كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عودة إلى النبي موسى وإخناتون والختان .. بقلم: د. خالد محمد فرح
نشر في سودانيل يوم 02 - 05 - 2012

نشر صديقنا الباحث والكاتب الفطن والمثابر ، الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا قبل نحو أسبوعين تقريباً من الآن ، مقالاً دسماً وموحياً ومغرياً بالتعليق والتعقيب عليه تحت عنوان: " عن النبي موسى والختان واخناتون " ، ناقش في متنه بعض الروايات المكتوبة ، وكذلك المتداولة شفاهةً ، حول صلة النبي الكريم " موسى بن عمران " بأرض السودان ، فضلاً عن تناوله بالنقاش لطائفة من الآراء التي خطتها أقلام بعض الكتاب والباحثين المحدثين ، حول الأصل العرقي للنبي موسى عليه السلام ، مثل رأي عالم النفس السويدي " سيغموند فرويد " الذي عبّر عنه في كتابه الموسوم ب " موسى والتوحيد " ، أو Moses and Monotheism كما يعرف عنوانه في نسخته الإنجليزية التي صدرت في عام 1938 م.
وتطرق الأستاذ عجب الفيا في مقاله الذي نحن بصدده أيضاً ، إلى بعض المسائل المتعلقة بتاريخ الأديان ، وخصوصاً الكتابية منها ، وما يُزعم من وجود صلة بينها وبين مختلف العقائد والنحل التي كانت سائدة في الحضارات القديمة في مصر ، وبلاد الشام ، وأراضي ما بين الرافدين القديمة ، مع إشارة خاصة إلى بعض العادات والتقاليد الاجتماعية ، والممارسات الطقوسية والثقافية ، مثل عادة ختان الذكور على سبيل المثال.
تساءل الأستاذ عجب الفيا في مستهل مقاله ، بعد أن أعاد إلى الأذهان ما سبق أن ذكره في مقال سابق له بعنوان: " السودان في الكتاب المقدس " ، من أن التوراة قد نصت صراحة على أن موسى تزوج بامرأة من " كوش " ، التي هي السودان الحالي في رأيه ، وفي رأينا نحن كذلك ، تساءل بما معناه: هل أن شُعيباً الذي زوّج ابنته لموسى ، كان هو الآخر سودانياً من كوش ؟.
قلتُ: كون أن شيخ " مَدْيَنْ " الذي تلقبه التوراة ب " كاهن مديان " ، وتطلق عليه اسمين هما: " يثرو " و " رعوئيل " معاً ، والذي تزوج موسى إحدى ابنتيه الاثنتين كما في القرءان ، أو السبعة كما في سفر الخروج ، هو نفسه النبي " شُعيب " عليه السلام ، الذي لا ذكر له البتة في التوراة ، إذ هو من أنبياء العرب كما جاء في الحديث الصحيح ، فإن ذلك ليس من المذكور في القرءان قطعا ، بيد أنه غدا رواية " فولكلورية " إسلامية عربية شائعة ، اشتملت عليها الكثير من القصص والروايات ، بما في ذلك بعض تفاسير القرءان الكريم ، فضلاً عن بعض مأثورات الأدب العربي نثراً وشعرا. قال أبو العلاء المعري مهنئاً ممدوحاً له بالزواج حديثاً ، واصفاً إياه وعروسته بالتدين والعفة ، مع الغنى واليسار في ذات الوقت:
كنتَ موسى وافتهُ بنتُ شُعيْبٍ غيرَ أنْ ليس فيكما من فقيرِ
وقد كنتُ أنا دائماً أتساءل: هل الموضع الجغرافي المسمى: " مرسى شعيب " الواقع على ساحل البحر الأحمر إلى الشمال قليلا من مدينة " بورتسودان " ، اسم قديم أم مستحدث ؟ وإلى أي عهد يعود ؟. ولم أجد في الواقع رداً على تساؤلي هذا حتى الآن.
