شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    (لوبوبو وإن طال السفر)    بعد العودة إلى التدريبات.. هل ينتهي تمرد رونالدو أمام أركاداغ؟    شاهد بالفيديو.. الجوهرة السودانية يشعل المدرجات ويفتتح مشواره الإحترافي بالخليج بصناعة هدف بطريقة عالمية    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن النبي موسى والختان واخناتون ..
نشر في حريات يوم 17 - 04 - 2012


[email protected]
في مقالنا: (السودان في الكتاب المقدس) أوردنا ما ذكرته التوراة من أن موسى تزوج بامرأة من بلاد كوش (السودان). ومن هنا تساءلنا : هل أن شعيبا الذي زوج موسى ابنته كان سودانيا من كوش ؟ تساءلنا ولم نؤكد أو ننفي تاركين الباب مفتوحا لكل الاحتمالات.
واشفعنا ذلك بإيرادنا لوصف ابن جرير الطبري لنبي الله موسى كونه كان “آدما” أي اسمر أو بالأحرى أخضر البشرة. جاء ذلك في سياق تفسير الطبري لقوله تعالى مخاطبا موسى:” أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء” يقول الطبري: أي من غير بَرص – وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنى جعدا طوال – فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها في جيبه، فخرجت كما كانت على لونه”. أي عادت إلى لون بشرته كما كانت. وبذلك يشدد الطبري على سواد لون النبي موسى.
وهذه التساؤلات تجد مشروعيتها إضافة إلى هذه الإشارات، في الذاكرة التراثية. ففي السيرة النبوية الشعبية يعتقد قطاع من السودانيين وبخاصة ذوي المشرب الصوفي أن موسى والخضر – عليهما السلام- سودانيان وان قصة صحبة موسى للخضر جرت بالسودان والبحر هو بحر النيل وان مجمع البحرين هو مقرن النيليين الأزرق والأبيض. لا جدال أن مثل هذا الاعتقاد يفتقر إلى الأدلة والشواهد المادية والتاريخية والأثرية ولذلك يظل مجرد اعتقاد، إلا أنه لم ينشأ من فراغ وإنما فيه أصداء وظلال لأراء ومعتقدات ذات مصادر متعددة. بعض هذه المصادر قديم وهو ما أشرنا إليه وبعضها حديث يتوسل إلى ذلك بالنظر العقلي.
في سياق حديثه عن غزو ملوك السودان (أثيوبيا سابقا) لمصر وسيطرتهم عليها والثابت بالأدلة التاريخية والأثرية، يعرض نعوم شقير إلى حكاية زواج النبي موسى ” التوراتية” من سودانية. ولكنه يصف هذه الحكاية بالخرافة.
يقول “: وقد رأيت في بعض التواريخ القديمة أن الأثيوبيين غزوا مصر في أيام موسى النبي واكتسحوا البلاد إلى ممفيس. فاستشار المصريون آلهتهم في شأن الأثيوبيين فأوحت إليهم أن يجندوا جيشا ويعقدوا لواءه لرجل من العبرانيين فاختاروا موسى قائما على جيشهم وأطلقوا له الحرية ليفعل ما يشاء لردع الأثيوبيين فزحف موسى بالجيش على عاصمة أثيوبيا ولم يتخذ طريق النيل كما انتظر الأثيوبيين بل سار بطريق الصحراء. قيل وكان في طريقه ارض تموج بالحيات فأخذ معه في أقفاص من البيبورس عددا من طيور أبي منجل المصرية التي تصطاد الحيات. فلما وصل إلى تلك الأرض أفلتها من الأقفاص فأهلكت جميع الحيات وفتحت الطريق للجيش فأطبق موسى على الأثيوبيين مفاجئا لهم فانهزموا شر انهزام وانسحبوا إلى عاصمتهم الحصينة فحصرهم فيها وكانوا يخرجون إليه و يناجزونه فيردهم على أعقابهم خاسرين. وكانت ابنة ملك أثيوبيا في قصرها تشاهد القتال فأعجبتها بسالة موسى فوقع حبه في قلبها وعشقته فأسرت بذلك إلى بعض رجالها الذين تثق بهم وقالت لهم: اذهبوا إلى موسى واخبروه يأتي أسلمه المدينة بشرط انه يتخذني زوجة له فأجاب موسى إلى طلبها ودخل وتزوج بها.” – انتهى.
