كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ليس أمام جُمهورية مَالي سِوى متابعة مَسيرتِها الدِّيمقراطية
نشر في سودانيزاونلاين يوم 14 - 04 - 2012

مرة أخرى في القرن الحالي تنجح المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإكواس) في الإسهام بفاعلية من أجل العودة إلى المسار الديمقراطي في باماكو .
رغم أن حادثة إنقلاب مارس في باماكو تعد مؤشرا حقيقا على هشاشة وضعية الديمقراطية وشقيقتها حقوق الإنسان في بلداننا الإفريقية ؛ وتظل الأحوال مثار قلق وموضع إهتمام في البلدان التي دمقرطت أكثر منتلك التي لا تزال تعيش أوضاعا غير ديمقراطية بالقارة ؛ لكن لابد من الإشادة ؛ فإرجاع الحكم إلى يد المدنيين و بشكل سليمي في بلد إفريقي واعد مثل الجمهورية المالية من أجل متابعة المسيرة الراشدة التي إختطها لنفسها منذ عقدين يعد نجاحا يحسب لمجموعة الإكواس ولدولة مالي ولإفريقيا كلها في هذه المرحلة .

كانت المرة السابقة في كوناكري عاصمة جمهورية غينيا ؛ ففي مقبل عام 2010ف وافق الكابتن موسى داديس كمارا بتسليم السلطة طواعية الى المدنيين ؛ وجرت إنتخابات ديمقراطية ؛ وفي 21 ديسمبر 2010 فاز المعارض المخضرم ألفا كوندي بالرئاسة في أول إنتخابات من نوعها تجرى في كوناكري التي إستمرت تحت حكم أحادي منفرد منذ إستقلالها عن فرنسا في عام 1960ف . كانت الإكواس قد نجحت في مساعيها الجادة لوضع غينيا في المسار الديمقراطي .

الحسن وتارة زعيم الإكواس الحالي ؛ يعد إضافة حقيقية للمجموعة ؛ فقد نجح هو الاخر و عبر مساعي تحسب لجموعة الإكواس في تثبيت سلطته بنوع من القوة ؛ وذلك عقب الإطرابات التي سادت فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبيديجان ضد خصمه لوران غابغو المسجون حاليا في لاهاي ؛ ؛ الرئيس وتارأ كان جاء أكثر العناصر جدية ضمن مساعي الإيكواس اليوم حيال الوضع في مالي ؛ وذلك منذ منذ دخول مجموعة المغامرون من الضباط الصغار إلى القصر الرئاسي في باماكو في مارس 2012ف .

حين كان "تحالف ذئاب الصحراء " تزحف من شمال مالي أول هذا العام مدفوعة بمطالب وطنية تارة ؛ وفي رؤوس البعض أفكار من قروون ظلماء تارة أخرى ؛ كانت باماكو على موعد مع إنقلاب غير متوقع قاده الظباط الصغار في المؤسسة العسكرية في مارس.
وبدوا الإنقلابيون لا يعرفون بالضبط ما هو المطلوب من الرئيس في ظل الوضع الذي تشهده البلاد . هكذا اطاحوا بالحكم الديمقراطي ؛ و جمدوا العمل بالدستور وعطلوا عمل البرلمان .الإنقلاب المالي يعد تصرفا طائشا وإضافة لمحنة البلاد الذي يواجه خطرا سافرا يهدد وحدة أراضيه ؛ والأكثر أن الإنقلاب أنهى جهودا مقدرة من الإصلاح السياسي والمدنيإستمرت لسنوات بجمهورية مالي ؛ أرست نظاما دستوري راشدا إتسمت بقيم الديمقراطية ومبادئ إحترام حقوق الإنسان ؛ وحيادية المؤسسة العسكرية تجاه المؤسسة السياسية .

