كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصل من رواية “هنيدة”: نَسيْمٌ مِن وادي قُبَا …….. بقلم: جمال محمد إبراهيم
نشر في حريات يوم 31 - 08 - 2012


بقلم: جمال محمد إبراهيم ……..
كانَ للخليفةِ الأمويّ، نهاراتهُ المشوْبة بالهرَجِ وبالضوْضاءِ، تُحدِثها الجَلبَةُ في أنحاءِ قصرِ الخلافةِ، لكأنّ القصرَ محضُ حانٍ يجتمع فيه أهلُ المَسرّة والّلهو والموبقات بشتّىَ أنواعِها، لا محفل لسماعِ الشّكاوى، وللفصلِ في ظلامات أهلِ السّوقِ، فلا تكاد تجد – والناسُ على إسلام – مِن مُستجيبٍ لآذان الظهر أو العصر أو المغرب . ما أنْ يخرج أئمةُ الناس إلى خلواتهم الدينية ، حتى ينقلب الحال إلى حالٍ آخر، فيكون كلّ المسعى سُدىً..
- يا أبا “هُنيدة” ، أصلحَك الله، أما تأتنا ب”هُنيدة”، تُسعدنا بغنائها في هذا القصر المُجدِب من الحُسن ، الفقير إلى الجمال . .؟
يحفظ الخليفةُ مكانةً خاصة للمقرّبين مِن حولهِ ، أصحابِ الحظوةِ ومن يشاركونه لهوَ أيامهِ، وصباباتهِ ومجونهِ وخروقاتهِ . أكثر مَا يتجنب الخليفة، أن تنال أحاديث شيخ المسجد الجامع، اهتماماً من قبل جُلساء محفله. لشيخ المسجد الجامع مكانة يحترمها العوام، ويتوسّلون إليه لفتيّاه في أمور الدّين وأمور الدنيا .
- الصّلاة تُقام في أوقاتها، ولا نحتاج لمَن يذكّرنا .. ماذا يكون حالنا بين الصلاةِ والصلاة ..؟
يتنحنح الخليفةُ في مجلسِهِ، ولا يقول شيئا. يواصل صاحبُ “هُنيدة” حديثه:
- وأيمُ الله ما جَلسنا يوماً إلى ملاهينا، إلّا بعد أن سلّمنا يميناً وشمالاً، وانتهينا من صلواتنا بركعاتها المفروضة، وسجداتها النوافل. ما استقبل الواحدُ منا لهوَهُ، إلّا بعد ما اسْتدبر واجبه الديني، بُعيد صلاة العشاء ، فما الذي جذب انتباه الشيخ ليزعج جلساتنا بمواعظهِ المثقوبة . . أمْ يريدنا أنْ نستدبرهُ بعد قيامِ الليل ، وَما بين “دمشق” و “أم درمان” بونٌ يُقلق ، أم ترانا كنّا بحاجةٍ لجنرالٍ مُلتحٍ يقوم خليفة فينا ، هذا الزمان ؟
قالَ الرّاويّ: ما كتبَ الجاحظُ في “كتاب القيان” ، إلّا ما رأى وَسمع :
( ثمّ لمْ يزلْ للملوكِ والأشرافِ إمَاءٌ يختلفنَ في الحوائجِ ويدخُلن في الدواوين ونساءٌ يجْلسْنَ للناسِ مثل خالصة جارية الخيزَران وعتْبة جارية ريْطة ابنة أبي العباس وسُكَّر وتركيَّة جاريتَي أمِّ جعفرٍ ودقاق جارية العبَّاسةِ وظلوْم وقسطنطينة جاريتي أمّ حبيبٍ وامرأة هارون بن جعبويه وحمْدونة أمّة نصر بن السِّنديِّ بن شاهك، ثمّ كنّ يبرزْن للناسِ أحسنَ ما كُنَّ وأشبه ما يتزيَّنَّ بهِ، فما أنكر ذلك منكرٌ ولا عابهُ عائبٌ..)
جاءتْ قيْنةٌ مِن قيَان القصرِ، كأنّها الحيَاة مُقبلةٌ في أبهَى مباذلِها، أو هيَ الحيَّة مُقبلة تتثنّى في خيوطِ الحلم ، قُبيل أن ينقُضَ الفجرُ غزله، فتكون الّلذةُ في حميّاها. ليسَ بين جسدِها والنور من حجابٍ ولا ستار. بيدها ربابة بأوتارٍ مشدودة، وعلى الخدّين تفاحٌ، والمُفترّ من ثغرها، شفة سُفلى هي حبة عنب مَفلوقة، تُماثل شَفَةِ الحسناءِ الهوليوديّة “انجلينا جولي”، من حِسان القرن الحادي والعشرين، الباذخة ببريقِ الشّهوة والشّبقِ والشّوقِ المُستعِر. اللؤلؤُ أسنانها . .
