مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





خطاب التجاوز وتحولات المعرفةفي النظرية النقدية المعاصرة
نشر في حريات يوم 26 - 01 - 2015

إنّ المتأمّل في المشهد الثقافي لحضارة هذا القرن، القرن الحادي والعشرين، يدرك مدى تداخل المفاهيم وتشعّب النظريات، بل إلغاء الحدود بين حقول المعرفة المختلفة، ممّا يحملُ على الإقرار بأنّ الوثوقية، أو اليقينية أضحت بضاعةً مزجاةً، لا مكان لها في هذا العالم المُعَوْلَم/المُرَقْمَن، ومن ثمّ تصبح كلّ دعوة إلى الموضوعية محفوفة بالمزالق والعقبات، بل إنّ متبنيها، حينذاك، يغلق على نفسه في سجن الدوغمائيةDogmatisme كما كان حال البنيوية فيقع حبيس أنساق وأنظمة متخيَّلة، تزعم امتلاك الحقيقة القارّة الشافية التي تتسلط بما تعتقده. ومن أوضح ما يرفد هذا التحوّل في منظومة المفاهيم، ما عُرف أواخر القرن الماضي بِ"اتجاهات ما بعد البنيوية"PostStructuralisme، أو ما بعد الحداثة PostModernité، أو ما يُعرف اليوم ب"الحداثة الفائقة"Hypermodernité، حيث تمّ الإعلان، من خلالها، عن تشظّي معاني النّصوص وانتشارها، بل وتشتّتها. فالحقيقة/المعنى وهم من أوهام القارئ الاستهلاكي، والنصّ مجموعة نصوص متداخلة (تناص)Intertexte، ومن ثمّ غياب الأحادية/الحَرْفيةLittéralitéفي المنهج؛ لتصبح العلاقة بين التفكيكي والأسلوبي، والسيميائي، والفلسفي، والإيديولوجي، والتاريخي، والاجتماعي، والنّفسي، والثقافي، من التشابك بحيث يصعب إدراك الحدود والتخوم التي يقف عندها هذا المنهج أو ذاك. بل يُحتفى، اليوم، بميلاد مشروع جديد أسموه"النّقد الثقافي"، ليكون بديلاً عن"النّقد الأدبي"، ويشيع حديث"النهايات/البدايات"؛ نهاية الإنسان المُؤَنْسَن وميلاد الإنسان المُرَقْمَن/المُعَوْلَم، نهاية الحدود/الجغرافيا، وميلاد الفضاء/اللاّمكان، نهاية المثقّف، وميلاد النجم، نهاية النصّ وميلاد النصّ الإلكتروني/المترابط/الفائق.
وقد عبّر عن هذا التحوّل في الأجهزة المفهومية للنظرية النّقدية المعاصرة، لفيف من الباحثين، حينما اتخذوا"اجتياز الحدود"Passagedesfrontières، عنوانًا لندوتهم، التي خصّوا بها بالدراسة والبحث مشروع استراتيجية التفكيك احتفاءً بفيلسوف الاختلاف والغيرية، الفرنسي"جاك دريدا"JaquesDerrida(1)(1930 2004)، الذي يُعزى إليه فضلُ تقويض مركزية العقل الغربي Logocentrisme، وإشاعة فلسفة الشكّ والعدمية، معبّرًا بذلك عن إفلاس أورغانونOrganonهذا العقل، وهشاشة فروضه. فكان نتيجة ذلك، إهماله للآخر/المختلِف/المطموس/الهامش/اللاّعقل، كوجود وكينونة أزاحه هذا العقل/المركز وغيّبه عن الظهور. ومن ثمّ أضحى من الأحكام الجارية مجرى البداهات والمسلّم بها إخضاع كلّ معرفة تتقنع بالعلمية أو العقلية، حتّى تلك التي تُعرف بالعلوم الدقيقة أو الصحيحة، للمساءلة، والعمل على تفكيك أنظمتها المركزية لتجلية المطمور/المغيّب فيها، فرميها، بعدئذٍ، ب"النّسبية".
إنّه السؤال ؛ سؤال الفلسفة، حيث لا وجود لحقيقة ثابتة إلاّ بقدر ما يستطيع كشف الحقائق الخافية، تلك التي أزاحها العقل المركزي عندما أعطى لنفسه حقّ امتلاك الأجوبة عن كلّ الأشياء، مُقفِلاً، بذلك، باب السؤال، فتحوّلت المعرفة معه إلى حقيقة يقينية/ثابتة/وثوقية. فكان من ثمار هذه الفاشية، أن تشكّل نظام معرفي، مرجعه الإجرائي عقل يقيني/شمولي، تسيّجت داخله المعرفة، وتحوّلت، بفعل التهميش، إلى خطاب إيديولوجي قاهر، لا غاية له إلاّ التمركز حول ذاته المتعالية/العارفة، مهاجمًا سائر العقول المناهضة له، بما أقرّه من يقينيات وحقائق، دون أن يطرح على ذاته وعلى هذا العقل/الآخر، من يكون هو، ومن يكون هذا الآخر الذي أزاحه بفعل التعالي، وكان عليه أن يستوعبه، ويفتح معه باب الحوار، ولمَ لا التواصل، وأن ينقد، في الآن نفسه، فروضه، في إطار ما يعرف ب"نقد العقل المحض"، الذي أرساه"إيمانويل كانط"EmmanuelKant(1724 1804)في إطار فلسفة التعاليLaPhilosophieDeLaTranscendance، بوصفها تأسيسًا للعقلانية النقدية.
والحقيقة، فإنّه لا فكاك لأيّة دراسة ترنو إلى فتح مغاليق المعرفة ومجاهيل نصوصها من رؤية تأويلية، تؤسّس لفلسفة السؤال الذي لا ينتظر إجابات، وتدحض كل خطاب جاهز لا يسمع إلاّ صوته، ولا حقيقة إلاّ كلامه. »والواحد الذي يتكلّم وحده، لا يتكلّم حقًا، لا يكتب، لا يقرأ. إنّه النصّ الذي لا نصّ له. وحده النصّ المتكلّم وحيدًا هو الأصمّ الأبكم الذي يصير كلامه مجرّد أصوات فيزيائية ترتدّ إلى أذنيه. والخطاب الجاهز يعجز أن يكون له نصّ. لأنّ النصّ في ماهيته هو قابلية القراءة«(2). فالجاهزية قتل للتعدّد وحبس لصوت الآخر، بل هي، والقول لصفدي، تفترض الانتهاء قبل الشروع في القراءة. فماذا يقرأ القارئ في النصّ المقروء سلفًا، فهو عندما يتكرّر يستحيل أصواتًا خارجة من الفم أو متصوّرة في المخيال اللّغوي. فما الحاجة إلى النصّ ما دامت فعالية القراءة ملغية مقدّمًا(3).
إنّ الاحتفال بالسؤال، هاجسًا معرفيًا وديناميةً كشفيةً، في مشروع النظرية النقدية المعاصرة في زيّها التأويلي، أسهمَ في بلورة فلسفة الفهم لا كنمط معرفة وإنّما بما هي نمط وجود بوصفها الغاية التي لأجلها قامت الردّة المنهجية في أنطولوجيا الدازاين أو الفنومنولوجيا الهرمينوطيقية مع هيدغر، الذي يعدّ بحقّ مؤسّس الهرمينوطيقا في زيّها الفلسفي، وصاحب الفضل في كسر الطوق الذي أحاطت به فلسفة التعالي التفكير الفلسفي، فغدا معها مجرّد مفاهيم إجرائية باهتة، قصارى ما تملكه، هو التغنّي بالموضوعية العلمية كرؤية منهجية جديدة، تعمل على جعل المعرفة الإنسانية قابلة للقياس والبرهنة، ومن ثمّ الادّعاء بامتلاك الحقيقة كاملةً، والإحاطة بهذا الوجود/ العالم علمًا. وهذا يعبّر، في الحقيقة، عن غبطة العقل الغربي، أو بالأحرى عن طبيعته النّقدية إذ ما يلبث أن ينشئ مقولةً أو يضع مفهومًا حتّى يزيحه مسلّطًا عليه من يفوقه تفلُّتًا، ويتجاوزه تقلُّبًا، وكأنّي بهذا العقل يُخرج من ذاته عقلاً معاديًا يجاريه يُلغي بوجوده حضوره. وبدل أن يرضى الأوّل بهذا الواقع، ويسلّم بالطبيعة النّقدية أو التأويلية التي تميّز عمله، ينبري مناهضًا العقل المنتَج الذي أخرجه من صلبه، وهو، إذ ذاك، يعتقد بأنّ هناك إمكانًا للعثور على ذاته في هذا العقل، وبينما هو في غمار هذا المنظور التسلّطي ذي الطابع النرجسي يجد نفسه أسيرًا في سجن عقلانيته المتعالية تتلقّفه الموضوعية حينًا وتتصيّده المشاريع الإيديولوجية والأفكار الطوباوية أحايين أخرى.
