جهد يستهدف مزيدا من الوحدة لقيادة هذه المجموعة من الساخطين من الفور، الزغاوة و المساليت الذين كان غالبيتهم مسلحون يهتم كل فريق منهم بالدفاع عن ديار أهله و مصالحهم الخاصة، عُقِد اجتماع للقياديين في غرب جبل مرّة في اكتوبر2002م أُختيرت فيه قيادة ثلاثية و كان عبد الواحد محمد نور رئيسها و تم الاحتفاظ بمقعد نائب الرئيس لعبد الله ابكر من المساليت و تم الاحتفاظ بمقعد قائد الاركان للزغاوة، كانت هذه الترتيبات مهجسة بالعداوات القديمة لانجاز و نوع من الوحدة زائفة.و سرعان ما تكشفت بفعل الانقسامات العرقية العميقة هشاشة هذه الجبهة الزائفة الوحدة و تجلي ذلك في توتر علاقتها بالمنتظمات الانسانية الدولية وفي المفاوضات التي حدثت فيما بعد مع النظام الحاكم. فضلا علي ذلك كانت هذه القيادات الشبابية منعدمة الخبرة في مجتمعات كانت باستمرار تبجل حكمة الشيوخ. ساد اعتقاد بأن هذه القيادات الشابة هم ليسو أكثر من جمعيات سرية تمضي أغلبية وقتها في الخارج كمقاتلي حرب عصابات فندقيين و ليس بالوطن لتأهيل الكادر العسكري و السياسي كما فعل الدكتور جون قرنق الذي قدم تضحيات باهظة من أجل الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان بالجنوب.
في 26 فبراير2003م سيطر حوالي 300 مقاتل أسموا أنفسهم جبهة تحرير دارفور بقيادة عبد الواحد محمد النور؛ سيطروا علي بلدة قولو عاصمة محافظة جبل مرّة بغرب دارفور و اغاروا علي نقاط مشتتة ترتكز فيها قوات تابعة للجيش و الشرطة قبل انسحابهم الي جبل مرّة. بعد اسبوعين سيطروا علي قولو لساعات مطلقين علي انفسهم حركة/جيش تحرير السودان و كانوا قد خاضوا معارك شرسة قتلوا فيها 195 جندي نظامي من الجيش السوداني مجبرين الحامية العسكرية علي الفرار. السكرتير العام لحركة تحرير السودان مني اركو مناوي أصدر البيان السياسي للصحفيين صرح فيه برفض حركة تحرير السودان لسياسات التعريب القسري لدارفور ، التهميش الاقتصادي، القمع الوحشي، التطهير العرقي و الإبادة التي ترعاها او تمارسها الخرطوم.
المنظمة المتمردة الثانية هي حركة العدل و المساواة و هي مختلفة جدا عن حركة/جيش تحرير السودان العلمانية و هي منافسة لها اكثر من كونها حليفة في المقاومة ضد حكومة السودان في دارفور. حركة تحرير السودان منظمة للسكان الافارقة الاصليين من اصول فوراوية و تختلف عن حركة العدل و المساواة في أن الاخيرة تتكون من الدارفوريين الأشبه "بأولاد البحر" و هذا التوصيف يقول به الدارفوريون التقليديون لوصف ابناء دارفور الذين يعيشون في الخرطوم و الذين يتبنون التقاليد و الصفات المميزة للعرب من اولاد البحر. تماما كابناء عمومتهم اصبحت العناصر المكونة لحركة العدل و المساواة ساخطةً من التهميش في المعاملة و التمييز ضدهم بالرغم من تكاملهم الجزئي مع الحياة الحضرية في الخرطوم. احتضنت العناصر التي أسست حركة العدل و المساواة بحماس شديد في بداية 1990م ثورة الإسلاميين بقيادة حسن الترابي و كانوا بشكل تناقضي عناصر راسخة الايمان بمباديء الجبهة القومية الاسلامية. بقيادة الدكتور خليل ابراهيم و هو طبيب، عمل وزيرا للتربية في فيما كان يعرف بمحافظة دارفور، و كان اسلامي متقد الحماس؛ بقيادته تم إنشاء الخلايا السرية لحركة العدل المساواة في الفاشر في بكورة عام 1993م، و في كردفان بعام 1994م و في الخرطوم في عام 1997م. و كان عضوية هذه الخلايا في الخرطوم من الخريجين الدارفوريين الذين كانوا بالاساس اسلاميون توهموا احتكار و سوء استغلال السلطة عن طريق اولاد البحر في كل مستويات الحكم. لم يكونوا مثل عضوية حركة تحرير السودان في تَخلِّيهم عن المعتقدات العربية و الاسلامية، لا بالعكس كانوا اصلاحيون يبحثون عن تعديل الاوضاع داخلياً لاعطاء ابناء الغرب نصيبهم من السلطة المركزية و السلطة الولائية و هو ما تنكرت له الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال في 1956م.
لقد كان طلاب جامعة الخرطوم رواداً للتغيير و مفجرين للثورات و لم يكن ابناء دارفور بجامعة الخرطوم استثناءً بين رصفائهم. لقد كوّن ابناء دارفور من خريجي و طلاب جامعة الخرطوم لجنة الخمسة و عشرين في 1997م و هم من جمعوا الاحصائيات المروعة عن التهميش الاقتصادي و السياسي للدارفوريين التي بلغت ذروتها بنشر الكتاب الاسود في مايو2000م و هو الأمر الذي اقنعهم بأن الاصلاح من أجل التغيير من الداخل مستحيل و لا بد من استبداله بعمل نشط لاحداث التغيير بعوامل خارجية. لم يكن واضحاً كم منهم سيتخلي عن مبادئه كإسلامي و لكن جميعهم قد اقتنعوا أن البرنامج الاسلامي لا يستطيع حلحلة ازمات دارفور وهي ازمات ستعالجها باحكام فقط اعمال التمرد العسكري عبر حركة العدل و المساواة. في شهر اغسطس من عام 2001م أعلن الدكتور خليل ابراهيم عبر مؤتمر صحفي في هولندا تأسيس حركة العدل و المساواة و دعي لمؤتمر شامل لاصلاح و تدارك المترتبات الناجمة عن عدم العدالة الدائم الذي مارسته مجموعة صغيرة من الحكام الاوتوقراطيين. اقترحت حركة العدل و المساواة حلاً طوباويا لمشاكل السودان علي اساسه سيكون كل السودانيين ليس فقط الدارفورين بحقوق متساوية، يستمتعون بالخدمات الاساسية و التنمية الاقتصادية في كل اقاليم السودان التي ستستأصل منها مظاهر عدم العدالة الاجتماعية و الاستبداد. ليس كما طالبت حركة تحرير السودان بفصل الدين عن الدولة دعت حركة العدل و المساواة بصورة غامضة و نتيجة لأن عناصر الحركة لم يكن بمقدورهم التخلي عن جذورهم الاسلامية بعدم تطبيق الشريعة الاسلامية علي غير المسلمين و ذلك بالقول " يجب علي اصحاب الديانات الأخري عدم الاعتراض علي محاولة المسلمين تطبيق الشريعة الاسلامية علي انفسهم".
