منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    أنباء عن هلاك أشهر إمرأة بالدعم السريع الرائد "شيراز" مع مجموعة من الجنود إثر غارة للجيش و "بقال" يؤكد بتدوينة ساخرة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



(أسلمة) الفنون في التجربة السودانية : منظور ثقافي جمالي 2 – 3
نشر في حريات يوم 16 - 06 - 2016


الإجراءات التشريعية والسياسية
تهدف إستراتيجية الحركة الإسلامية إلى وضع المؤسسة الفنية تحت سيطرة المؤسسة السياسية مما يتيح لها إحتكارها وإستغلالها وتحويلها إلى "ممارسة دينية." هذه الإستراتيجية، ومعها مجمل السياسات التي وضعت من أجل تحقيقها، يمكن فهمها بدرجة أفضل في ضوء المخطط الذي تبنته الحركةحول المجال الثقافي عموماً والمجال التعليمي بوجه خاص.
عندما أبرمت الحركة إتفاقها السياسي مع نظام مايو في عام 1983 كان هناك مجالين لهما أهمية قصوى في مخطط الحركة، وهما الإقتصاد والتعليم (عباس1991).في مجال الإقتصاد أتاح "أسلمة" النظام المصرفي الذي وافق عليه نميري فرصة غير مسبوقة للحركة للسيطرة على مفاصل هامة في اقتصاد الدولة. في مجال التعليم أطلق نميري يد الحركة لتكثيف نشاطها وسط الحركة الطلابية على مستوى الثانوي العالي والجامعات، إذ ترى الحركة في ذلك إحدى أهم الوسائل لضمان عضوية مؤثرة مستقبلاً وسط الإتحادات وتنظيمات المهنيين والتي تقف بقوة ضد سياساتها. وبمجرد إستيلاء الحركة على السلطة أعلنوا عن " ثورة تعليمية" كجزء من مشروعهم الثقافي، ثم نظموا مؤتمراً في عام 1991 لمناقشة وإقرار مخططهم في هذا المجال. كان من ضمن قرارات ذلك المؤتمر تعيين نائب رئيس مجلس الثورة، وهو من كوادر الحركة داخل الجيش وكان أيضاً نائباً لرئيس الوزراء، مشرفاً عاماً على مؤسسة التعليم العالي. إلى جانب ذلك تم تعيين دكتور إبراهيم أحمد عمر، وهو من الرتب العليا في عضوية الحركة ووزيراً للتعليم العالي فيما بعد، رئيساً للمجلس القومي للتعليم العالي.
إبتدرت الحركة سياساتها المتعلقة بالتعليم بما وصفه على عبدالله عباس بعملية الكنس، والتي تضمنت إلغاء قانون الجامعة الذي يضمن إستقلال المؤسسة الجامعية وحرية الفكر والبحث العلمي وطريقة إنتخاب الإدارات العليا في الجامعة. تلا هذه الخطوة فرض قانون جديد لكل الجامعات وتم تعيين مديريها وعمدائها ورؤساء الأقسام من الموالين للحركة بعد وقت قصير، وإستناداً على معيار الولاء والإنتماء السياسي أحيل المئات من الأساتذة والموظفين إلى المعاش. أما في الجانب الطلابي فقد صدر مرسوم يلزم طلاب المرحلة الثانوية العليا بقضاء فترة تدريبية في قوات الدفاع الشعبي الذي أنشأته الحركة قبل إنخراطهم في الدراسة الجامعية.هذا وصدر قرار أيضاً بإعتبار اللغة العربية لغة التعليم في كل المراحل الدراسية كخطوة أساسية في مشروع تعريب المناهج الدراسية وضمن إستراتيجية الحركة في تكريس التوجه الإسلامي العروبي. كذلك تم تأسيس مركزاً "لأسلمة المعرفة" في جامعة الجزيرة.