هذا التحيّز لا يولّد إلاّ تحيّزًا مضاعفًا، يتبدّى في شكل ما يُعرف بالمشاريع العدمية، باعتبارها حداثة بعدية تصحّح مسار الحداثة التي تبقى، دائمًا وأبدًا، صوتَ العقل الباطن وضميره القَلِقَ الذي يأبى الصمت ويرفض الظهور. فقوّة الحداثة، إذًا، في ارتحالها وعدم القدرة على تقعيدها، وفي طابعها الإبداعي/ الهروبي الذي يسكنها، الذي به تتجاوز صفة الجمود/ السكون التي تطاردها، ومعها تصير مشروعًا بعديًا، وجملةَ بدائل تنزاح بها عن المعهود، وتُظهر بها ثوراتها المتلاحقة، تجريبًا وخلخلةً، كإعلان عن ميلاد البديل الفجائي، الذي يعدّ تلك اللّحظة النقدية الملازمة للحداثة. لكن ألا يمكن اعتبار هذا التحوّل المستمر في منظومة العقل الغربي حالةً جنونيةً تُدخل مشروعه المعرفي سجنًا أدهى من سجن الموضوعية / العلمية وأمرّ، إنّه سجن العدمية Nihilismeالذي تبدّت ملامحه في أنطولوجيا هيدغر، حين دعا إلى مناهضة مفاهيم الميتافيزيقا التقليدية، وإزاحة/ إعدام الذات المتعالية من مركز التفكير الفلسفي، وإشاعة الإنصات والتسليم والمشاركة والانفتاح مفاهيمَ بدائل لتجاوز هذه الأفكار/ الأصنام، أو لتوجيه الأنظار إلى الوجود بما هو سابق على الذاتية، ذلك الوجود الذي حبسته الميتافيزيقا في وعيها المزعوم وتصوراتها الواهية. أم إنّ العدمية، بما هي كذلك، تكون بمثابة المنهج الذي أخذ بيد هيدغر، وقبله نيتشه، لتأسيس مشروع الفنومنولوجيا الهرمينوطيقية، وفضح إيديولوجيا التعالي، وكشف ذلك الوجود المنسي/ المغيَّب، حجبًا وقهرًا. وكأنّ العقل الغربي يأبى، بنعته كلّ مشروع مختلِف/ غيري يُنتجه بالمرتدّ أو العدمي، الإقرار بأنّ العلمية أو الإمبريقية التي يحتمي وراءها ستكون الموت/ العدم الذي ينتظره، ألا يشهد العالم الغربي اليوم سيطرة التقنية/ الآلة، بوصفها ثمرةً قدّمها العقل بديلاً للإنسان ليسعد بها ويبني مجتمعه الجديد؛ المجتمع التقني/ الآلي، ويسكن وجوده المبتَكر؛ الوجود المادّي/ الاستهلاكي، حيث لا مكان للإنسان المُؤَنسَن. فإذا اتُّهم نيتشه بدعوته إلى موت إله العقل/ الميتافيزيقا، وهيدغر وفوكو وبارت ومن لفّ لفّهم من الفلاسفة الجدد، الذين نُعتوا بالعدميين، ب"موت الإنسان/ المؤلف"موتًا رمزيًا، فهاهي التقنية تجعله شيئًا/ معادلةً/ مُتعةً/ جسدًا، بل إنّ ما يُعرف اليوم بالعقل الرقمي RaisonNumériqueكتطور طبيعي لمسار العقل المتعالي/ الأداتي، يُعلن ميلاد مجتمع جديد، هو المجتمع الأثيري/ الافتراضي Virtuel، السبراني Cybernétique، الوسائطيMédiologique، الكوكبيUniversel، الذي لا مكان فيه إلاّ لإنسان جديد تخلّى عن دلالاته السابقة، أو ما يُطلقون عليه مرحلة ما بعد الإنسان Posthumain، أو "الإنسان العابر" l'hommealéatoireحسب عنوان كتاب فرانك تينلاند(*)FrancTinland. فأين نحن أمام هذه الثورة التقنية من عدمية أولئك الفلاسفة، ألا يمكن اعتبار دعوتهم العدمية نبوءة بما سيؤول إليه الإنسان في ظلّ السجون التي كان يتردّد عليها كلّ حين، ليُحال على سجن التقدّم والتكنولوجيا، تتمةً لمسيرة الخلاص والسعادة الأبدية التي وعدته بها الميتافيزيقا، حيث غدا فيه إنسانًا جديدًا يُطارد الإنسان نفسه، ويهدّد وجوده وهويته، بل، كما سيتمّ بسطه في ما بعدُ، إنّ التفكير الفلسفي، بما هو إبداع للمفاهيم، ونقد لذاته وتأويل لمعرفته وتجاوز لمقولاته، تراجع وبدا غريبًا أمام هذه الكائنات الجديدة، وتعالت الأصوات بنهاية الفلسفة وتراجعها أمام هذه الكائنات/ الأشباح.
هكذا، لم يعد للتفكير الفلسفي، في ظلّ هذه التحولات المعرفية، تلك السلطوية، أتراه يُمسك بيد المشاريع العدمية، في نسختها التأويلية، أم إنّه يرضى ويسلّم بهيمنة هذا الكائن الجديد، الذي أطلق حديث النهايات/ البدايات ؛ نهاية الفلسفة/ التاريخ/ الإيديولوجيات/ النقد الأدبي/ المثقف/ الإنسان، كبيان تأسيسيmanifesteعلى تغيّر المشهد الثقافيالسائد ؛ الحداثي/ ما بعد الحداثي، وميلاد ثقافة العولمةMondialisation/ Globalisation أوالحداثة الارتدادية ModernitéRéflexive،أوالفائقة Hypermodernité، أو السوبر حداثةSupermodernité. وهي كمفاهيم تعبّر عن صراع التأويلات داخل مناطق العقل الغربي، الذي يبدو أنّه استسلم لسيطرة هذا الشبح التقني البديل، الذي اكتسح حياة المجتمعات الغربية، اقتصاديًا، سياسيًا، اجتماعيًا، ثقافيًا، معلنًا عن إفلاس دوغمائيته وانهيار مشروعه الثقافي الذي لم يكن سوى إيديولوجيات متلاحقة، بدءًا من سلطان المؤسسة الدينية (المسيحية)، مرورًا بالمرحلة التنويرية التي أنشأت العلوم التجريبية/ المادية، وصولاً إلى هذه المرحلة، حيث توارت سلطة الذات، تيولوجيةً كانت، أو متعاليةً، أو عارفةً، أمام سلطة الآلة ومنطق التبادل وقانون السوق ومجتمع الاستهلاك.
