عندما يبدو أن الدنيا قد صَفتْ لي، ونزعَت من فمِّي «شطرها» الميّت وألقمتني ضرعها الوافر، وان كل شيء يسير على ما يرام، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وان «الحياة حلوة » على حدّ زعم أم بلّينا السنوسي رائدة الغناء النسائى الكردفاني، وأن «الدنيا وردية» حسب أغنية اديث بِياف، أم كلثوم فرنسا، وان الدنيا قد «عَدَلت» لي ظهر المِجَن، وان العشم موجود، ساورتني الشكوك أن في الأمر مؤامرة دنيئة تُحيكها جهاتُ معادية، ودوائر مشبوهة (دائما نفس الدوائر )، تُريد لي أن أتفاءل خيراً، وان أشعر بالرضى، وان أمضي في حياتي، أُصَفِّرُ غير عابيء بما يدور حولي من «خمج»، وعمّا يأتي به الغد من مصائب، لجأتُ الى وصفةٍ بسيطةٍ سهلة، هي الترياق الشافي «الكمدة بالرمدة» لهذه الحالة الخطيرة، وصفةٍ تُعيد لي توازني النفسي، وتُزيح عن أعيني المنظار الوردي المُخادِع الذي يقلب الغبشة السائدة لوناً فاقعاً يسر الناظرين، فأعود أرى الدنيا كما هي، بدمامتها، ولؤمها، وفقرها الذي أذلّ الرجال، وأكياس نايلونها المتطايرة في كل مكان، ونفاياتها التي أحتلت كل ركن من أركان العاصمة الحضارية، ومجاريها الضاربة «الاطناب «، وظُلمِها و»هَرْسِها» للضعيف، والفساد الذي ملأ البر والبحر وشواطئ النيلين وفاض. وحين أحسُّ بأعراض هذا التفاؤل الخبيث، ألجأ الى شارع «اسبتالية» الخرطوم العمومية، أشقُّ طريقها ( مرّتين في الأسبوع على الأقل وفقاً للوصفة) من شارع القصر الى شارع المك نمر : على يمينى مستشفى الذرّة وعنابر الجراحة والمشرحة والحوادث، وعلى يسارى «دكاكين» التطبيب الآيلة للسقوط بأزقّتها الضيّقة وكراسيها المهترئة وبروش صَلاتها البالية، و»بوتيكات» وفنادق العلاج التخصصية والتشخيصية بأبراجها ورخامها وزجاجها وسيراميكها وحرصها الصارم على الدفع المُقدّم. وفي هذه المؤسسات العلاجية، وعلى جانبى شارع الاسبتالية والشوارع الفرعية، والمنطقة بأسرها، ترى مُعاناة الانسان السودانى في أوضح صُورِها وأكثرها بعثاً على الإكتئاب والقنوط. ترى العشرات ينتظرون جنائزهم من المشرحة، أو يُرافقون مصابِيهم الى الحوادث ( وما ادراك ما الحوادث)، كما ترى الآلاف يحملون أمراضهم التى لم نسمع بها من قبل، امّا لأنها قديمة لكن رحمة الله قضَت ألّا نعرف اسماءها، أم أنها جديدة قَدِمت إلينا مع العولمة و»العولقة»، والإقتصاد المُحرّر، والفقر المُدقع، واليأس، وفساد الذِّمم، وغضب الرحمن الذى يبتلى عباده الصابرين، ويُمهل الظالمين ولا يُهملهم. كلّهم يبتغون العافية في هذه المؤسسات العلاجية التى تتسم بالسرعة دون الإتقان، والتى تُقلّبَك فوق نيران الاشعة المقطعيّة، وتُخلّد أحشاءك بالصور الملوّنة، وتصُكُّ آذانك بالرنين المغنطيسى، وهى في هذا وذاك تحرق جوفك وجيبك وجيب من أتى معك. هناك كذلك الآلاف مِنْ مَنْ يُُمارضون ذويهم القابعين في عنابر الإسبتالية