مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المعوقات التقنية لحد السَّرقة


د.أمل فايز الكردفاني
[email protected]
هاتف : 0909010501
أولاً: مقدمة :
السرقة من الجرائم التي أثارت –منذ فجر التاريخ- جدلاً واسعاً حول مضمونها ؛ فالإنسان العادي يعتقد بأن كل اعتداء على حق مالي هو سرقة ؛ فيقول الشخص واصفاً من قام بنشله بأنه سارق ، وكذا الأمر لمن يعتاد استعارة الأشياء دون ردها ..الخ لذلك فإن مفهوم السرقة كان واسعاً في المجتمعات القديمة كالبابلية والرومانية والفرعونية ، فهي عموماً كل اعتداء على حق مالي للإنسان فتشمل الاعتداء على الملكية والحيازة بل والمنفعة ، كما تشمل الاحتيال وخيانة الأمانة ..الخ. ولذا أشار القانون الروماني إلى أن مُدرك تحريم السرقة هو القانون الطبيعي ؛ ثم تطور مفهوم السرقة سواء لدى فقهاء الشرائع السماوية أو القانون الوضعي ، ليتخذ هذا السلوك وصفاً محدداً وتخرج من دائرته سلوكيات أخرى . ورغم ذلك فإن النظام الأنجلو أميريكي يشهد في فلسفته لجريمة السرقة عودة إلى مفهوم أكثر اتساعاً من غيره . وهذا الاتساع والضيق في تعريف السرقة يجد له أنصاراً في فلسفة اللغة ما بين المدرستين ؛ المدرسة التجريبية المنطقية logical empiricism theory ومدرسة اللغة العادية ordinary language theory وهذه المدرسة الأخيرة هي التي أثَّرت على القانون البريطاني في تحديد مفهوم السرقة .
وعليه فإن السرقة إذا نظرنا لها كسلوك ذي مضمون يحدده المجتمع فإنها تتسع . وإن أخذنا بمفهوم "تقني" (قانوني) فإن مفهومها يعتمد على محددات أخرى تحكم السياسة التشريعية ، كما لو كان المشرع يرغب في زيادة الجرعة العقابية على العدوان على منقولات معينة دون أخرى ، أو للتمييز بين الاعتداء على الحقوق المالية على أساس السلوك كالتمييز بين الاحتيال وخيانة الأمانة والإتلاف ...الخ ، دون أن يكون هذا التوسع بناءً على المفهوم الجماعي خطأ ، ولا التضييق بناءً على السياسة التشريعية خطأ ، فلكل منهما ظروفه المختلفة .
ثانياً: نظرة مقتضبة على شروط السرقة الحدية :
قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السرقة ثم انتقل عليه الصلاة والسلام إلى جوار ربه ، دون أن يرد عنه أثر يعرف السرقة ويفصلها تفصيلاً ، وإنما وردت آثار قليلة عن الثمر والكثر والمحترسة .. ، فاختلف الفقهاء اختلافاً كبيراً انطلاقاً من الكليات وانتهاءً بالجزئيات المتولدة عنها .
1- فبالنسبة للأخذ خفية ، استمد بعض الفقهاء هذا الشرط من عرف العرب وفصل الأحناف الأخذ بأنه إما مباشرة أو بالتسبب . فالفقهاء على اختلافهم لم يتعرضوا للأخذ كنشاط مادي يسلكه الجاني ، بقدر ما تعرضوا له من ناحية الإخراج ، وإن كان يستشف من أقوالهم أن الأخذ هو التناول كالمعنى اللغوي .
واختلف الفقهاء في الخفية ؛ أهي ابتداء وانتهاءً أم أنها ابتداءً فقط ؟ إلا أن ذلك لم يصمد أمام بعض الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع البعض يد المستعير الجاحد رغم عدم توفر الخفية .