في أفريل من العام 1992 ف شهدت باماكو أول إنتخابات ديمقراطية ؛ و فاز الأستاذ الجامعي ومستشار اليونسكو الاسبق البروفسير ألفا عمر كوناري فيها بالررئاسة . وتعد تلك هي المرة الأولى التي يصل فيها رئيس منتخب وفق الدستور في الجمهورية الإفريقية التي كان عمرها 32 عاما من إستقلالها من الإستعمار الفرنسي .
وصار الرئيس كوناري (66عاما) أول رئيس منتخب لمالي ؛ وقد أعيد إنتخابه مرة أخرى في عام 1997ف ؛ وفي عام 2002ف غادر الرئيس كوناري القصر الرئاسي في باماكو مصحوبا بصلوات شعبه وتقديره له ؛ لم يفكر ولم يعمل لللعب في نصوص الدستور المحترم في البلاد والذي أجيز في فبراير 1992 ف ؛ وحدد ولاية واحدة لرئيس الجمهورية قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط .
لقد جاءات انتخابات عام 92 في مالي بعد عام واحد من سيطرة لجنة عسكرية ترأسه الظابط المظلي ممادو توماني توري ورئيس والرئيس المنتخب المخلوع في 2012ف . كانت اللجنة تسمى " اللجنة الإنتقالية لخلاص الشعب "؛ اطاح بحكم الدكتاتور موسى تراوري الذي كان قد إنقلب بدوره على حكم أبو الاستقلال مادبو كيتا عام 1968ف . ؛ وأشرفت اللجنة على وضع الدستور ؛ وتنظيم الإنتخابات التشريعية والرئاسية ثم إنسحب الجيش من الساحة السياسية ؛ لابد من الإشادة بذلك الموقف النبيل للجيش المالي ؛ وللرئيس اللجنة توماني توري .

كوناري الذي صار بعد تخليه عن رئاسة مالي في 2002ف رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي المولود حديثا عن مساعي أباء إفريقيا القرن الحادي والعشرين ؛ ويحسب لكوناري رغبته في بقاء بلاده في المسار الديمقراطي ؛ وقد تمكن خلال حقبة رئاسته من إرساء دعائم الديمقراطية في مالي ؛ وساهم في تثبيت الجمهورية على إتجاه جديد من الحرية والقيم الإنسانية ؛ إتفق عليه الشعب .
لكن كوناري الزعيم الافريقي المنتخب أيضا أحياء في المجتمع المالي قيمة وطنية لا تنسى ؛ فهو أستاذ التاريخ الإفريقي الذي خلق بجهد جبار الروح المعنوية في الوعي الجمعي للشعب ؛ وبعث من جديد روح الحضارت الإفريقية الخالدة التي قامت على ضفاف نهر النيجر في أرض الجمهورية : إمبراطورية مالي – تمبكتو ؛ وإمبراطورية صنغاي وإمبراطورية غانا . كان ذلك زاد الرحلة للمستقبل السياسي لباماكو .


لقد سارت مالي على خطى التغيير والإصلاح السياسي والإقتصادي التي إختطها لنفسها عشرين عاما ؛ مساء 21 مارس 2012ف حين قام قام الكابتن المغمور أمادو سانوغو بإحتلال القصر الرئاسي في بامكو معلنا وضعا جديدا تراجعت الجمهورية المالية خطوات واسعة إلى الوراء ؛ لكن التاييد المتقتع الذي وجده الإنقلاب العابر في شوارع تمبكتو وباماكو وكيدال أوضح هشاشة الوضع الدستوري بالبلاد ؛ وغياب وعي راسخ بالإصلاح الذي حدث ؛ وضعف هيكلي في بنية مؤسسات الدولة .

لا يوجد شئ خطر على الديمقراطية من إنقلاب عسكري سوى غزو أو تمرد يهدد تراب البلاد وإنسانه كحالة مالي . الغزو يأتي طمعا في البلاد بسبب سؤ وضعف نظام الحكم . و تمرد جزء من شعب بلد ما على النظام المركزي يكون دائما بسبب غياب الديمقراطية وإحترام حقوق الانسان .
إن غياب الديمقراطية المفضي لابشع إنتهاكات لحقوق الانسان تكون دائما حجة يصل بها مغامرون طائشون من العسكر الى سدة السلطة لمواصلة أو إبداع نوع من الانتهاكات لم يألفها الشعب . ذلك بعد إنتهاكهم حرمة الدستور ؛ الإنقلاب لا يمكن أن يعتبر إصلاح لأي وضع سياسي مهما يكن السؤ.

