السودان..اللجنة المركزية للشيوعي تصدر بيانًا    نمر يلتقي وفد اللجنة العسكرية العليا المشتركة للترتيبات الأمنية    مدير ساهرون يؤكد أهمية المواصفات في خدمة المستهلك    المعسكر في جياد والتمارين في كوبر!    شاهد بالفيديو.. المطربة "ندى القلعة" ترقص حافية بنيروبي على إيقاع إثيوبي    مدير التعليم الخاص ل(السُّوداني): تأخير نتيجة تلميذات مدرسة المواهب لأسباب تقنية    المأوى في السودان .. بين شقاء المُواطن و(سادية) الدولة!!    السكة حديد تكشف عن حل لسرقة وتفكيك معدات الخطوط    خبر صادم لمستخدمي واتسآب.. على هذه الهواتف    سعر الدرهم الاماراتي في البنوك ليوم الإثنين 23-5-2022 أمام الجنيه السوداني    نهب واعتداء على ركاب سبعة لواري تجارية بولاية شمال دارفور    المنظمة العربية للتنمية تعقد لقاءات مهمة خلال مشاركتها في قمتي النيجر وساحل العاج    رويترز: مقتل رجل بسفارة قطر في باريس    شراكة بين اتحاد الغرف التجارية والأسواق الحرة    إسماعيل حسن يكتب: هل من مجيب؟    المالية تعدّل سعر الدولار الجمركي    مقاومة الخرطوم تعلن نقطة تجمّع موكب "أمدرمان لن تنكسر"    افتتاح مستشفى أبوبكر الرازي بالخرطوم    زيادات غير معلنة في تعرفة المواصلات ببعض الخطوط    والي نهر النيل يشيد بشرطة الولاية ويصفها بالأنموذج    المسجل التجاري للولايات الوسطى يعلن عن تنفيذ برنامج الدفع الإلكتروني    شاهد.. الشاعرة "نضال الحاج" تنشر صورة لها ب "روب الأطباء" وتكتب (يوميات شاعرة قامت اتشوبرت قرت طب)    شاهد بالفيديو: فنانة شهيرة تغادر السودان وتعلن عدم رجوعها والجمهور يغازلها "اها يارشدي الجلابي "    (4) طرق للتخلص من المشاعر السلبية كل صباح    انتبه الوقوف أمام جهاز الميكروويف خطير.. وإليك الحل!    عبد الله مسار يكتب : الحرب البيولوجية في مجلس الأمن    شاهد بالفيديو: ماذا قالت رشا الرشيد عن تسابيح مبارك    الدفع بمقترح للسيادي لتكوين مجلس شورى من الشيوخ والعلماء    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المصريون دخلوا سوق ام درمان ... الحقوا القمح    الجزيرة:إنهاء تكليف مدير عام ديوان الحكم المحلي ومديرين تنفيذيين آخرين    شاهد بالفيديو: صلاح ولي يشعل حفلاً ويراقص حسناء فاقعة الصفار في افخم نادي بالسودان    الصحة الاتحادية: نقص المغذيات الدقيقة أكبر مهدد لأطفال السودان    الداعية مبروك عطية: «الفيسبوك» مذكور في القرآن    مذكرة مطلبية لتوفيق أوضاع العاملين بهيئة إذاعة وفضائية كسلا    ختام فعاليات أسبوع المرور العربي بالولاية الشمالية    شاهد بالفيديو: هدف اللاعب سكسك في مبارة السودان ضد فريق ليفربول بحضور الرئيس نميري    تيك توك ستتيح لمستخدميها ممارسة الألعاب عبر التطبيق .. اعرف التفاصيل    هذه الأطعمة يمكن أن تؤدي إلى "العمى التام" .. فاحذروها    تمديد فترة تخفيض رسوم المعاملات المرورية لمدة أسبوع    سلوك رائع لطفلة سودانية أثناء انتظار بص المدرسة يثير الإعجاب على منصات التواصل    ضبط (11) شاحنة مُحمّلة بالوقود و(القوقو)    حدد موعد عمومية النظام الأساسي ..الإتحاد العام يمدد للجنة التطبيع الهلالية حتي نهاية مايو    الضو قدم الخير : الأولاد قدموا مباراة كبيرة وأعادوا لسيد الأتيام هيبته من جديد    نمر يشهد بالفاشر ختام فعاليات أسبوع المرور العربي    مانشستر سيتي يفوز بالدوري الإنجليزي    الغرايري يعد بتحقيق أهداف وطموحات المريخ وجماهيره    لقمان أحمد يودع جيرازيلدا الطيب    أسامة الشيخ في ذكرى نادر خضر ..    85) متهماً تضبطهم الشرطة في حملاتها المنعية لمحاربة الجريمة ومطاردة عصابات 9 طويلة    الطاهر ساتي يكتب.. أسبوع المخالفات..!!    ماسك يلمّح لمخاطر تحدق به.. "سأتلقى مزيداً من التهديدات"    بالصورة.. مواطن سوداني يظهر "معدنه الأصيل" بعد أن نصبوا عليه في ملايين الجنيهات    امرأة من أصول عربية وزيرة للثقافة في فرنسا.. فمن هي؟    "أتحدى هذه الكاذبة".. إيلون ماسك ينفي تحرشه بمضيفة طيران    هل ستدخل شيرين أبو عاقلة الجنة؟.. أحمد كريمة يجيب على سؤال مثير للجدل: «ليست للمسلمين فقط»    بابكر فيصل يكتب: الإصلاحات السعودية بين الإخوان والوهابية (2)    ماذا يقول ملك الموت للميت وأهله عند قبض الروح وبعد الغسل؟    الأمم المتّحدة تحذّر من خطر تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



(حريات) تنشر ملخص محاضرة : (العقد الاجتماعي: الطريق إلى حل المعضلة السودانية)
نشر في حريات يوم 11 - 01 - 2012

قدم الأستاذ ابكر محمد ابو البشر محاضرة عن العقد الاجتماعي بكمبالا – يوغند الأحد 8 يناير .
وتنشر (حريات) أدناه ملخصاً للمحاضرة :
(العقد الاجتماعي: الطريق إلى حل المعضلة السودانية)
الحالة التي وصل إليها السودان اليوم تجعلنا نقول أننا السودان لا نجيد قراءة دروس التاريخ القريب لهذا نفتقر لقاعدة نموذج الوحدة. لذا نرى ضرورة قراءة ظروف تكوين الدولة السودانية – الإستقلال – الهوية القومية – المواطنة – الهيمنة – الإقصاء – التهميش – الإنفصال والتفكك – ثمّ ماذا ينتظرنا؟
الجزء الأول
تكوين الدولة السودانية الحديثة
بدايةً الدولة تعني في العرف الدولي بأنها مكونات تجمع الأقاليم + الشعب +الحكومة + المعارضة + الإعلام . تجد في حالة السودان إنو في صراع غير طبيعي بين مكونات الدولة الواحدة منذ تكوينها.
