رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار مع الشيخ حسن الترابى (مقدمة)
نشر في حريات يوم 24 - 09 - 2012

يقود الشيخ الدكتور حسن الترابي في آخر سنوات عمره حزب المؤتمر الشعبي، ولكن القليل القليل جدا من الناس ربما بالكاد يدركون أن حزب المؤتمر الشعبي حزبا من الأحزاب “الرخوية” أي حزبا لا يمتلك هيكلا عظميا.
حزب المؤتمر الشعبي حالة طارئة منذ تأسيسه حتى يسهل تفكيكه وكأنه شيء لم يكن.
هكذا خطط الشيخ الترابي، ولم تكن مسرحية إنقسام الحركة الإسلامية السودانية إلا تكتيكا صغيرا أنتهى إلى مأساة كارثية. حجرا ضرب به الشيخ المخضرم كذا عصفور، ولكنه حصد العلقم.
في نهاية عقدية التسعينيات كانت دواعي مسرحية إنقسام الحركة الإسلامية ضرورة تكتيكية من أجل البقاء، خدعةً للخصوم المتحالفين وقتها ضد الحركة وضد شيخها ونعني بهم دول الخليج والدول الغربية. وضع الشيخ المخضرم في نهاية عام 1999م كرتين على طاولة الخصوم لكي يختاروا أحدهما بينما الكرتان هما كرتا الشيخ وصناعته، وهكذا حين أختار الخصوم كرتا توهم الخصوم إنهم أختاروا، وهكذا قنعوا بالكرت الأقل شرا.
وبفضل هذه الخدعة السياسية التكتيكية 1999م هدأ اخصوم قليلا ونجت الإنقاذ واستمرت في السلطة. وبالرغم من إندثار المحرضات الخارجية العدائية القاهرة وتلاشي الدوافع لهذه المسرحية السياسية الكئيبة ونحن الآن في عام 2012م، إلا أن مسرحية الإنقسام مستمرة، ولكن هذه المرة ضد مكونات الشعب السوداني الداخلية، أي للإلتفاف على المعارضة الشعبية وكافة فئات الشعب السوداني.
الإنقسام المسرحي في نهاية عام 1999م كان إنقساما حقيقيا على المستويات الأدني فالأدنى.. معظم الحركيين الصغار أنحازوا للسلطة والجاه وغرف الأموال ولم يدركوا وقتها أن الإنقسام لعبة تكتيكية تم إقرارها في المستوى الأعلى. ومع هذا الانقسام المسرحي – على طريقة الإمام علي لأصحابه سبوني ولا تتبرأوا مني – تفاجأ الشيخ الترابي بما لم يتوقعه ابدا، تبرأ منه تلاميذه في لحظة وضحاها وتفجرت شهوات التلاميذ الحركيين الذاتية كالبراكين نحو الإسراف والتمرغ في كل أنواع الفساد بدءا بالإستبداد والبطش الدموي بالخصوم إلى حد التصفية، وإرواء الشبق الجنسي واللهث خلف كل شيء مادي، والتسابق على بناء القصور، وتعبيد الجسور للسلفية الوهابية والعمالة لدول الخليج الخ، ومن أنواع الفساد المرذول الذي سقط فيه الإسلاميون على الخصوص نهب المال العام بشكل منسق ومفتوح كما التسول لجمع الأموال من دول الخليج..!!
صدمة ما بعدها صدمة للشيخ المخضرم!!
بعد هذا الخراب والفساد والفضيحة كيف يعود الشيخ الترابي لدائرة الحكم الضيقة؟ كيف يعود لنظام تهاوى وأنفلت حبله على قاربه بكامله؟ نظام يرفع شعارات إسلامية دون محتوى ذريعةً حتى تستمر “ثعالبه” تقبض على السلطة وتستمر في نهب أموال الشعب؟ لقد أزكمت روائح فسادهم العالم وأصبح مثلا رجل القرضاوي الصغير التونسي راشد الغنوشي يضرب بهم الأمثال!! وكيف يرجع الشيخ المخضرم لدائرة الحكم الضيقة وقد تآكلت الحركة الإسلامية ونخر في عظمها سوس الفساد كالطاعون بشكل مذهل؟ بل ماتت!! وقد لا يعرف الشيخ المخضرم من هذا النظام المقسوم على نفسه سوى عمر البشير وعلي عثمان شريكاه في المسرحية. وربما بقيت في ذاكرة الرجل بعض هذه الوجوه القليلة الكئيبة التي تتقلب من موقع لآخر مع كل تغيير وزاري وهمي، وجوه يشع منها الغباء ولا تخلو من هنات الفساد!! وينكر عمر البشير وينكر وينكر ويتحدى أن يأتوا له بقرينة فساد!! هذا الإنكار هو لصالح مسرحية الإنقسام، فبالله كيف يتركون الحكم والمسرحية لم تنتهي بعد؟ ينتظرون قرار شيخهم المخرج الكبير.
