كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرية العقيدة و الفكر في سياق الخاص و العام
نشر في حريات يوم 17 - 05 - 2014


مقدمة:
تهدف هذه الورقة إلى تحديد موقف من قضية هامة، قديمة و متجددة، شغلت و ما زالت تشغل اهتمام العاملين في مجال العقيدة و الفكر في الفضاء العام. و لذلك لا تتأسس هذه الورقة على إحالات و مراجع و هوامش بالشكل الدقيق و المنظم، مثلما هو في مجال الدراسات و البحوث الأكاديمية. و ذلك أن غرضها أن تحدد بوضوح البؤرة المركزية في هذه القضية من واقع موقف التضاد أو التطابق و الإختلاف في المجالين، الذين أطلقنا عليهما بصيغة التعميم مجال "الخاص و العام". و في الواقع واجهت كاتب هذه السطور في البداية مشكلة تحديد عنوان لهذا الموضوع، فاللغة أحياناً لا تسعف الإنسان لتحديد مقاصده بشكل واضح و دقيق. فقد تراوحت الخيارات بين المحلية، و العالمية، ثم الخصوصية و العمومية، ثم قوانين الشريعة الإسلامية و القوانين العالمية. ثم اقتصرت أخيراً على الخاص و العام برغم عدم وضوحه، على أن أحدد ذلك لاحقاً خلال الندوة. لذلك يقصد بالخاص هنا قوانين الشريعة الإسلامية في شكلها الجنائي العقابي كما مثلتها الحدود، و التي من بينها "حد الردة"، بينما يقصد بالعام هنا هو مواثيق حقوق الإنسان العالمية كما مثلها كل من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية و السياسية، و الصادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر من العام 1966م، و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و الصادر أيضاً عن الأمم المتحدة في 10 ديسمبر من العام 1948م. و السؤال المركزي هنا هو: هل يوجد تضاد بين قوانين الشريعة الإسلامية، و مواثيق حقوق الإنسان؟! هل من الممكن أن يعيش الإنسان أو المسلم المعاصر الآن في مجتمع يلتزم بالتطبيق الكامل لقوانين الشريعة الإسلامية، بما فيها الحدود و في نفس الوقت يتمتع بكامل حقوقه الإنسانية التي أقرتها مواثيق حقوق الإنسان؟؟!!
بعض التعريفات:
ماذا يقصد بحرية العقيدة و الفكر؟ أعتقد أننا يمكن أن نتفق على التعريف اللغوي كما حددته معاجم اللغة العربية. لقد نظرت في عدد من هذه المعاجم اللغوية تحت بند كلمة حرية، و حصلت على التعاريف الآتية:
*القاموس المحيط للفيروز أبادي: ورد تحت باب "حر"، و مشتقاتها: حرر، حرية، تحرير، حريات.
الحرية: الخلوص من الشوائب، أو الرق، أو اللؤم.
الحرية: حالة يكون عليها الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة، و يتصرف طبقاً لإرادته و طبيعته.
الحرية: خلاف عبودية
الرجل الحر: الأصيل غير المقيد، و لا يباع.
بحرية: بلا تكلف، و بلا احتراس، و لا يشترى
*لسان العرب لابن منظور: الحر من كل شئ، هو أعتقه و أحسنه و أصوبه.
الشئ الحر: هو كل شئ فاخر، و في الأفعال، هو الفعل الحسن، و الأحرار من الناس: أخيارهم و أفاضلهم. و تطلق الحرية على الخلاص من العبودية، فعندما يقال هو حر، أي غير مسترق أو مملوك.
و في معجم مختار الصحاح، ورد معنى كلمة الحرية بنفس هذا المعنى تحت مادة "حر". و الحر ضد العبد. و تحرير الرقبة: عتقها. و على ضوء هذا المعنى اللغوي الذي تتفق عليه أغلب إن لم يكن كل المعاجم اللغوية في اللغة العربية، يمكن أن نقيس معنى مفهوم "حرية العقيدة و الفكر، و التي تعني حرية الفرد في أن يعتقد و يفكر بلا قيود عليه من آخرين. و هذا يعني ضمناً، حرية الدخول و الخروج من عقيدة ما.