أولاً نشأت الدولة السودانية بحدوده الجغرافية الحالية كصنيعة الاستعمار في العام 1820م وللأسف نجد أن تاريخ السودان مدون بطريقة غير صحيحة، فمثلاً لا نجد تدوين مشرف عن تاريخ الجنوب غير ذكر الزبير باشا وصلته بالعبودية.
لم تُخضع إدارة السودان البريطانية الجنوب إلى سيطرتها التامة إلا في عام 1932. وكان ذلك بعد حملات تأديبية مكثفة إستهدفت بصفة رئيسة قبائل الدينكا والنوير والتبوسا. طبعاً دارفور في 1917م ودارمساليت وبإرادة حرة منها في 1925م.
بداية هيمنة الشمال على بقية أقاليم السودان
في البداية ساهم الاستعمار بقدر كبير في صناعة هذه الهيمنة
دخول الاستعمار من الشمال أدى إلى تركيز التعليم فيه. سياسة المناطق المقفولة، وحتى انعقاد مؤتمر جوبا الأول في يونيو 1947 لم نجد ما ينبئ بوجود تداخل وتفاعل سياسي بين الشمال والجنوب. ….. ويبدو أنه حتى عام 1945 لم تتخذ حكومة السودان رأياً قاطعاً حول مصير جنوب السودان: هل يُلحق بالشمال أو يضم إلى شرق أفريقيا؟ ….. انعقد مؤتمر ادارة السودان في 22 باريل 1946 شارك فيه حزب الأمة وحزب الأحرار وحزب القوميين وبعض المستقلين لم يشارك في المؤتمر أي أعضاء من الجنوبيين.
بداية مواجهة الهيمنة بالطرق السلمية
السرد التاريخي التالي للأحداث يوضح لنا كيف بدأ الصراع بين مكونات الدولة الواحدة سلمياً ثم تطورت عسكرياً …. وكيف أن النقيضين المطلب والرفض أوصلا بالبلد إلى قطع الحبل ليصبح حبلين.
عقد مؤتمر جوبا الأول في 12 يونيو 1947. شارك في المؤتمر سبعة عشر جنوبياً اختارهم مديرا الاستوائية وأعالي النيل كممثلين لبعض قبائل الجنوب والطبقة المتعلمة من السودانيين الجنوبيين. وقد كان من بين هؤلاء كلمنت امبورو، وفليمون ماجوك، وحسن فرتاك، وجيمس طمبره، وشير ريحان، ولوليك لادو، وبوث ديو، وسيرسرو إيرو. وشارك في المؤتمر من الشماليين محمد صالح الشنقيطي، وإبراهيم بدري، وحسن أحمد عثمان (الكد)، وسرور رملي، وحبيب عبدالله. السؤال لماذا لم يتم مشاركة الجنوبيين في مؤتمر الإدارة؟
الصراع السياسي حول المطالب المشروعة
تمسك الجنوبيون بالمطالب خاصة الفدريشن وتشدد الشماليون برفض هذه المطالب … إبتكار سياسة الخداع
صدر قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية في 19 يونيو 1948 إن إنشاء جمعية تشريعية لكل السودان تضم في عضويتها ثلاثة عشر عضواً جنوبياً من أصل 93 مقعداً مثّل بداية الوحدة السياسية بين الشمال والجنوب.
مفاوضات الحكم الذاتي والاستقلال وتقرير المصير في 1953م التي كانت بين الشماليين والانجليز والمصريين لم يحضرها أحد من الجنوب، لذا خلت من أي ضمانات تمسك بها الجنوبيون في مؤتمر جوبا 1947م.
شكل لجنة لتعديل الدستور برئاسة القاضي إستانلي بيكر كان كل أعضاء اللجنة من السودانيين. مُثلت في عضوية اللجنة الجبهة الوطنية (حزب بعض أقطاب طائفة الختمية)، وحزب الإتحاديين، وحزب الأمة، وبعض المستقلين. مثّل بوث ديو الجنوب. أما باقي الأعضاء فقد كانوا : عبدالله خليل، وعبدالرحمن علي طه، ومحمد أحمد أبو سن، والدرديري محمد عثمان، وعبدالماجد أحمد، وميرغني حمزة، وحسن عثمان إسحق، وعبدالفتاح المغربي، ومحمد أحمد محجوب، وإبراهيم بدري، وإبراهيم قاسم مخير، وعبدالله ميرغني. ونص أمر تشكيل اللجنة على أن ينضم إلى عضويتها عندما تناقش قواعد الإنتخابات يوسف إدريس هباني، ويوسف العجب، وبنجامين لوكي، واستانسلاوس بياساما. ….. عرّف عضو اللجنة إبراهيم بدري الجنوب تعريفاً موسعاً بحيث لا يقتصر على سكان المديريات الجنوبية الثلاث بل يشمل سكان جنوب الفونج ومديرية النيل الأزرق وبعض سكان دارفور وجبال النوبة بمديرية كردفان. وذكر إبراهيم بدري أن «كل أولئك الناس لا يدينون بالإسلام، ولا يتحدثون العربية، وبالكاد يستطيعون التفاهم مع بعضهم البعض. ولا توجد أي روابط تقليدية دينية أو لغوية أو ثقافية تربط بينهم وبين الشماليين. والرابطة الوحيدة هي الرابطة الجغرافية والتي ترجع جذورها إلى الفتح المصري عام 1820». وتسآءل إبراهيم بدري: «فأي ضمانات وضعنا من اجل استمرار الاستقرار وكفالة الحريات وحق تقرير المصير لأولئك الناس مع العلم بأن الرابط الوحيد بيننا وبينهم هو الفتح المصري للسودان؟»
التعمد في المزيد من التهميش والإقصاء
في 20 فبراير 1954 عين الحاكم العام أعضاء لجنة السودنة لم يكن من بينهم جنوبي. من بين أكثر من 800 وظيفة تمت سودنتها كان نصيب الجنوب ست (6) وظائف أرفعها كانت برتبة مساعد مفتش.
