مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الجمارك تؤكد الإعفاء الكامل على الامتعة الشخصية_الاثاثات المنزلية والاجهزة الكهربائية المستعملة ضمن برنامج العودة الطوعية    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المقاربة الفنومينولوجية للسياسي عند حنة أرندت
نشر في حريات يوم 14 - 06 - 2015

"ينبغي أن نتفادى كل سوء للفهم. فالطبيعة البشرية لا تتطابق مع الوضع البشري. ومجموع الأنشطة والمَلَكَات الإنسانية التي تكون الوضع البشري لا تشكل شيئا مما يمكن أن نسميه طبيعة بشرية"1[1].
إذا طرحنا مشكل الطبيعة البشرية بصورة فردانية بسيكولوجية أو بالمعنى الفلسفي العام فإننا لن نحلم بإمكانية انفراج هذا المشكل بمجرد تحويل السؤال عن الذات إلى الاهتمام المركزي للتفكير الفلسفي. علاوة على أنه يمكن تحديد ومعرفة وتعريف طبيعة الأشياء التي تحيط بالإنسان وتختلف عنه من جهة الوجود، ولكن لا أحد يمكن أن يفترض طبيعة ثابتة للبشر ولا أحد يدعي وجود ماهية ثابتة لهم تماما مثل الأشياء. في هذا السياق ترفض حنة أرندت إسقاط مقولات المعرفة الخاصة بالأشياء وكيفياتها الطبيعية على مقولات المعرفة الخاصة بالبشر باعتبارهم الجنس الأكثر تطورا في الحياة العضوية وتقر بضرورة طرح سؤال من نحن؟ وترى ماذا نكون؟ عند التوجه نحو فهم الوضع الإنساني وتطالب بطرح سؤال الهوية خارج إطار المثال الأفلاطوني وتدعو الى الكف عن النظر إلى الطبيعة البشرية من زاوية الألوهية التي خلقتها وعن مفهمة الملكات البشرية وكيفياتها وعن منح الطبيعة البشرية صفات إلهية خاصة بالإنسان الأعلى.وترى في المقابل وجوب الانطلاق من شروط الوجود البشري والانغراس في الحياة في حد ذاتها والتركيز على الفترة الممتدة بين الولادة والوفاة والتعامل مع التعدد والكوكبية بوصفها وضعيات الانتماء إلى العالم والانتباه إلى التهديدات المحدقة بالوضع البشري وما يترتب عنها من هشاشة وتلف وضياع وعطوبية ومداهمة وضرر2[2] . في هذا الصدد ما الذي حدث في الشأن السياسي؟ لماذا حدث كل ذلك العنف وتلك الحروب في المسرح التاريخي؟ وكيف أمكن حدوث ذلك الأمر المكروه؟ هل يمثل الوضع السياسي وضعا طبيعيا موروثا بالنسبة إلى الإنسان أم هو وضع مكتسب ثقافيا ونتيجة تجربة تاريخية مؤلمة؟ وبالتالي هل الإنسان خير ومسالم أم هو عنيف وشرير؟ وهل هو مدني بالطبع وبالضرورة أم كائن سياسي بالاصطناع والإكراه وقوة الوازع؟ ما الفرق بين السياسة والسياسي؟ ولماذا ارتبط الحكم بالأفراد والسلطة بالشعب والنفوذ بالتقاليد والتراث؟
تحاول أرندت أن تجمع بين المقاربة الفنومينولوجية والعلوم السياسية في دراسة الظواهر الاجتماعية والمؤسسات المدنية. من المعلوم أن الفنومينولوجيا هي تيار فلسفي حاسم قام بتجديد الفلسفة في القرن العشرين وبدأ مع هوسرل حينما حاول بلورة أسس الحقيقة العلمية والمعرفة الفلسفية والتجربة الحية وذلك بتفادي المقاربات النفسانية والوضعية واهتم بوصف الظواهر باعتبارها ماهيات معطاة عن الأشياء المدركة واستخدم الأبوخيا للرد على الموقف الطبيعي وتنبيه الوعي بغية الالتفات إلى الظواهر من خلال مفهوم القصدية وإنتاج المعنى بواسطة أفعاله. في حين أن العلوم السياسية هي أحد العلوم الإنسانية ظهر بعد الحرب العالمية الثانية وتدرس الظواهر السياسية وخاصة النظريات والأنظمة والتطبيقات والممارسات والسلوكات الفردية والجماعية والتوجهات العامة والرأي العام وتأثير جماعات الضغط وتطور القوانين ومضامين الدساتير وحقوق الإنسان والحريات وحقوق الشعوب وسيادة الأوطان.