بعد ايام معدودات من انتصار جيش تحرير السودان في قولو فاوضت لجنة الامن بغرب دارفور حركة تحرير السودان و تم ترتيب وقف هش لإطلاق النار و قد إنهار في 18مارس 2003م حيث قامت مليشيا عربية باغتيال الشيخ صالح داكورو (من المساليت) بالقرب من الجنينة. لقد استتبعت هذا الاغتيال هجمات بالمروحيات القاذفة للقنابل التابعة لسلاح الجو السوداني دُمِرت فيها بلدة كانوري. ردت حركة /جيش تحرير السودان رداً انتقاميا بالهجوم علي حامية الجيش السوداني ببلدة تايني علي الحدود مع تشاد و سيطرت علي اسلحة و معدات عسكرية. بعد ذلك احتدمت المعارك و انجزت حركة/جيش تحرير السودان عددا من الانتصارات العسكرية السهلة التي كشفت بوضوح عدم جاهزية و كفاءة القوات الحكومية المرتكزة علي احتواء هذا التمرد الواسع. لاحقا و في 25 ابريل 2003م قامت مجموعة مكوّنة من عناصر العدل و المساواة و حركة تحرير السودان ( سُميّت هذه المجموعة في بعض الاحيان بقوات المعارضة) قامت المجموعة بتنسيق هجوم كرٍ و فَر قوامه ثلاثة و ثلاثون سيارة عسكرية علي مطار الفاشر دمروا خلاله مروحية و طائرة انتينوف و احتلوا مباني قيادة الجيش السوداني و أسروا اللواء ابراهيم بشري و في نفس التوقيت قامت مجموعة تابعة لجيش تحرير السودان بغنم اربعة دبابات خلال صدام مع الجيش النظامي خارج كُتم و أسروا العقيد مبارك محمد السراج قائد المخابرات و الامن العام في (انيشيرو) شمال جبل مرّة. في اواخر مايو من نفس العام قامت قوات جيش تحرير السودان بتدمير كتيبة تابعة للجيش النظامي قوامها 500 عسكري و أسروا 300 جندي شمال كُتم . في منتصف يوليو هاجم جيش تحرير السودان بلدة تايني للمرة الثانية مكبدين الجيش النظامي خسائر فادحة و في الاول من اغسطس 2003م سيطروا علي كتم و غنموا كميات كبيرة من الاسلحةو الإمدادات قبل أن ينسحبوا.
و نتيجة لفشل نظام الخرطوم في قمع التمرد، أعاد النظام تسليح و اطلق يد المليشيا العربية في دارفور و بالفعل قامت مليشيات الجنجويد بنجدة الجيش النظامي تماماً كما فعل الصادق المهدي و برمة ناصر بإطلاقهم يد المراحيل ( عرب البقارة) في بحر الغزال ضد الدينكا في 1986م ، تم ذلك و بنتائج مدمرة في الحالين. لقد بدأ الجنجويد اعمال التطهير العرقي منطلقين من معسكراتهم في جبل كارجو، بوني و عد الغنم في جنوب كردفان التي اشتملت علي 5000 مسلح تم تدريبهم و تموينهم بالسلاح عن طريق الجيش السوداني. و كانت قومية الفور التي تعهد صلاح علي الغالي (حاكم جنوب دارفور) بإبادتهم صراحةً؛ كانوا بالاساس هدفاً لخيّالة الجنجويد ( الكوماندوز) الذين كانوا ينجزون غاراتهم بقوة تتكون من مئة فرد علي ليكتسحوا قري الفور في وقت قبل الفجر. نمط التدمير الذي تنجزه فِرق الجنجويد كان واحداً حيت يتم قتل الرجال و يُمَثّل بجثثهم، النساءيغتصبن و الاطفال يختطفون او يقتلوا ثم يتم احراق القرية، تُنهَب القطعان، و تُجَرّف الحقول الزراعية و يت تدمير البني التحتية كالآبار و المدارس و العيادات الطبية. يتم ذلك التدمير الممنهج بتنظيم دقيق ليجبر القوميات الدارفورية الافريقية (الزرقة) علي النزوح من مناطق سُكنَاهم التي ورثوها عن اسلافهم، يتم ذلك التدمير فيما يمكن وصفه التطهير العرقي من اجل الاحتلال العربي. بحلول يناير2003م كان مئات الفور قد قُتِلوا و جُرِح الآلاف منهم ثم نزح عشرات الألوف منهم عن القري التي دمرتها مليشيا الجنجويد الذين مازال يتم تدريب وحدات جديدة منهم في ولاية شمال دارفور.