مع الأسف كنت معجبا بالشيخ حسن الترابي، ولكنني بالتدريج بدات افهم ماساته التي تفوق مأساة الشيخ ذي اللوثة ابن تيمية. والمسألة المحيرة هي لماذا سقط الشيخ الترابي في كل هذه المتاهات وهو صاحب عقل كبير، بينما مأسأة بن تيمية فسرها لنا علماء عصره حين وصفوه بخفة العقل، اي أن علمه أكبر من عقله!! بإختصار: الشيخ حسن الترابي يقود السودان في متاهات بمسرحية أخرى، ليس يقود المؤتمر الشعبي الذي يعد حزبا من الرخويات فحسب، بل يقود الترابي حزب المؤتمر الوطني ايضا بخفية. لقد تذاكي الرجل مرة في مطلع الإنقاذ حين سجن نفسه فعدت المسألة بالكاد بسلام، أما مع التذاكي الثاني بصنعه مسرحية مفاصلة فقد الشيخ حسن الترابي معه كل شيء، وسقط في حفرة لا يدري كيف يخرج منها.
كيف نحلل شخصية الشيخ الترابي؟
كتب الكاتب المجد والجاد الأستاذ بابكر فيصل بابكر مقالا جيدا في الترابي بعنوان: هل فشل الترابي في إستعادة المُفكر المهزوم بداخله؟ يقول في مقدمتها:
قلت في مقال سابق بعنوان “مأساة الترابي: عجز المفكر أم شهوة السلطة” إنَّ سعي الدكتور حسن الترابي للوصول للسلطة بأي وسيلة وكيفية وثمن أوقعهُ في فخ التناقضات المتولدة من ثنائية “المفكر/ السياسي” التي وسمت مواقفه بإزدواجيَّة جعلت منهُ طاغية مستبداً وسلفياً منغلقاً في السلطة، وداعية للحُريَّة والديموقراطية وحداثياً مستنيراً خارجها. سلط حديث الدكتور الترابي في ندوة “الإسلاميون والثورات العربية” التي إنعقدت بالدوحة الإسبوع الماضي الضوء مرَّة أخرى على العديد من القضايا التي تبرز بوضوح إشكالية الرَّجل مع الثنائية أعلاهُ والتي آثر هو بإختياره الطوعي أن ينتصر فيها “للسياسي” بداخله حتى يتثنى له الإمساك بزمام السُّلطة حتى إذا ما إستأسد حواريوه وانقلبوا عليه عاد يبحث عن ملاذ له آمن في “المفكر” المهزوم. قال الترابي في مداخلته في الندوة إنَّ خطأ الإنقاذ لم يكن في الممارسة فحسب، بل كان قبل ذلك في إعتقاد إمكانية نجاح التغيير في رقعة جغرافية لا ترقى إلى وطنٍ أكثر ما يجمع مكوناتها هو اللون، وأضاف: (لقد تذاكيْنا بتنفيذ انقلاب لا أحد كان يعلم ما هو وكان مجهول المآلات).
لقد فات على الأخ بابكر أن من يتذاكى مرة، قد يستمرئ التذاكي مرات ومرات، وعليه فإن الشيخ حسن الترابي في تقديري هو الذي يدير كل السلطة في السودان أي المؤتمرين “بذكاء”. فهو قطعا ليس بعيدا عن السلطة السياسية منذ يونيو 1989م ولكنه في العقدية الأخيرة يدير كل شيء بخفية، وهذه الخفية أو التخفي قد لا يعكسان تعطشه للسلطة بالمعنى الحرفي بقدر ما تعني أن للرجل أهدافا يعتقد إنها نبيلة يرغب في تحقيقها. صواب هذه الأهداف من عدمه موضوع آخر، ولكننا نعذر الرجل ونضعه في إطار لفظة الإمام علي “ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه”. فالترابي لا شك طالب للحق ولكنه مع الأسف أخطأه كثيرا في مسيرته الطويلة!! نحن نضع الشيخ الترابي تحت المجهر في هذه المقالات ليس بدافع الكراهية لشخصه أو تسفيها للرجل أو لأفكاره، بل ننشد أن يدرك الرجل الحق ويحصله ويدركه قبل لقاء ربه!!