إلا أن روح المؤرخ تتغلب على نعوم شقير فيصف هذه الحكاية بأنها ” من القصص التقليدية الخرافية التي لا دليل على صحتها”. ولكنه لم يشأ أن يكشف عن المصدر الذي أخذ عنه هذه القصة.
أغلب الظن أن مصدر هذه القصة التراث اليهودي وتفاسير التوراة. وما يؤيد ذلك أن فرويد يذكر في كتابه (موسى والتوحيد) أن الأدب التوراتي يتحدث أن موسى كان قد هرب إلى السودان (أثيوبيا) خوفا من حسد عصبة البلاد وغضب الفرعون. وأن شروحات التوراة تتحدث عن مآثر موسى الحربية في السودان. وهنا ننوه بخطأ المفكر جورج طرابيشي – مترجم كتاب فرويد – في ترجمة كلمة أثيوبيا بالحبشة. وقد جاءت إشارة فرويد مقتضبة وهو لم يتوسع في ذلك ليورد تفاصيل زواج موسى من الأميرة السودانية كما أوردها نعوم شقير. ولكن يبدو أن القصة واحدة من حيث التفاصيل والمصدر. ومعلوم أن فرويد يهودي الأصل لكنه لا يدين باليهودية لذلك فهو الآخر يصف هذه القصة بالخرافة. فهو له رأي جذري مناهض للتوراة وكل ما جاء فيها بشان النبي موسى.
وسيجموند فرويد Sigmund Freud هو العالم المعروف، مؤسس علم النفس، وهو برغم تكريسه جل نشاطه في الكتابة والتأليف لعرض نظرياته في علم النفس والتحليل النفسي إلا انه خصص كتابا كاملا عن النبي موسى انتهج فيه نهج النقد التاريخي القائم على النظر والتحليل العقلي وقد خلص فيه إلى أن نبي الله موسى كان مصريا وليس يهوديا. وهي نتيجة لا تبعد كثيرا، كما ترى عن الاعتقاد الشعبي عند بعض السودانيين حول الأصل السوداني لموسى، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الأصل المشترك لحضارة وادي النيل.
صدر كتاب Moses and Monotheism (موسى والتوحيد) سنة 1938 وهي ذات السنة التي توفى فيها فرويد. وقد كان الكتاب بمثابة خيبة أمل كبيرة لقطاع كبير من اليهود ممن كانوا يعدون فرويد أحد أبنائهم العباقرة. ورغم تردد فرويد في البداية من نشر الكتاب خوفا من غضب الكنيسة وسخط بني جلدته إلا أن الكتاب صدر في النهاية. يقول في مستهله :” إن تجريد شعب من الشعوب من الرجل الذي يحتفي به على أنه أعظم أبنائه ليس بمهمة بهيجة ينجزها المرء بخفة قلب. ولكن ليس ثمة من اعتبار، مهما جل بقادر على إغوائي بتجاهل الحقيقة باسم مصلحة قومية مزعومة.”- ص 7
بنى فرويد فرضيته القائلة بالأصل المصري للنبي موسى على عدد من الشواهد والاستنتاجات العقلية والتاريخية والدينية واللغوية وهي:
1- اسم موسى مصري، وليس عبري إسرائيلي.
2- عادة الختان أخذها اليهود عن المصريين عن طريق موسى.
3- الديانة التوحيدية التي تبناها الفرعون المصري اخناتون.