و بدعم من المروحيات و قاذفات القنابل ( الانتينوف) تصاعدت معدلات القتل و التهجير القسري التي يقوم بها الجنجويد ضد الفور، المساليت و الزغاوة في صيف وخريف عام 2003م. تمكن الجيش النظامي من سحق جيش حركة تحرير السودان شمالي كتم ليكبدهم خسائر فادحة في اواخر اغسطس2003م. لتستعيد حركة/جيش تحرير السودان زمام المبادرة و تعيد تجميع قواها وقّعت اتفاقا لوقف اطلاق النار مع الجيش النظامي في سبتمبر2003م لكنه كان قصير الأجل. و حتي نهاية عام 2003م احتدم القتال في غرب دارفور علي وجه الخصوص باعلانات تتدعي الانتصار يطلقها الطرفان و لم تكن صادقة إلا في مرات نادرة. نفذت حركة العدل و المساواة في 27 ديسمبر2003م كمينا ناجحا تكبدت فيه فرقة من الجنجويد كانت متحركة اصلاً نحو بلدة تايني في الحدود مع تشاد؛ تايني التي يسيطر عليها المتمردون؛ تكبدت فرقة الجنجويد خسائر فادحة. في يناير 2004م اعادت حركة العدل و المساواة الكرّة و هذه المرة لتسيطر علي بلدة تايني و في هجومها تسببت في خسائر فادحة تكبدتها القوات الحكومية. تزايدت اعمال الجنجويد في خطف و قتل المُهَجّرين عن قراهم حتي الذين يمموا صوب تشاد من اللاجئين تم قطع الطريق امامهم ليخطفوا او يقتلوا. بحلول فبراير 2004م فقدت الحكومة الأمل في السيطرة علي التمرد في دارفور بالرغم من وجود 25000 الف جندي و ضابط نظامي غالبيتهم من دارفور ممن لا تثق الحكومة في ولائهم و هم من تم تسريح معظمهم و استبدالهم بوحدات من قوات الدفاع الشعبي عديمة الفعالية تاركين الجنجويد علي حل شعرهم لينهبوا و يدمروا مجبرين الدارفوريين من غير العرب علي النزوح و هو ما تسبب في مقتل 30000 دارفوري من غير العرب و اجبر مليون نسمة منهم علي النزوح داخليا من اراضيهم بالاضافة الي 300000 لاجيء بمعسكرات اللاجئين في تشاد. و هنالك حوالي 350000 دارفوري يواجهون خطر الموت بسبب المجاعات و الامراض قبل هطول الامطار في نهاية الربيع. و لقد لاحظ جيمس موريس حسب ما قال" في كل رحلاتي كرئيس لبرنامج الغذاء الدولي لم أجد أناساً أكثر ارتعابا من النازحين الدارفوريين".
و عدندما أحيطت الوكالات الدولية للشئون الانسانية بحجم الدمار و النزوح الذي تعرض له سكان دارفور قابلتهم الخرطوم بالاكاذيب و التلاعب لإعاقة جهود الإغاثة و بنهاية عام 2004م كان جهود المنظمات الدولية للاغاثة قد وصلت إلي طريق مسدود. كل المنظمات الانسانية الدولية بما فيها منظمة الازمات الدولية، الصليب الاحمر ، منظمة العفو الدولية، أطباء بلاحدود و المنظمات التابعة للأمم المتحدة كتبت التقارير لرصد فداحة المأساة الانسانية و انتهاكات حقوق الانسان و الحاجة الماسة للمساعدات العاجلة. و في هذه الاثناء اصبح مصطلح " التطهير العرقي" مألوفا بين الدبلوماسيين و العاملين في منظمات العون الانساني و الاعلاميين لوصف الدمار في دارفور. كان العنوان الذي اختارته منظمة العفو الدولة لتقريرها في 3 فبراير 2004م " العديد من لناس قتلوا بغير سبب" ليعبر عن مشاعر المجتمع الدولي. بعد ستة ايام من هذا أعلن الرئيس البشير أن جيش النظام و المليشيات التابعة له قد قضت نهائيا علي التمرد في دارفور. في 12 فبراير 2004م تمكن ثوار دارفور الذي بلغ عددهم الآن 27000 رجل من إسقاط مروحيتين تابعتين للجيش النظامي، في الاسابيع اللاحقة أنجز المتمردون اعمال الكرِ و الفَر بالقرب من الفاشر و قطعوا الطريق بين الخرطوم و نيالا عاصمة ولايةجنوب دارفور.
في اواخر مارس 2004م عرض الرئيس التشادي ادريس دِبّي المهتم اصلا بالنزاع في دارفور و ما ينجم عنه من تدفقات للاجئيين الدارفوريين بالاراضي التشادية ؛ عرض وساطة لحل النزاع من انجمينا، و في الثامن من ابريل 2004م تم توقيع اتفاق لمدة 45 من وقف اطلاق النار و استتبع ذلك الاتفاق باتفاق سياسي لإنجاز حل شامل للنزاع رفضته حركة/جيش تحرير السودان و حركة العدل و المساواة بدعوي أن وفودهم تجاوزا حدود التوجيهات التفاوضية مع وفد النظام الحاكم. كشفت هذه الاجواء الشقاقات الداخلية التي تعاني منها حركة/جيش تحرير السودان بين مجموعات الفور، الزغاوة و المساليت في صفوفها و الخلافات بين الجناح السياسي لحركة العدل و المساواة بقيادة خليل ابراهيم و قائد اركانه جبريل عبد الكريم الذي اتهمه خليل ابراهيم باستلام الرشوة من النظام. لا حركة تحرير السودان و لا حركة العدل و المساواة لم تكن علي استعداد للدخول في التفاوض عبر المؤتمر الدارفوري الجامع من اجل حل شامل للزمة. تبعا لذلك اعلنت الحكومة عزمها علي ترتيب المؤتمر الدافوري الجامع لاحقا.
بالرغم من غضب المجتمع الدولي ، اعلان الاتحاد الاوربي بالاجماع و قرار الكونجرس القاضي بالسماح الفوري و غير المشروط بدخول منظمات العون الانساني غلي دارفور، واصلت حكومة السودان احباطها للجهود الغربية من اجل إيصال العون الانساني إلي دارفور بالمعوقات البيروقراطية و الجدل البيزنطي. حتي حركة/جيش تحرير السودان لم تكن متعاونة برفضها القاطع و صول المعونات الانسانية من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة لان ذلك سيوفر لمليشيا الجنجويد ذريعة لمهاجمة حركة تحر السردان و مبرراً لنهب مواد الاغاثة المخصصة لمعسكرات النازحين الدارفوريين بالداخل. نجحت حكومة الخرطوم في ضغطها علي الموفوضية العليا للاجئين بالامم المتحدة بألّا تعين مبعوثاً خاصا لحقوق الانسان و بعد اقتناعهم بأن مجلس الأمن لن يدرج مسألة التطهير العرقي في أجندته، و بوقاحة شديدة سعت حكومة الخرطوم لحشد الدعم بالمفوضية السامية لشئون اللاجئين بالأمم المتحدة من أجل رفض التقرير عن اوضاع حقوق الانسان في دارفور الذي أعده برتراند رامشاران المفوض السامي للاجئين بالإنابة و الذي قال" عهد الارهاب من قِبَل الحكومة السودانية و من ترعاهم من مليشيات الجنجويد". في 14 مايو2004م رفض وزير الخارجية السوداني مصطفي عثمان اسماعيل بإزدراء نزع سلاح مليشيا الجنجويد طالما يحتفظ المتمردون باسلحتهم. بعد خمسة ايام من ذلك وصل الرئيس عمر البشير إلي نيالا دون ضجيج اعلامي ليعبر عن تضامنه مع الجنجويد الذين قدموا طابورا للعرض امامه و هم علي صهوات خيولهم الشرسة يهتفون ملوحين باسلحتهم الآلية.