عقد مؤتمر جوبا الثاني في 18 أكتوبر إلى 21 أكتوبر 1954. الجلسة الأولى كانت إجرائية حيث انتخب فيها بنجامين لوكي رئيساً للمؤتمر ودينق شول نائباً للرئيس وماركو مورغان سكرتيراً. … إختار المؤتمر استقلال السودان والجمهورية نظاماً للحكم ولم يصوت أحد للإتحاد مع مصر. وعندما أُجري التصويت على مستقبل الجنوب السياسي صوت 217 من المشاركين في المؤتمر لصالح الفيدرالية في إطار السودان الموحد ولم يصوت أحد ضدها. وامتنع عن التصويت 7 نواب من الحزب الوطني الاتحادي.
مؤتمر جوبا الثالث 6 – 7 يوليو 1955م أيضاً برئاسة بنجامين لوكي، التمسك بمقررات المؤتمرين السابقين التي لم ينفذ فيها شيئ يذكر خاصة مطلب الفدريشن. قرر المؤتمر إرسال وفد إلى الخرطوم برئاسة بنجامين لوكي للمطالبة بالوضع السياسي المستقبلي والتنمية الاقتصادية في الجنوب.
قرار تقرير المصير (الجلاء) من البرلمان يوم 16 أغسطس 1955م … اشترط الجنوبيون للتصويت بقيام نظام فيدرالي للحكم يساير روح مؤتمر جوبا … بالطبع خدعوا أيضاً في النهاية.
قرار الفيدرالية .. تم الاتفاق في جلسة البرلمان يوم 19 ديسمبر 1955م أن يناقش مشروع الفيدرالية في الجمعية التأسيسية القادمة. …. إجازة الدستور المؤقت في جلسة مشتركة لمجلس النواب والشيوخ في يوم 31 ديسمبر 1955م بالطبع خلا من ذكر الفيدرالية.
بداية الكفاح المسلح لتحقيق المطالب المشروعة:
تمرد سريتين من الفرقة الإستوائية في توريت في 18 أغسطس 1955م. قتل في الأحداث 336 من الشماليين وقتل 75 من الجنوبيين.
أسباب التمرد 1- الحوادث التي وقعت في أنزارا في 26 يوليو 1955م فصلت لجنة مشاريع الاستوائية التي كانت تدير مشروع الزاندي 300 عامل. 2- تقرر في اجتماع عقد في الخرطوم في 23 يوليو 1955م لقواد فرق قوة دفاع السودان تكوين حامية للخرطوم بعد جلاء القوات المصرية والبريطانية عن السودان. وتقرر سفر البلك رقم 2 إلى الخرطوم وتعتبر هذه هي الشرارة ففي 18 أغسطس 1955م تمردت سريتين من الفرقة الاستوائية في توريت.3- لكن تعتبر خيبة الأمل في نتائج السودنة والخوف من سيطرة الشماليين من أقوى أسباب التمرد.
الإستقلال وشروط الفيدرالية:
الاستفتاء بدلاً عن الجمعية التأسيسية طبقاً لاتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير لعام 1953 فإن فترة الانتقال تنتهي عندما يتخذ البرلمان قراراً يعرب فيه عن رغبته في اتخاذ التدابير لتقرير المصير. لذا فإن الفنرة الإنتقالية قد إنتهت في 16 أغسطس 1955م.
الفيدرالية في اجتماعات الحكومة والأحزاب المؤتلفة، بنجامين لوكي ممثل حزب الأحرار قال في 12 ديسمبر 1955م «وإذا أراد المجتمعون أن يُعلن الاستقلال بواسطة البرلمان فلا بد من الموافقة على قيام اتحاد فيدرالي بين الشمال والجنوب داخل السودان الموحد بحدوده الحالية». … قبل المجتمعون بالإجماع هذا الاقتراح ووافقوا على أن يُرفع كتوصية للحكومة القومية. في جلسة مجلس النواب في يوم الاثنين 19 ديسمبر 1955م تم الاتفاق أن يناقش مشروع الفيدرالية في الجمعية التأسيسية القادمة. … في جلسة مشتركة في يوم السبت 31 ديسمبر 1955 أجاز مجلسا النواب والشيوخ دستوراً مؤقتاً للسودان.
التطورات السياسية والعسكرية بعد الإستقلال:
مشروع دستور أبريل 1958 تم تكوين لجنة قومية من 46 عضواً لوضع الدستور الدائم للبلاد. ضمت اللجنة في عضويتها بعض المتخصصين في القانون الدستوري، والشخصيات العامة، وممثلين للأحزاب السياسية، واتحادالعمال، واتحاد مزارعي الجزيرة، ونقابة المحامين، واتحاد الصحافة، وخريجي الجامعات والغرفة التجارية. أُختير بابكر عوض الله رئيس مجلس النواب رئيساً للجنة القومية للدستور وأحمد خير رئيساً مناوباً. …. مسودة دستور أبريل 1958 من ضمن مواد هذا الدستور، السودان دولة موحدة وهو جمهورية ديمقراطية برلمانية. اللغة الرسمية للدولة هي اللغة العربية. الإسلام هو دين الدولة الرسمي.. …. لم يرد في مشروع دستور عام 1958 أي نص يحدد العلاقة بين المركز والإقليم. أي أنه تم تجاهل مطالب الجنوبيين بالفدريشن.
إعترض ممثلو الجنوب في الجمعية التأسيسية على مسودة الدستور لأنها لم تنص على موضوع الفيدريشن وطالبوا بتضمينه. هنا نص بعض من أقوال النواب الجنوبيين. … رفض فرانكو وول قرنق النائب عن الدائرة 15 (واو) إجازة الدستور بالأغلبية وقال: «مادامت الشمس تشرق من الشرق فإن الجنوبيين لن يكونوا أغلبية. وإذا كانت هذه المسودة هي أساس النقاش فلا شأن لنا بها لأنها أهملت مطلب الجنوب الأساسي. وإنني أقرر هنا أن استقلال السودان لن يستقر إذا لم يستقم الوضع في الجنوب. … «إننا نقف الآن على شفا حفرة، وموضوع الفيدريشن موضوع حساس. وإذا لم يُستجب له فلربما يطلب الجنوبيون أشياء أخرى لم تكن هناك حاجة لها».