أما الثنائية التي يعيشها الترابي وذكرها الأستاذ بابكر فهي ملحوظة حادثة، لا إعتراض عليها من وجهة التحليل، ولكن الفائدة قد تكون أكبر لو فسر الأستاذ بابكر هذه الثنائية في محيطها الواقعي الإجتماعي الذي يحيط بالشيخ الجليل. وفي ذهني بالتحديد اثر الصادق المهدي على حياة ومسيرة الشيخ حسن الترابي السياسية والفكرية. من يدرس سيرة الشخصيتين، يدرك أن الشيخ حسن الترابي هو الأذكي وهو الأكثر موهبة من الصادق المهدي في أية مقارنة. ولكن قدر الشيخ أن يصاهر آل المهدي ويجد نفسه ليس في دائرة الصادق المهدي الضيقة فحسب، فتحدث تلك التجاذبات والغيرة والمشاغبات الفكرية والسياسية الخفية والمعلنة بينهما فحسب، بل كان على الشيخ الترابي أيضا أن يصنع آليته السياسية التي تقارع آلية الصادق المهدي التي يمتلكها بالوراثة – أي آلية مقابلة لآلية الأنصار لكي ينتصر في معركته ضد الصادق. وبالرغم من أن الظاهر يقول أن الشيخ الترابي هو المنتصر إلا إنه في الواقع يخسر السباق مع الصادق مع مرور الوقت، فركون الصادق المهدي للعبة الصبر والرهان على الوقت اصبح بفضلهما رابحا. لو لم يضع الترابي نفسه في ثنائية متلازمة مع الصادق المهدي، لكان عطاؤه أكبر وأشمل.
فما هو العامل الذي يجعل الرابح خاسرا، والخاسر رابحا؟
هنالك عدة عوامل وليس عاملا واحدا، منها إنه يستحيل بناء مشروع إسلامي ضخم كأن يقوده حصرا عقل واحد كما يفعل الترابي ومعه بعض العقول التي تقود بدورها بعض الصفوة خلفها إذا جاز التعبير. الشيخ حسن الترابي لا يلاحظ إلى الآن أن بقية ما يسمى بالإسلاميين أيقنت فشل المشروع وسقطت في عزلة سياسية، بينما المغامرون منهم ربحوا الدولة والمال والسلطان وفقدوا الشعب السوداني. فهذه الدولة الفاسدة اللأخلاقية التي بناها الشيخ حسن الترابي ولا تمت إلى الإسلام بشيء، تحتاج أن تذكرنا دوما وبشتى الوسائل بأنها “إسلامية”. فمثلا دق الطبول لدستور إسلامي قطعا لا يحيل دولة المؤتمر الوطني إلى دولة إسلامية، وبالمثل، شرائط الكاسيت التي تصدح بالقرآن بالميكروفونات في السوق العربي بشكل مبتذل، وتلك المساجد المزعجة للجيران، أو كثرة إذاعات ال FM التي تدير شرئط راغب السرجاني أو خرافات الدكتور الحبر، لا تحيل دولة المؤتمر الوطني إلى دولة إسلامية!!
بل أكثر من ذلك، فقد شمر أساتذة الجامعات من إعلاميين وإجتماعيين لإصطياد الشعب السوداني لأسلمته – وأترك السؤال هل الشعب السوداني مسلم أم غير مسلم في نظرهم. أو شمروا لتفكيك الطرق الصوفية بحيل علمية بتطبيق علم النفس الإجتماعي لصالح السلفية الوهابية، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في كلا الحالتين. فخذ مثلا مستر كابينيت Mr. Cabinet ونقصد به الدكتور علي محمد علوان هرب بجلده للعمل بجامعة الطائف بالسعودية وينتظره هنالك مرتب شهري يبلغ عشرين مليونا من الجنيهات بالقديم!! وهروب هذا الرجل الذي يصنع الأحابيل السلفية للشعب السوداني يعكس مدى يأسه من الحالة السودانية – أذرفت على رحيله صحيفة الإنتباهة الدمع السخين!! في أحسن الأحوال تصور هذا الرجل الساذج إنه يستطيع تحويل الشعب السوداني إلى لسان يلهج بإبن تيمية إعتمادا على الأساليب النفسية والعصبية، بينما في اسوأها يحرض السلفية السرورية التكفيرية على ترهيب الشعب السوداني وسفك دمه!!