إذًا، باتت الحداثة، بما هي فلسفة تأويل بامتياز، مطارَدَةً في هذا المجتمع الجديد، وإنْ بدتْ في مشروع حداثة ارتدادية/ فائقة، لأنّ قانون الاستهلاك ومنطق التبادل هو، في المحصّلة، وجه المركزية الغربية الجديد، الذي لا تتردّد في تغييره أو إعادة تجميله كلّ حين. فهو، بمنطق التمركز، إيديولوجيا مغايرة خرجت من عباءة المشاريع المُزاحة لتؤكد منطق الاحتكار وسلطة الأنساق المعرفية التي يعيش في رحابها العقل، أو الميتافيزيقا التقليدية التي تقف وراء كلّ تحوّل، داعيةً إلى الوثوقية والمطلقية والمعنى الأحادي، وواحدية التفسير/ الشرح، بدل منطق التعدّد والاختلاف، والنّقد، ونقد النّقد، والحوار التساؤلي، والفهم/ التأويل، وتأويل التأويل. وقد كان أوّل من عبّر عن هذه الردّة، أو بالأحرى"المرض التاريخي"من فلاسفة الغرب، حسب مطاع صفدي، هو هيغل ،»تحت مصطلحه الشهير: شقاء الوجدان، أو الوجدان الشقي. ذلك أنّ التاريخ أصبح يعني سيطرة مطلقةً للوعي على الأحداث وتوجيهها. غدا له معنى وحيد هو التقدّم. والتقدّم مقياسه حصائل التغيرات المادية التي تتحقّق في مجال الصناعة والعمل والتنظيم الاجتماعي. في حين يسيطر التاريخ هكذا على مسيرة الإنسان، يحتويه من كلّ جانب، يوجهه الاتجاه الوحيد المعقول، فإنّه لا تبقى ثمّة وجود لكلّ تلك العناصر أو القوى التي لا تجد لها تفسيرًا أو تجسيدًا في خطاب التقدّم وإنتاجاته«(4).
فهو نمط من التاريخ المتعالي، الذي يعمل على إزاحة كلّ فكر مناوئ لمركزيته أو إبداع تاريخ جديد منفتح يعبّر عن طبيعة الإنسان التفاعلية مع الوجود، وقدرته على صناعة تاريخه الخاصّ بوصفه، أوّلاً وقبل كلّ شيء، كائنًا تاريخيًا ينظر إلى الماضي من خلال أفقه الخاص ويسير في الزمان باتجاه المستقبل، ككائن تأويلي يرفض التسليم أو الوقوف على الدلالات القديمة التي تسلّمها من سلفه حقيقةً واحدةً كاملةً لا يلحقها قصور. وهو الحاصل في هذا التاريخ المكتوب الذي يقتل، بفعل الحضور والأسبقية، كلّ تاريخ جديد أو مُعاش، فهو التاريخ»الذي ينشئه الوعي عن وقائع تقدّمه يصير هو الدالّ الوحيد الذي لا يمكن لأيّة فعالية أن تحوز على ثمّة كيان دون أن ترجع إليه، وتدخل في شبكية تعليلاته [...]فالتاريخ المكتوب أي ما يمكن لثقافة معينة أن تعقلن عبره مسيرتها وأن تحدّد اتجاهها المتصوّر، وتفترض أسبابًا وغايات لكلّ أحداثه، إنّما هو نتاج عقلانية الوعي المسيطر«(5). فيكون، بهذا الصنيع، عقبةً في وجه تاريخ مختلِف كما كان في أوّل عهد هذا العقل مع الحكماء الطبيعيين، أو حتّى مع سقراط، حين كان سؤالاً/ تأويلاً لا إجابةً/ علمًا.
إذًا، غدا لزامًا علينا تأسيسًا على ما تمّ ذكره الالتفات إلى أهم قضية تواجه المعرفة النقدية بوصفها فلسفةً تأويلية بامتياز، ويتعلّق الأمر بمصيرها داخل هذا العالم الجديد ؛ عالم الصورة الرقمية، أو ما يُعرف في تكنولوجيا الاتصال ب"الميديائي أو الميديولوجي" Médiologique، حيث يتمّ التواصل بين البشر عبر نظام الوسائط، ويشيع حديث النهايات/ البدايات أو النهايات/ البعديات ؛ نهاية التاريخ/ ما بعد نهاية التاريخ(6)، نهاية الحداثة/ ما بعد الحداثة/ الحداثة الفائقة أو بعد ما بعد الحداثة(7)، نهاية الفلسفة بالمفهوم التقليدي، أي بما هي، والقول لهيدغر، ميتافيزيقا تفكّر في الوجود من خلال تفحصها للموجود، وميلاد خطاب فلسفي جديد أعلن الثورة على كلّ تمامl'achèvementميتافيزيقي أو صرح يزعم معانقة الحقيقة وبلوغ اليقين(8)، بل إنّ الفلسفة في ظلّ هذا العالم التقني تشهد تشكّل عالم أخرويEschatologiqueأقلّ ما يوصف به أنّه تجسيد لفكر كارثي حلّ بهذا العالم الحديث، حيث غدا الخطاب المشترك بين كلّ المجالات هو الانهيار أو السقوط والموت والنهاية (انهيار الشيوعية، انهيار الاتحاد السوفياتي، سقوط جدار برلين…)، وكأنّ الأمر يتعلّق بقيامة على مستوى المعرفة، أو بالأحرى القيامة/ الرمز بوصفها إيماء لقيامة أخرى لمّا تأتِ، هذا الحديث عن خطاب النهاية في الفلسفة يسمّيه دريدا ب"القيامة الحديثة"l'apocalypse modern(نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية الفلسفة)، وقد وضع أساس تقاليد النهاية هذه، حسب دريدا، هيغل، ماركس، نيتشه، هيدغر(9).
كما انتهى دور الإنسان المؤنسَن، بما هو إنسان فلسفة الميتافيزيقا ليُفسح المجال لإنسان جديد، ليس إنسانَ الحداثة (موت الإنسان كما رأينا مع فوكو)، ولا إنسان ما بعد الحداثة الذي يعمل على إسراف طاقاته وتدمير إنسانيته ليبلغ أقصى ممكن فيه فيستنفده، بل إنّه إنسان الحداثة الفائقة ؛ الإنسان المُرقمن/ المُعولم الذي تنكّر لذاتيته بحثًا عن الكونية عبر نظام الوسائط، إنسان شائه تتلقّفه التقنية أحيانًا والبيولوجيا أحايين أخرى : إنسان بيوتقنيHommebiotechnique، أو إنسان الخلايا العصبيةHommeneuronalكما يبدو الآن في ظاهرة الاستنساخ أو أطفال الأنابيب، أو ظاهرة الشذوذ الجنسي(10) Homosexualité، التي فسّرت من منظور جيني، فأضحى الفرد من هؤلاء يملك الحقّ في إجراء جراحة تمنحه وجودًا بيولوجيًا جديدًا (التحوّل من ذكر إلى أنثى)، بل أضحت هذه الفئة تطالب المجتمع اليوم بأن يعترف بها، وهو ما بدأ ينتشر حقيقةً في بعض المجتمعات الغربية (إقرار زواج الرجال من الرجال والنساء من النساء في الدانمارك والسويد وأمريكا…). إنّ الإنسان الذي تقلّب كموضوع فلسفي، أي بوصفه ذاتًا متعاليةً/ عارفةً/مفكّرةً، هو اليوم وراثي، فهذا الإنسان الأخير، قد فهم على أنّه جينوم، خريطة وراثية وليس ذاتًا متعاليةً، إنّه ميلاد جديد للإنسان الأخير، الإنسان الإمبراطوري، بوصفه تجاوزًا لمراحله السابقة. وليس»ألطف أمارة ولا أقوى حجة على الطابع الإمبراطوري للإنسان الأخير مثل طابعه الوراثي والإيكولوجي : إنّه ليس سوى سلسلة من الكروموزومات نجحت في التجمّع والعمل في أفق متوالية من الأماكن والمساحات التي ليست وطنًا لأحد. لقد أصبح الإنسان فجأة حمضًا نوويًا يُبحث عنه تحت الأنقاض في البقايا الحيوانية التي تفوح من شوارع الحروب الإمبراطورية. وليس ردّ الإنسان إلى مجرّد حمض نووي سوى الافتراض النهائي بأنّه كائن إمبراطوري، في معنى أنّه حيوان أرضي ليست صفاته العرقية أو الثقافية أو العقدية غير أعراض مؤقتة وسطحية على ما يفترض أنّه هويته«(11).