خلال صيف طويل و حار مشبع بالإرهاب و بساعات طيران طويلة و صراعات من اجل البقاء لا هوادة فيها غطي مراسلي وسائط الاعلام الغربي من صحف،مجلات ، الدوريات، التلفزيونات و الانترنت معاناة المحاصرين من المدنيين في دارفور، ترافقت مع تلك التغطيات الاعلامية تظاهرات و مسيرات و حشود و ندوات في اوربا و الولايات المتحدة الامريكية كان بعضها تحريضي و الآخر عملي لحث الحكومة السودانية لفعل شيء ملموس العناصر غير العربية في دارفور.
وسائط الاعلام العربي خاصة قناة الجزيرة ذات الضجيج العالي كانت منخفضة الصوت و مُحرَجة في تغطيتها للصراع في دارفور الذي لم يكن بين الافارقة وحدهم كما في رواندا بل كان بين العرب و الافارقة في دارفور و احتشد خطابها الإعلامي بالخطب الرنّانة و الكلام الملتوي بالتضامن مع الإسلاميين السودانيين. بالرغم من فصاحته حول الامور الانسانية كان رد الفعل السياسي الغربي متردداً. لم يكن في مقدور الولايات المتحدة ارسال قواتها المتبقية الي دارفور في مهمة عسكرية عسيرة لحسم الصراع هناك لان القوات الامريكية مازالت متورطة بعد في اقطار اسلامية أخري و هي العراق و افغانستان. و بالرغم من مشاركة بريطانيا و فرنسا الراتبة في قوات حفظ السلام بافريقيا لم تظهر أيٍ منهما حدباً او حرصاً علي التدخل في اقليم دارفور المعزول ليتَحَدوا النظام العروبي الاسلامي في الخرطوم.
الولايات المتحدة و الاتحاد الاوربي سعيا لحل هذه الازمة بدفع و حث الاتحاد الافريقي و الامم المتحدة للتدخل هناك. في اغسطس 2004م كانت بعثة الاتحاد الافريقي لوقف اطلاق النار المكونة من 125 مراقبا بدارفور مدعومة ب 305 جندي من روانداو نيجيريا و كان ذلك هو حجم بعثة الاتحاد الافريقي بالسودان. مهام البعثة مقصورة علي تأمين المراقبين التابعين للامم المتحدة و تأمين معسكرات النازحين بدافور اولئك الذين يستفيدون من العون الانساني و لم تكن بعثة الاتحاد الافريقي مجهزة لحفظ السلام. في متتصف يوليو كوّنت الامم المتحدة الآلية المشتركة للمتابعة لمراقبة الأحوال في دارفور. تقارير الآلية المشتركة لمجلس الأمن مضافة إلي الضغوط من الولايات المتحدة اسفرت استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1556 الذي قضي بالزام حكومة السودان بإيقاف العدائيات، نزع سلاح الجنجويد و اعتقال قياداتهم و افادة مجلس الامن بتقارير حول تنفيذ حكومة السودان لما طلب منها. في 30 اغسطس ابلغ السكرتير العام للامم المتحدة السيد كوفي عنان باخلاص بأن حكومة السودان لم تفِ بالتزاماتها بايقاف الهجمات علي المدنيين و حمايتهم . و حتي الرئيس النيجيري اولوسيجان اوباسانجو فشل في اقناع حكومة السودان و حركة تحرير السودان و حركة العدل و المساواة في الوصول لاتفاق عبر اجتماع وساطة انعقد في ابوجا بنيجيريا.
في فبراير2005م كانت غارات الجنجويد واسعة الانتشار و مستمرة و تسببت في تدمير عرقي لدرجة ان المنظمات الانسانية بدأت تعلن عن اعمال الإبادة الجماعية في دارفور. في يوليو من نفس العام اجاز الكونجرس قراراً بالاجماع واصفاً المذابح في دارفور بأعمال الابادة الجماعية لكن مسئولين في ادارة الرئيس بوش و الاتحاد الاوربي و الاتحاد الافريقي كانوا اكثر تحفظاً حول القرار.. بعد زيارتهما إلي دارفور كلٍ من كولن باول و كوفي عنان كانا مترددان حول اعلان الإبادة الجماعية في دارفور.في شهر يوليو 2005م قال رئيس الاتحاد الافريقي ليست هناك اعمال إبادة جماعية في دارفور كما قالت بذلك الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي. الممثل الخاص لكوفي عنان في السودان جان ايجلاند استخدم عبارة " التطهير العرقي" الاكثر شبها باوصاف الصحة العامة من الحروب! و التي اصبحت سريعا الأكثر اناقة ربما في توصيف الحال. كان رد فعل حكومة الجبهة القومية الاسلامية هو الإنكار.في سبتمبر 2004م و بطريقة ما و في تصريح بشهادته امام مجلس الشيوخ قال وزير الخارجية الامريكي كولن باول " لقد أُرتكبَت اعمال الابادة الجماعية في دارفور و تتحمل حكومة السودان و الجنجويد مسئولية تلك الجرائم و ربما مازالت تلك الجرائم تُرتَكب إلي الآن".. كان متحوطاً و حذرا في تصريحه و بصورة ما ربما مستدعيا للفصل الثامن من قانون ادانة الابادة الجماعية الذي يخول للموقعين عليه الحق في رفع الأمر للأمم المتحدة لتتخذ كل ماتراه مناسباً لمنع الإبادة الجماعية. بذلك تكون الولايات المتحدة الامريكية قد انجزت كل ما هو مطلوب منها قانونياً دون ان تورط قواتها العسكرية في تدخل عسكري. تم ايداع القرار الامريكي امام مجلس الأمن و لكن في حقيقة الأمر لم تتخذ حكومة الولايات المتحدة أي اجراء جديد يترتب علي توصيف ما تم في دارفور باعمال الابادة الجماعية. و من ثم و في 18 سبتمبر2004م تبني مجلس الأمن القرار1546 لدارفور و الذي جاء فيه " أعلنت الامم المتحدة اهتمامها بأن السودان لم ينفذ ما عليه من الواجبات واردة في القرار 1556 بصورة تامة" الفصل الاول : قرار دارفور الأول في 31يوليو و أيدت " تعزيز و زيادة الاتحاد الافريقي لحجم بعثته من المراقبين" الفصل الثاني صمت عن ذكر قوات حفظ السلام في دارفور و هو الأمر الذي كانت قد رفضته حكومة السودان بعناد. أما الفصل الثاني عشر فقد طالب السكرتير العام للامم المتحدة بتكوين لجنة تحقيق دولية علي وجه السرعة لتحدد ما إذا كانت اعمال الابادة الجماعية قد أُرتكبَت أم لا و تسمي الجناة . في حال عدم امتثال حكومة السودان للقرار 1556 ( 13 يوليو) أو هذا القرار سيتخذ مجلس اجراءات أخري تؤثر علي سبيل المثال علي استثمارات النفط السودانية. الفصل الرابع عشر و بدقة شديدة تجنب ذكر العقوبات الاقتصادية.