في الجزء الأول من المادة (12) تحت عنوان "العلوم والفنون والثقافة" يقرر دستور 1998 ما يلي: "تجند الدولة الطاقات الرسمية وتعبئ القوى الشعبية في سبيل محو الأمية والجهالة وتكثيف نظم التعليم، وتعمل على دفع العلوم والبحوث والتجارب العلمية وتيسر كسبها، كما تعمل على تشجيع الفنون بأنواعها، وتسعى لترقية المجتمع نحو قيم الدين والتقوى والعمل الصالح." (دستور جمهورية السودان 1998) لكن المادة (18) تحت "التدين" جاءت مفصلة وشاملة وملزمة.تقول هذه المادة:
"يستصحب العاملون في الدولة والحياة العامة تسخيرها لعبادة الله،يلازم المسلمون فيها الكتاب والسنة، ويحفظ الجميع نيات التدين، ويراعون تلك الروح في الخطط والقوانين والسياسات والأعمال الرسمية وذلك في المجالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية لدفع الحياة العامة نحو أهدافها ولضبطها نحو العدل والإستقامة توجهاً نحو رضوان الله في الدار الأخرة."
هذه الصياغة الدستورية هي في الواقع تقنين لنوع الإجراءات السياسية والإدارية المذكورة أعلاه والتي طبقتها الحركة في بداية حكمها. وطبقت السلطات هذه الإجراءات في المجال الفني والثقافي عن طريق تعيين عناصر الحركة في المواقع القيادية في مؤسسات مثل معهد الموسيقى والمسرح (الآن كلية الموسيقى والدراما)، كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، المجلس القومي للآداب والفنون، كليات الآداب، جهازيْ الإذاعة والتلفزيون.
تضمنت هذه الإجراءات أيضاً إلغاء كل التنظيمات الأدبية والفنية مثل إتحاد الكتاب السودانيين وإتحاد الفنانين التشكيليين. وأصبح هذا الإلغاء قراراً نافذاً فور إنتهاء قائد الإنقلاب العسكري من بيانه في 30 يونيو 1989 والذي ألغى فيه كل الإتحادات المهنية والتنظيمات القائمة ماعدا الإتحادات الطلابية والجمعيات الدينية وكان جلها أو غالبيتها تحت سيطرة الحركة الإسلامية. من ناحية أخرى، حاولت السلطة خلق بدائل للتنظيمات الفنية فأسست منظمة نمارق لتكون مظلة لأنواع الأنشطة الفنية والأدبية في إطار مشروع أسلمة الفنون. فمثلاً بالتنسيق مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي (مكتب الخرطوم) نظمت هذه المنظمة سمناراً في مارس 1990 تحت عنوان "إسلامية الآداب والفنون".إمتدت هذه الإجراءات إلى فرقة الفنون الشعبية، مثل منع الراقصين من الرجال والنساء من الرقص سوياً، وألزموا حتى الراقصات من المجموعات غير المسلمة بإرتداء ملابس معينة. في تقرير لصحيفة الميدان – وكانت سرية وقتها – حول الأوضاع في معهد الموسيقى والمسرح وصف للأسلوب الذي كانت تفرض به السياسات التي قررتها السلطة الاسلامية في ذلك المعهد. يقول التقرير ما يلي :
"يرفع مسئول الأمن بالمعهد تقريراً يومياً لعميد المعهد حول نشاط وسلوك الأساتذة والطلاب، ومن حق مسئول الأمن دخول قاعات المحاضرات في أي وقت ولأي سبب. عليهم كذلك التأكد من إلتزام الطالبات بالزي الإسلامي وعدم مخالطة الطلاب. كما أن للعميد حق المراقبة القبلية للنصوص الدرامية حتى يمكن تفادي الملامسة، مثلاً بين الممثلين والممثلات فوق خشبة المسرح أثناء التدريب والدراسة التطبيقية، أو للتأكد من أن كل الألفاظ والتعابير التي تتنافر و"التوجه الإسلامي" قد حذفت من النص الدرامي."
