مسيرة جماهيرية بسنار احتفاءً بانتصارات القوات المسلحة بمحاور القتال في كردفان    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



غَوايَةُ الحُزنِ .. النونيَّة .. بقلم: جمَال مُحمّد إبْراهيْم
نشر في سودانيل يوم 31 - 10 - 2012


غَوايَةُ الحُزنِ .. النونيَّة
فصلٌ مِن كتابِ "هُنيدة : سيرةٌ في التحوّلات"
جمَال مُحمّد إبْراهيْم
[email protected]
"هُنيدَة" من جديد. .
"هُنيدَة" هذهِ المرّة لا تُصارع الحُزنَ وحده، بل تُصارع انهيارَ الذاكرةِ وحصارَ الزهايمر لعقلٍ باهر، وغيابَ الوعي عن ذهنٍ حاضر، وأفولَ بصيرةٍ فاعلة، تخرج عن فعلها ولا فاعل يقع الإمساكُ به وادانته، سوَى الزَّمن الغادر. .
نعَم، تطلّ "هُنيدة" على الرّاويّ مِن جديدٍ، بينّ الوردِ والأقحوان، و"النّيل الأزرق" على غير عادته، في هدوءِ جدولٍ بهيٍّ مُهمَل، يُحدّث أزرقُه عن فيوضٍ لم تطلّ أمواجها بعد. "هُنيدة" هنا، في جمال فاكهةٍ طازجةٍ قطافها دانٍ، فكأنْها نضجتْ ثمراً خارجَ بستان الزّمن. رائقةُ الضمير، حييّة حياءَ أنثىَ تُمسِك أطرافها من حُسنٍ، وتغضّ طرفَها مِن سِحرٍ آسر. حزينة برغم ابتسامة الظفر والانتصارِ على عسْفِ الأقدار، تميد بها كالسّفينِ على صَخبِ المَوج.
كتبَ الرّاوي بعضَ أسئلةٍ حَيرَى، جاءتهُ مِن لِسَان صاحبهِ الأخطل، فكانت اجابات "هُنيدته" عليها، قصيرة الحرفِ مُختزلة:
- أأنتِ "كريستينا" السّادرة في غاباتها، أمْ أنتِ " هُنيدة" مُغبّرَة بتُرابِ مدينتهَا، أمْ أنتِ "كاترين زيتا جونز" في مشاهد بلّورها السِّحري، تَستوهمني مِن جديد. .؟ ها أنذا يلفّني الغبارُ فكأنّهُ عَصْفُ الرّيحِ، والجداولُ تتراجع إلى أفقِ السّراب، وشجرُ الأكاسيا إلى جفافٍ، وشفقُ البلّورِ إلى انحسار، والعاشقات تماهينَ حسنا، والتبسنَ على الأخطل فما أدركَ أن قصائد غزله قد تشابهتْ عليه تشابُهَ البقرِ على الرّاعي الغافل. .
أخذتها دهشة من كلام الرّاوي، واستفهاماته، وقد استغلقت عليها بعض مقاصده، فهتفت:
- أعرفك أنتَ فمن أخطلك هذا ؟
قالَ الرّاوي يحدّث خدنَهُ الأخطل، المختبيءَ في دثارهِ الأموي، وَقد كادَ حِبرُ قلمهِ السائل أنْ يجف، والوراقون أن يطووا صحائفهم:
- وقفتُ أجترّ حيرتي، وَعلى مَرمَى بَصَري "هُنيدة". . بريقُ عينيها أخّاذٌ وساحر. لا تستدعي خفَراً ليسَ من طبعها، ولا هيَ في انبهارِ اللحظةِ، سليبة الوجدانِ، بلا قلبٍ يَخفق في حزنِهِ. . فهل بلغكَ هاتفٌ منها، يستفهم عن شفرة كلامك. .؟
رتبَ الرّاوي جلسته واستجمع حول بدنهِ الواجف عباءةً الأخطل التي أخفتْ نحافة بدنه وموّهتْ قلقهِ، ثمّ اتكأ على أريكةٍ، تدلّى ورقُ الياسمين المسيّج بالنّدَى منها قبالة "هنيدة"، فيما كتابُ حُسنها مفتوحٌ أمام عينيهِ. خدٌ أسيل. جفنٌ مُستكحل. شَعرٌ مُحتشدٌ كذيلِ حِصانِ ملفوفٍ، يُنبي عن امرأةٍ حفيّةٍ بحُسنها، وبتزويقِ جمالِها المُشتهَى، ملفوفاً في غلالاتٍ مِن حرير. قبلَ أن يُفاجيء الأخطل بسؤالٍ عَن قوافيه، تناهَى إلى سمْعِهِ همسُها مثل صوت كمان:
- حُزني من حُزنِ أبي المُفكّر . .