و السؤال هو: هل حرية العقيدة و الفكر بهذا المفهوم مكفولة في الدين الإسلامي؟
للإجابة على هذا السؤال، علينا الرجوع إلى النصوص التأسيسية للإسلام، والتي تتمثل في النص الأول و النص الثاني، و هما القرآن الكريم و الأحاديث النبوية. في القرآن الكريم، يمكن أن نستشهد بالنصوص الآتية:
1."و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها و إن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب و ساءت مرتفقاً". الكهف- 29
2. "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها و الله سميع عليم". البقرة- 256
3. "قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها و ما أنا عليكم بوكيل". يونس- 108
4. "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم".
يلاحظ من خلال تلك النصوص السابقة، أنها تؤكد بوضوح على حرية اختيار الفرد لعقيدته أو دينه. و لا تشير مطلقاً إلى أي عقوبة دنيوية حول مسألة الإعتقاد. و في دراسة أعدها الكاتب السوري/ محمد منير أدلبي، بعنوان: قتل المرتد: الجريمة التي حرما الإسلام، أكد من خلال نصوص القرآن أنه لا توجد أي عقوبة دنيوية للمرتد.
حرية العقيدة و الفكر في المواثيق الدولية:
1.الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1948م:
لقد ورد التأكيد بوضوح على حرية العقيدة و الفكر في كل من المادة 18، و المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
المادة ( 18 )
"لكل شخص الحق في حرية التفكير و الضمير و الدين، و يشمل هذا الحق، حرية تغيير ديانته أو عقيدته، و حرية الإعراب عنهما بالتعليم و الممارسة، و إقامة الشعائر و مراعاتها سواء كان ذلك سراً أم مع الجماعة."
المادة ( 19 )
"لكل شخص الحق في حرية الرأي و التعبير، و يشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، و استقاء الأنباء و الأفكار، و تلقيها و إذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".
2.العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية، الصادر عن الأمم المتحدة في ديسمبر 1966م:
لقد ورد أيضاً بوضوح في الجزء الثالث من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية و السياسية، في كل من المادة 18، و 19 التأكيد على حرية العقيدة و الفكر:
المادة ( 18 )
1 .لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة..
2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره..
3. لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، إلا للقيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية..
4. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم، في تأمين تربية أولادهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة.
المادة ( 19 )
لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. .1
2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها..
3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
*هل يوجد تضارب بين حرية العقيدة في الشريعة الإسلامية و مواثيق حقوق الإنسان؟
نلاحظ أنه على الرغم من خلو نصوص القرآن كلها بشكل واضح من أي نص بخصوص حد الردة، و بالرغم أيضاً من إقرار نصوص القرآن الصريحة بحرية العقيدة و الفكر، ظل حد الردة، و تهمة التكفير موجودة في كل عصور التاريخ الإسلامي، و تمت تصفية الكثير من المفكرين الأحرار بحد الردة، سواء بواسطة السلطان، أو بواسطة بعض الجماعات السلفية المتطرفة التي تستند على بعض التفسيرات الخاطئة لبعض نصوص الأحاديث النبوية. كما ظل حد الردة قائماً في القانون الجنائي السوداني، و اللحظة التي أعد فيها هذه الورقة حكمت محكمة في الخرطوم على طبيبة بالإعدام شنقاً حتى الموت بحجة أنها ارتدت من الإسلام إلى المسيحية، و أعطيت فرصة ثلاثة أيام للاستتابة.
و تمت محاكمتها بالمادة 126 من القانون الجنائي السوداني، و التي تنص على الآتي:
1.يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة.
2.يستتاب من يرتكب جريمة الردة، و يمهل مدة تقررها المحكمة، فإذا أصر على ردته، و لم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام.
3.تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ.
على ماذا يستند الذين يقررون حد الردة في دساتير الدول؟
يستند أغلب هؤلاء على الحديث النبوي: "من بدل دينه فاقتلوه". و على الرغم من أنني لست ميالاً هنا للدخول في جدل ثيولوجي حول حد الردة في الإسلام، إلا أنني يمكن أن أذكر هنا أن هذا الحديث عند أغلب العلماء المعاصرين هو حديث آحاد، و بهذا فهو لا يمكن أن يؤخذ به في قضية خطيرة مثل قضية إعدام إنسان. كما أن حد الردة لم يرد في نصوص القرآن، و القرآن كما هو معلوم عند الفقهاء يعتبر نص أول بينما الأحاديث النبوية تعتبر نص ثاني، و لا يمكن أن ينسخ الحديث النبوي الآية القرآنية. و ينكر أغلب العلماء المعاصرين الآن مثل محمد سليم العوا، و جمال البنا وجود حد للردة في الإسلام.