هذا التساؤل مهم في تقديري ، وخصوصاً من وجهة نظر الجغرافيا التاريخية لعدوتي البحر الأحمر الشرقية والغربية كليهما. ذلك بأنه لئن كانت معظم المصادر تنسب مدين أو " مديان " تقليدياً إلى المنطقة الواقعة شرق خليج العقبة مباشرة ، وإلى الجنوب منها قليلاً في منطقة شمال غرب الجزيرة العربية ، إلا أن بعض المصادر القديمة منها والحديثة ، ترى أن " مدين " كانت تقع في ديار " البجه " بشرق السودان الحالي ، أي بالضفة الغربية للبحر الأحمر. وكان الدكتور جعفر مرغني قد سمى بعضاً من تلك المصادر القديمة التي ذكرت ذلك ، في مقال له بعنوان: " من أدبيات التخوم السودانية المصرية " ، نشره بمجلة " حروف " التي كانت تصدرها " دار جامعة الخرطوم للنشر " في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وأحسبه قد ذكر من بين تلك المصادر كتابي: " بليني " و " استرابو ". وقيمة هذين المصدرين أنهما كانا محايدين تماماً في ذلك العهد ، وقت صدورهما وبداية تداولهما ، ألا وهي الفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد ، والقرن الأول بعده. ذلك بأن مؤلفيهما لم يكونا يصدران عن أية انحيازات أو مواقف مسبقة ، نظراً لأنه لم تكن لهما أدنى صلة بالعرب أو العبرانيين أو المديانيين ، أو اليهودية ، أو المسيحية ، أو الإسلام بطبيعة الحال.
أما من بين المصادر الحديثة التي تذهب إلى أن مدين قد كانت تقع في أرض السودان ، فمعجم " تِنديل " للكتاب المقدس ، أو Tyndale Bible Dictionary (1).
ولما سألنا الشيخ قوقل بن الأثير العنكبوتي حفظه الله عن مديان Midian ، أخرج لنا من جعبته ما يلي:
" مدين (مديان) موضع جغرافي ، واسم لشعب مذكور في الكتاب المقدس وفي القرءان ، يرجّح " ويليام ج. ديفر " أنه كان موجوداً في شمال غرب شبه الجزيرة العربية ، على الساحل الشرقي لخليج العقبة على البحر الأحمر ( الحجاز ). ولكنّ بعض العلماء يعتقدون انه موجود في مكان ما داخل السودان ، أو حواليه " أ. ه
Midian is a geographical place and a people mentioned in the Bible and in the Quran. William G. Dever suggests it was located in the “northwest Arabian Peninsula", on the east shore of the Gulf of Aqaba on the Red sea (the Hejaz). Some scholars believe it to be somewhere in or around Sudan." (2)
ذكر الكاتب أن هنالك بعض الروايات الشعبية المتداولة في السودان كما قال ، التي تميل إلى نسبة موسى بن عمران نفسه إلى أرض السودان ، واعتبار أنه أحد أبنائها ، أسوة بشخصية الخضر ، أو العبد الصالح المذكور في القرءان في سياق قصة موسى ، والذي يقولون بسودانيته هو الآخر.
أما الرواية الخاصة بسودانية الخضر بالذات ، وبالتقاء موسى معه بمجمع البحرين ، الذي هو عندهم " مقرن النيلين ، أو ملتقى النيلين " الأزرق والأبيض اللذين يلتقيان في الخرطوم ، فإنها تبدو رواية فاشية وقديمة ، خصوصاً في أوساط بعض المتصوفة وأرباب الكشف في السودان كما قال المؤلف. ولكن القول بسودانية موسى عليه السلام نفسه ، فكأنه تطور جديد ومستحدث ، بدأ يظهر مؤخراً ضمن آراء نفر من الباحثين المعاصرين ، والمتعلمين منهم تعليماً حديثا على وجه التحديد ، وليس تعليماً تقليديا. وهي – على كل حال – آراء تنطوي في نظرنا على غير قليل من الرجم بالغيب ، وعدم التثبت ، وربما محض الشوفينية ، والميل مع الهوى الوطني ، الذي يستبطن الرغبة في اجتذاب المفاخر والمآثر إلى البلاد ، عن طريق نسبة شخصية عظيمة مثل موسى عليه السلام إليها ، حتى لو اصطدم ذلك مع الثابت والقطعي الدلالة من مقتضيات العقائد الدينية الثابتة ، وأحكام الكتب السماوية المنزلة.