لقد طرحت أرندت في خاتمة تمارينها السياسية الثمانية من كتابها المعنون "أزمة الثقافة" الإشكال التالي: هل أدى غزو الإنسان للفضاء إلى تزايد بعده الإنساني أم إلى الانتقاص منه وتدحرجه الوجودي3[3] ؟
هذا السؤال يسلم ضمنيا بأن الإنسان يوجد في المراتب العليا في سلم الكائنات وفي أفضل مكان في الكون ولكن التطور العلمي والتقني قد افقده هذا الامتياز وجعله يخسر نظرته التبجيلية لنفسه ويتبنى نظرة نسبية.
صحيح أن الإنسان عثر على النقطة الأرخميدية ولكنه استعملها ضد نفسه وقام بغزو للفضاء ونظر إلى الكوكب من الخارج وبحث عن نقطة خارج الأرض تمثل قاعدة ارتكاز في استكمال سيادته على الكون.
لكن الأخطر من كل ذلك ليس القضاء على التصورات المركزية الإحيائية وإنما تعويض الكلام الحي واللغة البشرية والمعاملات المادية المباشرة بالرموز الرياضية والعلاقات المنطقية والأبنية الصورية.
محصلة هذا التحول الكبير لا تنحصر في إزاحة الذات من مركز الكون والكف عن معاملتها بوصفها سيدة الكائنات وتقليص البعد الإنساني وتخفيض منزلته وإنما تتعدى ذلك نحو تحطيمه والقضاء عليه نهائيا4[4]. لكن هل من الممكن أن تكوين مجال سياسي خاليا من العنف والكذب في علاقة الدولة بالمواطنين وعلى المستوى العلاقات الدولية؟ بأي معنى يكون تثبيت السلام بشكل دائم بين الشعوب في العالم أمرا قابلا للتحقيق؟ كيف نفهم الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي يتصرف بطريقة غير إنسانية؟ ومتى تنقلب الإنسانية على نفسها؟ وكيف صار التصدي لللاّإنسانية الاهتمام الأبرز في الفلسفة السياسية المعاصرة؟
من المعلوم أن الإنسانية لا تعني نوعا ولا طبيعة كونية بل تتميز بالأحرى بحرية غير موجهة أخلاقيا نحو تأسيس وجودنا وإنما يمكن أن تسقط في أفعال مضادة للإنسانية مثل القيام بالشر والكذب والعنف. ولذلك جعلت أرندت محور اهتمامها استشكال الشر الجذري والرد على عدم التفكير في تفاهة الشر والتعامل مع كل ماهو مخيف ومرعب ومسكوت عنه ومتكتم عليه وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالإبادة الجماعية وقتل الأفراد الأبرياء والعزل في المحتشدات والتمييز القانوني والاستبعاد الاجتماعي ضدهم.
لقد ارتبطت الهمجية بالجريمة المنظمة من قبل الآلة الحربية والعقلية الأمنية الاستصالية وذهنية التفوق والعظمة وترتب عنها إلقاء المنبوذين في وضعيات غير إنسانية وحشرهم في ظروف مرعبة ومأساوية. إن القذف بمجموعة من الأفراد في الخارج ومحاسبتهم بمنطق الهوية ومعاملتهم باعتبارهم لا ينتمون إلى دائرة الإنسانية هو إجحاف في حقهم ومصادرة لكرامتهم وإغفال للآدمية وتبني نظرة فوق عنصرية.
غني عن البيان أن أرندت لم تجد تبريرا لهذه الممارسات ولم تعثر على مسوغ أخلاقي يشرع للكائنات البشرية إتيان أفعال لاإنسانية وشيطانية ولم تقتنع بصفات الرعونة والصفاقة التي تلتصق ببعض البشر.
هذه الأزمة التي عصفت بالنزعة الإنسانوية تسربت إلى مجمل أروقة الثقافة وطالت التربية والتعليم والاقتصاد والفنون ومست بالأساس العلاقات الاجتماعية والممارسة السياسية وأدى ذلك إلى توتير الوضع الإنساني. لقد ارتكبت الأنظمة السياسية جرائم في حق البشرية وألحقت أضرارا فادحة في حق الكائن مهما كان الطابع الذي تميزت به ومهما كان العنوان الذي لحق بممارساتها واصطبغ بآليات حكمها : طغيان tyrannie واستبدادdespotisme وشمولية أو كليانيةtotalitarisme وإمبراطوريةempire . لقد كان من الضروري بالنسبة للفكر المعاصر تحرير المجال السياسي من هيمنة النظرة المعيارية الميتافيزيقية التي جعلت فيلسوفا كبيرا مثل هيجل لا ينظر إلى الدولة إلا من زاوية مسلمات لاهوتية وهي مجيء الإله إلى الأرض بدل استثمار القارة المجهولة التي اكتشفها وهي التاريخ والتعامل معها بوصفها أرض النسبي.