تَخرج الكلماتُ سَلِسة مِن لِسانٍ ذربٍ، وَمِن شفتين جميلتين، برَداً وعنّابا. من عينين مستكحلتين، رأى بريقاً خلابا والتماعاً ذكياً. نظرَ إليها الرّاوي مَليّاًّ بعدَ أنْ استجمعَ تمَاسُكَ بدنهِ الناحِل، والتوتّر أخذ بلبِّهِ واستعمرَ انتباهَه، ثمّ أنصَتَ مَشغوفاً، وتأمَّل كلامَها المُشبعَ حُزناً، كمَا تأمّل شفتيها الممتلئتين ابتساماً شهيّاً، وعافية وحسناً ولؤلؤاً، وَما استعفى. قالَ الرّاوي: إنّ الأخطلَ، وَهوَ بلا بَدنٍ يتلوّى/ أرسلَ يتقفّى بعضَ قصيدٍ حرّكه جَزْرٌ مِن بَحْرٍ في الشِّعرِ/ ما فطِنَ إليهِ "فراهيديٌّ" يَتقصَّى أحوالَ النّظمِ وإيقاعِ الكلمات/ وَمَا تنبّهَ أنّ البحرَ هوَ الرّملٌ الجاثمُ فوقَ البريّة/ أوْ هوَ كالثوبِ وليسَ بثوب . .
سمعَ الأخطلُ دندنةً صَدَرتْ عن بُلبلٍ صادِح، خالطَتْ صوتَ "هُنيدة":
- قلقي على المُفكر الأريبِ يزيد أساي، وإنّيَ أحزن إذ تُنكرهُ ذاكرتُه . .
أسرَجَ خيلهُ.. ثمّ استدبَرَ فرحَ البارحة/ واستدنَى عاطفةً تتسرّب مِن بَيْنَ شرايينِ القلبِ/ تكاد تضيع سراباً فوقَ سراب/ والسنواتُ إلى سّفرٍ قدْ طال. في ضبابِ دمشق، كان "الوليد"، غريراً لم تتهيأ له الخلافة بعد، يتردّد على مكاتب الورّاقين يلتمس الحكمة إذ لا تتوفر إلّا عند شيوخِ العِلم، يتحرّاها في الدهاليز المريبة والمغسولة بغبار المخطوطات وأوراقها الرّطبة. لكن لا يُؤمَن للورّاقين- على ما زعَمَ المؤرخون الصادقون- جانبٌ ولا سيرة، إذ عُرفَ عنهم ولعٌ بالملاحة، يقارعون من أوتيَ قدراً منها، لهواً يبعد عن البراءة بيْداً دونها بيْدُ، ويعاطونهم معابثة وتحرّشاً، يصعب عليهم الفكاك من حصاراته الخانقة واستقهاراته الموجعة، بيَدِ مُستعمِرٍ هوَ في طغيانهِ غاشمٌ غشوْم. ذلك عينُ ما جُبِلَ عليهِ أهلُ المدينة الترابيّة مِن معابثاتٍ، دفعتهم إليها مُمارسةُ الفصلِ الحاسِم بين الذّكور والإناث، في سنوات النّصف الأول من القرن العشرين الميلادي. يا لعبث التاريخ في استنساخاته. . أو لعلها استمساخاته ؟! في المدينةِ الترابية، كمَا في عاصمة الأمويين، والأخطل شاهدٌ على ذلك، مُتحرّشون لا يُشقّ لهم غبار ولا تُراب ولا رَمْل. فيمَا يُحكى في سيَرِ "المَسكوتِ عنهُ"، هناك سياسيون وقادة صاروا كباراً فيما بعد، أجبروا قسراً لتحرّشات السياسة وغَشَمِ المُستعمِر، وهُم صِبية في مكاتبِ الدّراسة بين الورّاقين، في بعضِ الكُليّات الجامعية. مثلهم مثل الاخطل، لا اختلاف. قال الرّواةُ فيما تواتر مِن حكاياتٍ نقلتها الشِفاهُ، أنّ التحرّش لم يبدأ خفية في الكليات تلك، بل لقد تجذّر تاريخه منذ قدوم الجيش المُستعمِر التركي القديم إلى وادي النيل. جاءوا باستكبارهم وبغطرستهم، وأيضاً بمثالبهم وشرورهم وانحرافاتهم. .