إنّه، بعبارة أخرى، إعلان عن موت الإنسان ككائن تاريخي أسّس وعيه داخل أحداث التاريخ، تحوّلاً وتقلّبًا، وميلاد كائن بيولوجي لا ماضي له ولا أصلَ، كائن الآن واللحظة يعمل لصالح المادي والاقتصادي بدلَ الروحي والإنساني، كائن يسعى إلى أن يكون نجمًاunestarيُحتفى بنموذجه النجومي ولو على حساب الجميل أو الفنّي، وكأنّه إعلان عن موت المُثقّف النخبوي ونهاية الثقافة، ليأتي دور النجم والنجومية، أو قل ثقافة الصورة بديلاً عن ثقافة الكتابية؛»إذ بإمكان المرء أن يشاهد أي صورة دون حاجة إلى لغة ولا يحتاج إلى سياقات ثقافية ولا فكرية كي يفهم الصورة، وهذا أطلق إمكانيات التأويل الحرّ مثلما وسّع دوائر الاستقبال وساوى بين النّاس في ذلك وتراجعت النخبة أو لعلّها سقطت وسقطت معها الوصاية التّقليدية ورموز الثقافة التقليديين الذين كانوا يحتكرون الحقّ في التأويل وإنتاج الدلالات«(12). فالانتقال من الرمزية في زمن الكتابية إلى النجومية في عالم الصورة اقتضى موت الإنسان، أيضًا، مثقفًا وفردًا، لأنّ النجم لا يُقصد به الفرد وإنّما هو مجموعة من»المواصفات الفنّية والثقافية لدور يمثّله نجم أو نجمة لا بقدراتهما الذاتية الحرّة والمستقلّة، ولكن حسب قدرة أيّ منهما في تمثيل الصفات وتمثّلها، حتّى إذا تراجعت قدرات النجم الصوتية أو الشكلية تمّت إزاحته ليحلّ محلّه نجم آخر، كما هو شائع لدى الفنانات في الإعلانات وعروض الأزياء والمذيعات وهو في عالم الرجال أيضًا ليس في الفن وحسب بل في السياسة أيضًا وفي كافّة صيغ الاتصال الجماهيري«(13). فالثقافة هنا، إذًا، والقول للغذامي ،»لا تُلغي الرمز القديم لتضع مكانه نجمًا رمزيًا جديدًا ولكنّها تُلغي دور الفرد من أصله وتحلّ محلّه منظومة ثقافية لها طابع نجومي نموذجي ونمطي في آن واحد، وهي تمثّل كتلة ثقافية ذات مواصفات فنّية وتجارية تبحث دومًا عن رقم يمثّلها ويؤدّي الدور الذي صار ثابتًا بوصفه دورًا مطلوبًا وهو متغيّر من حيث من يتمثلونه ويؤدونه بشرطه التام«(14).
والميديولوجياMédiologie، بوصفها تخصّصًا مُستحدَثًا كما يزعم دوبرايDebray، يدرس العلاقات بين الشروط الاتصالية وانتشار الأفكار تعدّ الأساس المرجعي الذي يستقيم به حال هذا العالم التقني ؛ إذ غدا ضروريًا أكثر من وقت مضى الالتفات إلى البعد الميديولوجي الذي يبدو أساسيًا لتحليل الخطاب، بل إنّه لا يمكن للخطاب أن ينتشر بعيدًا عن هذا النظام الوسائطي(15)، فقوّة الفكرة، وَفق هذا التصوّر، لا تكمن في مدى وجاهتها بقدر ما هي مرتبطة بقوّة مادّية ومؤسساتية تجعل للكلام أو الفكرة سلطة أو قوّة حضور ولو لم تكن ذات شأن. فالتواصل في هذا العالم لم يعدْ منحصرًا في بعض»الرموز والعلامات ولاسيّما اللّغة لتبليغ المعنى وخلق التبادل داخل الجماعة التواصلية فإنّ الزمن المُعاصر أنتج أنماطه الخاصّة للتواصل حيث عملت العقلانية التقنية على التحكّم في الأمكنة والأزمنة بشكل هائل وأصبح سلوك الإنسان الناتج عن هذه الأنماط التواصلية تابعًا لشبكات معقّدة توجّهها فئات محدّدة ضمن توازنات النظام وأولويات اختياره. ومن ثمَّ فإنّ ما يُسمّى بوسائط التواصل أصبحت لها دور وجودي كاسح ومؤثر في سلوك الأفراد والجماعات. لدرجة أنّها خلقت، داخل المجتمع الصناعي ما سمّاه هربرت ماركوز"مجال الخطاب المُغلق"«(16).
فكأنّ ماركوزMarcuseأدرك مدى الخطر الذي يحيط بالإنسان المُفردن داخل هذا المجتمع التقني، فالتواصل المزعوم، لا يعبّر في الحقيقة إلاّ عن هيمنة نموذج أحادي للمؤسّسة أو السلطة التي بيدها توجيه رغبات النّاس وتكريس ثقافة توحيد الأذواق والاختيارات في أنماط العيش، كلّ هذا عبر الإشهار كصورة زائفة/ مخادعة تؤسّس لنموذج التماهي/ السحري الذي يمارس الإغواء لفرض منتجاته وإلغاء منتجات غيره. إنّ هذا النظام الوسائطي»خلق نوعًا من الصدمة الثقافية أزَّمت كثيرًا من النماذج والمرجعيات لدرجة يمكن القول إنّ أزمة اللّغة والتواصل، في الزمن الراهن هي، في العمق، أزمة الكائن البشري في نظرته لذاته وللآخرين وفي تعامله مع الواقع ومع تحولات المعنى. إنّ التواصل باعتباره حالة تفاعليةً تجمع بين كونها أداةً وغايةً، يمكن أن يصبح عائقًا أمام ما يُفترض أن يقوم به، أو يغدو وساطة تحكم على الفرد بالانعزال أكثر ممّا تسهم [...] بمعنى أنّ التكنولوجيا المُستخدَمة في وسائط التواصل الحديثة تجاوزت الثنائية الميتافيزيقية بين الشكل والمضمون، أو بين النصّ والأداة، كم أنّها تخلق، في كلّ مرّة، وشيئًا فشيئًا، محيطًا بشريًا يختلف، باستمرار عن سابقه«(17).
إنّ هذا التحوّل لا يعدو أن يكون تجسيدًا لنموذج معرفي جديد لا يكاد يختلف عن المشاريع السابقة، أو بالأحرى هو إيديولوجيا جديدة تبدّت في زيّ مغاير، إنّه مجتمع الفرجة Sociétédespectacle، بما هو مجتمع صنعته الصورة وجعلته بديلاً عن الواقع الحقيقي، أو قل إنّ الواقع لا يكاد يبرز إلاّ في شكل صور وأحداث متلاحقة ينفي اللاحق منها السابق، »ذلك أنّ الثورة الإعلامية هي الآن بصدد إرساء عالم مغاير وبالتالي علاقة جديدة للإنسان بذلك العالم«(18). هذا، والحال إنّ المعرفة في ظلّ هذه التحولات الكبرى غدت مرتبطة بتكنولوجيا عالم الصورة ،»فتزاحم الصور وتشابك القنوات التي تنقلها يولدان اليوم رؤية بلورية تبدّل تمثلاتنا وحساسيتنا، وتتيح لمخيلاتنا العمل في فضاءات جديدة. إنّ الإنسان، وهو أمام الشاشة الصغيرة، يدرك العلائق ويربط ويفهم و"يتذكر" بكيفية مخالفة لما يقوم به وهو أمام نصّ مكتوب. ولعلّنا اليوم نقتنع، أكثر من أيّ وقت مضى، أنّ الصورة تتيح نمطًا مختلفًا لبلوغ المعرفة والتمكّن منها. إنّها أقوى بلاغة وأكبر قدرة على تكثيف المعاني وعرضها ونشرها«(19).