قالَ الأخطلُ – ولعلّه هوَ خِدن الرّاوي- مُحدّثاً نفسهُ الأمّارة بالقوافي :
- آهِ من حرْفِ الشّين، ووشوَشاته المُهلكة !
نظرَ شاعرُ البلاطِ كرّتين، وما انحسَرَ بصرُه، وقد أخذته تهويماتُه، مذهباً بعيداً إلى بحور الخليل، يتخيّر ما يُناسب اعتمال جوانحهِ بعشقهِ السِّرّي . تنهّد وَهتَف :
- ألأنّني استدنَيتُ مِن تفاحَهَا، مَشبوْبا . . . ؟
صاحَ الخليفةُ والكأسُ مَلأَى بيمينهِ :
- لكنّه مِن ثِمار بساتيني، فمَا أحقّني به . .
إرتبكَ شاعرُ البلاطِ، وأخذتهُ الحيرةُ مأخذاً حرجاً، وضاعَ منه عجز البيت، ولحظهُ يُسارق عجيزةَ الصبيّة ، والقافية تستدبر نفسها هناك، ولا تستقبل صَدْرَ البيتِ، ولا تُلامِسَ نَهْدَيّ حَسنائهِ. تقف القافيةُ وتستدير حيرتها على الرّدف، إذاً. أمسكَ الشّاعرُ بعجز البيت وأنشد:
- خَمْراً مِنْ الخَدّينِ تَحْتَ خِمَارِها مَسْكُوْبا..
لَم يَعتب الخليفةُ على الأخطل في غزله الصّريح بالفتاة المُسلمة ، يُسقَى خَمْراً من خدّيها ومِن تحتِ خمارِها ، ولمْ يقل إنّ ذلك مِن “المسكوت عَنهُ”، لا يفصح بهِ جهراً في مجالس الخلفاء. كتبَ الرّاوي مُلاحظةً في دفتره:
وَلكن في مُدنِ التُّرابِ، خلافةٌ زائلةٌ، وَجنرالٌ ملتحٍ… وَعسَسٌ قُساة.. فكيفَ يَستنسخ العهدُ الأمَويُّ نفسهُ مِن جديد، و”المسكوت عنه” فرّخَ زيفاً متعاظماً في الأنحاءِ . . ؟
في “أم درمان”، مدينةِ التُّرابِ القديمةِ، تَجَالَسَ أصدقاءٌ يودّعون دبلوماسيّاً ، كلّفوه بالعملِ في سفارةِ البلاد في العاصمة الايطالية روما. تسامروا وتخامروا، وكان العهدُ في أيسرِ أحواله. خرَجَ المُودَّعُ في سَكرةٍ بائنة وتورّط والّليلُ من حوله بهيم، في حادثٍ أعطبَ فيهِ سيارتَه وسيارةَ أرملةٍ، رابضةً في الجوار. كانَ لا بُدّ للشرطةِ أنْ تحضر، وَللمخمورِ أنْ يُستفهَم في المَخفرِ. عرفوا أنّه من جهازِ الدّبلوماسيّة الرسميّة، والقومُ في ديوانِ الخليفةِ يبحثونَ عَن ضحيةٍ تكون عبرة لمن يعتبر بقوانين الشريعةِ، وضبطَ النظام العام بلوائحٍ استمدوها، في زعمهم، مِن كتابِ الله وسُنّةِّ الرّسول الكريم. في تلك الليلة، لم يُكرِموا الدبلوماسيّ الشّاب. نظرَ وزيرُ الخارجية إلى أبعد من جدران مكتبه، إلى جنرال مُلتحٍ يقيم في قصرِ الخلافة، يَرمُقهُ منتظراً. قدّمَ الوزير تقريرهُ إليهِ على طبقٍ جاهز، فاستشاط سلطانُ الأرض فرحاً وغضبا، وجلدوا الشّابَّ ، بسياطِ الشريعةِ الإسلامية، إرضاءاً لجنرالٍ مخبول، وألغتْ الوزارةُ قرارها، وأرسلوا الدبلوماسي الشاب إلى بيته مَغموماً ، لا إلى روما سفيرا. .
