تتحرك العلاقات السودانية المصرية بفاعلية تشهد عليها دلائل عافية وبراهين صحة بائنة، وتعلن عن نفسها بسياسات، وبرامج، ومشاريع، وزيارات، وتقاطر عمالة ومواطنين في مرابع الوادي العريض. واطمئن الناس إلى وقائع جد تمشي بينهم شاخصة، وإلى حقائق تراعي منطق الخير بينهم، وتأكدوا أن عهد المعاكسات والشقاق قد إنتهى إلى غير رجعة، ولكن تأبى حلايب إلا أن تطل برأسها في سانحة سكون ترتب بالعقل للمستقبل. فقد أوجدت عملية الإحصاء الشامل، التي تزمع الحكومة السودانية إجراءه في طول البلاد وعرضها، حالة تساؤل جديدة عن حلايب، وغيرها من مناطق الإشتباك القانوني والسيادي، التي لا تخلو جيرة سودانية منها. فبين السودان وجيرانه التسع متعلقات حدود لم تحسم بعد، ربما أقل حدها هي حلايب، التي تتناوشها التصريحات الرسمية والإعلامية في كل حين، يستغرب توقيته كل عاقل تقنعه الحقائق بإمكانية التفاهم على حل يرضي كل الأطراف. فمشكلة حلايب ليست عصية على الحل، وبالإمكان معالجة أسبابها من جوانب مختلفة، وهي مرتبطة بالقوى السياسية كافة. إذ لا بد أولاً، من لجوء إلى حصر موضوعي في مناقشة الأسس التاريخية الأساسية المؤدِّية إلى طرح حلايب كمشكلة بين البلدين. وقبل كل شيء، يجب إيضاح علاقة موضوعها بالعلاقات الإستراتيجية بين السودان ومصر، وبالموضوع التقليدي عن حرية الإرادة السياسية في العاصمتين. وغالباً ما تُناقَش مشكلة حلايب، من الناحية السياسية، على وسائل الإعلام، وتطرح تفاصيلها في عناوين الصحف؛ وفي هذه الحالة لا تُطرَح المشكلة بعمقها الحقيقي، ولا يتسنى لها أن تجد حظها المطلوب من الدراسة، وبحث الرؤى الموضوعية لمعالجتها. وعندئذٍ، فإن طرح المشكلة بطريقة الإثارة الفجة يفترض نفسه حلاً، وأن الحل في الإرادة التي تختار طريقة وتوقيت التناول. وتُعتبَر حرية الحركة، التي أقرتها إتفاقية الحريات الأربع، ضرورية جداً للتطمين بأن الحل ممكن. فقدرة المواطنين على التنقل والتملك والإقامة والعمل في البلدين، تعتبر مقدمات لازمة للوثوق بأن إرادة الحل متوفرة لما هو أبعد من مجرد مشكلة عالقة بين الحدود السياسية والإدارية، التي أوجدها تاريخ استعماري جثم بالغدر على صدر الشعبين، وفرق بينهما بعوالق خلاف لا ينتهي. ففي حين كانت حركة المواطنين عبر الحدود في الماضي ضرورية لتأسيس التواصل، فهي الآن مهمة لتأكيد التلاحم. والمهم أن أنصار حرية الحركة الفاعلة في البلدين كانوا، إلى حدٍّ كبير، دعاة لحرية التنقل وحرية الإقامة وحرية التملك، وأسَّست أكثر أشكال العلاقات أهمية بناءها التحتي على حرية العمل، الذي صار جزءاً أصيلا من إتفاقية الحريات الأربع، التي نأمل أن تتحقق بكل كمالاتها، صعودا لتكامل، ووحدة تنتفي فيها المسميات. ونعتقد جازمين أن مسألة حرية المواطنين السودانيين والمصريين في امتلاك كامل جغرافية البلدين لا يمكن أن نستخلصها من المشكلات العالقة هنا وهناك، أو أن نؤسِّسها على مطالبات لا تعين على استكمال ما يتجه أصلا لإلقاء فكرة القيود على الحدود، إن لم يكن إلقاؤها. ولا يمكن معالجة مشكلة حلايب بوصفها رقعة جغرافية متنازع عليها، بل ينبغي أن تُعالَج معالجة دنيامية متحركة مع هذه الحريات الأربع، مع مراعاة الأوضاع المختلفة، وأطوار التنازع، التي تطل برأسها في كل منعطف حرج. وينبغي بالضرورة أن تقود الحريات الأربع للحل، الذي لا يتعجل الناس فيه المحاصصة السياسية حول الحدود، التي لم تعد تشكل قيدا في ظل هذه الحريات. إن حرية التنقل، بجملة متعلقاتها الأخرى، تملك ديالكتيكيَّتها الداخلية الخاصة، لأن مصيرها