بعدم وجود قوات حفظ السلام و وجود المراقبين فقط و المطالب الغامضة من مجلس الأمن حول مساءلة الجناة و من دون أي امدادات لمساندة بعثة الاتحاد الافريقي و مراقبي الامم المتحدة، تكون حكومة السودان قد اخرست افواه معارضيها و من ينتقدوها بالداخل و الخارج بخطابها الاعلامي المشوش بعربونها الرمزي من الكلام للحد من حركة المنظمات الانسانية. بناءً علي ذلك يكون اعلان الولايات المتحدة عن اعمال الإبادة في دارفور تكثيف للجدل الدائر حول المأساة الفظيعة التي وقعت و تكون حكومة السودان بإنكارها قد نجت من التهديد بالتدخل الدولي ، بذلك تكون حكومة الولايات المتحدة قد وفرت فرصة لنظام الخرطوم ليمارس دبلوماسية العزلة المجيدة.
ابوجا و ما بعدها
نشطت بعد اعلان كولن باول في سبتمبر 2004م عن ارتكاب حكومة السودان و الجنجويد اعمال الإبادة الجماعية في دارفور الحملةُ من اجل دارفور في الولايات المتحدة و اوربا ، تميّزت هذه الحملة بالمظاهرات العامة و التغطية الإعلامية المكثفة و دراسات اضافية عن دارفور لطلاب الجامعات، بالإضافة إلي تكوين التحالف "من أجل حماية دارفور" و هو تحالف مؤثر و بتمويل جيّد. لم يكن بمقدور البرلمان الاوربي تجاهل هذه الغضبة من أجل دارفور حيث صوّت البرلمان الاوربي باجماع 566 ضد6 بأن الصراع في دارفور هو بمثابة الإبادة الجماعية و هو اقتراح لن يصوت ضده إلا القلة. النشوة بابتداع هذا النغم الانساني ضد الابادة الجماعية سرعان ما خففت منها واقعية الجغرافية السياسية. لا الولايات المتحدة و لا الاتحاد الاوربي كانت له الرغبة في التدخل العسكري في دارفور و لم يكن هنالك أي رغبة في الزام قوات حلف الناتو بعمليات عسكرية بدارفور كما تم في البلقان. الصدع بين مني اركو مناوي و عبد الواحد محمد النور في الحركة/جيش تحرير السودان اصبح واضحاً خاصةً بعد فشل مفاوضات ابوجا الأولي، هذا الخلاف تسبب في احباط المجتمع الدولي و لم يلهمه بغير عدم المواصلة في الاجندة الرامية لانجاز تدخل دولي في دارفور.
لما كانت المفاوضات غير المثمرة و المحبطة تنقطع و تتواصل من جديد خلال عام 2005م، كانت الاوضاع في دارفور تتدهور باستمرار.كلاهما حركة العدل و المساواة و حركة/جيش تحرير السودان بدأتا في فقد سيطرتهما علي عناصرهما جيّدة التسليح، و نتيجة لذلك قامت بعض عناصر هاتين الحركتين في نهب قوافل الإغاثة غير المحمية أصلاً التي تحمل الغذاء و التموينات للمتضررين من المدنيين. في سبتمبر2005م سحبت الامم المتحدة مسئوليها من دارفور نتيجة لانعدام الأمن و بذلك تقلصت و بصورة كارثية كمية المعونات الانسانية التي يعتمد عليها الدارفوريين الآن بصورة كاملة. ازدياد معدلات العنف كشف بجلاء حجم القيود المضروبة حول ال7000 مراقب التابعون للاتحاد الاوربي و هو الامر الذي ادركه الجميع قبل ذلك بكثير. وجب علي الجميع الآن الاعتراف بأن المراقبين الدوليون قليلون و لقد تم ارسالهم إما بتفويض مستحيل التنفيذ او غير كافٍ علي الأقل. في هذه الاثناء استمرت المفاوضات المتعثرة في ابوجا بقليل من النجاح. خلال عام 2005م أساء ممثلوا نظام الخرطوم إستغلال أجواء التنافس و الخلاف بين حركة تحرير السودان و حركة العدل و المساواة حول القيادة، استراتيجيات التفاوض و الإجراءات؛ أساءوا استغلالها بصورة مستمرة من أجل إحباط و إثارة حنق الوسطاء من الاتحاد الاوربي و المراقبين الدوليين. في شهر فبراير و تحت ضغوط مكثفة من تشاد تم اقناع جناحي حركة تحرير السودان بوضع خلافاتهما جانباً فتواقوا ظاهرياً و اتفقوا ،لكن بفظاظة من أجل التعاون مع حركة العدل و المساواة في جبهة موحدة، تم ذلك و كان بهشاشة زواج متعة. و لسوء الطالع كانت الفصائل بداخل حركة العدل و المساواة متشاكسة تماماً كما كان الحال بين فرقاء حركة تحرير السودان، في شهر يناير2006م كان هنالك حادث غير لائق حيث اعتدي أحد الفرقاء بحركة العدل و المساواة علي غريمه في مشاجرة بالأيدي صغيرة و تافهة.