يرفض فرويد التخريج اليهودي لاسم موسى ويرى أن الكلمة ذات أصل مصري وتعني في المصرية القديمة “طفل” وهو ينقل هنا عن كتاب The Dawn of Conscience ” فجر الضمير” لعالم المصرويات الحجة في مجاله، جون برستيد: ” من المهم أن نلاحظ أن اسمه موسى كان مصريا. فالكلمة المصرية موسى تعني طفل. هي اختصار لصيغ مثل آمون- موس أي آمون الطفل وبتاح- طفل أي بتاح – الطفل وهذه الصيغ نفسها هي في الأصل كاملة: آمون أنجب طفلا أو بتاح أنجب طفلا. وسرعان ما حلت كلمة طفل محل الأسماء المركبة وهكذا تتكرر كلمة موس بكثرة في الأوابد المصرية. ولا شك أن والد موسى قد أعطى ابنه اسما تدخل في تركيبه لفظة آمون أو بتاح فاسقط فيما بعد اسم الإله وبقى اسم الطفل ببساطة موسى – موس. أما حرف السين الموجود في نهاية الكلمة Mosesفقد أضيف إضافة في الترجمة اليونانية القديمة للعهد القديم وهو ليس من اللغة العبرانية التي يلفظ بها هذا الاسم موشي.” – انتهى. ص 9
قلت: موسى تلفظ في العبرية، موشي أو موشيه، بسبب أن السين تلفظ في العبرية شينا. فسلام تلفظ شالوم وشمس تلفظ شمش كما في اللهجة السودانية تماما وسنة تلفظ شنة الخ..
ولكن فرويد لاحظ أن لفظ موس يرد أيضا في أسماء عديدة لملوك مصريين قدماء مثل: أحمُس وتحتموس ورعموس أو رمسيس. ويستغرب كيف أن برستيد قد اغفل الإشارة إلى ذلك في المقتطف المستشهد به أعلاه. ويتساءل كيف نفسر أن ما من عالم من العلماء الكثيرين الذين أقروا بالأصل المصري لاسم موسى، قد استنتج أو على الأقل اقترح أن حامل هذا الاسم قد يكون نفسه مصريا؟
ولكن يمكن الرد على فرويد هنا بأنه كون أن النبي موسى تسمى باسم مصري لا ينهض دليلا كافيا على أنه هو نفسه من أصل مصري، فبني إسرائيل استقروا حقب عديدة بمصر قبل خروجهم منها بقيادة موسى. فلا عجب أن يتخذوا لمواليدهم بعض الأسماء المصرية القديمة. مثل هذه الحجة لم تغب على بال فرويد ولكنه يوظفها عكسيا ليدلل على هنالك شخصيات تاريخية من أصول أجنبية قادت شعوب لا تنتمي إليها قوميا مثل نابليون بونابرت ذو الأصل الايطالي. لا غرو إذن أن يقود موسى (المصري) حسب فرضية فرويد ، بني إسرائيل. كذلك يستشهد فرويد بعقدة لسان موسى المذكورة في كل من التوراة والقرآن. ويتخذ ذلك دليلا على أن لغة بني إسرائيل كانت أجنبية بالنسبة لموسى.
وهنا لا بد من التنويه بان الخطوط الرئيسية في قصة موسى الواردة في التوراة، هي هي، في القرآن الكريم. قصة ولادته وإخفائه في التابوت في النيل وقصته مع فرعون وسحرته وهروبه خارج مصر وعمله راعيا لشعيب وزواجه من بنته وشقه للبحر وقصة التيه في سيناء وعبادة اليهود للعجل ألخ.. ، نعم هنالك اختلاف في التفاصيل. فأسلوب القرآن مجمل يعتمد على الإيجاز والإشارة أما التوراة فتغرق في التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل. وهنالك اختلاف مهم آخر وهو أن التوراة تقوم كلها على السرد القصصي. أما القرآن فنزل في صيغة خطاب مباشر من الله سبحانه وتعالى.
وما يقال عن قصة موسى يقال أيضا عن قصص الأنبياء المعروفين بالكتب السماوية: آدم ونوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وغيرهم. وهذا ما يؤكده قوله تعالي:” وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه” وقوله جل شأنه : ” إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى”. أما مسالة التحريف التي ترد في القرآن الكريم فهي تنصب بصفة أساسية على نكران أهل الكتاب لنبوة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
الحجة الثانية التي يعتمد عليها فرويد في فرضية الأصل المصري لموسى، هي الختان. المعلوم أن ختان الذكور عند اليهود ليس مجرد عادة، بل هي من صميم العقيدة عندهم. هي العهد الذي بينهم وبين الله حسب تصورهم. ويرى فرويد أن اليهود اخذوا عادة الختان من قدماء المصريين أثناء بقائهم بمصر. وان النبي موسى لكونه مصريا، هو الذي فرضه عليهم. وتكاد تجمع المراجع التي يستند عليها فرويد بما فيها مؤلفات علماء اللاهوت اليهود والمسيحيين، على أن الختان عند اليهود مصري الأصل.