وفي الواقع ، فإن كثيراً من المشتغلين بعلوم الميثلوجيا ، وتاريخ الأديان ، والأنثربولوجيا الثقافية للشعوب القديمة الخ .. في هذا العصر ، سواء كانوا عرباً أو غربيين ، يميلون في أغلب الأحيان إلى الاعتقاد في أن القصص والروايات الواردة في التوراة ، والإنجيل والقرءان ، إنما هي مجرد أصداء لقصص وروايات وأساطير كانت شائعة في آداب الشعوب السامية القديمة ، بالإضافة إلى حضارة مصر الفرعونية بالطبع ( انظر في هذا الباب كتابات باحثين عرب معاصرين مثل: الفلسطيني زياد منى، والسوري: فراس السواح ، والمصري أحمد عثمان على سبيل المثال ) . فجلّ هؤلاء يفترضون افتراضاً بغير دليل ثابت ومقنع ، أن ما تم ويتم العثور عليها من أساطير تلك الشعوب ، والتي قد تتشابه كثيرا أو قليلا مع روايات الكتب السماوية ، هي أقدم تاريخياً من الوقائع التي تشير إليها مرويات الأديان الكتابية ، ولا يميلون إلى أن يفترضوا ولو جدلاً ، أن يكون العكس هو الصحيح. بمعنى أن تكون تلك الأساطير محض مضاهاة ، أو أصداء خافتة بسبب تقادم العهد ، لأحداث ووقائع حقيقية حدثت في أزمان سحيقة على النحو الذي صورت به في الكتب السماوية. إن الموضوعية والأمانة العلمية تقتضيان ذلك بكل تأكيد. هذا مع علمنا بأن القرءان الكريم نفسه قد أخذ على بعض أهل الكتاب ، تقليدهم و تبنيهم لأفكار الأمم الوثنية الغابرة ، وخصوصاً في مجال العقيدة ، مثل تأليه البشر ، واعتبار العظماء من ملوك وقادة روحيين أبناء لله الخ. ومصداق ذلك قوله تعالى: " , وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ، ذلك قولهم بأفواههم ، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل ، قاتلهم الله أنى يؤفكون " الآية.. (3)
وهنا أيضاً تتغلب الإيديلوجيا ، ورغبات النفوس وأهواؤها ، والتكاثر من المفاخر والمآثر الوطنية أيضا ، أو حتى محض الجرأة والتجاسر ، وحب الظهور ، على مقتضيات الموضوعية والتجرد العلمي ، بل التواضع المعرفي في بعض الأحيان.
وفي هذا السياق نفسه تندرج زلات سيغموند فرويد في كتابه " موسى والتوحيد " الذي أشار إليه وانتقد مقولاته محقاً ، وبنهج موضوعي صارم أيضاً ، الأستاذ عبد المنعم عجب الفيا في هذا المقال الماتع.
فنحن نؤيد ما ذهب إليه عجب الفيا في نقده لفرويد بأن كون ان النبي موسى قد سُمي باسم مصري ، لا ينهض دليلاً كافياً على انه هو نفسه من أصل مصري. ذلك بأن العبرانيين ، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الشعوب ، عندما تختلط بشعوب أخرى ، فإنها تتأثر بها لا محالة. وبالتالي فإنه ليس من المستغرب أن تسمي مواليدها بالأسماء الشائعة بين تلك الشعوب التي ساكنتها أو اختلطت بها.
خذ مثلاً اسم: " مردوخ " أو " مردوك ". إنه اسم كبير الآلهة عند البابليين ، ولكنه قد شاع وفشا بين العبرانيين لأجيال عديدة ، ولعل ذلك من آثار ما يسمى بفترة السبي البابلي المؤرخ لها ما بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد. ولعل من أشهر الشخصيات اليهودية المعاصرة ، " روبرت مردوخ " ، صاحب الإمبراطورية الإعلامية الشهيرة ، وهو استرالي الجنسية.
ثم إن ( سغموند فرويد ) نفسه الذي يقال إنه كان " يهوديا " ، يشك في عبرانية موسى عليه السلام استناداً إلى اسمه المصري الأصل ، بينما أن فرويد نفسه ، يحمل اسماً أوروبيا خالصاً ، لا علاقة له البتة بأسماء العبرانيين ، مثله في ذلك مثل الملايين من أضرابه اليهود المعاصرين الذين " تأوربوا " ، أي صاروا أوروبيين ثقافياً ، ولغوياً ، وربما عرقياً أيضا.