إحدى نتائج هذه الإجراءات كان الهبوط المريع في المستوى الأكاديمي لهذه المؤسسات، إلى جانب التدني العام في الإنتاج الفني كماً ونوعاً. كما أن غالبية الكادر المؤهل من أساتذة المؤسسات الفنية إما أن يكونوا قد فصلوا من وظائفهم أو آثروا الإستقالة من عملهم بدلاً عن تحملهم لسياسات تعليمية منافية لكل التقاليد الأكاديمية والتربوية يجري تطبيقها تحت مسميات هلامية مثل "أسلمة الفنون". إلى جانب ذلك فقد أصبحت الهجرة الإختيارية أو القسرية للمبدعين ظاهرة عامة، فبحسب تقديرات إتحاد الموسيقيين هناك أكثر من مائتين من الفنانين والموسيقيين غادروا السودان في الأعوام الأولى لحكم الإسلاميين. كذلك من أهم نتائج هذه السياسات أن الطفيلية، والتي أصبحت ثقافة متجذرة في الحياة السياسية السودانية، قد لوثت أيضاً المجال الفني، خاصة الغنائي، فالمغنين عديمي الموهبة من كل نوع تحولوا إلى ظاهرة في ساحة الغناء السوداني التي أصبحت "سوقاً حرة" للإسترزاق والتغول على الموروث الغنائي والموسيقي لأجيال المبدعين السودانيين.
البعد الآيديولوجي
يكتسب البعد الآيديولوجي في مشروع الحركة الإسلامية أهميته من عدة جوانب:
أولاً، إنها المرة الأولى التي تستولى فيها حركة الإسلام السياسي على السلطة في دولة عضو في الجامعة العربية وغالبية سكانها من المسلمين السنة (الثورة في إيران في عام 1979 حدثت في دولة غالبية سكانها من المسلمين الشيعة وكانت نتيجةلإنتفاضة شعبية).
ثانياً، حدث ذلك في دولة أفريقية يصفها الدارسون بأنها نموذج أفريقي مصغرAfrican microcosm بسبب تكوينها السياسي والإجتماعي والثقافي المتنوع والذي تمثلت فيه تقريباًكل خصائص القارة الأفريقية.
ثالثاً، موقع السودان الجغرافي الإستراتيجي يضيف بعداً إقليمياً وعالمياً لتجربة الحكم الإسلامي ومآلاتها. هذه التجربة، رغم فشلها، سوف تصبح مرجعاً للحركات الإسلامية الأخرى في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. هذا وقد أصبح معروفاً حقيقة الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الحركة الإسلامية لحركات إسلامية معينة في القرن الأفريقي وشمال أفريقية وحماس وفي بعض دول الجوار، كما أسست علاقات مع تنظيمات إسلامية في وسط وغرب أفريقية عن طريق المساعدات الإنسانية. كذلك تأسس المركز الإسلامي الأفريقي بأهدافه التبشيرية. يرجع هذا المركز إلى أواخر السبعينات بعد المصالحة الوطنية وتقارب الحركة مع الحكم المايوي. بعد إستيلاء الحركة على السلطة تحول المركز إلى جامعة أفريقية العالمية تحت إدارة عناصر الحركة. إضافةً إلى ذلك، تأسس في الخرطوم في عام 1992 تنظيم عالمي بإسم المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي إختار حسن الترابي رئيساً له، وذلك كخطوة مضادة للتدخل الغربي في الخليج. أما مسألة بن لادن فتبدو مؤشراً واضحاً على التوجه العالمي في مخطط الحركة. جاء بن لادن إلى السودان في عام 1991 إثر تجريده من جنسيته السعودية وإستقر في السودان لمدة ستة أعوام شرع فيها في تأسيس تنظيم القاعدة.