كذلك يستشهد فرويد في ذلك بتاريخ هيرودت. يقول هيرودت :” المصريون ينفردون عن سواهم في العالم بالختان ولعل هنالك من يشاركونهم هذه العادة وهؤلاء اخذوا هذا التقليد عنهم.” وأغلب الظن أن هيرودت يتحدث هنا عن ختان الذكور إذ لم ترد في كتابه أي إشارة في كتابه إلى ختان الإناث. هذا، ولا يعرف اليهود ختان الإناث. وقد أثبتت الكشوف الأثرية والموميات ورسوم جدران الأضرحة، صحة ما ذكره هيرودت عن عادة ختان الذكور عند قدماء المصريين.
ويُلمِح هيرودوت إلى احتمال أن يكون أصل الختان سودانيا إذ يقول انه لا يدري إذا كان المصريون أخذوه عن السودانيين:” الختان معروف عند المصريين والأثيوبيين منذ أقدم العصور. وهذا أمر يقر به الفينيقيون والسوريون سكان فلسطين فيقولون إنما أخذوا هذا التقليد من المصريين. أما الأثيوبيون فلا أملك أن اجزم إن كانوا أخذوا بهذا التقليد عن المصريين، أم أن المصريين يقتدون بهم في إتباعه ولكن مما لا ريب فيه أنه يعود إلى تاريخ بالغ القدم في أثيوبيا”. ص 178- هنا نُذكِر أن أثيوبيا عند الإغريق هي السودان الحاضر. – انظر مقالنا : السودان في آثار حضارة الإغريق.
يقول فرويد:” لم يهب موسى اليهود دينا جديدا فحسب- بل أسس أيضا – هذا مؤكد – عادة الختان التي لها أهميتها القصوى من منظور المشكلة التي تستأثر باهتمامنا. ومع ذلك فان هذه الواقعة لم تقدر حق قدرها”. ص 35
إلا انه يمكن الرد أيضا على فرويد هنا بان بني إسرائيل عرفوا ختان الذكور قبل نبي الله موسى. فوارد في التوراة والإسلام أن إبراهيم أبو الأنبياء هو الذي سن عادة الختان. ولكن لم تغب هذه الحقيقة عن بال فرويد. يقول :” صحيح أن الرواية التوراتية كثيرا ما ترجع الختان أولا إلى عصر الآباء باعتباره إياه علامة الحلف المعقود بين الله وإبراهيم”. ص35
ولكن يجوز لفرويد أن يرد على ذلك بان إبراهيم إنما اخذ هذه العادة من مصر وهذا ما لم يذكره. فتخبرنا التوراة وتؤيدها في ذلك كتب السيرة الإسلامية أن إبراهيم أقام في مصر فترة من الزمان هو وزوجته سارة وهنالك تزوج هاجر المصرية (أم هي كوشية) ثم توجه إلى الحجاز لإقامة قواعد البيت بمكة. وتخبرنا المصادر الإسلامية والتوراتية أن إبراهيم ختن نفسه في سن متقدمة بقدوم!! فهل في ذلك إشارة إلى انه عرف عادة الختان بعد زيارته لمصر؟
الحجة الثالثة والأخيرة التي يقيم عليها فرويد فرضيته بمصرية نبي الله موسى، الدعوة التوحيدية التي جاء بها. معلوم أن الديانة المصرية القديمة تعددية وثنية. كانت هنالك عددا من الآلهة على رأسهم الإله رع أو آمون رع إله الشمس. ولكن شذ عن ذلك فرعون مصري واحد هو أمنحوتب الرابع الذي اعتلى العرش سنة 1375 ق .م وسمى نفسه فيما بعد اخناتون. أنكر اخناتون تعدد الآلهة واتخذ إلها واحدا هو الإله آتون وأقامه مكان الإله آمون وفرض عبادته وحده على المصريين ونبذ السحر والتنجيم. وظلت الديانة التوحيدية الجديدة طوال عهد الأسرة الثامنة عشر حتى وفاة اخناتون وبعد وفاته عاد المصريون مرة أخرى لمذهبهم التعددي السابق. وهذه الديانة الجديدة هي، التي يفترض فرويد أن موسى قد دعا إليها بني إسرائيل.