ورفض الأب ساترنينو لوهوري نائب الدائرة 80 (توريت لاتوكا) القول بأن مباركة أعمال اللجنة القومية للدستور كانت اجماعية. وأوضح أنه كان يمثل كتلة الأحرار في اجتماعات اللجنة ولم يوافق على ما توصلت إليه الحكومة والمعارضة، وطلب منهم إدخال تعديل ينص على الفيدريشن ولما رفضوا ذلك انسحب هو وزملاؤه. وأضاف أن الجنوبيين قاطعوا لجنة الدستور، لذلك فإن العمل الذي تم قام به جزء من أعضاء اللجنة لا كلها. … «إن اجتماع لجنة الدستور المقترح (يقصد اللجنة الأربعينية) سيتعرض لإمتحان قاسٍ عندما يجىء الجنوبيون ويطالبون بالفيدريشن فيرفض طلبهم، ولن يكون أمامهم إلا الانسحاب، ولن يكون إقرار الدستور عند ذلك الوقت عملاً قانونياً، وسيبحث الجنوبيون عن طريق آخر لتحقيق مطالبهم .. لقد تعبنا من كلمتي (الاعتبار الكافي) اللتين وردتا في قرار البرلمان السابق. وقد كثرت الوعود للمناقشة في هذا الأمر. إن تعديل هذه المسودة لا يجدي، بل علينا أن نبحث أولاً عن نوع الحكم الذي نريده: هل هو حكم لسودان موحد أم نوع من الحكومة الفيدرالية؟». … «إذا كنا سنعتمد على مسألة الأغلبية والجنوبيون قلة، فلن نحل مشكلة الجنوبيين أبداً». … إنسحب الأعضاء الجنوبيون بعد ذلك من اجتماع الجمعية التأسيسية. ثم أصدروا بياناً قالوا فيه إنه كان على الجمعية التأسيسية أن تنظر أولاً في مسألة الإتحاد الفيدرالي بين الجنوب والشمال حسب قرار البرلمان السابق في 19 ديسبمر 1955. وقالوا أيضاً إنهم لا يريدون وضع عراقيل، ولكنهم لن يبحثوا أو ينظروا في أي مسودة دستور، أو يوافقوا على دستور لا يقوم على أساس الاتحاد الفيدالي.
انقلاب 17 نوفمبر 1958م. …. تعطلت المنابر الديمقراطية التي كان ينطلق منها الصوت الجنوبي.
العوامل الإقليمية في عهد عبود. … في نوفمبر 1959 وقعت حكومة 17 نوفمبر مع الحكومة المصرية إتفاقاً بشأن الانتفاع الكامل بمياه نهر النيل. … في النصف الأول من الستينيات انتقل الشعب الارتيري إلى مرحلة الكفاح المسلح لتحقيق المصير والاستقلال. وذلك بعد أن ألغت اثيوبيا في 15 نوفمبر 1962 المؤسسات الفيدرالية وضمت اريتريا إلى اثيوبيا. ونذكر هنا بأن الأمم المتحدة كانت قد اتخذت في 2 ديسمبر 1950 قراراً بأن تصبح اريتريا وحدة متمتعة بحكم ذاتي في إطار اتحاد فيدرالي مع اثيوبيا تحت سيادة التاج الاثيوبي. أيدت الولايات المتحدة ودول الحلف الغربي الاتحاد الفيدرالي. ولكن الاتحاد السوفييتي عارضه بحجة أنه يتجاهل حق الشعب الأريتري في تقرير المصير. … في مايو 1963 أعلن رؤساء الدول والحكومات الافريقية – وكان إبراهيم عبود بضمنهم – في أديس أبابا عن مولد منظمة الوحدة الافريقية. أثار قيام المنظمة تساؤلاً حول مفهومها لمبدأ حق تقرير المصير.
العوامل الداخلية. … طالبت أقاليم دارفور والبجة وجبال النوبة بالتعبير عن ذواتها وتطلعاتها في إطار نظام إقليمي. فقد أفضى التخلف والإهمال والتوزيع غير المتوازن للسلطة والثروة إلى قيام جبهة تنمية دارفور واتحاد جبال النوبة ومؤتمر البجة. … طُرحت خلال المرحلة التي نحن بصددها بصورة أكثر جدية وأكثر تحديداً من ذي قبل مسألة العلاقة بين الدين والدولة. وبدأ الحوار حول علمانية أو إسلامية الدستور. فبعد ثورة 1964 أعلنت الأحزاب السياسية الرئيسية أنها تسعى لإقرار دستور إسلامي. كما برزت إلى حيز الوجود جبهة الميثاق الاسلامي كتنظيم يدعو إلى إقامة جمهورية إسلامية على أساس دستور إسلامي.
مؤتمر المائدة المستديرة ومشروع دستور 1968م:
عُقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم في 16 مارس 1965 برئاسة مدير جامعة الخرطوم النذير دفع الله. ولتحقيق مشاركة الجنوب في السلطة القومية إقترحت الأحزاب الشمالية الآتي: (أ) يكون تمثيل الجنوب في البرلمان حسب نسبة سكانه إلى سكان السودان. (ب) يكون للجنوب وضعاً خاصاً في رئاسة الدولة بحيث يكون أحد أبناء الجنوب نائباً للرئيس.(ج) يكون في الوزارة ثلاثة وزراء من الجنوب. …. لم يتمكن مؤتمر المائدة المستديرة من الوصول إلى قرار إجماعي بشأن النظام الإداري والدستوري للسودان. لذلك قرر تشكيل لجنة مكونة من إثني عشر عضواً لمواصلة بحث هذا الموضوع.
كلف مؤتمر المائدة المستيديرة لجنة الاثني عشر بدراسة الهيكل الدستوري والإداري الذي يكفل المصلحة الخاصة للجنوب وكذلك المصلحة العامة للسودان. …. رفع رئيس لجنة الاثني عشر تقرير اللجنة في 26 يونيو 1966 اتفقت لجنة الاثني عشر على تبني النظام الإقليمي كنظام للحكم في السودان وعلى أن يكون لكل إقليم مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي وحاكم.
عُقد في اكتوبر 1966 مؤتمر للأحزاب السياسية رفع تقرير لجنة الاثني عشر ونتائج أعمال مؤتمر الأحزاب السياسية إلى اللجنة القومية للدستور التي بدأت أعمالها في فبراير 1967 وتمكنت من الفراغ من مهمتها ووضع مشروع دستور السودان الدائم أمام الجمعية التأسيسية في 15 يناير 1968.
لتحديد العلاقة بين المركز والإقليم تبنى مشروع دستور 1968 لا مركزية إدارية موسعة في إطار سودان موحد. …. نص مشروع دستور 1968 في باب الدولة على أن الإسلام دين الدولة الرسمي. …. نص مشروع دستور 1968 في باب الدولة على أن اللغة العربية هي لغة الدولة الرسمية.
ووصف أبيل ألير مسودة دستور 1968 بأنها أدخلت عنصراً جديداً في الساحة وهو الدستور القائم على التفرقة الدينية والعنصرية. وقال إنه وبوصفه المتحدث باسم أحزاب الجنوب أبلغ اللجنة بأن مشروع الدستور ليس مقبولاً للجنوب لأنه يفرق بين المواطنين على أساس الدين والعنصر: فهو دستور إسلامي لأمة عربية.