واختلف الفقهاء حول هتك الحرز أيشترط فيه الدخول أم لا ، كما اختلفوا حول الإخراج والخروج وتمام الجريمة . واختلفوا في مسائل فرعية في الإخراج كثيرة لهم فيها مطولات يقصر السانح عن تفصيلها .
2- الحرز: اختلف الفقهاء في شرطية أن تكون السرقة من حرز ؛ وكان لكلا الفريقين أدلة استدلا بها ، واختلف الآخذون بالحرز في وصفه ، ولم يستدلوا بآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان أغلب استدلالهم بالعرف ، فبعضهم سوى بين الأحراز جميعها وبعضهم ميز بينها ، واختلفوا في فروع كالسرقة من قطار الإبل والخيمة والكعبة والمسجد وغير ذلك ،واختلفوا حول اختلال الحرز بالإذن ؛ وميز المالكية بين الإذن العام والخاص ، واختلفوا في فروع ذلك كالزوجية ومدى تأثيرها على الحرز ..الخ.
3- اختلف الفقهاء أيضاً حول محل السرقة ابتداءً من الكليات وانتهاءً بالجزئيات كتعريف المال وما يتسارع إليه الفساد وسرقة الإنسان والمنفعة والمديونية ، مروراً بإشكاليات النصاب ابتدءاً من مشروعيته هو نفسه ومقداره عند تعدد المساهمين والتقدير بالوزن أو بالقيمة وصولاًَ إلى الملكية والاختلاف حول أخذ الدائن المال المدين وأثر التملك اللاحق على الرفع إلى السلطان ، والمال المتنازع عليه ، والمال الشائع ، والمال العام ، والسرقة من الأقارب ... الخ.
ثالثاً: المعوقات التنقية :
تعددت المذاهب في تحديد طبيعة السرقة وذلك بين ثلاثة مذاهب ، المذهب التأصيلي الذي تبناه النظام اللاتيني ، ومذهب الفعالية الذي تبناه النظام الأنجلو أميركي ، وأخيراً المذهب التفسيري الذي تبناه الفقه الإسلامي ؛ وفي الوقت الذي حاول فيه الفقه البريطاني تجاوز المعوقات التقنية أو النظرية technical obstacles أدى المذهب التفسيري في الفقه الإسلامي إلى تزايد المعوقات التقنية التي تؤثر على حدِّ السرقة بشكل عام ، ومن ضمن تلك المعوقات :
أولاً : تأثير تأويل الاستثناء :
لعبت السنة المعصومة ؛ كمصدر ثانٍ للتشريع ؛ دورا في تحديد نطاق السرقة بصفة عامة والمحل بصفة خاصة لا سيما شرط الحرز ؛ فأوردت بعض استثناءات على المحل . مثل عدم القطع فيما لم يؤوه المراح أو الجرين . لكن هذه الاستثناءات أحالت الفقه الإسلامي إلى فكرتين لتفسير النص ؛ أولاهما هي فكرة التفسير العلَّي ( أي المبني على علة النص ) . والأخرى هي فكرة التفسير الصُّوَرى .
فإذا وضعنا استثناء الثمر المعلق من القطع قبل أن يؤويه الجرين على مجهر التحليل لوجدنا احتمالين :
الاحتمال الأول : أن يكون الاستثناء مرتبطاً بعلة ما . ويمكن عند معرفة هذه العلة أن نبسطها على كافة ما لم يرد فيه نص متى توفرت فيه .
وبالرغم من أن هذا التفسير ( العلِّي ) يطرح نفسه بقوة ، لكنه أدى إلى اختلاف الفقه حول العلة المستنبطة من الاستثناء ؛ فلقد رأينا كيف أوَّل المالكية والشافعية حديث الجرين بعلة كون الثمر ليس محرزاً ، في حين كانت العلة لدى الأحناف هي تسارع الفساد مما لم يجف من ثمر وأصبغوها على سائر الأطعمة .