في فبراير 2006م تواصل تدهور ت الاحوال الأمنية علي الحدود مع تشاد بسبب عبور اعداد متزايدة من من المنشقين من الجيش التشادي و المتمردين إلي غرب دارفور و أداروا اعمال قطع الطريق ( السلب و النهب) مستهدفين المنظمات غير الحكومية الدولية مما اعاق جهود الإغاثة الانسانية. اثارت هذه الاعمال موجة عارمة من الغضب الدولي تطالب بكبح جماح العنف واسع الانتشار بدارفور. خلال خريف 2005م و شتاء 2006م تضاءل جهد الامريكان و حلفائهم نحو تحويل بعثة الاتحاد الافريقي في السودان من مراقبين إلي قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة و كان من أهم المطالبين بقوة بذلك السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان.. بحلول شهر ابريل انهارت جهود الإغاثة الانسانية المكثفة من قِبَل الأمم المتحدة و المجتمع الدولي بسبب تحرش الجنجويد الدائم بقوافل الإغاثة و بسبب التحذير المتزايد من العصابات جيّدة التسليح لهذه القوافل. أكثر 200000 دارفوري قضوا نحبهم بسبب هذا الصراع العدمي بالإضافة إلي 2.5 مليون دارفوري نازح داخلياً او لاجيء في تشاد. كان المتأثرون بأعمال العنف بالتقريب حوالي الاربعة ملايين و 700000 منهم بعيدون عن متناول المنظمات الانسانية و وكالات الإغاثة. كانت هنالك إحصائيات مخيفة و لقد تضاءل الأمل الوحيد لايقاف دوامة العنف ليكون مُركّزا فقط حول اتمام اتفاق بين النظام السوداني من جهة و مجموعات المتمردين المتحزبة التي تتقاتل فيما يشبه لعبة الكلمة الضائعة.
كثيرا ما تم تعليق مفاوضات ابوجا بسبب أن أحد الفرقاء الدارفوريين قد رفض التفاوض أو بسبب الشقاقات داخل نفس الفصيل و لقد كان الرئيس النيجيري اوباسانجو و الوسطاء الاوربيين و المراقبين الدولين؛ كانوا هنالك بصبر لانعاش المفاوضات من أجل جولة جديدة. ببطء شديد و ألم زائد أقنع الاتحاد الاوربي و ممثلي المجتمع الدولي بعد تصريح الرئيس الامريكي بوش الذي قال " يجب ايقاف اعمال الإبادة الجماعية في دارفور" و حذّر بشدة من العواقب الوخيمة المترتبة علي ما قاله العاملون في وكالات الغوث الدولي حول خوفهم من كارثة رهيبة ؛ اقنعوا حكومة السودان و حركة تحرير السودان و حركة العدل و المساواة بنفاذ الوقت و لا بد من تحديد تاريخ أقصاه 30 ابريل 2006م من أجل الوصول لاتفاق سلام نهائي. و مع اقتراب نهاية شهر ابريل تم إكمال المسودة النهائية للاتفاق و لقد وافقت عليها حكومة السودان فوراً و هو ما أدهش معظم من كانوا في ابوجا، اندهشوا من الممارسة القياسية لحكومة الاسلاميين في الخرطوم التي خلال سنواتها الطويلة في المفاوضات تورد اعتراضاتها في آخر لحظة من أجل انتزاع المزيد من التنازلات. سرت تكهنات من البعض حول أن السرعة و روح التعاون من حكومة السودان قد افزعتا حركة تحرير السودان و حركة العدل و المساواة فخاف ممثلو الحركات الدارفورية من أن يكونوا قد تغاضوا عن اشياء أو فاتت عليهم أمور خاصة الموضوعات التي تحفظوا عليها بشدة خلال التفاوض، لذلك في منتصف ليل 30 ابريل 2006م رفض المتمردون الدارفوريون التوقيع علي مسودة الاتفاق النهائي. كان رد الفعل علي هذا الرفض المفاجئ غاضباً من جهة الاتحاد الافريقي، الاتحاد الاوربي، الولايات المتحدة، بريطانيا و حتي من الجامعة العربية التي طالما وقفت في صف حكومة السودان ضد الغرب في ازمة دارفور. باستثناء الجامعة العربية كانت جميع الأطراف خاصة الولايات المتحدة الامريكية تحت ضغط شعبي كبير من أجل انهاء أو إيقاف الإبادة الجماعية في دارفور. بالولايات المتحدة حرّك التحالف من أجل حماية دارفور المعروف بنشاطه الشديد؛ حرّك موجة احتجاجات في واشنطن و علي طول الولايات المتحدة الامريكية بدعم كبير من الكونجرس. و كانت هنالك مظاهرات في بريطانيا و اوربا في بعضها طالب المتظاهرون حكوماتهم بالضغط من أجل اتفاق يحقق السلام في دارفور و ينهي المذابح. بتوجيه من واشنطون ضغط الوفدُ الامريكي في ابوجا من اجل تمديد مدة التفاوض ليومين، وافق الجميع عليها عدا حركة تحرير السودان و حركة العدل و المساواة فلقد كانت موافقتهما علي مضض. بعد كسب ذلك الوقت و وصول وفود عالية المستوي لانتزاع المزيد من التنازلات من وفد الحكومة السودانية و لإملاء مزيداً من الضغوط علي المتمردين لقبول التسوية و إحلال السلام و التوقيع علي الإتفاقية. وصل نائب وزير الخارجية الامريكي روبرت زولك و مساعدة وزير الخارجية الامريكي لشئون أفريقيا جنديا فريزر إلي ابوجا من واشنطون. وزيرة التنمية الدولية البريطانية هيلاري بن جاءت من لندن . رئيس الاتحاد الافريقي الرئيس الكنغولي دينيس ساسو جاء من كنشاسا. في يوم الخميس 5 مايو تواصلت المفاوضات خلال الليل و بعدجولة من المفاوضات في صباح يوم الجمعة 6 مايو وافق منّي اركو ميناوي قائد الفصيل الأكبر في حركة تحرير السودان؛ وافق علي التوقيع علي النسخة المعدّلة التي عُرفَت باتفاقية سلام دارفور علي الرغم من تحفظه علي اقتسام السلطة و الأمن. وقّع عن جانب الحكومة السودانية مجذوب الخليفة. رفض كلٍ من عبد الواحد محمد النور ( قائد فصيل آخر من حركة تحرير السودان) و الدكتور خليل ابراهيم (حركة العدل و المساواة) التوقيع علي الإتفاق. اعتبرت حركة العدل المساواة الاتفاق جزئيا و ليس شاملاً.كان رفض عبد الواحد محمد النور اكثر تعقيداً علي الرغم من أن فصيله أقل عدداً من فصيل منّي اركو مناوي و يسيطر علي مساحة أقل من تلك التي يسيطر عليها فصيل منّي اركو ميناوي و كان عبد الواحد يمثل الفور و هم من نالوا النصيب الأوفر من الدمار و الخسائر خلال النزاع من قوات النظام الحاكم و الجنجويد. لم يكن عبد الواحد محمد النور ممسكاً بحزم بقيادة وفده التفاوضي و لقد اعتقد بعض أتباعه أنه قد أخطأ بعدم توقيعه علي الإتفاق و كانوا قد عانقوا منّي اركو ميناوي بعاطفة جياشة بعد أن وقّع علي نسخة الاتفاق. قدم روبرت زولك أفضل ما عنده من انجاز محدود عندما قال بسذاجة إن الأطراف المتعنتة من المتمردين سيتم اقناعهم بالتوقيع لاحقاً و إلا فسيتم تجاوزهم عند تطبيق الإتفاق. بدي تفاؤله نوعا من التفكير الحالم عند شخصٍ خبير و مفاوض ماهر لا يعرف السودانيين و قلقٌ بشأن العودة إلي واشنطون لمواجهة تحديات أخري أمامه لا تتعلق بالتوقيع علي الإتفاق إنما بتطبيق اتفاق ابوجا.