واجب التكامل، والذي يلزم تعقُّبه ومتابعته. إذ تُفهَم هذه الحرية في سياقين مختلفين: أولهما هو سياق القضايا السياسية العامة، وثانيهما هو سياق المعارف المباشرة، التي يكتسبها كل فرد بتجربته الخاصة. ويبدو جليا الاختلاف في فهم الحريات الأربع في الأحاديث العمومية أكثر وضوحاً مما هو عليه في المنطق السياسي الحاكم في البلدين. وتوجد في طبيعة العلاقات السودانية المصرية نظريتان: نظرية أولى لاعقلانية، تنفي ما هو واقع حقا من حرية الاختيار التي يتمتع بها المواطنون فعلا عبر الحدود، التي تتلاشى قانونيا. لأن الحريات المقررة الآن، كطريق للتكامل، هي من نوع الحريات التي تسيطر على الواقع، وليست القيود القديمة التي كانت تتم السيطرة بها على هذا الواقع، أي الحريات التي يقبلها المواطنون بوصفها الحقيقة الموضوعية، التي تبلغ بهم تمام ما ينشدون. وتوجد نظرية ثانية: تتعلق بالحرية السياسية العقلانية، أي هي حرية في تبني الحقيقة وتعزيز قيم التكامل، كهدف وكتحقُّق لغايات أعلى، تتركز في تقدير مصلحة الشعبين، ومن الشعبين تُنال وتعطى. لذا، فعندما نقول إن إنسان البلدين سيبلغ بالحريات الأربع حل مشكلة الحدود، فهذا يعني أن الطبيعة الأعلى للعلاقات انتصرت فيه على الطبيعة الأدنى، لأن عقله مَلَكَ حقيقتها، ولأن الأساس التكاملي الواقعي لديه أخضع عناصر التجزئة. وقد انبنت في السابق صعوبة التكامل العملية على مقولات السياسة الظرفية. حيث كلما تأسست فكرة للتقارب، بفهم السياسة العقلانية، تبدت عقبات التصريح العشوائي، وتقافزت العاطفة السياسية اللاعقلانية لدى بعض القوى، التي هي معوق حتمي للتكامل والوحدة. وبالضرورة؛ فإن هذا يعني أنه لا يمكن إنتاج مفاهيم عقلية من العاطفة، التي تجنح بالمقال عن المثال. وكل المفاهيم المنطقية عن التكامل هي عقلنةٌ للسياسة، وفي العقلنة مقتل لهذه الإنحرافات العاطفية. وثمة فهم عقلاني جديد لطبيعة العلاقات السودانية المصرية، وهو يتحرك بوتيرة تستصحب فكرة تعويض ما فات خير هذه العلاقات على الشعبين الشقيقين. والجديد الذي أدخلتْه سياسة الحريات الأربع، بالمقارنة مع الأفكار التكاملية السابقة، هو تنظيم لمشكلات التنقل والإقامة والتملك والعمل كأساس أولي، بتقدير أن الحريات لا يمكن أن تُعرَف من خلال المفاهيم السياسية فقط؛ بل هي ديناميَّة ويمكن فقط أن تُعرَف دينامياً وبإجراءات واقعية ملموسة لكل فرد يختبرها. وما يمكن أن يقرِّبنا من سرِّ التكامل هو فقط دراسة هذه الحريات الديناميَّة ومنطقها الداخلي المتحرك صعودا لغاية الوحدة المنشودة. وحقيقة الحريات الأربع هي استراتيجية عقلانية، لأنها حريات متضمنة للخير العام، الذي يتجاوز الراهن السياسي، إلى ما هو أرحب وأبقى. حيث تقود هذه الحريات لتماهي المصلحة مع الحقيقة، والخير مع العموم، وتؤدي لتوليد مؤسسات رسمية سياسية، ومنظمات وهيئات اجتماعية مدنية، تُتَوخَّى فيها التكامل، لكنها تتكشف عن كونها ربيبة الضرورة. فإذا كانت إستراتيجية الحريات الأربع تلطف أجواء السياسة الحاضرة، إلا أنها تترك آثارها الأعمق لمستقبل، لن تعود فيه فكرة الحدود ذات معنى، ولا القيود ذات مدلول. لهذا، فإن الحريات الأربع هي ذات محتوى، سياسي، وشعبي، وتكاملي، خاضعة للمنطق، وتابعة لحقيقة الوحدة. وإذا أُخِذَتْ على هذا النحو فهي تنفي التنازع على الحدود، وتنفي الجدل على وجود القيود. وبهذا الشكل والمحتوى، فإن هذه الحريات تتطابق مع الضرورة السياسية، ومع الضرورة الاجتماعية، ومع الحاجة الاقتصادية، وترتبط بعروة لا تنفصم مع حتميات المصير المشترك.