ولكن حين لا يمكن التحقق من العلة (كوصف ظاهر منضبط ) ؛ لا يمكن التحقق أيضا عند محاولة بسطها على صور لم يرد بشأنها نص .. ومن ثم ، لا يمكن أن نعتبر هذه العلة محدداً لمتطلبات السرقة بصفة عامة ، ولا لحدود المحل بصفة خاصة . وهذا ما يحيلنا مباشرة إلى الاحتمال الثاني :
الاحتمال الثاني : ألا يكون الاستثناء مرتبطا بعلة بل بصورته هو ذاته ، فلا يقطع من سرق ثمراً لم يؤوه الجرين بغض النظر عن العلة من هذا الاستثناء .
وهذا الاحتمال لا يفيد في تحديد نطاق السرقة . لأن الاستثناء الصُّوَري ، يقتصر على إقصائه هو فقط . ومن ثم قد يتسع نطاق محل السرقة فيشمل ما عدا هذا الاستثناء .
وهذا الاحتمال الثاني ؛ هو ما وجدناه بصيغة ما أسماه الفقه الإسلامي بالسارق الشرعي تمييزاً عن السارق اللغوي فيما يتعلق بجحد العارية عندما قضت السنة بقطع المرأة التي كانت تستعير المتاع وتجحده ؛ فيقطع جاحد العارية وفق الرأي المرجوح لأنه سارق شرعاً لا لغة . أي بالرغم من عدم توافر شرط (الحرز) ؛ أخذاً بفكرة الإستثناء الصُّوَري .
وبناءاً على ما سبق ؛ فإن مفهوم السرقة الحدية قد يتسع وقد يضيق تأثراً بالاحتمالين السابقين.
274- ثانياً : تأثير تعريف السرقة :
توصلنا عند الدراسة التاريخية لتعريف السرقة ؛ إلى أن تحديد مضمون السرقة ، تبنيه الثقافات المختلفة حسب التجارب البشرية . فكانت السرقة تشمل كل اعتداء على حق مالي . ثم أخذ النطاق يضيق ويتسع بتدخلات تشريعية . فنجد أن نطاق السرقة ضاق عندما ابتعد النظام اللاتيني عن المفهوم الجماعي للسرقة . واتسع القانون البريطاني عندما حاول الاقتراب من هذا المفهوم متحللا من العوائق التقنية . وبالتالي فإن مدلول السرقة يتأثر بهذا العامل ضيقا واتساعاً . ولا يمكن أيضا إغفال تأثر مفهوم السرقة الحدية بمثل هذا العامل ، ولكن من وجهة أخرى .
فنجد أن تعريف الفقهاء للسرقة استمد أساساً من اللغة . فتفسير كلمة السارق والسارقة في القرآن الكريم استمدت من المفهوم اللغوي السائد الذي كونته الثقافة العربية في زمان ومكان محددين . ويلاحظ أن هذا الأمر قد أدى إلى ثلاث نتائج حتمية :
النتيجة الأولى : أن تفسير القرآن ارتبط بمفاهيم أو ثقافة المجتمع العربي في زمان ومكان معينين دون إمكانية الخروج عن هذا النطاق .
النتيجة الثانية : وهي أن نطاق محل السرقة سيظل مرتبطا بثقافة سادت في زمان ومكان محددين .
النتيجة الثالثة : أن هذا الاحتباس لحدود النص داخل النطاق السابق أدى إلى عدم القدرة على معالجة الفروض الحادثة نتيجة تغير المكان والزمان وتطور المنتج الثقافي البشري.
ولهذا ليس من السهل معرفة حدود المحل عندما نتعرض لأنواع حديثة من الأشياء ؛ كالكهرباء والحقوق الذهنية ، والنقود الاليكترونية ، والجينات البشرية .