تُرى هل يمكن اعتبار الواقع الذي تصنعه الشاشة واقعًا زائفًا يحمل على القول إنّنا أمام تشكّل مجتمع جديد، لا يختلف شمولية أو كليانية عن المجتمعات القديمة، إنّه مجتمع الصورة، بما هو تأسيس للفرجة كإيديولوجيا بلا منازع. ذلك لأنّها»فن جعل الواقع مفعول ما يصوّر به وما يُقال عنه. إنّ المنطق المتحكّم هنا هو منطق غريب يمزج بين الحلم والواقع، ويخلق الواقع الذي يتنبّأ به فينبئ عنه. الإيديولوجية هي ما يجعل الأشياء حقيقة بمجرّد التأكيد الدائم على أنّها كذلك. والفرجة انفراج وفوهة وابتعاد. مجتمع الفرجة هو مجتمع يُعاش فيه الشيء مبتعدًا عن ذاته، مفوّضًا بديله وصورةً عنه. إنّها لبّ لاواقعية المجتمع الواقعي ،"لبّ سريالية الواقع". هو إذًا واقع يفتقد شيئًا من الواقعية، واقع يتلبّس الوهم، ويتحوّل إلى سينما«(20). ومن ثمّ فليس غريبًا أن تتحوّل اليوم الشاشة إلى صورة بديلة عن الواقع،»إنْ لم تكن هي الواقع ذاته في مباشرته وحيويته وحياته InLive، مع ما يتمخّض عن ذلك من تحوّل لمفهوم الحدث نفسه حيث تصبح الأحداث الجسام وقائع متنوعة تتكرّر وتجترّ، مع ما يتولّد عنها من تهوين للأهوال، ممّا يجعل الفرد عاجزًا أمامها عن أن يحسّ الإحساسات التي كان ينبغي أن يحسّها، ولا أن يستشعر المشاعر التي كان يلزم أن يستشعرها، ولا أن يرد ردود الأفعال التي كان يتوقّع أن يردّ بها. فكأنّ الفرد يفقد حس الواقعية، بل حسّ التمييز بين ما ينبغي أن يفعل وما لا ينبغي، ما يمكن أن يقبل، وما لا يمكن، ما ينبغي أن يُقال وما لا ينبغي، ما يلزم أن يستنكر، وما لا يلزم، ما يبعث الألم وما لا يبعث، ما يلهب المشاعر، وما لا…«(21).
إذًا، هذا هو الحال الذي آلت إليه المعرفة في الثقافة الغربية، ردّة على كل ما هو ميتافيزيقي، إنّه خطاب يحوم حول حديث النهايات والموت، أو بعبارة دريدا، خطاب تشكيلي في بلاغة الحدود(22)، تبدأ هذه الحدود بمعضلات وتنتهي بإكراهات، وكأنّنا، حسب دريدا، نقف عاجزين مشدوهين أمام ما يحدث داخل هذه التخوم، حيث يكون العالم الأخروي قد أحاط بهذا الوجود وأطبق على كلّ مفهوم يمت بصلة للميتافيزيقا أو الأصول، خطاب يفضح كلّ مستور ويعرّي كلّ ما لا نشاء أن نبوح به ولو أمام ذواتنا بوصفها الآخر المُختلف، هذا الذهول يجعلنا نسير في طريق مجهول لا نعلم مبتدأه ولا منتهاه، إنّه معبَر مسدود non-passageلا نملك إزاءه القدرة على حماية ذواتنا ولا اللجوء إلى من يأوينا أو يتمثلنا من الأفكار التي ندين بها، فلا وجود إلاّ للمكان الإكراهيaporétiqueالذي يفضح سرائرنا ويبدي سوءاتنا(23). إنّها بداية نهاية الفلسفة وتمام حدودها كما يقول هيدغر، أو الوقوع في مأزق وحرج كما يقول دريدا، هذا ما يجعل الفلسفة، بما هي بحثٌ مستديمٌ عن الحقيقة وسؤال أبدي يتعدّد أسئلة/إشكالات، دومًا قلقةً بشأن هذا العالم وما سيؤول إليه، فتكون هذه الحيرة بمثابة الاستعداد لهذا الشبح التقني الذي يطارد الفلسفة، والذي بدأت طلائعه تلوح في الأفق من خلال النزعات العلمية، فمهمة الفلسفة، حسب هيدغر، تكمن في نزعة الارتياب التي بها تبقى فنّ السؤال وإبداع المفاهيم، ومن ثمّ الاتصاف بطابع الحيطة والتهيؤ لا التأسيس sa tachen'aquelecaractèred'unepréparation et nullementd'unefondation، أي أنّه يتعيّن على الفلسفة أن تترك أوهام ميتافيزيقا الكشف والحقيقة المطلقة التي تطاردها لتحرك في الإنسان يقظة التهيؤ من أجل عالم ممكن تسكنه العتمة، قدومه مشكوك فيه ولكنّه ليس مستحيلاً(24). فتحذير هيدغر، إذًا، وقوله بوصول الفلسفة إلى تمامها، أي نهايتها، وقول دريدا بالوضع الإكراهي، لا يعني بلوغ الكمال بقدر ما هو تفكير فيما يتوجّب القيام به لمواجهة هذا العالم/ الشبح المُقبل والاستعداد له.
هكذا يبدو حديث النهايات وهمًا تدفع به الاتجاهات المعاصرة المناوئة لفكر الاختلاف والغيرية؛ للفلسفة بوصفها فن المساءلة بامتياز، لذا فالقول بموت الفلسفة إنّما هو حديث عن بلوغ تمامها، لتعيد تجديد آلياتها وتفحّص أدواتها، ومن ثمَّ فهي تموت لتبعث من جديد، أو بالأحرى، والقول لدريدا، فإنّ مسار الفلسفة نفسه يتمثّل في أنّها تمشي ظاهرةً على رأس الموكب، في الآن نفسه، الذي يقود سير جنازتها ومواراتها التراب، تنتظر على أيّ حال، أن تنهض وتقف على رجليها ثانيةً"بعثٌ"résurrection، مثيرةexaltationالقضايا/ الإشكالات من جديد(25). إذًا، يؤسّس دريدا ومن شايعه من فلاسفة الاختلاف خطابًا حول خطاب النهايات (النبرة الأبوكاليبسية)، يسائلونه، تقويضًا وخلخلةً، فهو بما يثيره من دعاوى لا يعدو أن يكون ترنيمةً مكرورةً، وكلامًا مُستهلَكًا(26)، يخفي وراءه نزعة دوغمائية لا تختلف عن الستالينية وغيرها من النزعات الشمولية/ الكليانية ؛ كالشيوعية، التي تدّعي أنّها جاءت لتحاربها حتّى لا تعود من جديد، فأنّى لها أن تطارد طيفًا لم يكنْ له وجودٌ البتّة(27).وليتأتّى لهذا الخطاب، الذي يجد مرجعيته في الليبرالية، ترسيخُ وجوده في هذا العالم ينبغي التعجيل بإعلان القيامة والتخويف من أهوالها، وكأنّها أفنت عالمًا لا تريد له أن يعود لتقيم عالمًا خالدًا لا يفنى، إنّه خطاب الليبرالية والرأسمالية بما هو إيديولوجيا جديدة تزعم قتلها لإيديولوجيا الشيوعية/ الطيف، أي المزعومة بدورها، وكأنّها ديانة تبشيرية جديدة تحمل أخبارًا سارةً للإنسان عن عالم أخروي لا مكان فيه للشيوعية، هو إنجيل جديد يبني رؤيته على موت متخيَّل ويبشّر بالديمقراطية اللّيبرالية ويقدّمها على أنّها الخبر السارّ الذي يجب أن يُحتفى به ويُتبنّى لأنّه النظام العالمي القادر على إزالة الفوارق بين الثقافات والشعوب المختلفة(28).