رابعاً، إنها المرة الأولى التي تعلن فيها بشكل صريح آراء دينية وفقهية مفصلة حول الفن لتصبح بنداً هاماً ضمن أجندة سياسية شاملة. وبذلك أصبح الفن أحد أدوات جهاز الدولة المستخدمة في محاولة فرض هوية إسلامية على مجتمع متنوع دينياً وثقافياً.
خامساً، توظيف مبدأ التوحيد لخدمة أجندة وتكتيك سياسي محدد. ذلك أن تفسير الإسلاميين لهذا المبدأ يستلزم ليس فقط التقديس لكنه يضفي صفة الحقيقة المطلقة على "المعرفة الإسلامية" بحسب تصورهم وفهمهم لها وفقمقارباتهم لمصادرها في الكتاب والسنة، ويترتب على ذلك أن كل أشكال المعرفة والممارسة الإنسانية الأخرى إما أن تتطابق مع هذه "المعرفة الإسلامية" أو تعتبر لا إسلامية.
سادساً، الربط بين الإبداع الفني ومبدأ التوحيد يتسق تماماً مع هذا الفهم والتفسير للمعرفة الإسلامية. فهو، من ناحية، يضفي مشروعية دينية على إجراءات السلطة السياسية لتحجيم المؤسسة الفنية كمنشط ثقافي حر ومحاصرة إمكاناتها كأداة نقدية مؤثرة. ومن ناحية أخرى، إذا كان للفن أن يؤسس على مبدأ التوحيد فإن أي معارضة للإجراءات أو البرامج المرتبطة بهذا المفهوم ستقود في نهاية الأمر إلى إلحاق تهمة معاداة الدين والشريعة بهذه المعارضة.
سابعاً، طائفتي الختمية والأنصار وحزبيهما لم يحاولا مثل هذا التنظير حول النشاط الفني، وهنا لا بد من وقفة حول علاقة الفن بالمكون الصوفي السوداني.
الختمية والأنصار طائفتان صوفيتان إنضويتا في الحركة السياسية الحزبية منذ أربعينات القرن الماضي وتبنيتا رؤى محافظة وسياسات يمينية دون أن يمتلكا برنامجاً سياسياً وثقافياً مفصلاً. (في السنوات الأخيرة نشر الصادق المهدي إمام الأنصار ورئيس حزب الأمة سلسلة من الكتيبات تضمنت آراءه حول مسائل فكرية وثقافية، لكنها جاءت أقرب إلى الإجتهاد الشخصي وردة فعل متأخرة تجاه قضايا وإشكالات مطروحة منذ وقت بعيد أكثر منها فكر ممنهج في سياق مشروعات وبرامج تعبر عن رؤية متكاملة لحزب سياسى). واقع هذين الحزبين جعل من الممكن لحركة إسلامية أكثر تنظيماً وإنشغالاً بالفكر والتنظير أن تملأ الفراغ في الخطاب الديني حول الظاهرة الفنية. هذا إضافةً إلى أنه ليس في تكوين وتاريخ المؤسسة الصوفية السودانية ما يؤهل بالتدخل والمشاركة فقهياً في مثل هذه الأمور الثقافية الشائكة. خاصة وهذه القضايا الثقافية والفنية تستوجب جدلاً فكرياً فلسفياً له جذوره وتقاليده في التربة الفكرية لكل مجتمع، وفي هذا لا تختلف المؤسسة الصوفية السودانية عن التيار الصوفي الإسلامي العام إلا من بعض الإستثناءات مثل إسهام إبن عربي. لكن هذا لا يعني أن الحركة الصوفية لم يكن لها أثراً سلبياً رغم محدوديته. وعلى الرغم من أن الموسيقى والرقص والإنشاد والشعر شكلوا جانباً هاماً في الممارسات الصوفية السودانية، إلا أنه ليست كل أنواع الفنون والأساليب مقبولة بشكل تام. وعموماً تدل الطريقة التي "تحاورت" بها التيارات الصوفية مع الموروث الفني على أن المؤسسة الصوفية هي بالفعل نبتاً سودانياً يحمل ملامح الثقافات السودانية المحلية في تنوع خصائصها. فمثلاً، هناك أسطورة شعبية في منطقة مروي، وهي منطقة نفوذ صوفي ختمي كما أنها الموقع الآثاري لحضارة كوش، تفسر سبب وجود تلك المنحوتات التي تصور أعداداً من البشر والحيوان في واقعية متقنة بردها إلى وجود مجتمع قديم عاش في ذلك المكان. وتذكر الأسطورة كيف أن الناس في ذلك المجتمع أصبحوا مترفين وتطرفوا في بذخهم وتبذيرهم فاختاروا الإغتسال باللبن بدلاً عن الماء رغم وجود النيل. لكن سرعان ما عاقبهم الله على إساءتهم أستخدام اللبن، "إحدى نعمه على البشر"، بأن لعنهم وحولهم وحيواناتهم إلى حجارة.