الكئيبة أو في غرف المستوصفات الفندقيّة المُكندشة، يفترشون الأرصفة على البروش والبُسُط في هجير الشمس وقرّ الشتاء، يستقبلون زوارهم، ويُحْيُون اقتصاداً هامشيّاً مُزدهراً قِوامه ستات الشاى وبائعى قصب السكر «المُفصْفَصْ» وعيش الريف الساخن وغيره من «الهواميك». كمٌّ هائلٌ من البؤس والمعاناة يجعلنى أرى الدُنيا ب«قُدودها» التي لا حصر لها، فتنجلي بصيرتى وأرى الواقع ببشاعته المألوفة، وقُبحِه المُعتاد، فأستعيد على الفور عافيتي وتوازني النفسي، وأمضي الى داري أصفَّرُ سعيداً بهمّي وغمّي، وعلمي (دون عشم) أنّ في الإمكان أبدع مما هو حاصل! ماذا دها أهل السودان حتى أصبحوا يملأون المستشفيات والمشافي، عامّها وخاصّها؛ والمراكز الصحيّة، جديدها وقديمها؛ والعيادات، فاخرها ومتواضعها؛ ومعامل الفحص، بلديّها وأفرنجيّها؛ ومستشفيات القوات النظامية الاستثمارية التابعة للجيش والشرطة والأمن وخفر السواحل وحرس الصيد؛ ومراكز العلاج بالقرآن، وبالأعشاب، وب»العروق»، وبالسحر الابيض والاسود؟ يملأون هذه الاماكن ليلاً ونهاراً، وينتظرون دورهم لساعات وساعات في صبرٍ عجيب. يشكُون أمراضاً غريبة : الذئبة الحمراء، والفشل الكلوى، والفشل العام، وسرطانات الدم واللحم والعظم و»الفشفاش» والطوحال و»كبير اخوانو»، وأمراض نادرة أخرى لا حصر لها لا أدرى من أين أتَتْ وكيف انتشرت في طول السودان وعرضه. أهى ابتلاءات اضافيّة اراد ربّ العزّة أن يمتحننا بها بعد أن رآنا صابرين عقدين من الزمان على الإبتلاء الأكبر الذى هو هذه الحكومة، والتى شبّهها الرباطابى بالفلاّتيّة : طفلها (الشعب السودانى) مربوط على ظهرها، ينوم ويستيقظ، يبكى ويضحك، يتقيأ ويتغوط، وأمه ماضية لا تعبأ به، «تهرس» في «الفندك» في انهماك عميق وهمّة فائقة. أم أن هذه الأمراض ناتجة عما نأكله من معلّبات مسرطنة، ومأكولات نافدة، ومحاليل طبية غير طبية، وأسمدة من مخلّفات الفرنجة وغير ذلك مما تُفرزه الرأسمالية المتوحشة «العايرة» التي تقتات بدمائنا. أم هي نتاج للنفايات الذرية والإلكترونية التى يُقال أن السودان أصبح منتهاها ومقبرتها، أم أن الأمر كله سببه اليأس الحزين والقنوط المُقعِد الذى يمسك بتلابيب الإنسان السودانى، ويستحيل أمراضاً معروفة ومجهولة تجعل إرتياد المستشفيات والعيادات الشغل الشاغل للناس، من استطاع الى ذلك سبيلا ومن لم يستطع؟ نصيحة أخوية/أبوية لوجه الله تعالى : ان استيقظتَ في الصباح الباكر ووجدتَ نفْسَك تُصفِّر وتترنّم بالأغانى القديمة التى تبثّها برامج الصباح اللزجة، من أمثال «يا جمال الدُنيا يا جمااالااا»، أو «أنا ماشى نيالا» فأعلم أنك اُصِبْتَ بوباء التفاؤل الخبيث فهذه عوارضُه، ودواؤك سهلٌ ميسورٌ باذن الله : -شقّةً واحدة في شارع الاسبتالية نهاراً، ويا حبّذا مساءً، تفتح بصيرتك وتُعيدك سيرتك الأولى، حامداً المولى الذى لا يُحمد على مكروه سواه!