الردة في التاريخ:
حروب الردة الشهيرة: ( 11ه- 13ه ) ( 632- 634م )
كانت أول ثورة و تمرد على الحكم الإسلامي المركزي، و اندلعت بعد موت النبي مباشرة، و شكلت خطراً جسيماً على سلطة الخليفة الأول أبو بكر الصديق، و على الدولة الإسلامية الوليدة. و يعزي أغلب المؤرخين قيامها إلى مجموعة من الأسباب: 1. موت النبي. 2. اعتقاد البعض أن النبي انتهت بموت النبي. 3. رفض البعض دفع الزكاة باعتبارها ضريبة خاصة بأبي بكر. 4. رفض خلافة أبي بكر نفسها. 5. رفض بعض القبائل للسلطة المركزية بسبب العصبية القبلية.
يري أغلب المؤرخين المعاصرين أن قتال أبو بكر للمرتدين ليس بسبب العقيدة، و إنما بسبب خروجهم المسلح على الدولة، مما يعتبر شئ أقرب إلى العصيان المدني و السعي لتقويض شرعية الدولة. لذلك يورد الطبري أن القبائل الباغية بادرت بحصار المدينة، و مصادمة المسلمين خاصة قبائل عبس و ذبيان، مما يجعل قتالهم نوع من رد العدوان. كما بادروا بقتل المسلمين من أهلهم. لذلك يؤخذ ذلك العصيان المدني الذي اشتهر في التاريخ الإسلامي باسم حروب الردة في سياقه التاريخي، من أنه شكل من أشكال الرفض لمركزية الدولة التي بدأت تتكون على أساس عصبية قريش. و هنا يمكن الرجوع لسيد القمني في "الحزب الهاشمي"، و الشيخ/ خليل عبد الكريم في مركزية قريش من القبيلة إلى الدولة. كما أنه في كل عصور التاريخ الإنساني يجب الأخذ بحذر لمسألة وصف السلطات الرسمية لمعارضيها- نموذج مسيلمة "الكذاب" الذي تزعم المعارضة في اليمامة ضد مركزية قريش التي بدأت في التشكل بظهور النبوة في مكة و المدينة.
نماذج لمن طالتهم تهم التكفير في التاريخ الإسلامي:
1.الإمام أبو حنيفة: رمي بالكفر و اعتقل و عذب و سجن حتى مات، ثم حفروا قبره، و نبشوا جثته، و أحرقوها و دفنوا كلباً في قبره.
2.في القرن الثالث الهجري، رمي البخاري بالكفر، و أشهد على كفره ثلاثة آلاف من العلماء.
3. ثم أحمد بن حنبل في قصة خلق القرآن المشهورة مع المعتزلة.
4. تم تكفير الطبري- شيخ مفسري القرآن كما يعرف الآن عند من يسمون أنفسهم بأهل السنة- من قبل الحنابلة، و حالوا بين الناس و دفنه في مقابر المسلمين، و لم يدفن إلا ليلاً في داره بواسطة أربعة أفراد فقط.
5. الجعد بن درهم، و غيلان الدمشقي، و القائمة طويييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييلة.
هذه مجرد نماذج. لذلك فإن إشهار سلاح التكفير، و القول بقتل المرتد بخلاف عدم حجيته، و بشهادة التاريخ الإسلامي حسب الباحث السوري محمد منير يجعل طاحونة القتل بسبب الردة و الكفر تدور بلا توقف و لا ينجو منها أحد.