فرَحُ الخليفةِ كانَ كبيراً. كأنّه مَا كانَ قبلَ لُحيظاتٍ يَعُبّ الخمرَ عَبّا . تَعَبُ المِعدَةِ بالتقرّحِ، دَفعَ الأطبّاءُ لنُصحهِ بالكفِّ عن الاختمار. تابَ عنها ورأى أن يتوب الناس أجمعين معه، فاستدعى العترة الأولى، وتسربَل مثلَ نبيٍّ أخرجهُ الرّبُ إلى الناسِ، يصيح : الخمْرُ رجسٌ مِن عمل الشيطان. .
هاهيَ خلافةُ بني أميّة تَستنسِخَ نفسَها في مدينةِ “أم درمان”، تُرابُها مُتذهّبٌ، كأنّه مِن كُثبانِ الكوفةِ القديمة. سلطانُ الحاضرةِ الترابية، خليفةٌ إسمُهُ النّميري ، لا الحجاج بن يوسف الثقفي. .
وزيرالجنرال المتطلّع، صارَ وزيراً كبيرا.
ذلكَ زمانٌ .. ويا لهُ مِن زمانٍ مُزيفٍ كاذب . .
كتبَ الشّاعرُ في يوميّاته السريّة، وكأنّهُ تعمّد أنْ لا يرصد الرّاوي شيئاً ممّا كتب :
( رأيتُها تتثنّى لِي في سُمْرتها البهيّة ، فرع أبنوسةٍ استوائية. ليسَ وحدهُ الخليفة الأمويّ الذي صادته سِهامُها الباترة، فانصرَع. لفيفٌ من روّاد المجلس، طابَ لهُم حُسنها، والقدُّ الممشوق، فهيَ سنديانة ليّنة القوام طريّة، لثغتها تأسِر. نظرتُ إليها، والرّبابة تحت نهدِها الأيسر، تكاد حلمتُهُ أنْ تنفر مِن حراك الوترين، ومِن عزفِ أصابعها عليهما ، شدّاً وجذبا ونقراً شجيّا. تملّيت جسدَهَا يتثنّى، فكأنّهُ استحالَ قوساً بين الأوتار، يُعازف إصبعيها وتراً فوترا، فيذوب الّلحن بينَ تثنّيهَا وانتصابِ ثديَيْها وحلمتيْها النافرتين، تئنّان مع الربابةِ، أنيناً أخذ بلبِّ الخليفةِ وبألبابِ صحبِه، والنبيذُ تدور أفاعيلهُ برؤوسِهم، والّلحنُ آسِرٌ والصّوتُ شجيّ . . )
- صَهْ يا هذا . . ألا تسمعَ صوتَ الجَسدِ يُغنِّي في تثنّيهِ . . ؟
ضَحِكَ الخليفةُ، إذ هوَ الضّاحكُ الوحيدُ دَوماً، وصاحبُ الصوتِ المجلجل في ديوانِ الخلافة، وحده لا يُبارى. دارتْ كؤوسُ النبيذِ واسترسلتْ الصبيّة في الغناءِ، فصَار للرّواةِ ما يحكونه، وللكاتبين ما يسجلّونه لتأريخ الشِّعر والغناءِ وأصواتِ الّلحنِ، تخرُجَ من معازف شتّى، رخيمها والرّفيع منها. ثمّة كاتبون سيكتبون مجلدات عديدةٍ فيما بعد، عن فنِّ الغناء وفنِّ الرقص وفنِّ اللحون. هل للخليفة أن ينثني عن مَسار تاريخهِ الأمويّ ، وهلْ لهُ أن يعصي قدرهِ المحتوم ؟
في المدينةِ التُرابية، يَحكي خِدن الرّاوي عن “هُنيدة”. جاء صحفيّون وكتابٌ، يتبعهم غاوون كثرٌ. عربٌ من مصر ومن الشّام. نجومٌ وأقمار وشموس. انتظم عقد المدعوين في دفءِ الحديقة. كانَ الأخطلُ حاضراً فيمَا حكتْ رواياتُ التاريخ.
جاءتْ “هُنيدة”، مزهوّة بعشرينها ، طيّبة نديّة غضّة، وغزالةٌ هيفاء من حدائقِ الحياةِ، طويلة سمراء. تلمع سُمرتها إلى حدّ الإشراق. في السماءِ نجومٌ وَلئآليءُ، كمَا في الحديقة، والغِناءُ عطورٌ تفوح مع الياسمين والنرجس .