انتصَفَ النهارُ والرّاوي لا يعرف مَن حَلّ ببدنه ومَن مَلكَ عليه أمر الشِّعر، فالأخطلُ لم يظهر في الديوان البتة. طافَ سؤالٌ استروعه خِدنُ الرّاوي، وَلم يَصدر عنهُ، بل توهّمَه توهّمَ مأخوذٍ في حُلم، أو لعلّ الأخطلُ حلّ خيالاً في بدَنِ الرّاوي وتلبّسهُ على غفلة، مثلما تتلبّس أرواحٌ من بيداءٍ مجهولة، أجساداً مُتعبة مِن وَعثاءِ السّفرِ، وأنطقهُ بسؤالٍ كالشعرِ المنظوم :
( ومَن تكون "هُنيدة" هذي. . ؟
هَلْ كانتْ مَحْضَ غُلامَةَ وَرّاقٍ مَفتونٍ في أنحاءِ "دِمشق"،
أمْ غانية سَلبتْ ألبابَ الشعراءِ وألبابِ الخُلفاءِ الأمويين. .
أمْ كنتُ أنا الرّافلُ في أسفاري،
الشّاعرُ في مَنثورِ كلامي،
الحائرُ في قلبِ يقيني. .
درويشاً أتجوّل في خِرَقٍ أمويّة. .
لا أعرف ما استوْهمتُ، ولا أعرف ما استوْثقتُ. . ؟ )
لم تكن تَقبلَ أنْ تتطاول السنونُ على المقرّبين مِن حياضها، فتأخذهُم بعيداً عن المكانِ، تقصيهم عن غلواءِ الزّمن الغادر/ إقصاءاً بدمٍ أكثرَ مِن بارد/ وقفَ الأخطلُ في باب القصرِ وقد دلفَ إليه مِن قبل/ ولكن لمْ يأذن بوابو الدّيوان لهُ بدخولٍ ثانٍ. ./
لزمَ الشاعرُ بيتَ الحكمةِ واستكفى زمنا/
دأبُ السلطان الظالم أنْ يتحرّش حينَ يغيب العدلُ عَن أقلامِ الحكمةِ/ يستكتبها لتلوّن لوحات الدّولة/ هلْ يَجدر بالتاريخِ لأنْ يُكتبَ في ألواحٍ محفوظة/ هذا المتواتر مِن فعلَ المستعمِرُ مِن خيرٍ أو مِن شر، أم يُخفى قصصاً سمّوها قصصَ "المسكوتُ عنهُ" في الكليّات ومعاهد الدّرس ومكاتب الورّاقين، فهوَ كثير مُتراكم؟ التحرّش في أصلهِ القاموسي، قهرٌ ثقافي وتغييبٌ واندحار وإذلالٌ واستعمار. كانَ الركونُ إلى مقاعد الدّرس التي أقامها الغرباءُ، أمراً مُستحدثاً مُريبا، بل هوَ بدعة ينكرها قومٌ راسخون في فضاء التخلّف الخانق. للمفكر أجرُ الريادة، وله جائزةُ الاقتحامِ، فيما الخُذلان مُطبقٌ يُحاصِر، وَلهُ سهمُ الاختراقِ، فيما جُدرانُ الجهل قلاعٌ صمّاء.
لا تَحكي "هُنيدة" إلا مَا تدرك كُنهَه.
كانَ عهدي بها، لا تُوسِع في الكلامِ فينهمل كثيرُه بلا اعتناء، ولا هي تقتر منهُ فلا يُفهم عنها مَرامي حديثها. وَقفَ لسانُها على كلمةٍ أوْقَفتْها بين الوُسعِ والقترِ إذ قالت:
- حُزني . .