هذه النقطة الأخيرة تفيد في إلقاء الضوء على جوانب الإختلاف بين المؤسسة الصوفية السودانية وحركة الإسلام السياسي. ما يذكر عن التسامح الصوفي تجاه أنماط الحياة التقليدية المحلية ربما يمكن تفسيره في ضوء الطريقة التي جاءت بها المذاهب الصوفية إلى السودان وتطورها كمؤسسة أصبح لها أبعاد إجتماعية ودينية وسياسية. وبسرعة تبوأ أوائل سالكي الطرق الصوفية موقع القيادة في هذه الطرق التي أدخلها متصوفة أجانب إلى البلاد، كما أن بعضاً من أهم هؤلاء المتصوفة الأجانب سرعان ما "تسودنوا"، وربما أسهم هذا الوضع أكثر من غيره في تسريع إستيعاب هذه المذاهب ضمن الثقافات السودانية المحلية وطبع الإسلام في السودان بطابع "صوفي سوداني".مثال ذلك تاج الدين البهاري البغدادي مؤسس الطريقة القادرية الذي جاء من الجزيرة العربية في سنة 1566 ومكث في السودان لسبع سنوات، خلفه من بعده أوائل سالكي الطريقة، محمد الهميم الركابي وبان النقا الضرير وعبدالله العركي. أحمد الطيب البشير جاء بالطريقة السمانية في عام 1764 وهو سوداني من منطقة أمدرمان كان قد إنضم لهذه الطريقة أثناء دراسته في مكة. محمد عثمان الميرغني (1793 – 1852) قدم من الحجاز إلى السودان عن طريق مصر في سنة 1817 ودعى لطريقته الجديدة، الختمية، والتي نشرها فيما بعد إبنه الحسن (1819 – 1869) من زوجته السودانية. (حسن 1975 وكرار 1997).أضف إلى ذلك أن السودان لم يكن في أي وقت جزءاً من الأمبراطورية الإسلامية الأمر الذي كان سينتج عنه وضعاً ثقافياً أكثر تعقيداً. هذا مايذكرنا مرة أخرى بوصف المؤرخ قرابار لحالة الثقافة الإسلامية عند إتصالها بالثقافات المحلية بأنها مثل لقاح مضاف إلى جسم حي، وأن الشكل الذي يتخذه هذا اللقاح يعتمد في أحد جوانبه على الجسم الذي أضيف إليه اللقاح. سيرة السيد الحسن، إبن مؤسس الطريقة الختمية وأول قادتها في السودان، يمكن أن تكون مثالاً لهذا الناتج الديني الثقافي. يرى على صالح كرار أن نجاح السيد الحسن في تأسيس هذه الطريقة التي أصبحت من كبرى الطوائف الصوفية في السودان يعود إلى أن الحسن تم إستيعابه ضمن "الإسلام السوداني" وأصبح من الأولياء أصحاب المعجزات من منظور طائفة الختمية. يمكن قبول تفسير كرار لإستيعب الحسن ضمن الإسلام السوداني كأحد أسباب إنتشار هذه الطريقة، لكن يجب ألا ننسى أن أهم أسباب إنتشارها خاصةً في الشمال والشرق، وسرعة هذا الإنتشار رغم حداثة مجيئها للبلاد، أنها كانت وثيقة الصلة بالحكم التركي. عموماً، في ما يلي نصاً إقتبسه كرار من أحد مصادر الختمية يعكس بوضوح درجة هذا الاستيعاب:
