بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تداعيات (الربيع العربي) : شبكات الأمان والخروج الثالث للمسيحيين .. أكرم ألفي
نشر في حريات يوم 26 - 08 - 2013

المشهد العربي سيختلف كله حضاريا وإنسانياً مع هجرة المسيحيين، وسيصبح أكثر فقراً وأقل ثراءً"، هكذا كتب محمد حسنين هيكل قبل سنوات، محذراً من موجات الهجرة المتتالية للمسيحيين من المنطقة. وعقب اندلاع ثورات "الربيع العربي" وصعود الإسلاميين إلى السلطة في مصر وتونس وارتفاع حدة الصراع الطائفي في سوريا بدأ الحديث عن موجة كبيرة من هجرة المسيحيين العرب. وتناولت المئات من التقارير الإعلامية العربية مسألة هجرة المسيحيين فيما اثار الصحفيون والباحثون الغربيون المسألة بقوة خلال العامين الماضيين. ويبقي السؤال: هل نحن أمام الخروج الثالث للمسيحيين العرب؟
يدلل المشهد العربي على نزوح كبير للمسيحيين من دول الثورات والتوترات في العالم العربي. وهي وضعية مفهومة في سياق أن الاقليات دائمة تكون أكثر عرضة للمضايقات وتميل أكثر للخوف في لحظة الأزمة السياسية الحادة مما يدفعها للبحث عن بديل و"الهروب". ويرى الباحث أن "التهويل" من الظاهرة ليس منطقياً ولا يحمل دليلاً دامغاً على بدء ما يمكن أن نطلق عليه "الخروج الثالث" للمسيحيين العرب من المنطقة، حيث شهدت المنطقة في بدايات القرن الحالي موجة هجرة واسعة للمسيحيين في المشرق (لبنان وسوريا وفلسطين) بسبب ارتفاع وتيرة المواجهات الطائفية تحت الحكم العثماني (أشهرها تاريخيا المعارك بين الموارنة والدروز).
وجاءت الموجة الثانية عقب الحرب العالمية الثانية وصعود الأنظمة القومية في مصر والمنطقة وسياسات التأميم التي تأثر بها سلباً المسيحيين الأثرياء وهي الموجة التي استمرت في السبعينيات مع صعود التيارات الإسلامية وتراجع الوضع الاقتصادي. وهي الموجة التي تزامنت مع خروج اعداد ضخمة من سكان الدول الأكثر كثافة سكانية (سوريا – مصر – لبنان) للعمل في دول الخليج الغنية بالنفط.
وبدأ الحديث عن "الخروج الثالث" عقب الغزو الأمريكي للعراق ونزوح اعاد ضخمة من المسيحيين العراقيين تحت وقع الأوضاع الأمنية والصراع الطائفي وتدهور مستويات المعيشة. وهي الموجة التي عاد البعض للحديث عنها مع اندلاع ثورات الربيع العربي والتأكيد على عملية نزوح جماعي للمسيحيين من مصر وسوريا بالأخص.
إن دارس التحولات الديموجرافية العربية وموجات الهجرة يكتشف أن موجات الهجرة المسيحية ترافقت مع موجات هجرة عامة لسكان المنطقة في عملية التحرك الديموجرافي بحثاً عن الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث إن الهجرات المسيحية ارتبطت بظروف عامة في بلدانهم قادت كتل سكانية ضخمة للحث عن فرص وموضع استقرار خارج بلادهم ولايمكن أن نطلق عليه "موجات نزوح جماعية" (باستثناء هجرات الموارنة خلال الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1990) للمسيحيين العرب ولا يمكن مقارنتها باي حال من الأحوال بهجرات اليهود العرب عقب حرب 1948 كما يحلو للبعض عقد المقارنة.