وَتناهتْ إلى الرّاويّ - وقد انجذبَ إلى حُسنها- تنهيدةٌ بليغةُ الوقعِ، صَدرتْ عن صَدرٍ عُذريّ الانتهاد، ثريُّ الاستدارات، لم تكفّ عيناهُ المشدوهتان عَن اصطياد بلاغته وبدائعهِ، وممّا أستتر من وراء غلالاتها، ولا عن الاحتراقِ في وَهج أنفاسِها الحرَّى، وأندائها المُشتعلة، وكأنّها خارجة مِن لهبِ الفردوس، أو مِن ثلوجِ الجحيم، أو مِن قلبِ المسَافة بين الإثنين، والأخطلُ شاهدُ عيان.
قالَ الرّاوي: تنهيدة "هُنيدة" أعرفها وشهيقها، ولكنّ تنهيدةٌ هذه التي تلفّعت بخمارِها قبالتي، بيْنَ حاءٍ وياء، أقلّ وقعاً وأثرا. . .
تَهرُب عيناهُ مُسارَقة عنْ عينيها، وفي انتواءِ التحرّش ببصرِهِ، يُمهّد لنفسهِ مُسارَرَة تُشبع نَهَمَ عينيهِ، وتوقهما للإرتواءِ مِن نبعيْن حالمَيْن هناك. يقاوم لفحَ اللهيبِ وألسنته وانجذابَ جناحِ الفراشةِ إليهِ، استسلاماً واندهاشاً واستراقا، ثمّ هاهوَ ينظر مليّاً في الملامحِ التي أعادته في بلّور الخيالِ، إلى غُلامةٍ تعَشّقها ورّاقٌ دِمشقي، مكتبهُ في باحة الجّامع الأمويّ، وقد استدناها الأخطلُ إلى ديوانهِ، قصائدَ تُتلى، وقياناً ترقص، وأغانيّ تُنشد. .
- حُزني لو قدّرته أنتَ وأخطلكَ، فإنهُ يفيض عَن قلبي فلا يحتويه، وَعَن وجداني فلا يتحمّله، وَعَن اصطباري، فينفدَ دونهُ ألمي، وَعَن كبريائي، فتنداح حسرتي في مساربهِ، فلا أجدُ مذاقاً لمطايبِ الدنيا مِن حَولي ولا لمُشتهياتِها، ولا أستعذِب معنىً لحضوري. .
قال الرّاوي : أنصتُّ إليها، أنا الغائبُ في في حضرةِ سِحرِ مُحيّاها، وألقِ حُسنِها الغامِر وسألتُها:
- كيفَ انتابكِ حُزنُ البارحة، وانطواءُ السّنين، وجفاءُ الذاكرة، على من استعصرها فكراً ثاقباً، وتجليّاتٍ نفيسة مُترعة الأثر. .؟ كيفَ انتابتكِ مِن دوْن الآخرين، فأرهقكِ حنوّكِ على المُفكر، وَقد كانَ والداً: أفتذهب ذاكرته حتى بحنوِّ الأبوّة . . ؟
قبلَ الاستجابةِ لحيرتهِ البادية، حدّثَ بَصَرَه أنْ يتسلّل إلى أقاليمها البضّة، ودروبُ الحريرِ تُراوغ كُثبانَ بدنِها، مُتغافلة حَذِرة، أمّا عَن "النيل الأزرق"، فقدْ تمَاهَى موجُهُ السّاكن معَ البدَنِ البضِّ، فمَاثلهُ حُسناً بديعا وتثنٍ مُبهرا. لكنّها رنَتْ إليهِ بقلبها لا ببصرِها، إذْ للقلب حاسّته السابعة، ومجسّاته الافتراضية المُستدّقة، رَصْداً وتتبّعاً واصطيادا. كانت بصيرتُه في وادٍ وبصرُه في وادٍ، وبينَ الواديين ذهولٌ مِن حيرةٍ وترقّبٌ لفيوض. نَدَتْ عَن "هُنيدة" تنهيدةٌ فارتفع الناهدان هنيهة، ورأى الأخطلُ دفعَ الحَسْرةِ يُفصِح مِن لدنّها عَن حُسنٍ وَعَنْ بَهَاءٍ وَعَن فِتنةٍ، ثمّ أقبل حَذراً إليها، عَن غَواية ٍ جماعها جنوحٌ وإغواءٌ وتحرّشٌ واصطياد. فيمَا القصائدُ شكلت ْ أقمارها، آلتْ الحسرةُ إلى محاق، ورَمَتْ "هُنيدة" بغتةً بوشاحها الورديّ على الصّدرِ الشاهقِ، وتمنّعَ شيطانُ قلبِهَا وأصابَ شهابُه قافيةَ الأخطل وَقد أمعنَ في غيّهِ وخطلِهِ، ولكنّ الياسمين أرسلَ فوحَهُ، والعنبُ هناك استحال كَرْماً بابلياً وتينا مُعتقا، فبُهتَ الرّاوي وتبعهُ أخطلُه.
