قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.رفعت السعيد : رحلة إلى أدب سيد قطب وعقل حسن البنا
نشر في حريات يوم 28 - 07 - 2016


رحلة إلى أدب سيد قطب وعقل حسن البنا
د.رفعت السعيد
ويبدأ السيد الحرانى كتابه المعنون «الإخوان القطبيون – منهج الإرهاب لجماعة الإخوان والجماعات الإسلامية» بعبارات لبعض من رجال الدين يستنكرون فيها كتابات سيد قطب.
ومنها كمثال «سب سيد قطب لمعاوية وعمرو بن العاص كلام قبيح وكلام منكر وفسق يستحق أن يؤدب عليه» (الشيخ عبدالعزيز بن باز).
وأيضا «أن سيد قطب لم يكن على معرفة بالإسلام، بأصوله وفروعه» (محمد ناصر الدين الألباني)، وكذلك «معالم في الطريق لا يمثلنا في شيء وأفكار الأستاذ سيد قطب لا تمثلنا في شيء» (المستشار مأمون الهضيبي- مرشد الإخوان الأسبق)، أما عمر التلمسانى وهو مرشد سابق للإخوان أيضًا فيقول «سيد قطب لم يمثل إلا نفسه، ولم يمثل جماعة الإخوان على الإطلاق».
وعديد من ذلك.
ولكن ما هو كم الصدق في ذلك؟ الحقيقة أن الإخوان كعادتهم دعموا سيد قطب سرًا وانتقدوه علنا في الزمن الصعب، لكنهم ما إن شعروا بقدر من القوة والقدرة حتى تباهوا بأفكار سيد قطب وأيدوها واتخذوا منها سبيلًا للنفاذ نحو مختلف القوى المتأسلمة في كل أنحاء العالم، وهى القوى التي اتخذت من سيد قطب مفكرًا وقائدًا ملهمًا واتخذت من أفكاره سلاحًا لتكفير خصومها، ونقرأ لأحد الكوادر الإخوانية هو صفوت منصور «والأستاذ سيد قطب صاحب كتاب معالم في الطريق يعد في ميزان الرجال عمادًا هائلًا في تجديد شباب الحركة الإسلامية، والامتداد الفكرى والحركى لجماعة الإخوان المسلمين» (النهج الفكرى للعمل الإسلامي- الإخوان المسلمون- ص39) وقد يشكك البعض في موقع صفوت منصور من الجماعة، ولهذا نأتى إليهم بشهادتين.. لشخصيتين قياديتين في حركة الإخوان.
الأول صلاح شادى، وهو واحد من كبار القادة وهو مؤسس ورئيس جهاز الوحدات بالجماعة، وهو الجهاز الذي يضم أعضاء الجماعة من ضباط الجيش والبوليس، فماذا قال صلاح شادى في كتابه المعنون «الشهيدان.. حسن البنا وسيد قطب» (ص77) «لقد كان حسن البنا البذرة الصالحة للفكر الإسلامى، وكان سيد قطب الثمرة الناضجة لهذا الفكر»، ومن يدرك قيمة حسن البنا عند الإخوان، ويدرك الفارق بين البذرة وبين الثمرة الناضجة يعرف كم الانحناء الإخوانى أمام أفكار سيد قطب.
ثم نأتى بشهادة أخرى للأخت زينب الغزالى، وكانت في فترة «المحنة» الإخوانية الثانية (1954- وما بعدها) إحدى الشخصيات الفاعلة جدًا في تنظيم وتوجيه حركة الإخوان، فقد كانت القيادية الوحيدة الباقية في مصر وخارج السجن فكانت همزة الوصل بين الخارج والداخل وبين السجناء والداخل والخارج، فماذا قالت زينب الغزالى في مذكراتها «أيام من حياتى – ص36» أكدت «أن فضيلة المرشد (المستشار حسن الهضيبي) قد قرأ كتاب معالم في الطريق، وأعاد قراءته قبل طبعه ووافق عليه وقال إن هذا الكتاب قد حصر أمله كله في سيد، وأنه الأمل المرتجى للدعوة الآن».