أما الحجة الأخرى التي استند إليها فرويد في محاولته رد عبرانية موسى ونسبته إلى أصل مصري ، وهي أنه لم يكن طلق اللسان في الحديث ، فإنها لعمري حجة واهية ، وأكثر تهافتاً من سابقتها. ذلك بأن موسى قد اعتذر بعدم طلاقة لسانه عندما أمره الله عز وجل بأن يذهب إلى فرعون ويخاطبه برسالته ، ويطلب منه إطلاق سراح بني إسرائيل لكي يخرجوا معه إلى الأرض المقدسة. فلو كانت تلك الحُبسة في لسان موسى بسبب أصله العرقي الذي رجح فرويد أنه كان مصريا ، لما كان لها من سبب أو مسوغ أصلاً طالما أنه مصري بزعمه ، لأنه إنما طُلب منه ابتداءً مخاطبة الفرعون المصري وحاشيته. والراجح هو أن تلك الحبسة في لسان موسى ، قد كانت بسبب عارض خلقي ما ، عضوي أو نفسي ، وليس بسبب أصله العرقي غير العبراني بزعم فرويد ومشايعيه. ولعل من المرجح عقلاً ومنطقاً كذلك ، أن يكون العبرانيون قد صاروا بعد مكوث أربعة قرون في مصر ، منذ دخول أسلافهم إليها في عهد يعقوب ويوسف ، جماعة ثنائية اللغة كلياً أو جزئيا.
وغني عن القول كذلك ، أن التلازم بين الهوية العرقية والهوية اللغوية ، مما لا يقع و يتفق دائماً ، وفي جميع الأحوال ضربة لازب. فهؤلاء هم الفولاني مثلاً الذين يتحدثون لغة تنتمي إلى أرومة لغوية واحدة تشترك معهم فيها شعوب زنجية كثيرة في إفريقيا ، وهم ليسو زنوجا. وهؤلاء هم التوتسي والهوتو المعاصرين الذين يتكلمون لغة واحدة ، وهم مختلفون سُلالياً كما يقال.
أما المصدر الذي أخذ منه كل من الكاتب والمؤرخ اللبناني " نعوم شقير " مؤلف كتاب: " تاريخ السودان وجغرافيته " الذي صدر في عام 1903 م ، وسيغموند فرويد في كتابه: " موسى والتوحيد " قصة ذهاب موسى على رأس جيش مصري إلى إثيوبيا ( أي بلاد النوبة أو السودان ) ، وهو بعد شاب فتيّ يعيش في بلاط فرعون ، ولم يهتد إليه صديقنا عجب الفيا فيما يبدو ، فهو بلا شك كتاب: " العاديات اليهودية " أو The Jewish Antiquities لمؤلفه الحبر اليهودي ، ثم المواطن الروماني من بعد " يوسف بن متى " الذي يعرف اسمه على نحو أشهر بصيغته الرومانية: " جوزيفوس فلافيوس " Josephus Flavius المولود في عام 37 والمتوفى في عام 100 ميلادية.
وبالفعل فإن جوزيفوس فلافيوس قد ذكر في كتابه المشار إليه ، إن موسى قاد جيشاً إلى إثيوبيا ( السودان ) ، وذكر فيه خبر الحيات وطيور أبي منجل ، فضلاً عن قصة حصار عاصمة الإثيوبيين ، وتمكين الأميرة ابنة ملك الأثيوبيين موسى من احتلالها ، بعد أن وقعت في حبه.