النيلُ الأزرقُ فوّارٌ خوّارٌ صخّاب،
ليسَ كمِثلِ مَسير "النيلِ الأبيض"،
مُنحدراً رقراقاً مُنبسطاً مِن فيضِ بُحيرةِ "فيكتوريا". .
مَجدولاً مِن رأسِ "جبالِ القمَرِ". .
كأنثىَ هِركولة، بَرَزتْ مِن أرضِ الزَّنجِ. .
وقد خلعتْ كلّ سرابيلَ الغابِ وأقنعة َ النّارِ الأولى
سَجدتْ ودَنَتْ واقترَبتْ،
رأساً يعلوهُ تاجُ الأحباشِ وسِمْتٌ التبرِ، أصيلاً مِن "اكسوْم"
وَجسداً ريّاناً مِن نُبْلِ "التوْتسي" . .
مُعتدّاً ببهَاءِ الأنِفةِ عِندَ "الأنكوْلي"
والتاريخُ جذورٌ في "أكسوم". .
وآلهةٌ تسأل عَن "إيثاكا". .
("الأنكولي" قبيلة في الجنوب الغربي من يوغندا، وهم أبناء عمومة لقبيلة "التوتسي" في رواندا ، ولكليهما صلات تاريخية بمملكة "أكسوم" القديمة جنوبي مصر. .).
تنقشع الغيومُ عن سماءِ التاريخ مع حلولِ نهارات العِشقِ الصّافي. .
واستأنفتْ "هنيدة" نجواها والمُعلّمُ يبتعد فراسخَ، يوماً بعد يومٍ عن ذاكرته :
- كان ماضيَ أيامهِ حافلاً نضرا. أنظر. . هذا دفترٌ من دفاتره التي خبّأها عنّي زمَنٌ جائر. .
نظرَ الرّاويّ واهتبل غيابَ الأخطل عن ديوان السّلطان، ثمّ نَفضَ عَن اسمَالهِ غُبَارَ دهاليز دِمشق، وغثاءَ ورّاقيها المُندسّين في زواريبها الضّيقةِ، واستنفرَ إرادةً متردّدة، وَهتفَ مُنادياً "هُنيدة"، بلغةٍ ترابية لا أموية، وَلكن من يستوثق أنّها قد سمِعتْ قوله. . ؟ :
- إنّكِ امتلكتِ نواصيَ أفكارِه وَمواطن حكمتهِ، وَشاقكِ مَا حَوَتْ مِن ثاقبِ نظرهِ، واستهوتكِ غوايةُ تاريخٍ غابر، فرأيتهِ ليسَ كمَا كنتِ ترينهُ مِن قبل. هوَ الفيلسوفُ وقد أنهَكتهُ حُمّى التفكّر، هوَ البصيرُ وَقد أقلقهُ صُداع الاستبصَارِ، وهوَ المُطبّبُ ولا ترياق لخيالِهِ الجامح. .عليكِ بتخليصِ كتاباته/ واستجلاءِ الذهبِ الكامِنِ في مَا حبّرَ مِن أوراق/ أوْ مَا سوّد مِن مخطوطات، قبلَ جفافِ الحبْر/ وتلخيص الحكمة للجيلِ الآتي مِن ضَوضاءِ المُستقبلِ. .