عندما يوجد الفرد أو الجماعة في نظام شمولي فإنه يحرم من مرجعيات أخلاقية ويسلب حقوقه وحرياته وإنسانيته ويعامل معاملة سيئة ووحشية ويدرج في خانة الغرباء والأجانب والآخرين ويتم تسليط عليه لشتى أنواع الإهانة والتهكم والسخرية ويصل الأمر إلى حد الاستغلال والتوظيف والاستعباد والقتل.
لقد نحتت أرندت مفهوما جديدا في القاموس السياسي هو الشمولية نسبة إلى الفاشية والنازية والستالينية والماوية على السواء وميزتها عن الطغيان والاستبداد ومنحتها جملة من الخصائص والمحمولات الدلالية هي القانون الشمولي والرعب المعمم والإيديولوجيا وذوبان الفرد والمحتشد والعزل والإبادة الجماعية.
بيد أنها تعاملت مع الظواهر السياسية من زاوية فنومينولوجية إيتيقية وقدمت وصفا للوضع البشري بالاعتماد على مقولات الفلسفة الوجودية ونظرت إلى الطابع النشط والحركي للشأن الإنساني في مقابل الطابع التأملي والحياة النظرية السكونية وركزت على ثلاثة أنشطة كبرى يقوم بها الإنسان هي:
الشغل يتمثل في مواجهة ضرورات الحياة والمحافظة على البقاء
الحرفة تقوم بإنتاج مصنوعات تصلح للاستهلاك وتتميز بالدوام
الفعل هو ممارسة إنسانية لا تقتصر على العمل وتحقيق هدف وإنما تتعدى ذلك نحو التعبير عن الحياة وانجاز الكينونة وخاصة حينما يعبر عن تجربة هامة من إمكانيات الحياة بين المتساوين وتقاسم العيش مع الآخرين في فضاء عمومي يمكن أن يتحول إلى فضاء سياسي ديمقراطي إذا انتظم وفق المساواة والتميز.
لقد حرصت حنة أرندت على طرح المشكل الإنسانوي خارج تربة الحداثة وذلك بالخروج من الحياة التأملية نحو الحياة النشطة وتغليب الفعل السياسي الذي يرمز إلى الأبدية على النشاط الاقتصادي الذي يحاول إنقاذ ديمومة العالم وتخليد الآثار البشرية من مصنوعات ومنتوجات ووسائل معدة للاستهلاك.
إذا كانت الاهتمامات البشرية معرضة للعطب والتلف وهشة ومتناهية عندما يتم تداولها في السوق وعرضها في فضاء الظهور وتفقد معناها نتيجة الاغتراب وتفشي الاستهلاك والملكية والآلية فإن الارتقاء من الشغل إلى الفعل ومن الإنسان الصانع إلى الإنسان المدني قد يعيد للكلام ديناميكيته المولدة ويبعث في الفعل اقتداره على الإبداع وقد يجعل من الحياة إطارا مجسما للسعادة وتجربة ملموسة لتوطين الخير الأسمى. لقد طبقت أرندت المنهج الفنومينولوجي في السياسة وقامت بالتمييز بين الفضاء الخاص والفضاء العام ووصفت الفعالية السياسية بكونها اهتماما بشريا مركزيا يتنزل في إطار اجتماعيته وميله نحو المشترك والحياة المدنية ووظفت منوال تدبير المنزل في ترتيب أوضاع الدولة وجعلت من الصفحpardon أمرا لا يمكن الرجوع عنه وتعاملت مع الوعدpromesse بوصفه حدثا مستقبليا غير متوقع5[5]. غير أن المبادئ التوجيهية للفعل السياسي لم تقتصر على الصفح والوعد وإنما شملت التعدديةpluralité والعيش السويcoexistence الحرية وإرادة الحياة المشتركة volonté de vivre ensemble والصداقة والحقيقة والأملespérance والشهادة témoignage والخير والجليل.