275- ثالثاً: تأثير اختلاف الفقه:
لا شك أن اختلاف الفقه الوضعي حول مسألة ما ؛ لا يثير ذات الإشكاليات الناتجة عن اختلاف الفقه الإسلامي ، فالاختلاف في الأول ؛ لا يتعلق - من ناحية أولي – بنصوص إلهية مقدسة ؛ كما أن النصوص التشريعية قابلة للتعديل بل والإلغاء بموجب تدخلات تشريعية وفقا للإجراءات الدستورية من ناحية ثانية . إضافة إلى أن النصوص القرآنية هي مصدر التشريع ، في حين أن مصدر التشريع في القانون الوضعي هو الفلسفة التي يتخيرها المشرع ابتداءً قبل أن ينطلق في وظيفته التشريعية باعتباره معبراً عن رأي الشعب .
إضافة إلى ذلك ؛ فإن الجدل حول نص وضعي ، لا يثير حساسية ، كما هو الحال عند محاولة تفسير النصوص القرآنية .
هذه مقدمة هامة وضرورية لحل قضايا متلدة وطارفة انبثقت عن دراسة مفهوم السرقة الحدية.
فلقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السرقة ؛ ثم انتقل عليه الصلاة والسلام إلى جوار ربه دون أن يرد عنه أثر يعرف السرقة ويفصلها تفصيلا فاختلف الفقهاء اختلافا كبيراً كما أسلفنا ، وقد أدى هذا الاختلاف إلى عدم وضوح حدود عنصر الفرض في القاعدة الشرعية (فرض الحكم التكليفي ) ، ليتسع الغموض بعدم وجود رأي يحمل الحقيقة المطلقة ، إضافة إلى أن إعمال الدرء للشبهة يؤدي – بلا شك ، وفي ظل كل هذه الاختلافات- إلى جمود الحكم . كما لا يستطيع ولي الأمر – وهو بصدد اختيار تعريف ما أو رأي ما – أن يجزم بأن أيا من هذه التعريفات أو الآراء المختارة ، متوافقة مع المراد من النص القرآني المجرِّم للسرقة . خاصة أن عقوبة السرقة وهي القطع ، جاءت " نكالا من الله " ؛ أي أن العقوبة مقدرة بتحديد إلهي ؛ مما يستوجب أن يقابل هذا التقدير الإلهي تفسير منضبط يقابل هذه العقوبة المقصودة قصدا من الشارع عز وجل ، وإلا فإن أي تطبيق لا يحمل حقيقة مطلقة لعنصر الفرض سيقابله عقوبة غير مستحقة شرعاً ، أو على الأقل لن نكون متأكدين وجازمين بأن القطع جاء مكافئا للجريمة المقرر عليها .
إن حساسية الحديث عن أثر هذه الاختلافات أدى إلى منع الفقه من سبر أغوار هذه المسألة ؛ ويمكن أن نجمل القول بأن معالجة الفقه لها لن تخرج عن كون الاختلاف رحمة .
لكننا نرى ، أن تشعب الاختلاف حول كليات وجزئيات السرقة ؛ أدى بلا شك إلى وجود عقوبة " موقوفة" ، اللهم إلا إذا طبقت بتخير مفاهيم ما واعتبارها – افتراضاً - حاملة لأوجه الجزم والإطلاق في حقيقتها .
إن المثال البسيط الذي يوضح الأمر ، هو تقديم متهم للقضاء بجريمة " س " مثلا ؛ لتوقيع أي عقوبة كالجلد أو الحبس ... الخ ، دون أن يكون القاضي قادرا على معرفة كنه هذه الجريمة المسماة – دون تحديد – " س " ، فإن هذا الفراغ الموضوعي يحول – بلا شك – دون إمكانية توقيع العقاب على هذا المتهم . وهذا ما يحدث عند الحديث عن تطبيق عقوبة القطع " نكالا مقصودا " على جريمة السرقة التي لا نعرف لها مضمونا ثابتا أو واضح المعالم .