ولكن خصوصية الهجرة المسيحية تكمن في عاملين رئيسين هما أن فرص الأقلية المسيحية للهجرة تكون أكبر بسبب تميز هذه المجموعة السكانية بمستوى تعليم واقتصادي اعلى (يرجع لعوامل تاريخية ليست مجال الدراسة) وخصائص ثقافية تسهل الاتصال بالعالم الغربي مما يجعل عدد المسيحيين المهاجرين يزيد عن المسلمين. بالتوازي، فإن خصوصية الأقلية يجعل الخصم من الرصيد السكاني لها يظهر بشكل واضح في حجمها وقدراتها الاقتصادية وتأثيرها العام مما يجعلها ظاهرة. وأخيراً، فإن تراجع معدل خصوبة المسيحيين – لانتماء اغلبهم للطبقة الوسطى – مع موجات الهجرة ساهم في خفض نسبتهم من السكان بالدول العربية من 15% قبل 100 عام إلى 5% فقط في الوقت الراهن، مما جعل البعض يتحدث عن "تفريغ المنطقة" من المسيحيين وانهاء التعددية الدينية بها لصالح مشروع "استعماري- تأمري" يسعى لحصر المواجهة في المنطقة بين المسلمين واليهود.
ويرى الباحث أن عمليات الخروج الواسعة للمسيحيين – عقب اندلاع ثورات "الربيع العربي" – تجيء ضمن محاولات الطبقة الوسطى في دول الثورات والاضطرابات للبحث عن أماكن أكثر أمناً وفرص للصعود الاجتماعي بسبب تدهور الأمنية والاقتصادية والخوف من سيطرة التيار الإسلامي على السلطة. ولكن مع سعي "الجميع" للخروج فإن نجاح الشباب المسيحي في الوصول إلى "المهجر" والاستقرار به ترتفع في ظل تكون "شبكات أمان" بدول "المهجر" الغربية من الاقارب والمؤسسات الكنسية في هذه الدول. والباحث يتفق مع الرأي الخاص بأن هجرة المسيحيين مازالت في إطار المساعي الفردية وليس تعبيراً عن "هجرة جماعية". وفي هذا السياق، يمكن فهم خروج ثلثي المسيحيين العراقيين عقب الغزو الأمريكي (نحو 900 الف عراقي مسيحي) ضمن هجرة 3 ملايين عراقي مسلم من البلاد بسبب الاضطرابات الطائفية. وكذلك لا يمكن الحديث عن تفريغ مناطق بسوريا من المسيحيين (خاصة حلب وحمص) دون ضمهم لأكثر من مليون لاجئي سوري خرجوا من ديارهم خلال عامين. وفي مصر، فإن هجرة المسيحيين جاءت في سياق ميل واسع لدى الطبقة الوسطى للبحث عن الفرص خارج البلاد مع تولي "الإخوان" السلطة. وهذه الفرضية لا تنف البديهية الخاصة بأن الاقليات تتحمل خلال مرحلة الاضطرابات والتحولات السياسية دفع ثمن أكبر من الأغلبية.
أزمة البيانات: الصراع السياسي والأرقام
يواجه أي باحث يناقش إشكالية الاقلية المسيحية في العالم العربي صعوبة بالغة في الوصول إلى بيانات احصائية دقيقة تتعلق بعدد المسيحيين في الدول العربية وتوزيعهم وتركيبتهم الاجتماعية وبالأحرى اعداد المهاجرين منهم. وتتعلق هذه المعضلة بامتناع جهات الإحصاء والتعداد الرسمية العربية عن إصدار بيانات تتعلق بالتركيبة الدينية والأثنية للسكان لأسباب سياسية. ولعل هذه الوضعية قادت إلى تحول الجدل بشأن اعداد المسيحيين إلى حلبة صراع حيث يسعى كل طرف إلى التهويل أو التهوين من أعداد المسيحيين – خاصة في مصر ولبنان – لأسباب سياسية تتعلق بالبحث عن نسب في التعيينات الحكومية أو الخلاف بشان اللواج والقوانيين الانتخابية.