“هُنيدة” في ثيابٍ مَوّهتْ جسَدَها الجميل، أمسكتْ بربابةٍ أوتارها حميمة الصوت، بكّاءة. توسّد صَوْتها ندَى الأزاهير، تُرسل عبقها في غِناءٍ، استملكَ آذانا، وفي تثنٍ خطفَ بصائرَ متولّهين، تحلّقوا الوردَ وتلبّسوا الياسَمينَ وتعطّروا بصوتِها فكانَ السِّحرُ حضورا :
يَا نَسيْماً هبّ مِِنْ وادي قُبَا
خَبّريني كيْفَ حال الغُربَا
كمْ سألت الدّهرَ أنْ يجمَعُنا
مِثلما كُنّا عليهِ فأبَى
راقَ ل”هُنيدة” استحسانُ الساهرين لتثنّيها، واستعذابهم لصوتِها ولمعاني غنائها ، فطفقوا يردّدون معها في ذَوْبهم، جميلَ غنائها، واستكثروها وأسَرَتهم لديها .
طافتْ بغنائها البديع نواحٍ، لا يجيد الوصول إليها إلّا كلُّ مُتمرّسٍ صدّاح.
بيّنا الخليفةُ الأمَوي يهتزّ طرَبَا، والقيانُ حضورٌ، جلسَتْ “هُنيدة” قبيل حلولِ المغيب، قبيل مثول الأخطلِ بين يدي الخليفة ثُمَّ تغنّتْ :
وَلوْ أمْسَى على تلفِي مُصرّا
لقلتُ مُعذّبي باِلّلهِ زِدْنِي
وَلا تَبْخَلْ بِحُبكِ لِي فإنِّي
أغَارُ عليكَ مِنكَ فكيْفَ مِنّي
نظرَ الخليفةُ وقد أسَرَتهُ الصبيّة بسُمرتها الاستوائية، وأنشد شِعراً، لو أتيح ل”كريستينا” أن تسمعهُ بأذنها الأعجميّة، لانقشع الغيمُ في الغابات الإستوائية، ولأسبلتْ السماءُ عيونَها، ولأرسلتْ شياطينها تأخذ الصَبيّة، قبل أن يرتدّ بصرُ الخليفة إليهِ في دمشقهِ :
قالوا تَعشّقهَا سَمْراءَ قلتُ لهُم لوْن الغوالي وَلون المِسكِ والعودِ
عرِفَ الخليفةُ أنّ الشّاعر غائبٌ، وأنّ التلهّي مع “هُنيدة” مُباحٌ مُستحب.
أمسَكَ بذراعِ “هُنيدة” واستدناها إليه . تغنّجَتْ الصبيّةُ وتأوّهتْ، وكادت أن تقول : هيْتَ لك . مجونُ الخِلافة غير خلاعةِ الآخرين ، لا رَيب . لكأنّ سَمَر الخلافةِ بلْ وتعهّرها، هو مِن سِمَات الحُكم وعلامات رَشده .
حدَّثَ كُتابُ السّيَر الأمويين ورواةُ وقائع تاريخهم، ومنهم الجاحظ في رسائله: الرسالة الرابعة عشرة “كتاب القيان” ، ج1:
( واتَّخذ يزيدُ بن عبد الملك حُبابة وسلاَّمة وأدخل الرجال عليهنَّ للسَّماع، فقال الشاعر :
إذا مَا حنَّ مَزهرها إليها وحنَّتْ دونه أُذُن الكرامِ
وأصغوا نَحوهُ الآذان حتَّى كأنّهُمُ وَمَا ناموا نيامِ
وقالَ في سلاَّمة:
ألم ترها واللهُ يكفيك شرَّها إذا طرَّبتْ في صوتها كيفَ تصنعُ
تردُّ نظام القول حتَّى تردَّه إلى صُلصُلٍ من حلقها يترجَّعُ
وكان يسمع فإذا طرب شقَّ برُده ثم يقول: أطير!؟ فتقول حبابة : لا تطير فإنَّ بنا إليكَ حاجة.)
قالَ مُحدّثي ، وَالّذي شهِدَ بعينيهِ مَا جرَى :
- هلْ كانَ ل”هُنيدة” أنْ لا تقول إلّا : “هيْتَ لك ؟” ، ذهبتْ معه طائعةً إلى ما وراء الأستارِ وحِجَابِ اللحظة . تشاغلنا عنهُما بمشاغباتنا التي كنّا عليها ، فيما ترامَى إلى أسمَاعنا صَوْتُ الشّبقِ واصطراعُ الجسدين وتأوّهاتهما ، فمَا بانَ لنا أيُّ فاعلٍ منهما يفعل بالآخر، فعل المغانج، واختلاج الأبدان في غنائها المستطرب .