مثل بلادنا السودان حيث جيوش جائعة و عاطلة و بلا معنى ؛وظباط متباهوون بزيهم متصكعون بأبوب الأحزاب السياسية ليكونوا خفراء أنظمة فاسدة . وهكذا يبقى الجيش العاطل دائما على مقربة من قصر الرئاسة ؛ للسطو على السلطة التي تطعمهم وتأمرهم بقتل شعبهم وإهانته . جيشنا جماعة من "النشاليين" مثل صعاليك الأسواق ينقلبون وراء حجج مبهمة ليتحولوا إلى معضلة تنتظر حل .
دون ضبط دستوري لها وتحديد وظيفتها بوضوح ؛تعد المؤسسة العسكرية أكبر خطر على النظام الدستوري في حالة بلداننا ذات البنية الديمقراطية الهشة ؛ والمؤسسة العسكرية هو الخطر الوحيد على حياة الشعوب ليس على الوضع الدستوري فقط .

مارس 1984ف في كوناكري عشية رحيل أبو إستقلال البلاد الرئيس أحمد سِيكو توري ( 1922 - 1984) فقد قاد الجنرال لانسانا كونتي إنقلابا عسكريا . وصبيحة وفاة الجنرال كونتي هو الاخر في ديسمبر 2008ف قاد كابتن مغمور في جيشه وهو موسى داديس كمارا إنقلابا عسكريا بلا معنى وبلا هدف إستلم بعدها السلطة وأدخل البلاد حالة من الإضطراب وعدم الاستقرار .

الجنرال كونتي (1934- 2008) ومنذ التسعينات من القرن الماضي و عبر سلسلة من الإجراءت الداخلية شرع في نقل السلطة في بلاده إلى المدنيين ؛ وضع دستورا لجمهورية غينيا يسمح بقيام أحزاب متعددة تتنافس للوصول للسلطة ومجلس مدني إنتقالي بدل مجلسه العسكري المنقلِب.
على ضؤ ذلك أجريت بكوناكري عدة إنتخابات رئاسية فاز بها كونتي نفسه دون غيره ؛ وهو أمر مكرر في حالات الدكتاتوريات المنتشرة في إفريقيا ؛ إن الجنرالات الديكتاتوررين يفصلون جلابيب دستورية في حكم البلاد على مقاساتهم هم فقط ؛ ويلبسونها كامل فترة حياتهم ولكنهم لا يعملون للمستقبل .
وهكذا ظل اليساري الغيني و المعارض المخضرم ألفا كوندي منتقدا للأوضاع غير الديمقراطية في غينيا ؛ وناقدا للسلوك الدكتاتوري في كوناكري حتى نجح أخيرا مع المعارضة الغينية في وضع البلاد على مسار ديمقراطي جديد في 2010ف وهو وضع مرشح له بالدوام .


في كوناكري لم تكن المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان هي حجة العسكر وراء إنقلاب الكابتن موسى كمارا في 2008ف . لم تكن حماية أرواح المدنيين أو التنمية الإقتصادية ؛ فقد كانت تلك القيم نفسها على موعد مع تهديد مباشر وخطر حقيقي على يد الإنقلابيين . وقد غرقت غينيا في وادي من الفوضى مثلتها المذابح والقتل العشوائي ؛ ولم يسلم الكابتن كمارا نفسه من إعتداء كاد يؤدي بحياته ؛ وتعرضت أوضاع حقوق الإنسان في البلاد لتهديد خطير؛ وراح العديد من المدنيين ضحية للوضع الدستوري المنهار . المغامرة والطيش هي وحدها دافع ركوب الدبابة نحو قصر الرئاسة .