وفي ظل انعدام البيانات الرسمية، أصبح جدل الأرقام أحد ابرز مظاهر الانحيازات في دراسة قضايا الاقليات بالعالم العربي وبشكل خاص الاقليات الدينية. فنجد أن الباحثين الغربين يعتمدون على أرقام شبه ثابتة تشير إلى أن المسيحيين يمثلون نحو 5% من سكان العالم العربي في الوقت الراهن مقابل 20% في بداية القرن الماضي. وتقدر البيانات الغربية عدد المسيحيين في العالم العربي بنحو 15 مليون نسمة في عام 2000 (باستبعاد جنوب السودان بعد الانفصال). ووفقاً لهذه البيانات فإن المسيحيين العرب يتركزون في مصر بنحو 7,6 مليون نسمة و900 الف في العراق و1,6 مليون في لبنان و2,2 مليون في سوريا. وتزيد تقديرات دائرة الهجرة بالخارجية الأمريكية التي ترفع عدد المسيحيين فس مصر والعراق ولبنان إلى 15 مليون نسمة مقابل نحو 10 ملايين وفقا لتقديرات موقع "فاكت بوك" الأمريكي".
جدول: اعداد المسيحيين وفقاً لتقديرات "CIA Factbook" لعام 2012
الدولة عدد المسيحيين نسبة المسيحيين من السكان
مصر 7,6 مليون نسمة 9%
العراق 900 ألف نسمة 3%
لبنان 1,6 مليون نسمة 39%
سوريا 2,2 مليون نسمة 10%
وتعد التقديرات السابقة بمثابة معطى في أغلب الدراسات والمقالات الصحفية التي تتناول أوضاع المسيحيين العرب. وهي تقديرات تتباين عن تقديرات الباحثين العرب بحسب الانحيازات، حيث نجد أن الكنيسة المصرية تتحدث عن أن نسبة الاقباط 15% من السكان بنحو 13,5 مليون نسمة. فيما تتحدث المصادر الكنسية في العراق عن 600 الف مسيحي فقط يعيشون في البلاد اليوم. واشارت دراسات حديثة إلى أن عدد المسيحيين في لبنان لا يتجاوز 1,2 مليون نسمة بنسبة 32% من السكان.
ومع عدم وجود تباينات ذات شأن في التقديرات بشان اعداد ونسب المسيحيين في لبنان والعراق وسوريا، فإن الجدل الرئيسي يتعلق بمسيحي مصر الذين يمثلون أكبر كتلة مسيحية في العالم العرب، حيث قدر رئيس سابق للجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء عدد الاقباط بنحو 5,1 مليون نسة فقط. وهي التصريحات التي أثارت غضب المسيحيين المصرين. ويعتمد مفكرين إسلاميين مثل محمد عمارة وفهمي هويدي ارقام مشابهة بالتأكيد أن عدد المسيحيين بمصر لا يتجاو 6 ملايين نسمة. وتشير تقديرات مركز "ابن خلدون" للدراسات إلى أن نسبة الاقباط لا تقل عن 10% من السكان وإلى أن تعداد المسيحيين المصريين لم يتراجع عن هذه النسبة منذ التعداد السكاني الأول الذي اجري عام 1887.
هجرة المسيحيين العرب: "شبكات الأمان" الجديدة
يعد الخوف وتردي الأوضاع الاقتصادية العاملين الرئيسين وراء تزايد هجرة المسيحيين العرب خلال السنوات الأخيرة مع عدم استقرار الاوضاع السياسية وتحول الكتلة السكانية الأضعف غلى كبش فداء في الصراعات السياسية. ولكن هذا التعميم يحول دون البحث عن التباينات والظواهر الخاصة بهذه الهجرة.حيث تعاني المدرسة البحثية العربية من نقل تعميمات بحثية غربية دون الخوض في جدال معها. فلا يمكن انكار تزايد مخاوف الاقليات المسيحية في دول الربيع العربي بسبب صعود التيار الإسلامي بهذه الدول إلى جانب تزايد حضور المتشددين في دول الصراع. ولكن في المقابل، فإن هناك عوامل خاصة تدفع نحو ارتفاع هجرات المسيحيين مثل توفر الفرص للهجرة مقارنة بباقي السكان مثلما حدث في العراق وسوريا أو تشكيل "الجيتو الحاضن" للقادمين الجدد (شبكات الأمان) في بلاد المهجر للاقباط المصريين.