لقد غُلِبَ حمار الشيخ الترابي في العقبة – فهل كانت الثلاث وعشرين سنة قليلة؟ علما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بنت كل نهضتها العسكرية والعلمية في ثلاث وعشرين سنة!! سر هذه النهضة هو أن النظام الإسلامي الإيراني فجر كل طاقات الشعب الإيراني، والدليل على ذلك تلك الإنتخابات النزيهة الني يندفع نحوها عادة ما لا يقل عن عشرين مليون ناخب!! هذه النسبة لا تحدث حتى في امريكا أو أوروبا!! عند هذه النقطة يجب أن يفهم شيخنا الترابي أن أي مشروع، كائنا ما كان، سياسي أو إقتصادي أو ديني، ما لم يحظى بمشاركة الشعب بكل حرية وليبرالية هو مشروع فاشل!! لم يبقى لكم سوى التعويل على الزمن، بإنقراض جيل قديم ونهوض جيل إسلامي، حتى هذه الفرضية هي وهم كبير لا تبرر لكم التمسك بالسلطة – فمع جيل شباب ثورة الأنترنيت لا مكان للعقليات المدلسة المحافظة التي تتدثر بالعباءة السلفية والتي تأكل من كلأ دول الخليج!!
فهل يعقل يا شيخ حسن أن السودان رقعة جغرافية لا ترقى إلى وطنٍ أكثر ما يجمع مكوناتها هو اللون؟ هكذا يعتذر الشيخ الترابي عن فشل مشروعه الإسلامي بأقبح من الذنب، وقلنا في مقالة سابقة أن كرتا أخضر أعطي للمؤتمرجية كي يعتذروا للشعب السوداني في حدود معينة، حتي يستعيدوا ثقة الشعب السوداني فيهم مجددا. حتى الإنقسام المسرحي وظفوه في صالحهم، حين يدين نصفهم النصف الآخر. الا ترون البشير يصرخ دائما مثل الخليفة أبي بكر أقيلوني أقيلوني!! فيرد عليه نافع علي نافع مثل عمر بن الخطاب: ليس الأمر في يد الخليفة، وإنما في يد المؤسسة!!
نقول لشيخنا الجليل لو عمل نظامك الإسلامي بعبارة واحدة للإمام علي لأصبح السودان دولة كبرى في القرن الأفريقي. في وصيته لمالك الأشتر حين ولاه مصر كتب الإمام علي عليه السلام لعامله مالك الأشتر رسالة طويلة تبنتها الأمم المتحدة في شارتر حقوق الإنسان، قال الإمام علي فيها: “الناس صنفان اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق!!”. أعتقد مثل هذه العبارة يجب أن تجد طريقها لدستور السودان القادم، قطعا ليس الدستور الذي يبشر به عمر البشير، والذي كتبه عبد الحي يوسف كومباني بليل مظام!!
ولكن يا للعجب يا شيخنا الجليل..أصبح السودان مرتعا لخوارج الوهابية التكفيرية، وهذا كله مرجعه لأفكارك الضعيفة وسوء صنيعك حين فتحت الأبواب لإسامة بن لادن وأشباهه وقد خيل لك غرورك الفكري أنك مستطيع هداية هؤلاء وتأليفهم، هذا رغم أن النبي امر الصحابة بقتال الخوارج مع الإمام علي ووصفهم بكلاب النار، وإنهم يخرجون من الدين مثل السهم من الرمية ولا يعودون إليه، فهل كنت تعلم أفضل من النبي؟ ولما قُتِل الخوارج في النهروان قيل للإمام علي: يا امير المؤمنين، هلك القوم باجمعهم، فقال: كلاّ واللّه إنّهم نطف في أصلاب الرّجال وقرارات النّساء، كلّما نجم منهم قرن قُطِعْ، حتّى يكون آخرهم لصوصا سلاّبين. فمن قائل منهم بأن الجنوبيين حشرات، وأهل دارفور ليسوا سوى براغيث أو قمل، حتى إسماعيل هنية الذي يقبل يد القرضاوي الملوثة بدماء المسلمين يصف أهلنا في الجنوب بالصراصير ولا يعتذر!! أي إسلام هذا الذي تروجون له؟ وهل لا يعرف شيخنا الدكتور الترابي أن أمثال عبد الحي يوسف من الخوارج؟
ولد الشيخ حسن الترابي بمدينة كسلا في الأول من فبراير من عام 1932م وبرجه برج الدلو، وهذه هي الصفات العامة لبرج الدلو علها تلقي القليل من الضوء على شخص الترابي:
يتحكم في أقوال مولود برج الدلو وأفعاله عاملان أساسيان هما الفضول والتحدي. من جهة يكسبه الفضول الاهتمام الشديد بالأشخاص والحوادث والأمكنة والأزمنة دون أي استثناء، ومن جهة أخرى يدفعه التحدي إلى التظاهر بالطرافة والغرابة وبالخروج عن الطريق السوي في بعض الأحيان لمجرد أن يُثبت أنه قادر على رفض العادات والتقاليد. وكلا العاملان هبة من الكوكب “أورانوس” الذي يرعى برج الدلو.