"وذكر لنا [السيد الحسن] شيئاً في غاية الغرابة، نرجو من الله أن يساعدنا على تصديقه، وهو أنه من أولياء الهدى والرخاء. وأخبرنا في مرات عديدة وفي وجود مجموعة من أتباعه أنه يتذكر لحظة ميلاده ويتذكر حتى النساء الحاضرات ويعرف ما كان يدور بينهن من حديث. لقد أدهشنا قوله هذا على الرغم من أننا لا نشك في صدقه، لأن مثل هذه الأشياء كثيراً ما تحدث للأولياء من الرجال والنساء، وهي معروفة في سجل كتاباتهم وأعمالهم حول المعجزات. وما قاله سيدنا عيسى بن مريم، عليه السلام، يكفي كدليل على ذلك."
كذلك تبدو السمات الخاصة بإسلام السودانيين في ردة فعل المجتمعات السودانية على إعلان نميري تطبيق الشريعة الإسلامية سنة 1983 وفي نهاية نظامه إثر انتفاضة 1985. الدكتور محمد محمود عبر عن ردة الفعل هذه كالآتي:
"يصعب على المسلمين في السودان أن يجادلوا ضد قوانين الشريعة، لكن من الجائز أن الغالبية العظمى منهم لا يقبلونها ويودون ممارسة إسلامهم دون الرجوع إليها. وبقدر ما ينظر كثير من السودانيين إلى عدد من التوجيهات القرآنية (مثل تلك الخاصة بالمسترقين) بأنها غير متسقة مع سياق الحياة المعاصرة، يشعرون كذلك بأن قوانين الشريعة لم يعد في إمكانها معالجة مشاكلهم."
في الجانب العملي يتبين أثر الآيديولوجية الإسلاموية على النشاط الفني في ردود أفعال مثل تحطيم الأعمال الفنية، إرتكبها إسلاميون أفراد أو مجموعات بمن فيهم فنانون من ذوى التوجه الإسلامى. مثال ذلك أن عدداً من أعمال النحت وكذلك تماثيل لشخصيات سودانية تاريخية تم تحطيمها. فقد قام أحد غلاة الإسلاميين من التشكيليين بتحطيم تمثال نصفي لعثمان دقنة، أشهر القادة العسكريين في الثورة المهدية، وكان موضوعاً في إحدى ساحات كلية الفنون الجميلة والتطبيقية. كذلك قامت مجموعة إسلامية بتحطيم تمثال لنفس هذا القائد كان منصوباً في موقع هام في مدينة بورتسودان. أما تمثال بابكر بدري رائد التعليم الأهلي ومؤسس جامعة الأحفاد للبنات فقد إختفى فجأةً من مكانه في ساحة الجامعة، وتشير أصابع الإتهام إلى تدبير عناصر إسلامية. وفي جامعة الخرطوم لاقت منحوتات لطلاب قتلوا أثناء المقاومة الطلابية للأنظمة العسكرية نفس المصير.