ويبدو أن احد صعوبات مناقشة هجرة المسيحيين هو حضورها في قلب الانحيازات السياسية والاجتماعية بالدول العربية في ظل ارتفاع سخونة الخطاب الطائفي مما يدفع البعض إلى التمسك بتفسيره الخاص ورفض مناقشة الظاهرة على أرض الواقع، بالإضافة إلى النقص الحاد في الدراسات الميدانية بشأن الظاهرة.
تظل فرضية تزايد هجرة المسيحيين العرب بسبب الخوف والتعرض للمضايقات صحيحة. ولكن من الضروري نقاش الظاهرة في سياقاتها حيث أن كافة دول الربيع شهدت عمليات هجرة واسعة خلال العامين الماضيين. وبالتوازي، فإن فرص هجرة المسيحيين العرب للغرب والاندماج في المجتمعات الغربية تزيد – لاسباب ثقافية وعائلية- عن فرص الأغلبية المسلمة. وهو ما يطرح فرضية موازية هي أن "الجميع يرغب في الرحيل ولكن باب الخروج أكثر اتساعاً للبعض".
ونجد أن الجدل بشان البيانات ينطبق على تقديرات هجرة المسيحيين، حيث تسعى المنظمات التي تدافع عن المسيحيين إلى تصدير أرقام تدلل على هجرة جماعية بسبب الأوضاع الراهنة. في المقابل، يحاول الباحثين والمراكز التي ترتبط بالتيار الإسلامي للتقليل من الظاهرة وفي بعض الأحيان انكارها تماماً. فعلى سبيل المثال، تحدث الناشط القبطي المصري نجيب جبرائيل تحدث في نهاية 2011 عن هجرة 100 الف مسيحي من مصر خلال الفترة من مارس إلى نوفمبر 2011. وهو الرقم الذي رفضته مصادر كنسية رسمية. وتكرر الرقم نفسه (100 ألف مهاجر) في نهاية 2012، حيث أشار الدبلوماسي الامريكي دينيس روس بناء على بيانات من منظمات قبطية مصرية إلى أن 100 ألف قبطي غادروا البلاد منذ تولي محمد مرسي السلطة وحتى منتصف أغسطس 2012 أي خلال اقل من شهرين ونصف. وفي المقابل، اعتبر باحثون مصريون أن عدداً من الاقباط المصريين عادوا إلى مصر عقب الثورة وان نسب الهجرة تراجعت بعد حكم "الإخوان" بسبب قبولهم للحكم الإسلامي!. ومن الواضح ان تقديرات خروج اكثر من 100 الف قبطي من مصر خلال العامين الماضيين مبالغ فيها، في المقابل فإن من الخطأ انكار وجود مشكلة والحديث عن عودة المسيحيين لمصر، حيث تشير كافة المشاهدات إلى تزايد ميل المسيحيين المصريين للهجرة عقب الثورة. وهو ما برز في التصريحات العدائية التي اطلقها عدد من رموز التيار الجهادي في مصر وخاصة عاصم عبد الماجد التي هددت الاقباط من مغبة الخروج في تظاهرات 30 يونيو ضد الرئيس مرسي. وهي التهديدات التي رفضتها النخبة القبطية مشددة على أنها جزء من الكتلة الوطنية وليست فصيلاً دينياً يجر لصراع طائفي.