وما أردت من ذلك كله إلا أن أوضح كم الكذب الذي تتمتع به قيادات الإخوان في تعاملهم مع قضايا بالغة الأهمية، ومنها قضية تكفير الحاكم والمحكوم على سبيل المثال، ونعود إلى السيد الحرانى في كتابه «الإخوان القطبيون» لنقرأ في الصفحة الأولى من المقدمة «المجتمع ملىء بالنجاسة وكافر وجاهلي، والإخوان يحملون ماء السماء الطهور، كانت هذه تصريحات لمحمد بديع المرشد الثامن لجماعة الإخوان المسلمين فور توليه منصب المرشد العام، الذي وصف سيد قطب بأنه الأب الروحى للجماعة، وأن أفكاره كانت تعديلًا لمسار الجماعة، ووضعها على المسار الصحيح، وصرح من قبله المرشد السابع مهدى عاكف قائلًا «طظ في مصر»، قال هذه الجملة في حق أم الدنيا التي كرمها الله بذكرها في القرآن الكريم صراحة وبالاسم، وكرم شعبها وأهلها وجندها، وأمر نبيه موسى بالهبوط على أرضها لما تحمله من خيرات، فما بين مهدى عاكف ومحمد بديع ومن سبقهما في إرشاد الجماعة أو قياداتها البارزين كان تأكيدًا على أنهم لا ينتمون لمصر.
لأن اهتمامهم الأكبر وانتماءهم الأعظم ليس لمشروع الخلافة الإسلامية كما يدعون ويروجون لدغدغة مشاعر البسطاء. ولكن لمشروع الدولة الإخوانية القطبية التي يسعون إلى إقامتها اقتداء بدولة إسرائيل الصهيونية الطائفية، ففى حقيقة الحال يتشابه مشروع تنظيم الإخوان مع مشروع اللوبى الصهيوني» (ص10).
ونمضى لنقرأ «ومما لاشك فيه أن هذا المشروع انكشف للعالم بعد سقوط الإخوان في هاوية الحكم، وهو مشروع يهدف لإقامة دولة تحمل جنسية «جماعة»، إنشاء وطن يجنس بتعاليم البنا.
ففى دولتهم التي كانوا ومازالوا يسعون لإرساء قواعدها على أرض مصر (الهوية إخوانية، والجنسية إخوانية، والجيش إخواني، والشرطة إخوانية، والمؤسسات إخوانية، والمجتمع إخواني، والأسرة إخوانية) ومن لا يؤمن بدولتهم لن يجد له مكانًا فيها، وإن عاش بداخلها سيكون إما خادمًا لديهم، أو سجينًا في زنازينهم، أو مقتولًا يدفن، وكأن كفره بفكر الجماعة ككفره بالله»، ويواصل السيد الحرانى في المقدمة «لست متجنيًا حين أقول إن للجماعة ديانة أخرى اسمها الإسلام أيضا، ولكنه إسلام الإخوان، كما أطلق عليه مرشدهم الأول ومؤسس الجماعة حسن البنا. وواهم كل من يعتقد أن مسار الجماعة الذي رسمه ووضعه حسن البنا كان يتسم بالأفضلية عن مسارها الذي وضعه بعد ذلك سيد قطب.
فكل ما هنالك أن حسن البنا استخدم عبقريته التي لاشك أنه كان يتمتع بها في التدرج والحيطة والحذر وتطبيق هدفهم الأعظم، وهو الوطن الإخواني، دون الانخراط في عنف كامل ومواجهة كان يعلم جيدًا أنه الخاسر فيها. ولكن سيد قطب كان صداميًا وهدامًا ودمويًا ومباشرًا.. وربما تلك الصفات التي متعه الله بها هي التي عجلت بإعدامه.
ونواصل ونحن لم نزل في المقدمة.
……………………
(2)
ونمضى قدمًا مع السيد الحرانى فى كتابه «الإخوان القطبيون» لنجده وياللدهشة يحمد الله أن سبحانه وتعالى قد جعل سيد قطب صداميًا وهدامًا ودمويًا ومباشرًا، هذه الصفات التى عجلت بإعدامه ولم تسمح له بأن يبقى فترة أطول لكى يرى بنفسه كيف أن فكره الذى ضمنه فى كتاباته وخاصة فى كتابيه (معالم فى الطريق، فى ظلال القرآن) أصبح قرآنًا ودستورًا ومنافستو لتيارات العنف وللجماعات الإسلامية التى كان بعضها موجودًا، ولكن لم يكن لديهم غطاء شرعى يبرر إجرامهم وإرهابهم فى حق المجتمع البشرى بشكل عام والإسلامى بشكل خاص، وجماعات أخرى كانت تلك الكتابات والأفكار سببًا فى نشأتها وسببًا رئيسيًا أيضًا فى شلالات الدماء التى لم تتوقف باسم الدين الإسلامى والإسلام منها برىء» (ص11).