إذًا، تقيم هذه النزعة الإسكتالوجية عالمًا وهمًا على أنقاض عالم شبح/ طيف لا وجود له وهي، حينذاك، تدعو إلى عالم ما بعد القيامةmondepost-eschatologique؛ عالم الخلود الأبدي، حيث لا إنسان إلاّ إنسان التقنية، ولا تاريخ إلاّ تاريخ هذه النزعة الجديدة، ولا عالمَ إلاّ هذا العالم الدوغمائي/ الوهم/ الطيف، الذي يوهم الإنسانية بأنّ هناك عدوًا يقف بينها وبين حياتها في هذا العالم الجديد غير الفاني، لذا يتوجّب إفناء هذا العدو وإعلان نهايته. وحتّى يكتمل مشهد هذا العالم الجديد فإنّه يصطنع خطابًا يمثّل إيديولوجيته، إنّه خطاب العولمة لهذا العالم المُعوْلَم، الذي بشّر بقدومه هيدغر وحذّر من مخاطره ؛ إذ اعتبر أنّ نهاية الفلسفة أو تمام الميتافيزيقا وبلوغها مرحلة الموت، بوصفها مأزقًا أو إشكالاً يواجه الفلسفة، إنّما كان نتيجة سيادة النزعات العلمية التي تقود هذا العالم الجديد ذا الطابع السبرانيcybernétique، أي التقني، حيث بدأت تأخذ في الانتشار نظرة علمية للإنسانية، فاعلة في الوسط الاجتماعي(29). إنّنا بصدد تحوّل أنطولوجي على مستوى المقولات، فمقام أو سكنى الإنسان، بما هو إنسان إمبراطوري لم يعدْ »"مدينة" اللوغوس اليونانية ولا مدينة "الملّة" اللاهوتية ولا مدينة "الدولة" الحقوقية الحديثة. إنّ هذا المقام هو "العالم" متى أُخذ مأخذًا مدنيًا جذريًا بما هو اليوم، كما سمّاه أنطونيو نغري وميشال هاردت بحق، عالم الإمبراطورية«(30).
فهذا العالم الإمبراطوري، بوصفه مرحلة ما بعد إمبريالية، هو بحقّ العالم/ الشبكة lemonde-réseauككينونة جديدة تعبّر عن صيغة التقلّب والترحّل الجذري le nomadismeفيمسارات التحوّل داخل العقلالغربي، الذي لا يؤمن بغير طابعه التفلّتي الهروبي من كلّ مكان، بحثًا عن إقامة عالم يكون فيه اللاّوطن واللاّبيت واللاّإقامة والمنفى صفات وجودية لمقام الإنسانية الجديدة. فالإمبراطورية لا تعدو أن تكون شكلاً عالميًا جديدًا من السيادة على البشر،»فهو جهاز حكم بلا مركز ولا إقليم ولا حدود، إنّه نظام يؤبّد الوضع الراهن للقضايا ويغلّل إلى أعماق اليومي ويقضم فضاء العالم كرّة بعد أخرى ويخلق في كلّ مرّة ملامح العالم الذي يسكنه. إنّه"سلطة حيوية تسبح في الدماء لكنّها تهدي عملها للسلام سلام دائم وكوني يقع خارج التاريخ"«(31). إنّ هذا الميلاد الجديد للإنسان بما هو إمبراطوري، بقدر ما هو تعبير عن هذا التحوّل الطبيعي داخل مناطق العقل الغربي فإنّه حمل أخبارًا غير سارة لهذا العالم الذي أخرجه من رحمه ولفظه، فهذا العالم ؛ عالم الرقمنة "الديجتال" لم يكن ليتوقّع الأحداث التي وقعت في 11/09، مع كلّ ما حملته من دلالة حيوية وواقعية على صفة المباشرة InLiveالتي ينشدها هذا العالم، فقد كانت بمثابة الكابوس التاريخاني الذي أيقظ أمريكا من حلم إمبراطورية الديجتال التي أخذت أمريكا تتأهّب لفرضه على بقية الإنسانية، وهو كابوس لأنّه ليس حلمًا يستمدّ من الأفق الحقوقي للدولة/ الأمّة أدواته، بل هو واقعة قبل حديثة، من جهة المحرّك اللاّهوتي الذي ينطلق منه، وما بعد حديثة من جهة الاستيلاء العدمي على آلة الديجتال وتوجيهه ضد "الهائل" legigantesqueالتقني الذي تفتخر به إمبراطورية الديجتال«(32).
إذًا، هذا هو حال المشهد الفكري في الثقافة الغربية ؛ تحوّلات في المعرفة فسحت المجال لعالم جديد البروز وبسط هيمنته، عالم النهايات/ البدايات، أو عالم الخلود بوصفه عالم ما بعد القيامة، حيث تدفّق سيل من الخطابات حول انهيارات متلاحقة داخل العقل الغربي إيذانًا بموت ونهاية مشاريع فكرية باتت غير صالحة لهذا العالم الجديد؛ عالم الخلود إنّه الفكر الكارثي الذي يزعم فضحه وتعريته للخطابات الدوغمائية وإزالتها. هذا، والحال إنّ هذه الأحداث المتلاحقة التي صحبت هذا العالم الجديد ودشّنت من خلاله الردّة الوجودية على كلّ ما هو إنساني أو تاريخ أصيل لم تكن لتتجسّد لولا إمبراطورية الصورة الرقمية ؛ إذ»إنّ الطائرات التي فُجِّرت على برجيْ نيويورك ليست وسائل نقل عادية ؛ بل هي كائنات رقمية لم يعدْ ممكنًا فهمها بالاعتماد على التصوّر الأنثروبولوجي الأداتي للتقنية ؛ إنّ هذه الطائرات التي وُجِّهت ضد "الهائل" الذي اخترعه عصر التقنية أي ضدّ البديل التقني عن معنى "الجليل" lesublime الذي خلقته الأديان هي حيوانات ديجتال استطاع المسلم الأخير أن يدجّنها "بموته الخاص"، بفن مستحدث تمامًا من الموت الذكي، أي الرقمي، الذي لا علاقة له بأيّ نمط من الأنماط الحديثة للموت [...] فإنّ الموت القيامي للذين فجّروا أنفسهم على "الهائل" ما بعد الحديث هو موت شخصي جدًا، لأنّه موت ذكي هو نفسه خاصّية طريفة في العنصر الإنساني لم تكن ممكنة قبل عصر الديجتال«(33). إنّ العالم اليوم يشهد، عبر وسيط الرقمنة، ميلاد موت جديد مختلف عن الدلالات المتعدّدة للموت ،»فهناك موت طبيعي، وموت ما بعد طبيعي أي تأمّلي، وهناك موت طبّي وموت قانوني وهناك موت تاريخي وموت سياسي ؛ موتات عدّة يختبئ وراءها ممثّل وحيد هو الجسد الذي يعلن عن فساده وتُمات شهواته وتُستعمل رمزيته في الفضاء العمومي ويقرّر الطبيب غيبوبته اللاّمتناهية ويُشهد قانونيًا على غيابه الدائم. لكن ما وقع يوم 11 / 09هو نوع جديد تمامًا من استعمال الموت ومن ثمّ نوع جديد تمامًا من الإقامة في الجسد: إنّه الموت الرقمي. إنّه موت ذكيّ هو استعمال طريف تمامًا للجسد بوصفه كمينًا تقنيًا«(34).