- الجيلُ الآتي ؟ جيلُ الضوضاء الآتي. . ؟
أمسَكتْ أصابعُها بوريقاتِ دفترٍ سميكٍ من دفاتر المُفكّرِ البَصيْر، تقلّبها وتكشفها للرّاوي. ما إن أبصر فحْوَى كتابتهُ المُدهشةُ، وَلمسَتْ أصابعُهُ في اقترابها مِن سطورِ الكتابة، خنصَرَها المخْضوبَ حِناءً وحُسناً، وَتوهّج برقٌ حولهما، وأرعدتْ سماءٌ في انخطافِ اللحظة، إلا وذابا استغرقاً في الذي كتبَ المُفكّرُ، الغائبُ نسياً في جَنبات الغيْمِ. كتبَ المفكّرُ بقلمهِ، عَنْ الرّأي كيفَ يتشكّل حُجّة ثاقبة، وعن الانطباعِ كيفَ يُصاغ قولاً سديدا، وعن الشائعة كيفَ تَخرج مِن دهاليز الحقائق، فتصير عقيدة ويقينا.
ودّ أنْ لوْ همَسَ في أنفاسِها، أو بأنفاسِهِ لأنفاسِها- والنّسيمُ يَهُبّ رقيقاً مِن "توتي"- قوله القديم وقد هوّم بهِ في وحشةِ الأيام، فما نقلَ الريحُ لحناً وأزاهرَ منهُ إليها : أنّها الأجملُ في حُزنها، والأكملُ ألماً في حُسنها، والأبهَى وِجداناً في عَنائها، فمَا أعذبها أنثى، ومَا أمضَى سيفُ عذابِ عاشقيها، باتراً قاطعا. .
ودّ أنْ لَوْ اقتربَ بَنصرُهُ من خَنصَرِها، أو بَنصَرُها من خنصَرهِ. مِن حرارةِ إحساسها ذياكَ، ينشر دفئاً مُستعِراً من بُستان القلب. مِن حياضِها المنيعةِ تنحلّ حُنوّا لاهبا. مِن بريقِ قلبها ينداح ضياءَاً مُنهمرا. من بدنها يتجلّى فوحاً جاذبا. لكنّه آخِرَ النهار، سكنَ صاغراً مُستكفياً من عينيها، واستقبلَ ذيّاك اللفحَ الآسِر، وأسْلمَ هانئاً مشبوبا ثمّ أغفى .
سألَ إصبعيهِ إنْ كانت رسالته الخفيّة قد تناهتْ منهما إلى بنانِها، فهلْ تجيب الخناصرُ والبناصرُ والأطرافُ، أم اللغة تخرجَ قصراً على اللسان فحسْب. .؟ ماذا كتب الأخطلُ عَن محمولات كلامِ الفِطرة/ بينَ فصيحِ القولِ وعاميّ مُنتحَلٍ مِن ألسنةٍ أخرى غيرَ العربيّة/ ثمّ حديثُ الأبدانِ الأكثر إفصاحاً مِن كلِ كلامٍ مكتوب/ مَن قالَ: اللغةُ لسانٌ يَنطق، لاقلماً يَكتبَ كانَ هوَ الصَّادق. .
قالَ الرّاويّ ينطقَ عَن هوَى ً لا مَرجع له ولا أصل :
سَرابُ "هُنيدة"، أمواهٌ مِن نبعِ الفردوْس. . ومِن غاباتٍ استوائيّة، لا شمالية ولا جنوبية، تواثب شجرُها مَرويّاً من ينابيعِ القداسةِ عند بحيرةِ "فيكتوريا". . ومِن فُسقيّات دمشقيّة في صفحة أمويّة قديمة. .
هذهِ المرّة عَصَفَ الحُزنُ، ومَلكَ فؤاد "هُنيدة". . تقاصرَتْ المسافةُ بين الرّاوي وخِدنه، فكأنّ الرّاوي أمسك بقلم خِدنهِ وكتَب:
ليستْ هيَ "هنيدة" . ليستْ هيَ . إنّهُ الوهم تلبّسَ بدناً يشبه بدنَها ، فاستيقظ يا أخطل زمانك، وابحث عَن "هُنيدتِكَ" في آفاقٍ أخرى. . .
الخرطوم- أكتوبر 2012


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.