وبغض النظر عن أسلوب الشماتة واستحسان الإعدام إلا أن الحرانى الذى استحسن تسمية كتابه بأنه تحقيق استقصائى مطول قال إن هدفه من هذا التحقيق الاستقصائي «هو الوقوف على الحقائق والملابسات التى أصبحت تحيط بجماعة الإخوان والتيارات المتشددة وتحليل وتوضيح منهج العنف الذى يستخدمونه دون دراسة مشروعيته الدينية والاجتماعية والسياسية محاولًا أن يثبت ذلك بالأدلة التى تركها لنا ولأتباعه ومريديه من بعده» (ص12)، ثم ينحو بنا سيد الحرانى نحو تحليل نفسى لسيد قطب، فهو من وجهة نظره كان مجرد رجل ساخط على المجتمع، لأنه عاش دائمًا فى المنتصف ولم يصل فى الشعر والأدب الذى اعتنقه فى بدايته إلى الشاطئ الآخر حتى إن أستاذه عباس العقاد تخلى عنه، (والحقيقة أن هناك تفسيرًا أو تبريرًا آخر لموقف العقاد من قطب وهو أن قطب وبعد احتضان العقاد له ما لبث أن انقلب عليه وانتقد مواقفه وكتاباته)، لكن الحرانى يمضى فى تحليله قائلًا إنه وجد الشاطئ الآخر الذى كان يبحث عنه دائما فى «حضن الجماعات الإسلامية التى يتمتع معظم المنتمين فيها بقصور التفكير الذى قام حسن البنا بتحجيمه بالسمع والطاعة العمياء فاستغل قطب جهل المنتمين للإخوان وعاش فى كنفهم ونقل عن أبوالأعلى المودودى معظم أفكاره التى كان المودودى يناهض بها الهندوس، والتى نقلها المودودى عن ابن تيمية الذى كان يناهض بها الكفار الذين كانوا يغزون الدول الإسلامية مدعين أنهم مسلمون، ليس هذا فحسب لكن السيد الحرانى يلاحظ وهو على حق فى ذلك «أن المنتمين للجماعات التكفيرية لم يفكروا فى مراجعة تلك الأفكار لأنهم وجدوا فيها المبرر الشرعى للإرهاب» (ص12)، ثم يضيف المؤلف سببًا آخر فقال «ويبدو أن جماعة الإخوان التى فقدت القيادة فى تلك الفترة، نتيجة قتل المرشد الأول حسن البنا، ثم حملة الاعتقالات الواسعة فى الفترة الناصرية قد وجدت فى شخص سيد قطب القيادة، وفى أفكاره الشرعية الدينية ما يواجه بها النظام الناصرى الذى كانوا يرونه شريك الأمس الذى غدر بهم» (المرجع السابق)، ثم يمضى سيد الحرانى إلى نتيجة أخرى فيقول «وقد تمتع سيد قطب مع الإخوان بكل ما لم يتمتع به مع غيرهم، فقد رفعوه لدرجة المفكر والمنظر والعبقرى، ولكن نتيجة هذا الحلف الغريب بين الكاهن والعبيد كان أن دفع المجتمع بأسره الثمن غاليًا، وإن دخل العالم فى موجة لم تنته حتى الآن». ويمضى الحرانى معتقدًا «إنها لن تنتهى للأبد من الإرهاب واستخدام العنف والتفجيرات التى خلفت وراءها الدم والدمار» (ص13)، وينهى السيد الحرانى تحليله النفسى لشخص سيد قطب بتحليل نفسى جماعى لأتباعه الذين تمددوا الآن فى أرجاء مختلفة من العالم فيقول «إن هذه التيارات التى صنعها سيد قطب فى بداية الجزء الثانى من القرن الماضى أصبحت للأسف أحد مكونات العالم الذى نعيش فيه، وأصبحت أحد أضلاعه الذى يمارس دور الشرير فى الحياة البشرية، والذى يستخدمه الغرب أحيانًا فى مواجهة الشرق، وأحيانًا يستخدمه الشرق فى مواجهة الغرب» (ولم يوضح لنا السيد الحرانى ماذا يقصده بكلمة «الشرق» هذه، وإنما يمضى قائلا «ولكن يبدو فى النهاية أن دور التيارات الإرهابية التى جميعها وبلا استثناء آراؤها قطبية لن ينتهى إلا بانتهاء الطمع البشرى، وبانتهاء محاولات البعض السيطرة والاستيلاء على ثروات البعض الآخر»، أو ثمة سيناريو آخر يراه الحرانى وهو «أن يتقبل بعضنا الآخر دون التدخل فى الشئون الاجتماعية والسياسية والعقائدية، فى تلك اللحظات فقط سينتهى الإخوان القطبيون وكل من يدين بدينهم ويؤمن بأفكارهم»، ثم ينهى السيد الحرانى مرثيته للعالم الذى يعتقد أنه سيبقى مهددا أبدًا بوباء التأسلم ذلك أنه ما من أمل فى أن يتقبل الإخوان المتأسلمون هم وكل تلاميذ سيد قطب، الآخر. وهو على أى حال يؤكد ذلك فى ختام مقدمته الدرامية للكتاب قائلا «إلى أن يحدث هذا الأمل المستحيل.. أرجو أن يكون تحقيق هذا بمثابة نقطة فى طريق عودة البعض ممن ينتمون للإخوان القطبيين لإنسانيتهم وبشريتهم وفطرتهم التى فطرهم الله عليها، والتى تنبذ العنف والتخريب والإرهاب».