في باماكو مارس عام 2012ف كان أهداف العسكر الصغار من الإطاحة بالنظام الديمقراطي كما جاء على لسان امادو سانوغو قائد المجموعة الانقلابية هو وقف تقدم "تحالف ذئاب الصحراء " . الجيش الوطني المالي الذي يقدر تعداده بنحو 8 ألف جندي ؛ و5 ألف قوة إحتياط كان قد تراجع إثر هجمات التحالف المزود بأسلحة ليبية حديثة خرجت عطية مجانية من معبود ليبيا الكلونيل الراحل . وسقطت إثر ذلك مدن وقرى في مقاطعتي كيدال وقاو بالشمال وأصبحت تمبكتوا العاصمة التاريخية مهددة .

وقف تقدم المتمردين يحدث حين يقوم الجيش الوطني بواجبه وفق الدستور في حماية التراب الوطني ؛ ومساندة مؤسسات الدولة للسلطة السياسية الديمقراطية المنتخبة ؛ والسلطة الديمقراطية تدرك أن أولى واجباتها في مثل هذه الظروف هي حماية الإنسان وصون وحدة البلاد . قلب نظام الحكم وإلغاء العمل بالدستور لا يوقف تهديدات التمرد في النظم الديمقراطية.
كان الرئيس ممادو توري الذي أُتهم بعجز في مواجهة الأوضاع الجديدة ؛ وضعف في مواجهة تقدم التمرد الصحراوي سوف يغادر قصر الرئاسة نهائيا بعد إنتهاء ولايته الثانية في أفريل 2012 ف الحالي ؛ وسوف لن يعيد ترشيح نفسه مرة أخرى بنص الدستور.

سقطت كيدال التي يسكنها قبائل الكنين ؛ وغاو التي تسكنها قبائل غاو و سونغاي على يد تحالف صحراوي مسلح لم يكن مستعدا في إتباع أساليب حديثة للتفاوض أو إتخاذ وسائل ديمقراطية وفق الدستور القيم بالبلاد لايجاد حل لإدعاءات التهميش والمظالم السياسية .
"ذئاب الصحراء" هو الإسم الذي أطلقه المالييون على تحالف مليشيات الطوارق ومرتزقة الصحاري عابري الحدود ؛ وتنظيم القاعدة الإرهابي في شمال مالي ؛. فالطوارق يقودون حركة مطالبة بإستقلال إقليم أسموه الأزواد في شمال البلاد حيث يتيح لهم إقامة وطن به . أما ما يسمى "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي" يسعى لتأسيس إمارة إسلامية لها في إفريقيا للممارسة نشاطه الإرهابي .

فوضة "تحالف ذئاب الصحراء " لا يمكن أن يفهم من زاوية غياب حقوق للأقليات العربية في البلدان ذات الغالبية الزنجية بالقارة السوداء ؛ بل هو تعبير عن فوضى عربية غير منضبطة في البلدان الإفريقية حول خط 20 ش وسط القارة إفريقيا . نشطت بعد سقوط نظام الكلونيل الليبي معمر القذافي في ليبيا ؛ مدفوعة بأفكار "الفتوحات الإسلامية " وإعادة إنتاج أفكار الغزو والإستعمار في بلدان الأمم الزنجية تلك المحشوة في ذاكرة القرون الوسطى لبعض العرب المستوطنون في إفريقيا وهي أفكار مدعومة بشكل معتدل من دولة قطر والخرطوم ؛ وليبيا الجديدة .

وفي السياق ذاتها . ليبيا والسودان تشهدان تطهيرا عرقيا وحملات إبادة منظمة للأمم الزنجية . وموريتانيا تشهد تجدد أعمال العبودية والإتجار بالبشر . ومصر وتونس والجزائر والمغرب تواصل ممارسة سياسية الإضطهاد والتمييز بحق الأقليات السوداء رغم قيام ثورة عربية في تونس ؛ الصومال بكل بطئ يستمر ينهي نفسه بنفسه بفعل الأفكار القديمة المثبت في ذاكرة الشعب المسكين . تشاد والنيجر ومالي تسري أفكار الإمارات الإسلامية بمفاهيم القرون الظلماء لدى الجماعات الرعوية ومعها تنشط الأعمال الإرهابية المعيقة للحركة الديمقراطية .