مقارنة لما سبق في الجنوب مع الوضع في دارفور لنفس الفترة:
تلك كانت الأحداث في الجنوب، لنرى ماذا كان يحدث في المناطق الأخرى من السودان خاصة دارفور؟
علي دينار يتمرد على الانجليز مما أدى إلى غزو دارفور في 1916م ليصبح جزءً من السودان في الأول من يناير 1917م.
كتم أحد المناطق المقفولة في دارفور
حرق العلم البريطاني في الفاشر العام 1949م
ثورة الفكي السحيني في نيالا العام 1953م.
تنظيم اللهيب الأحمر 1957م بعد سنة فقط من الاستقلال تعبيراً عن عدم التنمية في المنطقة.
جبهة نهضة دارفور بقيادة أحمد إبراهيم دريج 1964م، هدفها الأساسي التنمية الاقتصادية لكن كانت من أهم إنجازاتها أنها أوقفت استيراد نواب البرلمان من الشمال، والمقالة المشهورة بعنوان أم كدادة ما ذنبها؟ وكانت عن رئيس وزراء السودان بعد الاستقلال الذي فاز في دائرة أم كدادة ولم يزرها لا من قبل ولا بعد أن فاز وأصبح رئيساً لوزراء السودان.
منظمة سوني 1966م وهي تنظيم تبنت نفس أهداف جبهة نهضة دارفور، ألا أن قادتها قد اتخذوا طريق السلاح لتحقيق الأهداف وهم في الأصل الجنود الذين حاربوا في الجنوب وعادوا إلى دارفور وهم على قناعة تامة بأن حرب الجنوب غير أخلاقية ولا وطنية.
ثورة دارفور في الفاشر 1979م إحتجاجاً على تنصيب الطيب المرضي حاكماً لدارفور وهو ليس من أهل دارفور بينما حكام بقية الأقاليم من أصل مناطقهم.
إنتفاضة أهل دارفور في الخرطوم 1988م استنكاراً لدخول القوات الليبية والتشادية والحرب في أرض دارفور.
ثورة الشهيد داود يحيى بولاد 1991م والترابي يصفهم باسلاميي الزنوج فيتوعدهم. (إن الإسلاميين من القبائل الزنجية صاروا يعادون الحركة الإسلامية
صدور الكتاب الأسود وتمرد الإسلاميين ضد الجبهة القومية الإسلامية.
قيام التحالف الفيدرالي الديمقراطي السوداني يناير 1994م …. د.حيدر إبراهيم علي – صحيفة الخرطوم – يصف التحالف بالتنظيم الذي ولد ميتاً … لماذا يأتي تعليق شخص أكاديمي الذي يرجى منه الحياد العلمي بهذا الشكل …. هذا يبرهن صراع الإعلام الغير محايد مع المعارضة.
قيام حركة تحرير دارفور في 2002م والتي غيرت أهدافها ومن ثم إسمها في 2003م إلى حركة تحرير السودان، والعدل والمساواة في نهايات 2003م.
السؤال هل ستقود ثورة دارفور إلى نفس نتائج ثورة الجنوب؟ … مع الوضع في الإعتبار الشريط الملتهب من دارفور في أقصى الغرب إلى البحر الأحمر في أقصى الشرق.
الجزء الثاني
بعدما تحدثنا بإيجاز عن الوضع في دارفور نأتي إلى الجزء الثاني لنوضح بعض التطورات التي قاربت أن تصل بالبلاد إلى حل نهائي ومرضي … ولماذا إنتكست؟ … والصعود للعمل العسكري … ثم انقسام الدولة إلى دولتين … ولا ندري ما يخبئه المستقبل.
فترة حكم النميري وما بعدها:
تم توحيد الحركة الجنوبية بانقلاب قاده جوزيف لاقو على قائده ايميلو تافنق في النصف الثاني من عام 1970. أسس لاقو بعد ذلك حركة تحرير السودان لتعمل تحت قيادة قوات الانيانيا المسلحة.
بدأت المفاوضات بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان في أديس أبابا في فبراير 1972 تحت رعاية الامبراطور هيلاسلاسي، ترأس ابيل الير نائب رئيس الجمهورية ووزير شؤون الجنوب وفد الحكومة. وضم الوفد وزراء الخارجية والداخلية والحكومات المحلية والخدمة والاصلاح الاداري. وقاد وفد حركة تحرير السودان ازبوني منديري وضم الوفد أيضاً: مادينق دي قرنق، ولورنس ول، واوليفر البينو، وفريدريك ماقوت وآخرين.
بنود اتفاقية أديس أبابا 1972م
والتي بموجبها أصدر نميري قانون المدريات الجنوبية.
جعل القانون من المديريات الجنوبية للسودان اقليماً واحداً يتمتع بالحكم الذاتي الاقليمي في نطاق جمهورية السودان الديمقراطية ويعرف «بإقليم جنوب السودان». وحدد جوبا عاصمة للاقليم. …. نص القانون على أن تعديله يتطلب الحصول على أغلبية ثلاثة أرباع مجلس الشعب القومي وموافقة أغلبية ثلثي مواطني اقليم جنوب السودان في استفتاء عام يجري في الاقليم. …. عالج القانون مسألة تشكيل قوات الشعب المسلحة واستخدامها في الجنوب فنص على أن يشكل مواطنو اقليم جنوب السودان نسبة من مجموعة قوات الشعب المسلحة وذلك باعداد تتناسب والحجم السكاني لاقليم جنوب السودان. …. تتكون قوات الشعب المسلحة في اقليم جنوب السودان من 12000 ضابط وفرد يكون 6000 منهم من اقليم جنوب السودان و6000 من خارج الاقليم.