كان رد الفعل الفوري علي توقيع الاتفاق مختلطاً و اعتقد البعض أن الاتفاقية برغم محدوديتها فستلزم الحكومة السودانية و حركة تحرير السودان بوقف المذابح و التهجير في دارفور. أما الأكثر تشاؤماً فقالوا إن اتفاق السلام الهش هذا مالم توقع عليه كل الفصائل و يلتزم الجميع بجدية بتنفيذه سيكون عقبة أخري في طريق ايقاف العنف التاريخي المدمر في وسط الصحراء، الساحل و السافنا. لقد كان اتفاق ابوجا معقدا و كان في حوالي 85 صفحة. أخيراً وافقت حركة تحرير السودان علي دمج قواتها في مؤسسات الأمن القومي و تخلت عن اصرارها علي نائب ثالث لرئيس الجمهورية و قبلت علي مضض بمنصب آخر بنفس الصلاحيات دون التسمية الرنّانة. كان هنالك اهتمام كبير بفكرة أن مفاوضات ابوجا ستشوش تطبيق اتفاقية السلام الشاملة التي قيّدت ببنودها مفاوضي وفد الحكومة السودانية، المجتمع الدولي و ممثل الإتحاد الافريقي. سيتم نزع سلاح الجنجويد، مع إن سيطرة القوات الحكومية علي الجنجويد متزعزعة و عَرَضية. بالرغم من زعم الرئيس الامريكي أن توقيع الاتفاق انتصار ٌ دبلوماسي، لكنه خلال الخمسة عشر سنة الفائتة اصبحت حكومة السودان سيئة السمعة نتيجة لعدم اكتراثها بتطبيق الاتفاقيات التي توقعها. لقد اتفق الجميع علي أن الضغط الدبلوماسي المُكثّف هو الذي ضمن توقيع الاتفاق و اتضح ان هذا الضعط يجب ان يتواصل حتي يتم اقناع عبد الواحد محمد النور بالانضمام للموقعين علي الاتفاقية. لقد تم التأكيد علي التشديد بضرورة الإسراع في تطبيق الاتفاقية بما اطلقه جان ايجلاند من تحذيرات مشئومة أورد فيها أن النزوح الكثيف للمدنيين، العنف و قتل المدنيين في جنوب دارفور هو ما أجبر عناصر بعثة الاتحاد الافريقي في السودان علي الانسحاب مازال مستمراً و بغير انقطاع. توهم البعض بأن الدبلوماسية وحدها ستضمن تطبيق اتفاقية ابوجا خاصة و إنه قدتم نسيان احتمال التدخل الامريكي او الاوربي في دارفور . و تبعا لذلك و في الاسابيع اللاحقة تركزت كل التوقعات حول تحويل بعثة الاتحاد الافريقي في السودان من مراقبين عجولين إلي قوة حفظ سلام كبيرة تابعة للأمم المتحدة، في يوم الثلاثاء 16 مايو صدر قرار مجلس الأمن رقم 1679 و أجيز فيما يتعلق بتحويل بعثة الاتحاد الافريقي بالسودان إلي قوات حفظ سلام فعّالة و تابعة للأمم المتحدة. علي الرغم من أن وصول قوات حفظ إلي دارفور سيحتاج إلي ستة أشهر أخري علي أقل تقدير فلقد وجب علي الأمم المتحدة أن تصل إلي اتفاق مع حكومة الخرطوم فيما يتعلق بتفويض واقعي لقوات حفظ السلام. عندما نظّم الاتحاد الافريقي بعثته إلي السودان في اغسطس 2004م كانت حكومة الخرطوم متعنتةً في اصرارها علي أن القوات ليست قوات حفظ سلام و واصلت بعناد معارضتها خلال صيف و خريف 2006م أي تدخل للأمم المتحدة في السودان و هو ما كان يتم الترحيب به بدفء في الجامعة العربية. وزير الخاجية السوداني الجديد الجنوبي الدكتور لام أكول و بتملقٍ شديد أشار إلي أن اتفاق ابوجا لا يتضمن أي فقرة عن تحويل بعثة الإتحاد الافريقي في السودان إلي قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة.
و قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به اتفاقية ابوجا في يوم 6 مايو 2006م بدأت عري الإتفاقية في الإنحلال. في يوم 30 يونيو أسست المجموعات الثلاث المتمردة في دارفور و هم ؛ الذين رفضوا التوقيع علي اتفاقية ابوجا ( حركة العدل المساواة بقيادة دكتور خليل ابراهيم) و الجناح الذي عارض مني اركو ميناوي بحركة التحرير السودان و يقوده الآن خميس عبدالله أبكر مع التحالف الفيدرالي للسودان الجديد بقيادة احمد ابراهيم دريج؛ أسسوا جبهة الخلاص الوطني في اسمرا. الفوراوي ، القدير ، المحترم و الحاكم الأسبق لاٌليم دارفور؛ احمد ابراهيم دريج كان قد حذّر الخرطوم بصورة متكررة و حذّر النميري شخصياً في 1983 من أن كارثة محتومة ستقع مالم تصل إلي دارفور مساعدات غذائية عاجلة. تراجع النميري و لم يستجب و هو في حالةٍ من الإنكار فإستقال دريج في 1984 معترضا علي ذلك و مضي إلي منفاه في اوربا و أسس اعمال تجارية ناجحة و عاد فقط في لحظة انفجار التمرد ليؤسس التحالف الفيدرالي الديمقراطي السوداني و يقود جبهة الخلاص الوطني.
