لم أتفاجأ بهزيمة الهلال في الدوري الرواندي للمرة الثانية توالياً، لكنني توقفت عند بعدها التاريخي والخطير. هذا لم يحدث للهلال لا في الدوري السوداني، ولا حتى في مشاركاته الإفريقية عبر تاريخه الطويل. أن يُهزم الهلال مرتين متتاليتين في دوري خارجي، فهذه ليست خسارة مباراة... بل خسارة نهج. الهلال هُزم في **كيغالي** داخل الميدان، نعم، لكنه يُهزم منذ زمن خارج الخطوط. الهزيمة فنية في ظاهرها، لكنها إدارية وقانونية ونفسية في جوهرها. ومن يصر على اختزال الأزمة في أخطاء لاعبين، يتجاهل عمداً المشهد الكامل. الهلال يملك المال، ويملك من يدفع، وهذه حقيقة. لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً: من الذي يكسب قضايا الهلال قانونياً؟ من الذي يحمي الفريق عند الطرد المتكرر والعقوبات؟ لماذا الهلال دائماً هو الطرف الأضعف في دهاليز اللوائح، بلا رد فعل مؤسسي ولا موقف حازم؟ الهلال يُطرد لاعبوه باستمرار، يفقد عناصره داخل المباريات، ولا يجد من يدافع عنه. وهنا يتجلى الخلل الواضح في **دائرة الكرة**، خلل لا تُجدي معه البيانات ولا التبريرات. ومن أكثر القرارات التي دفعت الهلال ثمنها، **إقالة مدير الكرة السابق عبدالمهيمن الأمين**. عبدالمهيمن لم يكن مجرد مدير كرة يؤدي مهاماً روتينية، بل كان رجل مرحلة. قام بأدوار تجاوزت موقعه الوظيفي، ضبط غرفة الملابس، حاصر الفوضى، وكان حائط صد داخل وخارج الملعب. إقالته جاءت في توقيت قاتل، والهلال مقبل على استحقاقات مصيرية، فاختل الميزان. ثم جاء **عاطف النور**، الرجل له الاحترام والتقدير، وعمل من قبل داخل الهلال. لكن الحقيقة التي لا تقبل المكابرة: إدارة الكرة اليوم تحتاج حيوية، تفرغاً، دعماً وصلاحيات كاملة. المرحلة لا تُدار بالخبرة وحدها، بل بالحضور اليومي والقدرة على المواجهة واتخاذ القرار. الهلال عانى إدارياً قبل أن يعاني فنياً، وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: **القطاع الرياضي وقراراته الفردية**. المهندس **العليقي**، بصفته مدير القطاع الرياضي، هو المسؤول الأول عن سياسة الشطب والإبقاء والتسجيل. هو من يقرر من يذهب، ومن يبقى، ومن يُجلب. والمشكلة ليست في الاسم، بل في المنهج. قرارات فردية، بلا نقاش حقيقي، بلا محاسبة، وبلا صوت معارض، وسط جوقة من الأبواق والمطبلين الذين يباركون كل قرار، ويرفضون ربع كلمة نقد. أوضح مثال على ذلك: **التفريط في حارس بقيمة فوفانا**. لم يُكتفِ بالاستغناء عنه، بل تم تسجيل حارس مصاب بالرباط الصليبي مثل **محمد مصطفى**، لم نره حتى الآن داخل الملعب. واقع مرير، وعناد إداري غير مفهوم: تفرّط في الجاهز، وتراهن على المصاب، ثم تتساءل عن نزيف النقاط! **ومن الذي يسأل؟** قالها لي صراحة مدرب وفني ومتابع: أحد حراس الهلال الحاليين **ليس في مقام الهلال ولا يليق بتاريخه**، ولا يوجد أي مبرر فني للإبقاء عليه. وكل من تجرأ وتحدث عنه من زاوية فنية، كان **مصيره الإبعاد عن الهلال**. ومع ذلك نفاجأ بوجوده دائماً، وكأنه خيار لا يُمس. الحقيقة المؤلمة أن هذا الحارس **مفروض بفيتو كبير من "الكبير قوي"**، ولا مجال لرأي فني، ولا نقاش، ولا تقييم. وهنا لا نتحدث عن لاعب... بل عن فلسفة إدارة تُقصي الرأي وتُقدّس القرار الفردي. وسط الملعب فُرغ من محترفين مؤثرين، وتركوا يتألقون في ليبيا وغيرها. ملف دياو في الظهير الأيسر أُهمل، وجاء البديل لاعب طاعن في السن، مستهلك فنياً. ثم استمر مسلسل تسجيل المهاجمين: تكديس بلا هوية، أنانية داخل الملعب، كل لاعب يلعب لنفسه، لا للفريق. أما ريجكامب، فلا أعلّقه وحده على المشجب. الرجل جاء بفريق جديد، بأكثر من عشرة لاعبين لأول مرة، دخل سيكافا، ثم إفريقيا، ثم الدوري الرواندي، وهو فاقد لأكثر من أحد عشر لاعباً وطنياً مع المنتخب. لكن في المقابل، لا يمكن إعفاؤه كلياً: أنانية غير مفسرة، غياب تعاون، والمدرب في كثير من اللحظات مجرد متفرج. الهلال اليوم بلا قائد وطني في الميدان. بلا شخصية. بلا روح جماعية. والفرص لا تُمنح، ثم نتساءل: أين الوطنيون؟ أين فوفانا؟ لماذا شُطب الصيني؟ أين إسماعيل؟ أين المعارون الذين طالبنا بعودتهم؟ الهزيمة التي سبقت البطولة الإفريقية كان يجب أن توقف العناد الإداري. لكن المكابرة استمرت، فجاءت الهزيمة الثانية لتؤكد أن المشكلة ليست ظرفية... بل بنيوية. **كلمات حرة:** * إقالة عبدالمهيمن الأمين أضعفت غرفة الملابس. * إدارة الكرة تحتاج حيوية ودعماً لا مجاملة. * القرار الفردي أخطر من أي خطأ فني. * تسجيل مصاب وترك الجاهز عنوان لعشوائية القرار. * تكميم الرأي الفني جريمة إدارية. * التكديس لا يصنع فريقاً. * الأبواق لا تبني نادياً. * النقد ليس إساءة... بل إنقاذ. **كلمة حرة أخيرة:** الهلال أكبر من الأشخاص، وأكبر من العناد، وأكبر من التطبيل. إما إدارة تسمع وتُحاسِب، أو خسائر تتكرر... بالقرار ذاته.