كما ربطت أرندت بين الحكم السياسي والحكم الجمالي6[6] وتصورت مهمة السياسي على غرار مهمة كل من المؤرخ والقاضي والطبيب وهي إصدار الأحكام والتمييز بين الصادق والكاذب وبين المشروع وغير المشروع وبين السوي والمرضي وفي هذا الصدد ميزت بين الحس المشترك والحس السليم وجعلت ملكة التعقل هي قوة التمييز بين الوسائل والتدابير التي يجدر بالسياسي إتباعها في سبيل تحقيق نظام الغايات. لقد حاربت أرندت النزعة المحافظة conservatisme والممارسات الشمولية والهيمنة الإيديولوجية وذلك لانغلاقها ونشرها روح التعصب واللاّتسامح والتمييز والسلطوية وفي المقابل انتصرت إلى اللّيبرالية libéralisme لاحتكامها إلى المؤسسات القانونية وصونها الحرية وتنميتها المنافسة في إطار التعددية.7 [7] جملة القول أن الإيتيقا تدخل من هذه النقطة لإصلاح ما أفسدته الشمولية حينما جففت المنابع الأخلاقية للكائن البشري وذلك بأن تطرح من جديد إمكانية المصالحة مع عين الذات وتنمية قدرة الفرد على الوجود في علاقة مع ذاته دون تدخل السلطة الخارجية وفي التفكير الخلاق والتفاعل مع الآخرين والتعايش المشترك والاحترام الذاتي والتقدير بالنسبة للكرامة البشرية والعناية بالغير القريب والبعيد بوصفه تشريعا للرعاية بالإنسانية. لقد قامت بتجديد الفلسفة الأخلاقية والسياسية وافترضت قيام مجتمع خال من الشمولية والرعب والإيديولوجيا ويعتمد بالأساس على المواطنة الكاملة لكل الأفراد والأقليات دون استثناء أو تمييز. كما أنها نادت بتوفير شروط وجودية إنسانية تنعدم فيها أشكال التحطيم والعزل والتعذيب والقتل البطيء ويغيب عنها منطق تخليف الضحايا من أجل تغليب المصلحة العامة وتقوية الجبهة الداخلية ضد العدو الخارجي. " بهذا المعنى تكون السياسة والحرية متماهيتين وحين يتم التفريط في هذا النوع من الحرية فإنه لم يعد ثمة أصلا فضاء سياسي بالمعنى الخاص"8[8]. لكن كيف السبيل لكي يستعيد للكائن ذاته ويوقع حضوره في وضعه المتعدد الأبعاد؟ لماذا يخفق الإنسان في أن يكون سعيدا؟ وهل يبقى الإنسان سجين وضعياته المادية ومحدود بشروط وجوده أم بإمكانه الإنعتاق والتأثير والتجاوز والتغيير وصناعة ماهو مختلف وجديد؟ كيف يقتدر على وضع شروط وجوده بنفسه والتحكم في مصيره؟
الهوامش والإحالات:
[1] Hannah Arendt, Condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983, p44.
[2] Arendt (Hanna), condition de l'homme moderne,op.cit.pp.19-20.
[3] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, édition Gallimard, Paris, 1972.p337.
[4] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, op.cit.pp354.355.
[5] Arendt (Hanna), condition de l'homme moderne, op.cit, pp. 265-274.
[6] ريكور ( بول )، العادل، الجزء الأول، ترجمة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، طبعة أولى، 2003 صص.177-199.
[7] Arendt (Hanna), les origines du totalitarisme, édition Payot, Paris, 1990, chapitre 10.
[8] Arendt (Hanna), qu'est ce que le politique ?, Texte établi par Ursula Ludz, traduction de l'allemand de Sylvie courtine-Denamy, éditions du Seuil, 1995. pp.92-93.
المصارد والمراجع:
Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, édition Gallimard, Paris, 1972.( la conquête de l'espace et la dimension de l'homme), pp337.355.
Arendt (Hanna), condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983.
Arendt (Hanna), les origines du totalitarisme, édition Payot, Paris, 1990,
Arendt (Hanna), qu'est ce que le politique ?, Texte établi par Ursula Ludz, traduction de l'allemand de Sylvie courtine-Denamy, éditions du Seuil, 1995.
ريكور ( بول )، العادل، الجزء الأول، ترجمة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، طبعة أولى، 2003.
كاتب فلسفي
[1] Hannah Arendt, Condition de l'homme moderne, édition Calment-Levy, Paris, 1983, p44.
[2] Arendt (Hanna), condition de l'homme moderne,op.cit.pp.19-20.
[3] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, édition Gallimard, Paris, 1972.p337.
[4] Arendt (Hanna), la crise de la culture, huit exercices de pensée politique, op.cit.pp354.355.
[5] Arendt (Hanna), condition de l'homme moderne, op.cit, pp. 265-274.
[6] ريكور ( بول )، العادل، الجزء الأول، ترجمة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، قرطاج، تونس، طبعة أولى، 2003 صص.177-199.
[7] Arendt (Hanna), les origines du totalitarisme, édition Payot, Paris, 1990, chapitre 10.
[8] Arendt (Hanna), qu'est ce que le politique ?, Texte établi par Ursula Ludz, traduction de l'allemand de Sylvie courtine-Denamy, éditions du Seuil, 1995. pp.92-93.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.