يتمتع إنسان برج الدلو بعينين تلوح فيها بوادر حلم غامض يصعب على الآخرين إدراكه، ويوحي رأسه المائل باستمرار بأنه مشغول بحلّ قضية أو بإيجاد رد على سؤال ما.
طريف ومتمسك بحريته واستقلاله. ليس في ذلك أدنى شك، ولكنه يبدو تارة صلفاً مغروراً وطوراً خجولا ً مسالما. ومهما يكن من أمره يبق هدفه الأساسي الصداقة، فهو يطمئن إلى البشرية عامة على الرغم من تعطشه إلى العزلة بين الحين والآخر. ولكن أصدقاءه المقربين قلائل نظراً إلى اهتمامه بمعارفهم لا بنوعيتهم. إذا ثار هذا الإنسان ضد التقاليد الموروثة فلاعتقاده أن العالم بحاجة ماسة إلى التغيير الجذري المستمر. ومن عادته العيش في المستقبل بدلا ً من الحاضر مستبقاً الزمن عشرات السنين على أقل تقدير. لذلك يصعب على الكثيرين فهمه وخصوصاً لأنه ينتمي إلى صفوف العباقرة والمجانين وبين العبقرية والجنون خط واهٍ كما نعلم.
شخصية مولود برج الدلو مزيج مركب من البرود والروح العملية وعدم الاستقرار. ميزته العجيبة تكمن في قدرته على تهدئة الأعصاب المتوترة سواء عند الأطفال أو البالغين. بالإضافة إلى ذلك يتمتع بفكر نيّر وعقل راجح يحولان دون التسرع في إصدار الأحكام. ثم إنه يعتبر جميع أفراد البشر أشقاء مهما اختلفت بيئتهم ومراكزهم الاجتماعية أو المادية. ومع أنه يرفض العزلة مدة طويلة ويسعى للاحتكاك المستمر بالناس إلا أنه يأبى الارتباط بمواعيد محددة مُفضلا ً ترك المسألة للظروف. ولكنه إذا وعد وفى دون أي تردد.
يُصرّح مولود برج الدلو بآرائه دون أن يفرضها على الآخرين ليقينه أن لكل شخص ظروفه الخاصة، وأن الفردية أمر لا غنى عنه في الحياة. من أهم مثله العليا المساواة والأخوة والحرية والحب والحقيقة والتجربة والتأمل. لكن من النادر أن يُحارب من أجل أهدافه. إذا وجد نفسه في قلب المعركة مُرغماً ردّ بأسلوب أعمى ودون أي تمييز، أو اختار الواقع إنهاءً للمشكلة. لهذا السبب يتهمه البعض بالجُبن مع أنه ليس كذلك. والبرهان على شجاعته تمسكه برأيه وعدم التراجع عنه بين عشية وضحاها كما يفعل الآخرون.
هذا الإنسان كثير المفآجات حتى بالنسبة إلى أصدقائه وأتباعه. وسبب ذلك رفضه الإفصاح عن غاياته أو عن الطرق المؤدية إليها الأمر الذي يدفع البعض إلى كرهه ولومه بقسوة. وهو من جهته لا يمنح ثقته للآخرين إلا بعد تدقيق وتمحيص طويلين. لكنه متى رضي عن شخص منحه حبه وثقته الكاملين، ودافع عنه دفاع الأبطال. من ناحية أخرى تبدو ذاكرته ضعيفة نسبياً بسبب قلة انتباهه وعدم استعداده لحفظ ما هو تافه وغير ضروري. ومع ذلك يتمتع بحسّ مُرهف قلما يتوفر لغيره من مواليد الأبراج الأخرى. بل أن حاسة سادسة تجعله يسمع أو يرى الأشياء قبل حدوثها. وعلى الرغم من ذلك يرفض المعتقدات الخرافية ما لم يجد فيها مبرراً علمياً يتقبله عقله.