وهذا ما كان فى المقدمة.. فماذا عن متن الكتاب؟
………………….
(3)
نواصل رحلتنا مع كتاب الحرانى المعنون «الإخوان القطبيون – منهج الإرهاب لجماعة الإخوان والجماعات الإسلامية».
ونبدأ بما كتبه تحت عنوان «تمهيد واجب» ونقرأ «الأزمات الداخلية للإخوان المسلمين التى لم يستطيعوا إخفاءها والتى ظهرت فى السنوات الأخيرة كانت سببا رئيسيا فى وضوح الصورة الحقيقية للتيار المسيطر على العمل داخل الجماعة.. فمنذ أن أعلن المرشد العام مهدى عاكف عدم رغبته فى الترشح مجددا لولاية جديدة (والحقيقة أنه أجبر على ذلك تحت ضغط من مركز القوة الأساسى والمكون من رجال التنظيم السرى بزعامة محمود عزت وخيرت الشاطر) تبلور الصراع بين جناحين الأول بقيادة محمد حبيب وكان النائب الأول للمرشد والثانى بقيادة محمود عزت الذى أمسك بزمام المبادرة فى الجماعة وفرض آلية معينة للانفراد بالقرار ذات منحى إقصائى لإبعاد كل من سيقفون أمام تطلعاته واستقال محمد حبيب» وأعلن محمد بديع مرشدا للجماعة بعد عمليات تزوير وإبعاد عدد من الشخصيات والقيادات، وكانت المحصلة النهائية هى سيطرة أعضاء التيار القطبى المنتمين لمدرسة سيد قطب، وهى مدرسة تتبع منهج تكفير المجتمعات ووصفها بالجاهلية» (ص20). ثم هو يوضح «ما هو التنظيم أو التيار القطبي، ومن أين نشأ؟ ويقول «هو حركة فكرية إسلامية تنسب إلى سيد قطب الذى انتمى إلى جماعة الإخوان بعد مصرع مؤسسها حسن البنا وأعاد بلورة أفكاره على ضوء أفكارها» ثم «وتتركز أفكار الدعوة القطبية فى أن المجتمعات المعاصرة مجتمعات جاهلية بما فيها المجتمعات الإسلامية» كما أنه قال «بتكفير الحكومات القائمة فى بلاد المسلمين وقال بعدم جواز المشاركة فى الحكم أو ممارسة العمل السياسى فى ظل الحكومات الكافرة، ووجوب جهاد هذه الحكومات، ورفض الدعوة العلنية مع «تفضيل نهج التنظيم المغلق»، وكانت دعوته عابرة للقارات وامتدت إلى بقاع أخرى كثيرة من العالم الإسلامى والأوروبى فقد شكلت بريقا جذابا للمسلمين فى كل مكان» ويمضى الحرانى قائلا «ومن أهم أدبيات الفكر القطبى مبدأ توحيد الحاكمية فمن مقتضيات كلمة التوحيد فى نظريته «الإقرار بتوحيد الألوهية بأن يكون الحكم لله وأن يصاغ النظام الاقتصادى كله وفق معايير الإسلام وأن يكون المنهج التربوى والتعليمى والإعلامى والفكرى والحضارى والأخلاقى والسلوكى منبثق من الإسلام. وهو يؤكد أنه من المحال أن يكون ذلك كله من أجل كلمة ترددها الألسنة فحسب، بل لابد من الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالجوارح والأركان، لتحويل جميع مقتضياتها إلى منهج حياة وواقع متحرك ومجتمع متكامل البنيان». وهكذا فإن سيد قطب «نعت مجتمعات المسلمين بوصف الجاهلية، وساوى بينها وبين المجتمعات البوذية والشيوعية لغياب الشريعة عن أرض الواقع». أما خطة سيد قطب لتحقيق رؤيته فتقول «لابد أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة، وهى إحياء مدلول العقيدة