سَيُحدّث رواةُ الإستقصاءِ عَن خليفةٍ أمَويّ أنكرَتهُ نَهاراً، مآثرُ أجدادهِ، كمَا تعدّاه نسلُهُ مِن بعد، إذ صَارَ يفعل فِعلَ الزنادقةِ الخارجين عَن القيَم والخطوط الخضراءِ والحمراءِ، فرأوهُ في استخمارهِ وقدْ استدنى من النساء الغواني، المتكسرات ليناً وشبقا ، ومن الفجَرة والزُّناة، مَن لم يبق لهنّ ولهم، غير شِبرٍ مِن مَرمَى حِجارة الرّجمِ، فيسعد لياليهِ بصحبتهم حتى إشارات الفجر وبشاراته. كتبَ لِوالٍ في أطراف مدينة التُّراب، يطلب غانيةً ملفوفةً في بياض بشرتها وفي استدارةِ حواشيها، وكأنّه يطلب مُهْراً يركبهُ لمعاركه. ما بُهتَ الوالي، بل نظر في القوائمِ المحفوظة في بيت النساءِ، في جوارِ بيْت المال، فوافاه سدنتهُ ب”هُنيدة” بنت “السُّلافة” .
- مَنْ تكونَ أمّها . . ؟
سألَ مليكُ المُلكِ السّدَنةَ والمرافقين، فقد رابَهُ الإسمُ ، واستمزجَ في حيرته مستشاره المُستخمِر، ليعينه برأيٍ حول الصبيّة الشهيّة، إنْ أضمرتْ الشبكة الإلكترونية ما تخفيهِ عن “هُنيدة”، أو إن نقّب المستشارُ في العتيقِ من مراجعه ، وقواعد بيانات حاسوبهِ ، عن تفاصيلِ أمِّ الصبيّة : “السُّلافة” . ألا يندسّ الفسادُ في طيّاتِ بشرتها الّلينة ؟ أولا يكون الإلتواءُ مندسّاً في الخطّ المُستقيم ؟
السؤالُ في سفورِه، هوَ سؤالُ السّلفِ عَن الخلفِ ، وَعَن استيلادِ الوجودِ من عدمٍ سَديميّ، أمْ ترَى هوَ الإنفلاقُ عَن انفجارٍ تخفّى في سرّ الذرة، وهيّ في انتفاءِ وجودها ؟
قالَ الرّاوي :
- مِن العِنبِ استعصَرَتْ أمُّها “السّلافة” روحَها، فجاءَ الرّحيقُ “هُنيدة”. وزعم بعض الرّواة أنّ اسمها “عنّاب”، أمّا النبيذ فمن غابةٍ تخفّت وراء خطوط الإستواءِ ، دوارقها عند “كريستينا”. .
ولكن أترى في الكِتابِ أثراً لجنرالٍ مُلتحٍ إدّعى الخلافة ، فقطَعَ من خِلاف، ورجمَ بالحصباءِ بعضَ إمَاءِ الدولة ، وشنق بحبل الموت شيخاً تجاوزَ سبعينه فالتبستْ عليهِ دُنياه ؟ (أقرّ الرئيس الأسبق في السودان الجنرال جعفر نميري، يناير 1985، إعدام الشيخ محمود محمد طه مؤسس الحزب الجمهوري الإسلامي في السودان، بتهمة الرِّدة ).
دهشَ الأخطلُ في مدينتهِ التُرابيّةِ من السؤال، وقد أنصَتَ لشاعرٍ مِن جبلِ لبنان، هوَ سعيد عقل ينشد في مسرحية*”بنتُ يَفتاح ” (1935 ) :
الحنَايا مَعابِدٌ وَصَلاةٌ والأياديَ كنّارةٌ وَدُفوْفُ
ثمةُ جنرالاتٌ بلِحىً مُزيّفة – إذاً- وقفوا عند صَدرِ البيتِ وأغفلوا عجزه. .
لكن وقفَ الرّاوي عندَ بابِ الخلافةِ، وزادتْ حيرتُهُ، إذْ التي حسبها الشاعر محبوبته “هُنيدة” سقط قناعها، فكانت أكذوبةً مِن سرابيل فارسية، وربابة بلا أوتار وبلا صوت وبلا غناء . .
الخرطوم أغسطس 2012


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.