فما السبب في إيراد عقوبة على جريمة دون توضيح المضمون توضيحا دقيقا ؟
كان هذا التساؤل هو النتيجة التي طرحها البحث بتلقائية في خواتيمه ، وكانت الإجابة على هذا التساؤل – مبهمة إلى أن وقع في يدنا مؤلف نحسب أنه أجمل في طياته بعضاً من الإجابة وهو مؤلف تشارلس تشوت و مارجوري بل، والمعنون ب" الجريمة والمحاكم والاختبار القضائي" .
حيث تناول المؤلف في جزئيات تاريخية منه تاريخ الجريمة والعقاب في كل من بريطانيا والولايات المتحدة .
لقد أورد المؤلف قسوة العقوبات التي سادت حتى القرن التاسع عشر وقال : " ثم أصبح الشنق علنا بعد ذلك هو العقوبة العادية للجنايات بما فيها سرقة الممتلكات التي يزيد ثمنها على شلن واحد ، وتحوي السجلات أن غلمانا لا يتجاوزون التاسعة من عمرهم كانوا يعدمون تزكية للقانون ، وليكونوا عبرة لغيرهم تردعهم عن الجريمة " .
وأضاف :
" يسجل التاريخ أنه في أثناء تنفيذ الشنق علنا في انجلترا ، حين كان الإعدام عقوبة النشل ، كان النشالون يمارسون مهنتهم في ظل المشنقة نفسها ، وكانت مراكز الشرطة تزدحم بعد كل عملية شنق بالشاكين من نشل أكياس نقودهم وغيرها من الأشياء الثمينة ".
" وفي سنة 1808 أمكن نقض القانون الذي صدر في عهد الملكة " أليذابيث " والذي كان يقضي باعتبار السرقة من شخص ما جريمة تستحق الإعدام " .
ويلاحظ قسوة العقوبة المقررة للسرقة ، التي لم تقتصر فيها عقوبة الإعدام على مدونة حامورابي ، بل استمرت حتى بداية القرن التاسع عشر كما أوردنا سلفا .
إذاً فالمشكلة الأساسية لم تكن في مضمون جريمة السرقة ، بل في الجرعة العقابية المقررة لها . التي وصلت – في ظل غياب حدود لها – إلى درجة من القسوة .
وكان من الممكن أن يقع المسلمون ؛ في ظل غياب نص على العقوبة ؛ في ذات ما وقع فيه الغرب من ارتباك في تحديد الجرعة العقابية حتى تصل العقوبة إلى الإعدام . إلا أن النص القرآني ؛ حال دون حدوث ذلك ؛ وكأنما القطع هو معيار أقصى للعقوبة ؛ بل ولا يمكن الوصول إليه إلا في حالة واحدة هي المعرفة القاطعة بالمتطلبات الموضوعية لقيام الجريمة ومن ضمنها محل السرقة ، وهذا ما لم يتأتَّ إلى الآن . لتظل العقوبة أقل من القطع دائما .
وربما جاءت المعالجة القرآنية لإشكالية الجرعة العقابية ؛ على النحو الذي جاءت به ، نسبة لأن الدراسات العلمية الخاصة بتناسب الجرعة العقابية مع الجريمة لم تكن سائدة في تلك البيئة العربية القديمة لأمة أمية . بل وحتى عصرنا الحالي – ومن خلال جريمة السرقة نفسها – نجد تباينا في الجرعات العقابية لذات الجريمة من دولة لأخرى .
وهكذا يمكن القول بأننا قد وصلنا إلى تعليل " نسبي " لاختلاف الفقهاء الكبير حول محل السرقة ، ونسبية هذا التعليل تكمن في عدم قدرتنا على الجزم به ؛ وإن كنا نأمل بأن يكون بداية لأبحاث جديدة ؛ تنظر إلى الأمر انطلاقا من هذه الزاوية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.