دستور السودان الدائم لسنة 1973م
الذي كاد أن ينقذ البلاد من المأزق الذي فيه
اجاز مجلس الشعب الأول دستور السودان الدائم في 11 ابريل 1973 ووافق عليه رئيس الجمهورية في 8 مايو 1973. …. لم ينص الدستور على الدين في باب السيادة والدولة بل في باب المقومات الاساسية للمجتمع السوداني. نصت المادة 16 من هذا الباب على الآتي: …. في جمهورية السودان الديمقراطية الدين الاسلام ويهتدى المجتمع بهدي الاسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه. … والدين المسيحية في جمهورية السودان الديمقراطية لعدد كبير من المواطنين ويهتدون بهديها وتسعى الدولة للتعبير عن قيمها… الاديان السماوية وكذلك المعتقدات الروحية للمواطنين لا يجوز الاساءة إليها أو تحقيرها. …. تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في هذا الدستور كمواطنين. ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية. …. يحرم الاستخدام المسيء للاديان وكريم المعتقدات الروحية بقصد الاستغلال السياسي. وكل فعل يقصد به أو يحتمل أن يؤدي إلى تنمية مشاعر الكراهية أو العداوة أو الشقاق بين المجموعات الدينية يعتبر مخالفاً لهذا الدستور ويعاقب قانوناً. وكريم المعتقدات الواردة في هذه المادة يقصد بها معتقدات غير المسلمين والمسيحيين. ….. وفي باب الحريات والحقوق والواجبات كفل الدستور حرية العقيدة والتعبد وأداء الشعائر. وفي باب السيادة والدولة نص الدستور على أن الشريعة الاسلامية والعرف مصدران رئيسيان للتشريع والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم. …. وقد رفض مجلس الشعب الأول اقتراحاً بأن توصف الدولة بأنها دولة اسلامية واقتراحاً آخر يدعو إلى اعتبار الاسلام ديناً رسمياً للدولة واقتراحاً ثالثاً بأن ينص على أن الاسلام دين الدولة. وفي معرض تعليقه على هذه الاقتراحات أوضح رائد المجلس أن نظام الحكم يقوم على أساس المواطنة فالانتماء الأول للوطن السودان على اختلاف الاديان واللغات. وقال أيضاً إن أساس الدولة هو المواطنة لا الدين. لأن الدولة اذا جعلت لنفسها ديناً معيناً فإنها تكون قد انحرفت عن ارتباطها الأصلي بجديد لا يجمع كل السودانيين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. …. تدار جمهورية السودان الديمقراطية على نظام اللامركزية وفقاً لما يحدده القانون. …. تقسم جمهورية السودان الديمقراطية بقصد تحقيق المشاركة الشعبية في الحكم وتطبيق اللامركزية إلى وحدات ادارية يحدد القانون عددها وحدورها واسماءها. …. يقوم نظام للحكم الذاتي الاقليمي في الاقليم الجنوبي على أساس السودان الموحد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972 والذي يعتبر قانوناً أساسياً لا يجوز تعديله إلا وفقاً للنصوص الواردة فيه. …. نص دستور سنة 1973 في باب السيادة والدولة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية لجمهورية السودان الديمقراطية.
الضمان الدستوري للحقوق والواجبات:
المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب اللغة أو الدين أو العرق أو المركز الاقتصادي أو الاجتماعي. … حرية العقيدة والضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية. … حظر السخرة والعمل الاجباري. …. حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي. …. حق استعمال الاقليات للغاتها وتطوير ثقافاتها.
تقويض إتفاقية أديس أبابا:
من العجائب إنو الإنسان يعمل إنقلاب في نفسو … دا ما عملها إلا نميري … عشان كدا نقول إنو الفيدرالية تنشأ بموجب دستور وليس بمقتضى قانون عادي. فالدستور باعتباره الوثيقة الأساسية التي تبين نظام الحكم وكيفية ممارسة السيادة في الدولة هو الذي يضمن الفيدرالية ويحميها. هذا بالطبع إذا كان الدستور نفسه مؤسساً على الفكر الديمقراطي الليبرالي. فالفيدرالية لن تزدهر في بيئة استبدادية لأنها في واقع الأمر عبارة عن ديمقراطية بين ولايات الدولة الواحدة دون طغيان الحكومة المركزية على الولايات، أو تسلط ولاية على الأخرى.
مسئولية نميري. …. أحدث نميري تغييراً في تركيبة إقليم جنوب السودان وذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقاليم دون اتباع الاجراءات التي حددتها اتفاقية اديس ابابا. …. حاول نظام نميري تعديل حدود اقليم جنوب السودان بالمخالفة لاتفاقية اديس ابابا لضم مناطق البترول والمناطق الزراعية والمناطق الغنية بالمعادن إلى الشمال. … تصرفت الحكومة المركزية في الموارد الطبيعية لاقليم جنوب السودان دون إعطاء أي اعتبار أو وزن لرأى الاجهزة الاقليمية. … مسئولية القيادات الجنوبية. …. لم تحافظ على وحدتها كقيادة سياسية واجتماعية. …. المطالبة بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم والتي تفجر بسببها فيض من المشاكل قد جاءت من الجنوب نفسه.
قوانين سبتمبر 1973م:
هذا يعتبر من قمة أفعال نقض العهود وأكبر كارثة في السياسة السودانية … نميري تحول 180 درجة
تفجير ثورة نميري الإسلامية في سبتمبر 1983 أصدر نميري عدداً من القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية وشملت القانون الجنائي لعام 1983 وقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسنة 1983 وقانون أصول الأحكام القضائية لسنة 1983 وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984. وفي منتصف عام 1984 طرح نميري على مجلس الشعب تعديلات لأكثر من مائة من مواد الدستور الدائم لسنة 1973. تجعل هذه التعديلات من السودان جمهورية إسلامية وتسند السيادة لله وتؤسس حاكمية الشريعة الإسلامية وذلك بالنص على أنها المصدر الأساسي للتشريع. وتقترح التعديلات أن يكون رئيس الجمهورية قائداً للمؤمنين ورأس الدولة وإمامها، وأن تبدأ رئاسته من تاريخ البيعة ولا تكون محدد بمدة زمنية محددة. ويمنح التعديل المقترح للمادة 113 رئيس الجمهورية – نميري آنذاك – حق تسمية خليفته في كتاب مختوم وموقع عليه بخط يده ويودع لدى الأمانة العامة لمجلس الشورى ولا يفض إلا بعد اعتماد خلو منصب رئيس الجمهورية بواسطة المحكمة العليا.
قيام الحركة الشعبية:
المانيفستو الذي أصدرته الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في 31 يوليو 1983. لا تعترف الحركة بتصنيف «شمال» و«جنوب» وتجعل من الجنوب نقطة إنطلاق لتحرير السودان وكسر احتكار القوى التقليدية في الوسط للسلطة وإقامة نظام علماني إشتراكي.
ملخص تطور الحركة الشعبية لتحرير السودان وإنطلاقة برامج السودان الجديد … سلسلة من المفاوضات جرت في نيروبي وأديس أبابا وكمبالا وأبوجا … من النميري إلى البشير … انتهت بنيفاشا في 9 يناير 2005م بتوقيع اتفاقية السلام الشامل … الإستفتاء في فبراير 2011م ونتيجتها 98.83% لصالح الإنفصال … إنفصال الجنوب في 9 يوليو 2011م … الحبل/الشعرة انقطعت وأصبح حبلين مستقلين … وربك يستر في الباقي.