ولكن يمكن أن يُرد على فرويد بان آباء بني إسرائيل عرفوا دين التوحيد قبل موسى. وذلك من لدن إبراهيم ويعقوب وإسحاق ويوسف وغيرهم. إلا أننا يمكن أن نستنتج من قصة عبادة قوم موسى للعجل الواردة في كل من التوراة والقرآن، أن بني إسرائيل قد نسوا أثناء إقامتهم بمصر الديانات التوحيدية لآبائهم الأوائل. وعبادتهم للعجل في صحراء سيناء أثناء غياب موسى عنهم لفترة يؤكد هذا التأثر بديانة المصريين. فالمعروف أن الإله الثور” إبيس” هو أحد آلهة المصريين القدماء (انظر مقالنا: تأثير الأساطير الأفروأسيوية في اللغات الأوربية). ومن هنا يصح القول – إذا أخذنا بفرضية فرويد، أن موسى قد أحيا النزعة التوحيدية في بني إسرائيل بعد أن اندثرت بسبب إقامتهم في مصر.
وبالرجوع إلى المؤرخين وعلماء الآثار الذين وصفوا قدماء المصريين في العصور الأولى للحضارة المصرية، نجد أن ثلة من هؤلاء العلماء يرى أن قدماء المصريين الأوائل أفارقة الأصل ولكن تغيرت سحناتهم وملامحهم بتوالي العصور والغزوات المتكررة لمصر. يقول Wallis Budge واليس بيدج، عالم المصرويات الشهير وصاحب كتاب “آلهة المصريين” وغيره من الكتب الهامة في تاريخ حضارة وادي النيل، يقول في كتابه ” مصر” :
“The prehistoric native of Egypt, both in the old and new Stone Ages, was African, and there is every reason for saying that the earliest settlers came from the South."
وفي كتابه The Dawn of Civilization يقول غاستون ماسبيرو ( 1846- 1916):”
“By the almost unanimous of ancient historians, they (the Egyptians) belong to an African race which first settled in Ethiopia on the middle Nile, following the course of the river they gradually reached the sea.'
والإشارة إلى أثيوبيا هنا المقصود بها السودان كما سبق التنويه مرارا بدليل عبارة أواسط نهر النيل.( انظر- Diop, Civilization Or Barbarism
وهنا تلتقي فرضية فرويد القائلة بمصرية النبي موسى، بوصفه في تفاسير القرآن الكريم بالسواد، باعتقاد بعض السودانيين بسودانيته.
بقى أن نؤكد أن دافعنا لمثل هذه البحوث ليس محاولة انتحال هوية متوهمة كما يظن البعض. إنما هي روح البحث والتنقيب. والبحث في هذه القضايا كان على الدوام ولا يزال في بؤرة اهتمام الباحثين والدارسين من مختلف الأجناس في علوم التاريخ والآثار واللاهوت والانثروبلوجيا وعلم الأديان المقارن وفقه اللغة المقارن.
ومن أواخر الإصدارات العربية في هذا المجال كتاب (النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة) للباحث والمفكر المصري، محمود سيد القمني، المكون من عدة أجزاء، والذي لم اطلع عليه حتى الآن رغم اطلاعي على جميع كتبه الأخرى تقريبا. ولا أدري هل نحى فيه منحى فرويد ام كان له مذهبا آخر. كذلك علمنا أن النيَّل أبو قرون قد أًصدر كتابا عن (النبي موسى عليه السلام ) ولم يقع في يدنا بعد. ولا ادري ما هي حيثياته وإلى أي مدى اعتمد المادة التاريخية والدينية التي اشرنا إليها وكيف كانت تأويلاته لها.
مصادر
1- سيغموند فرويد، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة بيروت ط 2004
2- هيرودت، تاريخ هيرودت، ترجمة عبد الاله الملاح ، مراجعة: د. أحمد السقاف ود. حمد بن صراي، المجمع الثقافي، ابو ظبي ، 2001
3- نعوم شقير، تاريخ وجغرافية السودان، دار الثقافة بيروت، لبنان.
4- الطبري، قصص الأنبياء، دار الفكر بيروت ، ط 2002.
5- Anta Deiop, Civilization Or Barbarism ,Lawrence Hill Books,1991


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.