وينطبق التفسير الكلاسيكي لهجرة المسيحيين العرب على المسيحيين المصريين، فقد تزايدت الهجمات الطائفية منذ ثورة 25 يناير 2011 واخرها أحداث الخصوص والهجوم على الكاتدرائية المصرية. في الوقت نفسه، فقد ساهم تردي الاوضاع الاجتماعية والازمة الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة إلى بحث الكثير من المصريين عن فرصة للهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل وسط شكوك بشأن مستقبل البلاد في ظل حكم "الإخوان". ولكن يبدو أن تزايد اعداد المهاجرين من الاقباط خلال السنوات الأخيرة ساهم فيه عوامل آخرى ومن ابرزها هو تكون "جيتوهات حاضنة" ضخمة للمسيحيين المصريين في الولايات المتحة وكندا واستراليا ودول اوروبية أو كما اسميناها "شبكات الأمان".
وفقاً لبعض التقديرات فإن عدد الأقباط في "المهجر" يبلغ حالياً ما بين 3 إلى 4 ملايين نسمة أغلبهم يتمركزون في الولايات المتحدة وكندا واستراليا. وبحسب البيانات الأمريكية المتوفرة فإن نحو 120 الف مسيحي مصري هاجرو إلى الولايات المتحدة خلال الفترة من 1967 إلى 2003. فخلال موجة الخروج الكبيرة للمصريين عقب 1967 بسبب الهزيمة العسكرية ولإحباط وتدهور الظروف المعيشية وضعف الفرص للصعود الاجتماعي فضل أغلب المسيحيين الاتجاه غرباً (لأسباب اجتماعية ودينية وثقافية) بينما اتجه اغلب المسلمين لبلدان الخليج العربي. وبحس عدد من الباحثين فإن نسب المسلمين والمسيحيين الذين هاجروا خلال تلك الفترة كانت متقاربة. ولكن الفارق أن الهجرة للخليج العربي كانت هجرة مؤقتة بينما كانت الهجرة للغرب "دائمة" لاسباب تعود للانظمة القانونية المختلفة بين البلدان. ومن هنا فإنه كان منطقيا أن يشكل المسيحيون في الغرب والولايات المتحدة "شبكات أمان" عائلية وكنسية ضخمة مثلما تفعل اي مجموعات مهاجرة كبيرة في هذه البلدان.
ولعل دراسة مسحية بسيطة قام بها الباحث على فصله الدراسي (خلال المرحلة الاعدادية) تمثل دليلاً على الفرضية السابقة. حيث أظهر المسح على طلاب الفصل الدراسي أن 90% من الطلاب المسيحيين هاجروا لدول غربية عقب تخرجهم من الجامعة في بداية القرن الحالي. وبسؤالهم عن سبب الهجرة كانت نسبة المهاجرين لاسباب دينية مباشرة صفر بالمائة. واعتبر 80% منهم أن السبب الرئيسي هو البحث عن فرص للصعود الاجتماعي و20% لتوفير حياة أفضل لابنائهم. وساعدت شبكات الأمان العائلية في دول المهجر من الاقارب والاصدقاء والمؤسسات الكنسية نحو 70% منهم على الحصول على فرص عمل والنجاح في توفير مسكن مؤقت لحين الاستقرار مما ساعد في نجاح تجربتهم للهجرة خارج مصر.
وفي العراق، تشير أغلب البيانات المتوفرة إلى أن ما بين نصف إلى ثلثي المسيحيين البلاد غادروا البلاد من 2003 لينخفض عددهم من 1,4 مليون نسمة إلى نحو 900 أو 600 الف نسمة. وساهم العنف الطائفي والظروف الاقتصادية الصعبة في هذا النزوح الجماعي للمسيحيين العراقيين إلى إقليم كردستان العراق أو دول المهجر. ومثل تفجير كنيسة سيدة النجاة في اكتوبر 2010. وقطع رأس الكاهن بولس اسكندر في 2006 وخطف 17 كاهنا آخرين واثنين من الاساقفة خلال الفترة من 2006 و2010 والهجمات الطائفية على احياء المسيحيين في بغداد والبصرة والتهديد المباشر من تنظيم "القاعدة" للمسيحيين من أبرز العوامل التي قادت لفرار المسيحيين من العراق. وبحسب ارقام كنسية فإن عدد الكنائس النشطة تراجع من 300 كنيسة إلى 57 فقط. ووفقاً للبيانات المتوفرة فإن اعداد ضخمة من المسيحيين العراقيين هاجروا من البلاد خلال فترة الحصار (تسعينيات القرن الماضي)، حيث تأثرت الطبقة الوسطى سلباً بالحصار واغلقت ابواب الصعود الاجتماعي أمامها. ونجد أن البيانات الامريكية تشير إلى أن أكثر من 100 الف مسيحي عراقي هاجرو للولايات المتحدة خلال هذه الفترة. وينطبق نفس الأمر على الدول الأوروبية مما دفع العراقيين المسيحيين مع دخولهم دائرة الحصار الطائفي والاجتماعي عقب الغزو للرحيل فوراً أو اتخاذ اقليم كردستان كمحطة للمغادرة انتظاراً للحصول على التأشيرات للخروج.