الجزء الثالث
ما هو الحل؟
من السرد السابق نخلص بأن نخب الشمال النيلي التي ورثت السلطة السياسية والاقتصادية قد طبقت برامج الإقصاء والتهميش بمنهج محكم ليس فقط كيف يحكم البلاد لكن أيضاً بمن … الأحزاب السياسية تصنف إما طائفية دينية أو عقائدية متطرفة … عدم الإعتراف بالتعدد العرقي والديني والثقافي … التطهير الثقافي … عدم التنمية الاقتصادية …. هكذا أوصلت هذه السياسات البلاد إلى ما هو عليه الآن … فشل في إدارة البلاد … فشل في تماسك وحدة البلاد.
في الجزء الأخير من حديثنا هذا سنحاول أن نطرح بطريقة عقلانية العلاج الموضوعي للمشكلة السودانية المزمنة … وفي رأينا أن الحل يكمن في إبرام عقد اجتماعي لكل مكونات المجتمع السوداني … طبعاً نوقش وما يزال هناك تواصل للنقاش لموضوع أفضل أشكال الحكومات ولم يصل الفلاسفة إلى صيغة واحدة متفق عليها إذ أن لكل واحدة منها محاسنها ومساوئها … لكن يبقى الديمقراطية هي أنسب أنواع الحكم في تقديرنا.
العقد الاجتماعي:
تطور فكر العقد الاجتماعي في أوروبا خاصة في إنجلترا وفرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر … أساس الفلسفة مبني على حرية الإنسان الطبيعية … الصراع في إنجلنرا وعلاقة الملك بالبرلمان ثم علاقة الدين بكل من المجتمع والدولة شكلت الأرضية للتفكير في قيم الحرية …. ففي القرن الثالث عشر، الصراع بين الملك جون والبارونات أفضى إلى ثورة البارونات المسلحة ضد الملك وإجباره على توقيع وثيقة الحقوق Megna Charta سنة 1215م وفيها أكره الملك على احترام الأوضاع القائمة في ظل الدولة الإقطاعية. وكان الملك في ذلك الوقت يتمتع بحق الملوك الإلهي لا يسأل الملك إلا أمام الله الذي يستمد منه سلطانه مباشرةً ….. ويذكر توماس هوبز كيف أن الحروب الأهلية وثورة البرلمان بقيادة أوليفر كرومويل أدي إلى إعدام الملك شارل الأول في 1649م وفي فرنسا إعدام الملك لويس السادس عشر … وفي موقع آخر يقول أن أساس الصراع بين البشر هو الحاجة الدائمة للحصول على القوة أكثر وأكثر، وإكتساب المزيد منها، والبحث عن القوة لا يتوقف إلا بالموت.
أما في مسألة عقد المجتمع يقول جون لوك … يقوم فعل العقد بتنازل الفرد عن حقوقه الطبيعية وقوته التنفيذية التي كانت في يديه بقوة قانون الطبيعة إلى المجتمع، وبذلك يتحد البشر في المجتمع … فالإتفاق هو الطريقة الوحيدة التي يسلب بها الفرد نفسه من حريته الطبيعية، ويدخل في التزامات المجتمع المدني باتفاقه مع البشر الآخرين على الدخول في وحدة وتشكيل المجتمع المدني … وهم بذلك يتعاونون على خلق جسم سياسي واحد، وللأغلبية الحق في أن تفعل … فالدولة تنشأ من اتفاق البشر كياناً مصنوعاً على أن يكون الحكم فيها للأغلبية.
حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة، هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي والاستمتاع بها في حالة الطبيعة غير مؤكدة …. الأمن والسلام والحياة الطيبة أمور لا تستقر في المجتمع المدني إلا بوجود سلطة حاكمة مرئية تبقي البشر في رعب خوفاً من العقاب لإنجاز عقودهم وتحقيق اتفاقاتهم، وإلزامهم بقوانين الطبيعة قوانين العدالة والانصاف والاعتدال.
لهذا فإن غاية القانون هي الحفاظ على حرية الإنسان … والعقد في طبيعته هو تنظيم للحرية بالقانون … وقيام المجتمع المدني هو دلالة الحرية المنظمة. وبالتالي فإن مصدر قوة الدولة نابع من العقد أو الاتفاق الذي يقيد الحكومة ويفصل السلطات ويقر حق الثورة عندما تخرج الحكومة عن العقد أو الاتفاق.
كيف يوجد شكل من الاتحاد، يدافع ويحمي بكل القوة العامة، الشخص وخيرات كل متحد، عن طريق الوسائل التي بها يتحد كل فرد مع الكل، ومع ذلك لا يطيع إلا نفسه فقط، ويبقى حراً كما كان؟ والإجابة عند جان جاك روسو هو، العقد الاجتماعي الذي يشترط أن كل فرد يجب أن ينقل كل حقوق المرء إلى المجتمع. ولما كان هذا الشرط متساوياً بالنسبة لكل فرد، فليس لأحد مصلحة أن يجعله شاقاً على الآخرين. ولماذا يقبل الأفراد بهذا النوع من الترتيب الاجتماعي؟ ذلك لأنهم يرغبون في أن يحددوا لأنفسهم دوراً في التنظيم الجمعي. وهكذا يريدون مثل كل الآخرين الخضوع للقواعد والأهداف المشتركة للنظام أو التنظيم. فما هي الميزة التي يجنيها الأفراد بعمل هذا؟ يقول روسو أن العقد الاجتماعي هو أن كل شخص يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد … بمعنى أن كل شخص أصبح محكوماً بفكرة الخير المشترك ذاته الذي يرى بإعتباره مفيداً لكل الناس بما فيهم بطبيعة الحال نفس المرء أو نفس الفرد، فيدخل كل شخص في التوجه الأسمى للإرادة العامة … وعمل الإرادة العامة هنا هو أساس حياة المرء …. إن الإرادة العامة بالنسبة لروسو هي دائماً حق …. فيقول يعتمد تعضيد المساواة السياسية على إمكانية المجتمع الذي فيه يكون المواطنون قادرين على التفكير يالقضايا العامة باعتبارهم يناقشون المسائل أو القضايا المواجهة لهم، وعندما لا يملك الناس هذه القدرة تتحول السياسة إلى صراعات المصلحة الخاصة باستخدام المنتصرين القوة العامة لتشجيع أهدافهم الخاصة على حساب الآخرين.