بعد انهيار اتفاقية ابوجا سيطرت علي ازمة دارفور ثلاث عوامل موروثة و كارثية. العامل الأول استتبع المفاوضات المحبطة و غير المنتهية حول قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة بين الأمم المتحدة و الغرب من جهة و نظام عمر البشير من جهة أخري. العامل الثاني هو التصعيد في معدلات العنف من قِبَل الجيش النظامي و الجنجويد خاصة تلك المجموعة تحت قيادة موسي هلال من جهة و جبهة الخلاص الوطني من جهة أخري، بلغت اعمال العنف مداها و تعقدت من خلال الصدامات بين انصار منّي اركو ميناوي و انصار عبدالله أبكر من عناصر حركة تحرير السودان القديمة و التي تسمي الآن جيش تحرير السودان مجموعة التسعة عشر بالأضافة إلي العدد المتزايد من عصابات قطاع الطرق الهائمة من بقايا المتمردين التشاديين و الدارفورين . و العامل الثالث يمكن التكهن به و هو تشتت بقايا الوحدات الامنية في دارفور مما دفع بالمنظمات الانسانية التي يعتمد الدارفوريين علي معوناتها للانسحاب من مناطق العمليات العسكرية و بذلك تلاشت المعونات الانسانية.
لم يتزحزح الرئيس البشير أمام الضغوط الدولية المكثفة من قِبَل كوفي عنان، مجلس الأمن، الوفود من الولايات المتحدة بما فيها الزيارات الفاشلة لجنيداي فريزر و اندرو ناتسيوس الذي عمل منسقا خاصاً للشئون الانسانية للسودان بالمعونة الأمريكية و يعمل الآن مبعوثا خاصاً للرئيس بوش ؛ لم يتزحزح البشير أمام الضغوط من أجل السماح ل 200000 من قوات حفظ السلام بالدخول إلي دارفور. لم يكن الرئيس البشير من دون حلفاء في معارضته المتصلبة لوجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة و التي يعتبرها نوع من الاستعمار الجديد. و لقد اختارت الجامعة العربية أن تكون بمعزل عن أي إلتزام بالسودان، لم يكن لأعضاء الجامعة العربية مصالح ذاتية آنية في الصراع بالسودان. في 19 نوفمبر 2006م قال مستشار رفيع بالاتحاد الافريقي؛ قال باصرار : " إن بعثة الاتحاد الافريقي بالسودان يجب أن تستمر و يجب أن يتم تحديد حجم قوتها عن طريق الاتحاد الافريقي و الأمم المتحدة". و لقد صادق مجلس السلم و الأمن علي هذا الرأي في 30 نوفمبر بأبوجا. انطلقت موجة من المفاوضات بلغت ذروتها في 23ديسمبر حول خطاب ارسله الرئيس البشير لكوفي عنان قبل سبعة ايام من آخر يوم لانفاذ عقوبات قاسية علي السودان قال فيه" أن السودان سيدعم الاقتراح بقوات هجيينة و مشتركة من الأمم المتحدة و الاتحاد الافريقي في دارفور، توفر الأممُ المتحدة فيها معينات الإتصال، النقل و الدعم اللوجستي و قال: إن حجم مشاركة الاتحاد الأفريقي سيتم تحديدها عبر مفاوضات بين الحكومة السودانية، الاتحاد الافريقي و الامم المتحدة". الدبلوماسية السودانية التي عُهِد عنها المماطلة و التسويف احتفظت بمجال واسع للمراوغة.
خلال ارتباك و انفعال الدبلوماسيين في خريف 2006م تصاعد القتال في دارفور كما قيل في الأعلي. تكبد الجيش السوداني و الجنجويد هزائم فادحة في شهر نوفمبر علي يد جبهة الخلاص الوطني. تفشت بكثافة اعمال اللصوصية و النهب في دارفور، في اواخر ديسمبر نهب الجنجويد و خربوا مدينة الفاشر لمدة ثلاثة ايام قبل محاصرة المدينة خلال ايام المواجهات بين مجموعة ال 19 بحركة تحرير السودان و قوات جبهة الخلاص الوطني. بنهاية العام كانت اعمال الأغاثة الإنسانية علي شفا الانهيار الكامل في دارفور و شرق تشاد، مع بلوغ شهور النهب و التحرش المتزايد و القتل لموظفي وكالات الإغاثة لذروتها خلال الخريف و حتي ديسمبر بدأ كبار موظفي وكالات الإغاثة في الترتيب لعمليات إخلاءٍ واسعة لمن يعملون معهم. في 18 ديسمبر 2006م و بعد مهاجمة و اغتيال موظفي الإغاثة المشرفين علي معسكر جريدة للنازحين الذي يأوي 130000 نازح تم بالتقريب سحب كل موظفي الإغاثة
قليلون هم من يتوهمون بإمكانية تحسن الأوضاع في دارفور. لا يمكن توقع غير قليل من التحسن في الاوضاع طالما ظلّ المجتمع الدولي عاجز عن التدخل و ظلت حكومة السودان غير قادرة علي تأكيد سلطتها في دارفور. هذا هو الفصل الأخير و المأساوي في صراع الأربعين عام علي حوض بحيرة تشاد؛ الصراع الذي لم تمتلك لا السودان و لا تشاد و لا ليبيا القوي البشرية و لا الموارد للسيطرة علي دارفور خلاله . تسبب الصراع اللاحق في تعجيل وتائر التغيير الإجتماعي حيث تحول الفلاحون و الرعاة إلي حضريين فقراء و معدمون يعيشون في معسكرات نزوح دائمة تشرف عليها المنظمات الانسانية. تحولت معسكرات النزوح إلي مدن صفيح فيها تَحَوَل الرعاةُ و الفلاحون إلي فقراء مدن يكدحون من أجل العيش بطلب الصدقات أو ممارسة اعمال تجارية صغيرة في بيئة فقيرة. سيظل هؤلاء هنا في معسكراتهم المتحولة لمدن صفيح و حتي و لو عمّ السلام ربوع دارفور فليس لديهم الحافز للرجوع إلي ديارهم و أرضهم التي لم يبقي فيه غير الخراب و الدمار. سيصبح الدارفوريين فلسطينيو افريقيا كتبت عليهم الهجرة المؤبدة و النزوح.
داري الذي يبدو ظاهريا اداري الذي يبدو.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.