*شهادات مفكرين معاصرين:
1.جمال البنا: ينكر حد الردة و يعتبرها مجرد صناعة فقهية سياسية لخدمة السلطان، و لا علاقة لها بحماية الدين. و قال إن فقهاء الحكم اختلقوا حد الردة و وضعوا له قائمة طويلة من التهم، مثل الخروج على الحاكم، و إنكار الحجاب، و غيرها من القضايا العامة، في حين أن مسألة الردة قضية شخصية تماماً، مستنداً إلى قوله تعالى: "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها". و أكد أنه لا يوجد في الإسلام ما يسمى حد الردة، أو وجود عقوبة دنيوية لها. و ذكر أن القرآن ذكر الردة مرات عديدة و لكنه لم يذكر عقوبة لها.
و في حروب الردة، يقول البنا: لم تكن ردة دينية، و إنما سياسية حيث رفض بعض المسلمين مبايعة أبي بكر الصديق، و دفع الزكاة، و أرادوا الرجوع للأحكام القبلية، و اعتبروا أن الإسلام انتهى بموت النبي، فكانوا مجرد ثائرين على الحكم دون الخروج عن الإسلام، و بالتالي لا علاقة لحروب الردة بالخروج عن الدين.
2. في اللحظة التي أكتب فيها هذه الورقة ظهر فديو متداول الآن في المواقع الإليكترونية للإسلاموي الكويتي الدكتور/ طارق السويدان يذكر بوضوح أنه لا يوجد حد للردة في الإسلام. و ذكر أن هناك عشرات من الآيات القرآنية تقر بحرية العقيدة، فلماذا أتركها و آخذ حديث من بدل دينه فاقتلوه، و القرآن حسب قوله مقدم على السنة. كما أن هذا الحديث يؤخذ في سياقه التاريخي في صدر الإسلام حيث كان البعض يستهتر بعملية الدخول و الخروج من الإسلام، لذلك وضعه النبي لقفل ذلك الباب، أما الآن فلا داعي لذلك، لأنه لا يضير المسلمين خروج شخص أو شخصين من الإسلام.
و السؤال الذي يبرز الآن لماذا إذاً ظل حد الردة ثابتاً في أغلب البلدان العربية و الإسلامية؟
من المعلوم أن أغلب البلدان العربية و الإسلامية تحكمها نظم بوليسية، وصلت للسلطة إما عبر الإنقلاب العسكري، أو عن طريق الوراثة، و بالتالي فهي تعاني من عقدة شرعية، و تفتقد للتويض و السند الشعبي، لذلك وجدت حد الردة كسلاح سياسي لقهر خصومها المناوئين خاصة في حالة الجماعات اليسارية. كما يعتبر حد الردة بهذه الصورة حسب بولنتزاس، ضمن منظومة القهر الأيديولوجي و القمع الفيزيائي، و أداة للسيطرة على كل من تسول له نفسه الخروج على السلطان الأوتوقراطي.
أسئلة حول حد الردة:
1.من الذي يعطى حق الحكم بالردة، أي من يحدد صواب إسلام الآخرين من عدمه؟
2.ألا تعتبر الاستتابة نفسها نوع من الإرهاب الفكري؟
3.إذا تراجع شخص استتيب بسبب الخوف، ألا يعتبر ذلك نوع من تربية الناس على النفاق الذي يعتبر نوع من الشرك الأصغر بمفهوم الإسلام؟
4. ما هو الموقف إذا وصلت جماعة أصولية متطرفة لها تفسيرات خاطئة لمفاهيم الإسلام، مثل طالبان أو القاعدة للسلطة في بلد ما، و أشهرت سلاح الردة ضد الكل؟
5. حسن الترابي الآن وفق تفسيرات بعض السلفيين مثل عبد الحي يوسف و محمد عبد الكريم يعتبر كافر، هل يقبل بتطبيق حد الرد عليه؟
6. هل الحكم بالردة فردي أم جماعي؟؟ لقد ظل المدعو عبد الحي يوسف يصدر أحكام التكفير بشكل متكرر ضد الشيوعيين و البعثيين، و غيرهم من ذوي الاتجاهات اليسارية و الليبرالية، و لم تحرك ممارساته تلك أحد.
7. هل يتشكل قبول الإسلام بالقناعة أم بالتخويف و الإرهاب؟
8. لقد ولدت وسط أسرة مسلمة، لكن لو توفر لي لاحقاً عبر التعليم و التفكير الفلسفي الحر، و اقتنعت بأن أخرج من إسلامي الذي لم أختره، و إنما ورثته عبر الفطرة، هل من الممكن أن أخرج بلا مضايقات؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.