في المجال الموسيقي هناك قلة من المغنين أعلنوا، تحت تأثير هذه الآيديولوجية، عن "توبتهم" من الغناء وسعوا إلى إستعادة تسجيلاتهم الغنائية لإعدامها، (البعض منهم عدل عن "توبته" وعاد إلى ممارسة فنه). لكن ما هو أكثر خطراً في هذا الجانب العملي هو محاولة "تطهير" سجل الغناء السوداني في مكتبتيْ الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب مراجعة النصوص الجديدة من قبل الرقيب قبل إعتمادها والموافقة على تسجيلها. يقول رئيس القسم الثقافي في التلفزيون، "ان إيقاف بث بعض الأغنيات جاء تمشياً مع التوجه العام للدولة في تأصيل العمل الإبداعي والثقافي وتنقيته من الشوائب التي طالته." (صحيفة الفجر اللندنية 1997) أما مدير التلفزيون،الطيب مصطفى، فقد تعرض لهذه النقطة في شيىء من التفصيل إذ يقول، كما أوردت الصحيفة:
"إن هناك معايير محددة وضعت في إيقاف بث الأغنيات، وقد تمت الإستعانة فعلياً بالدكتور الحبر يوسف نورالدائم، أستاذ الأدب بجامعة الخرطوم، لسماع إفادته حول الأغنيات العاطفية، وقد أفتى بشأن بعضها. وإستمعنا لإفادات من علماء آخرين، وقلت لهم أن الأمر أمانة في أعناقكم. وهناك أعمال قد أعيد بثها من جديد بناءاً على توصية العلماء. ونحن عندما بدأنا في مراجعة المادة الثقافية والإجتماعية التي تقدم للمسلمين وضعنا أسساً ومعاييراً لمصلحة المطرب والمتلقي معاً والأجيال التي في طور النشوء، فلا يليق بنا أن نقدم مطرباً يقسم بغير الله، إذ هناك أغنيات فيها "قسم بالعيون" و"قسم بالإبتسامة" و"النغم" و"الشعر" والدين الإسلامي يحثنا على قيم الفضيلة والتوحيد. وهناك بعض المطربين طالبوا من تلقاء أنفسهم بإيقاف بعض الأغنيات التي تغنوا بها أيام الشباب، ثم أتوا وقدموا أعمالاً أخرى مقبولة لكل الناس."
وتقول صحيفة الفجر أن أكثر من تسعين أغنية قد تم إيقاف بثها، بما فيها أغاني من حقيبة الفن ترجع لفترة الثلاثينات، وكذلك أغاني تراثية مشهورة مثل أغنية "القمر بوبا" التي غناها محمد وردي ومن قبله إدريس إبراهيم. وأخيراً، كانت قد إنتشرت شائعات مخيفة في منتصف الثمانينات تزعم بأن تدبيراً قد تم بين أطراف من الحركة الإسلامية ووزير الثقافة والإعلام (يعتقد أنه قريب الصلة بالحركة) في الحكومة التي يتزعمها حزب الأمة لإزالة أعمال النحت التاريخية في متحف السودان القومي. هذه الإشاعات إكتسبت وزناً متصاعداً عندما أوقف عمل ونشاط المتحف لأربعة أشهر في سنة 1988. وعلى الرغم من أن عناصر آثارية كثيرة تم الكشفعن إختفائها بعد إستئناف نشاط المتحف يبدو أن الجهة المعنية قد تراجعت في نهاية الأمر عن مخططها تحت ضغوط قوية من جهات عالمية. لكن، أصبح الحديث عن إختفاء قطع آثارية، بعضها منحوتات يبلغ وزنها عدة أطنان، أمراً معتاداً سواءً من المتحف أو من مناطق الآثار المعروفة. كذلك كانت قد جرت محاولة للتدخل في المنهج الأكاديمي لشعبة الآثار في جامعة الخرطوم لإلغاء مراحل تاريخية معينة في المقرر الدراسي.في حديث مع هذا الكاتب ذكر المرحوم الدكتور خضر عبدالكريم، المحاضر السابق بشعبة الآثار في جامعة الخرطوم، أن عميد كلية الآداب في الجامعة طلب منه في سنة 1993 حذف الفترات التاريخية القديمة، بما فيها الفترة المسيحية، من المقرر الدراسي لكنه، كما أكد، رفض هذا الطلب. نواصل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.