وقد نص جوزيفوس فلافيوس حرفياً على أن عاصمة الإثيوبيين التي احتلها موسى ، كانت تسمى " مروي ". وبالطبع فإنه ليست هنالك مملكة من ممالك العالم القديم ، كانت عاصمتها تسمى مروي غير بلاد السودان. (4 )
أما اخناتون ، أو الفرعون " امنحتب الرابع " ، الذي عاش وحكم في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، أي قبل موسى عليه السلام بنحو قرن أو يزيد قليلا تقريبا ، والذي يحلو للبعض أن يصفه بمؤسس التوحيد ، فإنه ما زاد في الواقع على أن استبدل عبادة آمون الإله الخروف ، بآتون الإله قرص الشمس. هذا إلى جانب أن ما خلفه لنا من تركة عقائدية وثيولوجية – على ضآلتها وغموضها – لا تشي بأي شيء يدل على مقتضيات توحيد الله تعالى ، فضلاً عن أنها ليس فيها أي ذكر للأنبياء الموحِّدين الكثيرين الذين سبقوه تاريخيا قطعاً وبكل تأكيد ، ولم يقل أنه يسير على هديهم ، مثل: نوح ، وإبراهيم ، ويعقوب ، ويوسف وغيرهم. فكيف يقال إن موسى تعلم التوحيد منه ؟. وما من شك في أن موسى عليه السلام ، قد كان يستقي من معين معرفي وثيولوجي مختلف تماماً عن ذلك الذي استقى منه اخناتون الذي انتهت ثورته الفكرية ، أو هرطقته بحسب معاصريه من الكهنة وعامة المصريين إلى لا شيء.
أما موضوع الختان ، فإنه يبدو حقيقةً موضوعاً شائكاً ، يصعب البت في أمره على نحو يقيني. بمعنى: أين بدأت ممارسته ؟ وكيف انتقلت إلى أماكن أخرى ؟ ومن تأثر فيه بمن ؟ الخ. على أن هنالك عبارة في التوراة ، وردت في سفر الخروج ، ذات صلة وثيقة بالختان ، كانت وما تزال تسيل حبراً كثيراً في محاولات شرحها وتفسيرها.
وفي ظني الخاص ، أن قراءة انثربولوجية وفولكلورية ولغوية سودانية خالصة لهذه العبارة ، ربما أدت إلى فهمها الفهم الصحيح ، الذي ندّ عن سائر شراح الكتاب المقدس شرقاً وغربا ، وربما يكون ذلك الفهم دليلا أو بينة ظرفية أخرى ، في سبيل تأكيد سودانية " صفورة " امرأة موسى " الكوشية " كما تقول التوراة. فقد جاء في ذلك السفر أن زوجة موسى قد قالت لابنها الصغير بعد أن ختنته بفلقة حجر حادة ومسنونة ما معناه: " أنت عريس دم لي ! ".
ونص الفقرة المعنية من سفر الخروج هي كما يلي: " فأخذت صفورة صوانة ، وقطعت غرلة ابنها ، ومست رجليه ، فقالت: إنك عريس دمٍ لي ، فانفك عنه .. حينئذٍ قالت عريس دمٍ من أجل الختان " أ.ه (5)
وفي حدود ما نعلم ، فإنه لا يسمى الصبي المختون حديثاً ، أو " ود الطهور " كما نقول في كلامنا " عريساً " ، ولا يعامل كمعاملة العريس تماما ، في الزي والزينة وكافة الطقوس الأخرى إلا في السودان. وعبارة " فمست رجليه " مشعرة هي الأخرى بممارسة طقوسية وفولكلورية سودانية عتيدة ملازمة للعرس والختان دوما ، ألا وهو تدليك بشرة العريس الحقيقي أو المجازي ( ود الطهور ) أو مسحها بالطيب. فكأن تلك الأم قد مسحت رجلي ابنها بطيب أو دهن ما ، أو لعلها خضبته بالحناء كما يفعل بالصبي المختون عندنا إلى هذا الوقت. فلعل هذه العبارة أن تكون من الموروث السوداني القديم ، الذي ما يزال مستمرا ، ومتواصلاً في صلب ثقافتنا إلى يوم الناس هذا.
إحالات مرجعية:
(1) Walter A. Elwell, Phillip Wesley Comfort, Tyndale Bible Dictionary, Tyndale house Publishers, USA, 2001, PP.341
(2) www.en.wikipedia.org/wiki/Midian
(3) سورة التوبة ، الآية 30
(4) Josephus Flavius, The Jewish Antiquities, Book 2, Chapter 10, “How Moses made war with the Ethiopians", www.biblestudytools.com/history/flavius-josephus/antiquities-jews/book-2
(5) سفر الخروج ، الإصحاح 4: 25 ، 26.
khaled frah [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.