الإكواس و التي تضم في عضويتها اليوم أكثر من رئيس منتخب ديمقراطيا في إفريقيا الغربية ؛ حين تنادي بضرورة إعادة إرساء النظام الدستوري في جمهورية مالي ؛ تعي جيدا حقيقة أن الديمقراطية وإحترام دستور البلاد هي التي تصون البلاد وسكانه لا الإنقلابات العسكرية . وتضع حدا للمليشيات الدينية ذات النزعة العروبية في إفريقيا الشمالية ؛ الإكواس تعي جيدا مخاطر هذه الجماعات العربية الإرهابية المهددة للإستقرار في أطراف دول المجموعة شمال الصحراء ا.

الجماعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا المعروفة إختصارا بإسم الإكواس ؛وهي في الاساس هيئة حكومية تدعم جهود الديمقراطية والتعاون الاقليمي بإفريقيا ؛ وتضم في عضويتها 15 دولة في غرب القارة ؛ وتشرف على نحو 210مليون نسمة ويمثل هذا العدد نحو ربع سكان القارة الإفريقية ؛ وجميعهم من الأمم الزنجية التي إخطتت لنفسها مسارا مستقلا جديدا للتغير والتنمية طريقا نحو المستقبل ؛ تعد أقوى المنظمات الداعمة للديمقراطية والإستقرار في إفريقيا والعالم .

والدول الإفريقية في عضوية الإكواس هي : مالي ؛ بوركينا فاسو ؛ الرأس الأخضر ؛كوت ديفوار؛ جمهورية غامبيا ؛ . غانا ؛ غينيا كوناكري ؛ غينيا بيساو ؛ ليبيريا ؛ النيجر ؛ نيجيريا ؛ السنغال - ؛ سيراليون توغو ؛ وبنين .كوت ديفوارتتولى رئاسة المجموعة في الوقت الحالي (تابع تعريف الإكواس)

وبين دكار في يوم الإثنين ؛ وأبيدجان يوم الخميس الماضي كانت مساعي الإكواس جادة في حسم مسألة الإنقلاب على سلطة شرعية منتخبة في باماكو؛ وقد دعى الرئيس الافواري وتارة إلى إجتماع "قادة القوات العليا لدول (الاكواس)" في أبيدجان وذلك من أجل حسم الأمر في مالي بالقوة ؛ لكن ذلك لا يكون قبل إكمال خطوة أولى مهمة وهو عودة السلطة من يد العسكر إلى المدنيين بأسرع ما يمكن ؛ وهكذا سارعت الإكواس في فرض حصار على إنقلابي باماكو .

وبموجب إتفاق إطاري وقع بين ضباط الإنقلاب في بامكوا ومجموعة الإكواس الأسبوع الماضي تم في الخميس 14 مارس الحالي تنصيب رئيس الجمعية الوطنية في مالي رئيسا إنتقاليا للبلاد ؛ وهي بداية مرحلة إنتقالية للعودة للمسار الصحيح في باماكو .
وصباح الخميس أدى ديونكوأندا تراوري رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) في بامكوا اليمين الدستورية كرئيس إنتقالي للبلاد .
فيما توعد الرئيس الإنتقالي تحالف ذئاب الصحراء في الشمال بالحسم ؛ أكد في خطابه الخميس ضرورة عودة البلاد إلى وضعها الدستوري السليم عبر تهيئة الأوضاع لإنتخابات رئاسية قريبة ؛ وهكذا ستتابع جمهورية مالي مسيرتها الديمقراطية .

يذكر أن جمهورية مالي كانت قد أطلقت على نفسها عقب الإستقلال إسم الجمهورية السودانية التي ضمت إلى جانبها دولة السنغال لأسباب حضارية ؛ إلا إنه بعد أشهر قليلة من الإستقلال إنفصلت السنغال عن الجمهورية السودانية لتسمى نفسها باسم جمهورية مالي نسبا لآخر حضارة إفريقية أسستها الأمم الزنجية بالحوض الأعلى لنهر النيجر شملت غالب تراب مالي الحالي ؛ وكانت عاصمتها مدينة تمبكتو الخالدة .

منعم سليمان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.