تُرى هل هذه الصيحات المتعالية بموت القيم التي أقامتها الفلسفة في نسختها الميتافيزيقية، بأنْ اكتملت وبلغت حدودًا ينبغي ألاّ تتجاوزها، تجعل النظرية النقدية في نسختها الهرمينوطيقية، بدورها أيضًا، بما هي فلسفة تأويلية بامتياز، والعنصر الحيوي الذي به يحيا العقل ويتجرّد من تعاليه تهلك مع من شملتهم الصيحة، خاصّة وأنّ الهرمينوطيقا جاءت لتستعيد إنسانية الإنسان، وتؤسّس أدبيات التفاهم والحوار على نحو كوني، كما أنّها في صورتها الغاداميرية أعلنت الحرب منذ البدء على النزعات الموضوعية وكلّ ما يمت بصلة إلى العلمية والمنهاجوية في مجال العلوم الإنسانية؟ أم إنّها، أي الهرمينوطيقا، تملك الأدوات التي بها تواصل مسيرتها في المساءلة والحوار، ألم يكنْ بقاء الصراع/ الجدل داخل العقل الغربي إلاّ لأنّه عقل تأويلي، وإنْ تعدّدت أشكاله ومرجعياته، فهو عقل جدلي/ تساؤلي لا يكاد يؤسّس مفهومًا أو مقولةً حتّى ينقضها أو يخرج من رحمها المختلِف/ الغيري الذي به يبقى منتعشًا يرتحل عبر العصور والأزمنة ليصير عقلاً آخرَ، فالتأويل»هو ارتحال عبر الممكنات التفسيرية غير ملتزمة مُسبقًا إلاّ بنزوع الاستطلاع وإرادة البحث والكشف. فالتأويل لا يخرج عن ذاتيّ هدفه. أي أنّه لا يرى نفسه خارج تساؤله الذي يخصّه وحده. وهكذا فالفلسفة التأويلية أعفت نفسها، بصورة عامّة، من أعباء البرهنة. فهي ليس لديها من الحقائق النهائية التي تقسرها على برهنتها وتثبيت تصديقها ؛ ذلك أنّ التأويل جاء في أصله يأسًا من استراتيجية مكرّسة بكلّ طقوسها للنطق بالحقيقة، و(تسويغ)منطوقها«(35). كما أنّ النهاية، كما تبينّا مع هيدغر ودريدا، وإنْ بدتْ، من جهة، ردّة على كلّ ما هو إنساني/ فلسفي/ تاريخي، أو له صلة بالمعرفة الميتافيزيقة، فإنّها كانت، من جهة أخرى، بمثابة إعادة مراجعة العقل لمبادئه وتصحيح مسار المعرفة التي بلغت مع فكر ما بعد الحداثة مرحلة الجنون والعدمية، وهذا، كما ألمحنا سلفًا، يعدّ مظهرًا صحيًا داخل العقل الغربي أو حالة طبيعية، كون هذا العقل من التشابك والتلاحم بحيث لا يستوي كذلك إلاّ وهو يقيم مشروعًا ويزيحه معلنًا عن البديل، وهو بذلك يعبّر عن طبيعته التأويلية التي تجعله لا يرضى بالجاهز أو يسلّم بالخطاب الوثوقي/ اليقيني. فهي، أي التأويلية، حسب صفدي ،»كانت آخر محاولة لاستنقاذ الكوني، وتجديد تشغيل المتعالي ضمن حدود المحايثة، وفيما يخصّ مسافة الالتباس بين الذات والعالم ؛ ولم يَفُزْ مصطلح الكينونة بالمحلّ الفلسفي الأوّل من جديد، وبعد غيبوبة طويلة، ترجع بدايتها إلى ما قبل الحداثة الكلاسيكية نفسها، إلاّ بعد أنْ أخذ(الموضوع)كامل حقوقه مع العلم وكاد أن يأخذ معها حقوق الذات كذلك، ويخلقها هكذا مجرّد شبح هائم، يعبر بأطراف (ذاتوية) مطلقة، فاتحة على حسابها الجاري، عالمًا خاضعًا كلّيًا لسيطرة ألهنتها المستعارة من عصر الألهنة التيولوجية«(36).
كما أنّ هذا العالم الجديد هو عالم افتراضي، أو بلغة دريدا طيفي/ شبحيspectralأزاح عالمًا وهمًا ليقيم وهمًا بديلاً، أو دوغمائية مضادة. وغادامير نفسه، حتّى في آخر كتاباته، بقي يدافع عن حقّ العلوم الإنسانية في تأسيس منطقها التأويلي الخاصّ، الذي يقوم على منطق الجدل أو السؤال والجواب، لأنّه يعتقد جازمًا بأنّ النظريات العلمية مهما تزيّت بالموضوعية فإنّ لها حدودًا تقف عندها، كما أنّه إذا كانت المعرفة في العلوم الدقيقة تقوم على ما هو يقيني فإنّ الأمر خلاف ذلك في العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنّ العلم الحديث أثبت إفلاس رؤيته اليقينية وأعلن، عبر فيزياء الكوانتا مع هايزنبارغ والنسبية مع أنشتاين، أنّ الحقيقة متعدّدة. إذا كان هذا الشبح التقني ؛ العالم المتعدّد قد اكتسح العالم وضمّ الثقافات الأجنبية والشركاء في السكن الأكثر بعدًا في هذه الأرض، فإنّ هذا يجعلنا نتوخى الحذر، ويفرض علينا أن نتعلّم أكثر فأكثر في المستقبل، لأنّ غايتنا الإنسانية أكبر من أن تزيلها حضارة تقنية أرسلت إلينا كما لغيرنا، والتي رسمت، في الآن نفسه، معالم قيادتنا للحياة. فليس أمامنا، إنْ أردنا أن نعيد لعالمنا هذا توازنه، إلاّ أن نوظّف قدراتنا في الفهم والمعرفة المشتركة في نشاطاتها الجديدة حتّى يتسنى لنا خلق أنظمة جديدة. وليس يوجد من العلوم مَن هو أقدر على تحمل هذا العبء والإسهام في بثّ هذه القدرات من العلوم الإنسانية، فهي تواجهنا دون أن تتوقف مع ثراء نسق كلّ ما هو إنساني، وكل ما هو إنساني مُفرِط(37). لكنْ هذا لا يعني، بالمقابل، أنّ هذا الخطاب الجديد لم يأتِ إلاّ للترهيب ومحو آثار الماضي وإزالة المشاريع الكبرى ؛ إذ إنّه لا يعدو أن يكون تقويضًا للنموذج التقليدي الفلسفي حول الإنسان والإنسانية، فهو، حسب هوسرل، نموذج فلسفي ينزع نحو معرفة كونية للعالم والإنسان، وذلك بتحريره من كلّ روابط الأسطورة ومن التقليد بوجه عام، وكذا الفروض المُسبقة، فالفلسفة بما هي نظرية لا تحرّر الباحث فحسب، بل كلّ موجود مثّقف حيث تكون الثقافة فلسفيةً. فمن الاستقلالية النظرية تنشأ الاستقلالية العملية، ممّا يجعل العقل، من منظور هذا النموذج الفلسفي الكوني، يتحرّر لا في ذاته إطيقيًا فقط، ولكنّه يُضفي على العالم الإنساني في مجموعه هذا الطابع التحرري ؛ في الوجود السياسي والاجتماعي للإنسانية(38)
إنّ الفلسفة، حسب هذا الطابع التقني الجديد، فقدت صفتها كنموذج كوني قادر على إقامة الصروح، أو تأسيس فكر إطلاقي ميتافيزيقي، إذ إنّ التأسيس الأصلي للفلسفة الجديدة هو في الحقيقة تأسيس لإنسانية أصلية أوروبية حديثة، معارضة للإنسانية السابقة، الإنسانية القروسطية والعتيقة، إنسانية ترغب في أن تتجدّد جذريًا بهذه الفلسفة الجديدة دون سواها. فليس غريبًا، إذًا، من منظور هوسرل، أن يتشكّل خطاب فلسفي جديد يتيح للإنسان أن يعيد النظر في إنسانيته كمعضلة ميتافيزيقية شغلت الفلسفة القديمة(39)، ويتساءل عن كينونته ككائن تاريخي، لكنْ أنّى يكون له ذلك والتقنية قد استحلّت دم هذه الإنسانية الضاربة في عمق التاريخ، داعية إلى إنسانية جديدة لا حظّ فيها إلاّ للإنسان الأبدي/ الخالد، الإنسان السبراني بوصفه ردّة على الإنسان التاريخي/ الكينوني المتجّه نحو الموت. وعليه، فالفلسفة خلعت ثوبها القديم ذا الطابع الميتافيزيقي لترتدي زيًا حداثيًا تواكب به هذه التحولات، فهي الآن تبحث عن ذاتها الضائعة من خلال سؤالها القديم ؛ أي البحث عن الحقيقة، حقيقة الإنسان وحقيقة هذا الوجود، وهذا، فيما أحسب، أنجع سبيل يعيد للفلسفة عافيتها وينتشلها من براثن هذا الشبح الجديد، وإلاّ ستبقى مجرّد آراء عابرة ينتجها فلاسفة أفراد، لا وجودَ لوسائل الحوار بينهم وبين قرائهم، وبدل أن تتصدّر الفلسفة قافلة البحث عن الحقيقة تبقى غارقة في مشكلاتها، التي وإنْ عدّت جزءًا لا يتجزّأ من عملها فإنّها تصبح عائقًا في مثل هذه الحال، يحول دون إبداعها للمفاهيم أو إنتاج النظريات وممارستها(40).