أما في سوريا، فقد شهدت مناطق الصراع الرئيسية في حلب وحمص عمليات نزوج جماعية تزامنت مع عمليات خطف لقيادات كنيسة كمطران حلب. ولكن لا يوجد مؤشر واضح على أن هجرة جماعية للمسيحيين وهو ما يعود بالأساس لتركز نسبة كبيرة منهم في دمشق والمناطق البعيدة عن الصراع إلى جانب كون المسيحيين يمثلون كتلة رئيسية من الطبقة الوسطى وطبقة الملاك مما يجعل تكلفة الهجرة مرتفعة. ولعل هذا يتناقض مع بيانات تشير إلى مغادرة 400 الف مسيحي سوريا خلال العامين الماضيين (وهي الارقام التي لا يوجد دليل على صحتها). ولكن من المؤكد أن وجهة الهاربين من نيران الصراع في سوريا من المسيحيين يفضلون دول الغرب، حيث تشكلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة مجموعات ضخمة من المسيحيين السوريين. وبحسب الباحث السوري جورج كدر فإن نحو 500 ألف سرياني وأشوري وكلداني من الشمال السوري والعراقي استقروا في السويد وهولندا وألمانيا خلال التسعينيات.
في المقابل، فنجد أن لبنان يمثل حالة خاصة حيث تشير عدد من التقارير والدراسات إلى تراجع هجرة المسيحيين خلال السنوات الأخيرة في ظل انخفاض حجم التهديد الطائفي ودخول البلاد في معترك الصراع بين السنة والشيعة وانقسام المسيحيين سياسياً بين فريقين احدهما مؤيد للشيعة والأخر مؤيد للسنة مما يجعلهم في مأمن "مؤقت" من التحول لطرف رئيسي في الصراع على غرار الحرب الأهلية (1975- 1990). بل أن دراسة حديث عن "الواقع الديموجرافي في لبنان" أشارات إلى تراجع نسبة الهجرة بين المسيحيين اللبنانيين منذ منتصف الثمانينيات وحتى عام 2011 إلى نحو 47% من المهاجرين مقابل 53% للمسلمين.
هكذا فإن الباحث يعتبر أن هجرة المسيحيين العرب ليس ظاهرة جماعية تنطبق عليها فرضية "النزوح الجماعي"، حيث إن خروج المسيحيين يجيء في إطار اجتماعي يدفع كتل كبيرة من الطبقة الوسطى للبحث عن حل خارج الإطار الجغرافي للوطن الأم. ويظهر في هذا السياق ارتفاع فرص المسيحيين للذهاب غربا بسبب "شبكات الأمان" التي تشكلت عبر العقود الخمس الماضية في هذه الدول. ولكن هذا لا ينف أن الخصم الكبير والمستمر من أعداد المسيحيين العرب يهدد الرصيد الثقافي والتعددي للحضارة العربية مالم يتم البحث عن صيغة لايجاد صلة واضحة بين أبناء المهجر من المسيحيين ووطنهم العربي خلال الفترة المقبلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.