هذا الإنسان مثالي يكره الكذب والخداع والرياء، ويتمسك بكلمة الشرف إلى حدّ الاستماتة في سبيلها, ويكره أيضاً الديون والقروض على اختلاف أنواعها، ويُفضل عليها الحرمان أو العطاء دون مقابل. لكن مثاليته من نوع خاص إذ تجعله يتخلّى عن القضايا الخاسرة. يُضاف إلى هذا أنه متحرر فكرياً وجسدياً, ولهذا السبب يصعب على أي كان ربطه أو أسره فترة ولو وجيزة. إن مولود برج الدلو بحكم تأثره بالكوكب أورانوس رمز التغيير والحركة والتحدي ينتمي إلى الإنسانية بأجمعها، ويُمثل تطلعاتها وآمالها ومثلها العليا.
في مقالاتنا التالية سنعلق مع التحليل على محاورات أربعة أدلى بها الشيخ حسن الترابي للكاتب الصحفي عبد العزيز محمد قاسم، المشرف على القسم الإسلامي في صحيفة “عكاظ” السعودية، وكان ذلك في مايو من عام 2011م. وفي أولى حلقات مكاشفاته تحدث الترابي عن ظروف نشأته الاجتماعية وطرائق التربية التي تلقاها، وعن الصدام الناصري مع الملك فيصل بن عبد العزيز، وأكد الترابي ان فيصل تبنى التوجه الإسلامي عن يقين وصدق، بينما تبنى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر القومية كشعارات!!
هذا هو أول الغيث، أي نقاط ضعف المفكر الشيخ الترابي حين لا يلتزم بالحقائق الموضوعية المطلقة، حين يفضل المفكر الشيخ الترابي أمثال الملك فيصل على عبد الناصر!!
هل تستطيع أن تثق في مفكر يعطي الملك فيصل صفات غير حقيقية مثل قوله “ان فيصل تبنى التوجه الإسلامي عن يقين وصدق”؟ أليست هي عبارة صادمة للعقل والنفس والوجدان؟ وهنا تحتار مع المفكر المعاصر الشيخ حسن الترابي، هل يعقل أن يجهل رجل معاصر يقود حركة إسلامية في السودان وهو من يحكم السودان فعلا، من وما هو الملك فيصل، ومن وما هو عبد الناصر؟ وكيف به لو كان المفكر مفكرا إسلاميا يدعي القرب من الله وتجب عليه التقوى وتحري الصدق؟ ملك الغلمان والدعارة والعمالة للصهيونية وللإمريكان يحيله الشيخ الترابي إلى داعية إسلامي يتبنى التوجه الإسلامي عن يقين وصدق؟!! عجبي!! هذه هي مشكلة العقل السني المزمنة الذي يصاب عادة بالذهول والإرتباك عندما يكون الحديث في دائرة السلطان، فيميل إلى التحوير والتدليس.
وبالمثل، من لا يستطيع التفريق ما بين الملك فيصل وعبد الناصر فهو غير جدير أن تثق فيه في دينك. وكذلك هو غير جدير أن يقود السودان سياسيا إذا رغب السودانيون أن يتميزوا، فالسودان في حاجة إلى قيادات سياسية تميز نفسها ولا تذوب في بلاط السلاطين ويتبخر عقلها عندما تتسول الدراهم والريالات.
هذه المقابلات الحوارية عددها أربعة، وفيها كشف الترابي الكثير من تفكيره الخفي، ويعود الفضل للصحفي عبد العزيز محمد قاسم. وهذا يثبت رؤيتنا الدائمة أن جهل الصحفيين السودانيين هو أحد أسباب كوارث السودان الحالية!! وأعتبر أنا شخصيا هذه المحاورات من أكثر الحوارات أهمية على الإطلاق في كشف عقلية الترابي الشمولية الفكرية والإسلامية، نقاط ضعفه ونقاط قوته والملتبس في فكره، وقربه أو بعده من السلفية، وهل هو فعلا من المجددين أم لا، وسنقوم بالتعليق على ردوده وكشف الغامض منها.
شوقي إبراهيم عثمان
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.