(1)Malabou Catherine , Jaques Derrida , in : Encyclopaedia universalis, France, 2002. S.A.
(2) مطاع صفدي، نقد العقل الغربي(الحداثة ما بعد الحداثة)، مركز الإنماء القومي، بيروت/ لبنان،990، ص27
(3) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
Franc Tinland, L'homme Aléatoire,Paris, P.U.F. 1997.
(4) مطاع صفدي ، نقد العقل الغربي ، ص229.
(5) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
(6) إنّ حديث النهايات لا يقوى على استيعابه معنى بعينه ، ولكنّ أقرب معنى أو بالأحرى المعنى الجامع بين هذا المعاني المتعدّدة ذلك الذي نجده عند جوسيلين بينوا Jocelyn Benoist، حيث يقول:
«La fin dont il est alors question, ce n'est plus celle de l'histoire comme mouvement réel, ni même comme nécessité (théorique) de ce mouvement, mais celle de l'histoire comme paradigme de ce mouvement et de sa nécessité. Le fait particulièrement grave et important qui pourrait s'énoncer à travers la formule-cliché de la «fin de l'histoire» en ce sens le suivant : à un certain moment, nous avons cessé de croire à l'histoire…». Jocelyn Benoist et Fabio Merlini (éd.), Après la fin de l'histoire (Temps, monde, historicité), Librairie Philosophique J. Vrin, Paris, 1998, p.9. cf. Gianni Vattimo, Ethique de l'interprétation, Traduit de l'italien par Jacques Rolland, Editions La Découverte, Paris, 1991,notamment le premier élément de la première partie: (Post-modernité et fin de l'histoire), pp.13,29. cf. Gianni Vattimo, La fin de la modernité (Nihilisme et herméneutique dans la culture post-moderne), Traduit de l'italien par Charle Alunni, Paris, Editions du Seuil,1987,pp.169, 185
(7) يُنظر ، بشيء من التفصيل ، في هذا الصدد المؤلَّف الجماعي : بعد ما بعد الحداثة أيّة فلسفة ؟ لا سيّما مقال "الحداثة وما بعد الحداثة".
Peter Horák, Josef Krob, François Rivenc, Après le post modernisme quelle philosophie? Université Massaryk Brno, Paris I – Sorbonne, 2003, pp.181, 204.
(8)Voir: Martin Heidegger, Questions III et IV, Traduit de L'allemand par Jean Beaufret, François Fédier, Julien Hervier, Jean Lauxerois, Roger Munier, André Préau et Claude Roëls, Paris, Editions Gallimard, 2002,(1ère édition 1976),p.282,283
(9)Jacques Derrida, Spectres de Marx (L'Etat de la dette, le travail du deuil et la nouvelle Internationale), Paris, Editions Galilée, 1993, p.37.
(10)Voir: Yves christen, L'Homme bioculturel (De la Molécule à la civilisation),Editions du Rocher, Monaco, 1986, notamment le 7ème chapitre: De l'homme au surhomme: biologie de l'avenir, pp.152,174. cf. Francis Fukuyama, La fin de l'homme (Les conséquences de la révolution biotechnique), Traduit de l'américain par Denis-Armand Canal, Paris, Editions de la Table Ronde, 2002, notamment la deuxième et la troisième partie, pp.159, 299. cf. Francis Fukuyama, Le grand bouleversement (La nature humaine et la reconstruction de l'ordre social, Traduit de l'américain par Denis-Armand Canal, Paris,Editions de la Table Ronde, 2003, pp.207, 224.cf. Michel Foucault, Histoire de la sexualité II , L'usage des plaisirs, Paris, Editions Gallimard, 1984, p.288.cf. Michel Foucault, Histoire de la sexualité III , Le souci de soi, Paris, Editions Gallimard, 1984, pp.280, 302.
(11) فتحي المسكيني ، الفيلسوف والإمبراطورية (في تنوير الإنسان الأخير) ، المركز الثقافي العربي ، بيروت/ الدار البيضاء ، ط1، 2005، ص46.
(12)عبد اللّه الغذامي ، الثقافة التلفزيونية (سقوط النخبة وبروز الشعبي) ، المركز الثقافي العربي ، بيروت/ الدار البيضاء ، ط1، 2004، ص11.
(13) المصدر نفسه ، ص12.
(14) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
(15)Dominique Maingueneau, Les termes clés de l'analyse du discours, Paris,Editions du Seuil, 1996,p.55.
(16) محمد نور الدّين أفايه، المتخيّل والتواصل(مفارقات العرب والغرب)، دار المنتخب العربي،بيروت،ط1،1993، ص173
(17) المصدر نفسه ، ص176.
(18) عبد السلام بنعبد العالي ، ضد الراهن ، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1، 2005، ص34
(19) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
(20) المصدر نفسه ، ص6.
(21) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.
(22)Jacques Derrida, Apories: Mourir s'attendre aux limites de la vérité,Paris, Galilée, 1996 , p.15.
(23)Ibid., pp.31, 32.
(24)Martin Heidegger, Questions III et IV, Traduit de L'allemand par Jean Beaufret, François Fédier, Julien Hervier, Jean Lauxerois, Roger Munier, André Préau et Claude Roëls, Paris, Editions Gallimard, 2002, (1èreédition1976,pp.287,288. (25) J. Derrida, Spectres de Marx, (L'Etat de la dette, le travail du deuil et la nouvelle Internationale) ,Paris, Editions Galilée , 1993, pp.66, 67.
(26)Ibid., p.37.
(27)Ibid., p.71.
(28)Ibid., pp.100, 101. cf. J. Derrida, L'autre Cap (suivi de La Démocratie Ajournée), Paris,Les Editions de Minuit, 1991, pp.67, 68 , et pp.103, 124.
(29)Martin Heidegger, Questions III et IV, p.385.cf. H.-G. Gadamer, Esquisses Herméneutique (Essais et Conférences),Traduction de Jean Grondin, Paris,Librairie Philosophique J. Vrin, 2004, p.242.
(30) فتحي المسكيني ، الفيلسوف والإمبراطورية ، ص ص50، 51.
(31) المصدر نفسه ، ص51.
(32) المصدر نفسه ، ص ص180، 181.
(33) المصدر نفسه ، ص ص181، 182.
(34) المصدر نفسه ، ص ص182، 183.
(35) مطاع صفدي ، الكوني ذلك المجهول (الفكر وحالات من فكاره) ، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي ، بيروت/ باريس ، ع106 ، 107 ، 1998 ، ص31.
(36) المصدر نفسه ، ص30.
(37)H.-G. Gadamer, L'Herméneutique en rétrospective (I re& II e parties), Traduction, présentation et notes de Jean Grondin, Paris, Vrin, 2005, p.277.
(38)Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, Traduit de l'allemand et préfacé par Gérard Granel, Paris, Editions Gallimard, 2004, (1èreédition 1976), p.12.
(39)Ibid., pp.17, 18
(40)Ibid., pp.22, 23.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.