حق تقرير المصير والعقد الاجتماعي:
تقرير المصير والعقد الاجتماعي يقودان في النهاية لتحقيق نفس الهدف وهو إقامة دولة المواطنة برضاء كل أهل البلد المعني. لهذا فإن تقرير المصير هو مبدأ في القانون الدولي الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة وفي ذلك أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها. إذ تنص إحدى مواد القانون الدولي أنه (لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذاتي). الجدير بالذكر أن مفهوم تقرير المصير قد تجسد أولاً في إعلان الاستقلال الأمريكي في العام 1776م ثم في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في العام 1789م. ….
العلمانية
إبتداءً، الجميع متفقون على أن السودان بلد متعدد الأعراق، والديانات، والثقافات، واللغات. هذا واقع لا يمكن إلغاءه أو تجاهله. لذلك ينادون بعدم تفرقة الناس على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية. وهذا في حقيقة الأمر، يعني فصل هذه الأمور من ممارسة العمل السياسي. إذاً ما الذي يمنع استخدام كلمة العلمانية ليعني فصل السياسة عن الدين والعرق واللون والإقليم والقبيلة والثقافة؟ العَلمانية أي Secularism تعني، اصطلاحاً ” فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة. وقد تعني عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية.” لذا من الناحية السياسية، العلمانية هي التحرك في اتجاه الفصل بين الدين والحكومة. وهو ما يسمى في كثير من الأحيان في الدول الغربية بالفصل بين الكنيسة والدولة. …. هذا المفهوم لمعنى العلمانية، قاد الكثيرين في أمريكا بأن يقولوا أن الدولة العلمانية قد ساعدت إلى حد كبير في حماية الدين من التدخل الحكومي.
هوية السودان:
عندما نبعد كل المسائل الخلافية بحيث لا تتدخل في إدارة شئون الدولة دستورياً ويبقى القاسم المشترك الوحيد الذي يجمعنا هو البقعة الجغرافية أي السودان، حينئذ يصبح هويتنا التي لا خلاف فيها هي السودانوية.
علاقة المعارضة الحالية بالعقد الاجتماعي:
المعارضة القائمة الآن في السودان لها ثلاثة أوجه (1) كفاح مسلح – الحركات المسلحة شريط الوسط من أقصى الغرب في دارفور إلى أفصى الشرق على البحر الأحمر (2) معارضة سلمية – منظمات المجتمع المدني التي بدأت تنمو بصورة سريعة في الوسط (3) الصامتين في بيوتهم ينتظرون ساعة الصفر ليخرجوا إلى الشارع وعددياً هم الأكثر. توضح أدبيات الحركات المسلحة وبعض الجبهات مثل الجبهة السودانية للتغيير، أنها تسعى إلى إعادة تشكيل أسس إدارة الدولة بمنهج وطني، ولطالما هذا هو الهدف على هذه الفعاليات المعارضة أن تعقد مؤتمراً جامعاً للاتفاق حول نوعية الدولة التي تكون صالحة لكل مكوناتها قبل الاقدام على اسقاط الحكومة الحالية التي هي العائق الحقيقي لتقدم الدولة. في هذا أرى أن تحالف كودا الذي يجمع عدداً من الحركات المسلحة والجبهة السودانية للتغيير والتي بدورها أيضاً تجمع عدداً من الفعاليات المعارضة أن تنسق وتبادر بتنظيم مؤتمر جامع يمكن أن تكون قاعدة متينة للعقد الاجتماعي بعد ذهاب النظام الحالي. وبما أنه لا يوجد فيلسوف ليضع لنا أسس لحل المعضلة السودانية يكون البديل مؤتمر جامع لكل شعوب السودان نتفق حول برامج محدد، ونتخلص من حالة المعارضة السيئة السائدة في العالم الثالث التي يتحدث فيها المعارضون بلسان واحد وقلوبهم وأفعالهم شتى.
ولهذا ليس بالضرورة أن نطبق ابرام العقد الاجتماعي متبعين نفس الخطوات التي تمت في أوروبا في القرون الماضية. الذي يهم أن تجتمع كل شعوب السودان المختلفة في مؤتمر جامع وبحرية إرادتهم يمثلون أقاليمهم المختلفة ويعبرون عن مصالحهم وهم في ذلك يجاوبون على سؤال محوري وهو كيف لهم أن يعيشوا في هذه الرقعة الجغرافية؟ وهذا ما يعنيه روسو في كيف يوجد شكل من الاتحاد، يدافع ويحمي بكل القوة العامة، الشخص وخيرات كل متحد، عن طريق الوسائل التي بها يتحد كل فرد مع الكل، ومع ذلك لا يطيع إلا نفسه فقط، ويبقى حراً كما كان؟ أي العقد الاجتماعي الذي يشترط أن كل فرد يجب أن ينقل كل حقوق المرء إلى المجتمع. وهنا أنبه أن وجود الأحزاب السياسية في هذه العملية سوف تفسدها، وكفى أنها فشلت منذ الاستقلال حتى اليوم فعليها أن تنتظر بعد تأسيس الدولة فتنافس بعد ذلك في الحكم.
الفترة الإنتقالية:
عندما يتم ابرام العقد الاجتماعي بين كل شعوب السودان هناك حاجة ماسة لفترة انتقالية لتنفيذ الاتفاق السياسي الذي تم حتى يصبح دستوراً قومياً حقيقياً …. في رأيي أنا أن تكون هذه الفترة لمدة عشرة سنوات للأسباب التالية
1- الفترة الانتقالية مهمتها تأسيس الدولة التي فشلت الفترات السابقة أن تحققها … الأولى 1954 – 1956م الثانية أكتوبر 1964 – فبراير 1965م الثالثة سنة واحدة فقط 1985م.
2- فرصة للحركات المسلحة أن تتحول إلى أحزاب سياسية … الفترة القصيرة هي إعادة إنتاج الأزمة.
3- فرصة للأحزاب السياسية أن تنمو في بيئة من الحرية لممارسة الديمقراطية في أنفسها أولاً.
4- القوى الحديثة التي عملت لاسقاط النظام هي القادرة لبناء دولة المواطنة من حيث وضع الخطط الوطنية للتعليم والتربية بما فيها القوات النظامية.
5- فرصة لقوى المعارضة التي أسقطت النظام أن تتعرف على بعضها.
6- القوى التي تسقط النظام هي الأقدر على حماية المكتسبات.
وفي الختام … مرة أخرى: هل ستقود ثورات الهامش إلى نفس نتائج الجنوب.
وشكراً جزيلاً


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.