الإسلامية فى القلوب والعقول، وعدم إضاعة الوقت فى الأصوات السياسية الجارية، وعدم محاولة فرض النظام الإسلامى عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة فى المجتمعات هى التى تطلب النظام الإسلامي». وقد اعتمد القطبيون كما يقول السيد الحرانى لعملية التغيير الإسلامى إلى استراتيجية أتى بها محمد قطب (شقيق سيد قطب) فى كتابه «واقعنا المعاصر» وتتلخص فى «أنه يتحتم تربية أغلبية الشعب على العقيدة الإسلامية الصحيحة حتى إذا قامت الدولة الإسلامية الحقيقية أيدها وتحمل الصعاب التى تترتب على قيامها» (ولابد هنا أن أشير إلى أن هذا التوجه هو بالتحديد ما دعا إليه حزب التحرير الإسلامي- بالأردن) ونعود إلى الحرانى الذى لاحظ أن الدعوة القطبية تحتم على أبنائها التفوق فى تعلم العلوم التكنولوجية الغربية الحديثة حتى تتوافر لهم فرص إيجاد الحلول العلمية والعملية لما يواجههم من مشكلات»، وبالإضافة إلى التكنولوجيا الحديثة يكون العنف والإرهاب. (ص25). ويمضى سيد الحرانى ليقول «وقد تم تقديم الفكر القطبى فى قالب سلفى أيضا، فقد دعا له مجموعة من القيادات السلفية مثل محمد حسان وسلمان العودة وسفر الحوالى ومصدر ذلك هو هجره مجموعة من الإخوان (بعد هجوم النظام الناصرى عليهم بضراوة فى أعقاب محاولة اغتيال عبدالناصر فى المنشية) إلى بلدان أخرى كالسعودية والعراق وسوريا. وقاموا بنشر الفكر القطبى وتدريس كتب سيد قطب وكان لذلك أثر واضح على الشباب السعودي.
ثم يواصل «وقد شكل المصريون القطبيون فى تنظيم القاعدة قادته وموجهوه فى أفغانستان، بينما شكل القطبيون السعوديون جنوده الميدانيين. ومع تصاعد وتيرة «الجهاد» الأفغاني، ذهب الكثير من الشباب السلفى للجهاد هناك يدعم من دولهم وعلمائهم، وإذ كانت معسكرات التدريب تحت إدارة الجماعات المسلحة القطبية فقد تعرض هؤلاء الشباب لعملية توجيه ودعوة للانضمام للمنهج القطبى على يد الجماعات المسلحة المصرية» ثم ينقل لنا السيد الحرانى شهادة لكميل الطويل يقول فيها «كان الفكر الذى جاءت به جماعة الجهاد المصرية هو المنتصر الأول فى ساحة الاستقطاب الأفغانية، وسرعان ما بدأ هذا الفكر الجهادى فى الانتشار وسط الأفغان العرب، ولعل الانتصار الأكبر الذى حققوه فى النصف الثانى من الثمانينيات قد تمثل فى التأثير فكريا فى أسامة بن لادن وإقناعه بالاستقلال عن مكتب الخدمات وأميره عبدالله عزام، فأسس بن لادن بيت الأنصار فى بيشاور» كما أنه يورد شهادة أخرى لأبى مصعب السورى يقول فيها «بنى الشيخ أسامة القاعدة على جهود كوادر من تنظيم الجهاد المصرى أساسا، فقام هؤلاء الجهاديون – وكنت من بينهم- لفترة – ببث أفكارهم الجهادية حول الولاء والبراء والحاكمية وغيرها من الأمور السياسية الشرعية وفقه الواقع فى تلك المعسكرات».
ويبقى أن الكتاب بأكمله بما بذل فيه من جهد يستحق القراءة كمرجع مهم، وأن مؤلفه يستحق الشكر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.