حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سُودانِياتٌ قبلَ قرار ٍبقابل ِالأوْطاَن:حريات شعبنا المنهوبة
نشر في سودانيزاونلاين يوم 04 - 05 - 2011


سُودانِياتٌ قبلَ قرار ٍبقابل ِالأوْطاَن
"النصر للثوار"
من أناشيد الموسيقار محمد الأمين
محجوب التجاني
السبت 23 أبريل 2011
حريات شعبنا المنهوبة
نأتي في مجال التنظيم الإجتماعي والثقافة علي مواد معيبة من الدستور الذي به نهب الإنقلابيون الإسلاميون حريات شعبنا ونثروا السم في أجواء وحدته وعناصر وطنيته الكبري – السودان الوطن الواحد. نقرأ وثيقتي النقاش مشروع دستور التجمع الوطني الديمقراطي [دستور التجمع]، ودستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2005م [دستور السلطة]. نلاحظ الصياغة المترددة حيال استقامة المعني بما استزرعت نصوص السلطة من غرس ٍفاسد؛ فما حصد به شعبنا غير توطيد دست الحكم وأركان الفساد السياسي والمالي لطغمتها الحاكمة. يشهد التاريخ عليها منذ جاءت.
ما لهذا الدستور الإنتقالي المنقوص مكان غير إلغاء غير منقوض. لماذا؟ لأنه وثيقة نهبت أعز أسس الوطنية السودانية، واستبدلتها بالمكر السئ، إجرام السلطة في حق الرعية. "ولا يَحِيقِ المَكرُ السّئ إلاّ بأهلِه."
قطع الفصل الثاني في دستور التجمع بحاكمية "وثيقة الحقوق" في الفصل الثالث (الحقوق والحريات الأساسية). المادة (48)-1 "تعتبر الإعلانات والعهود والإتفاقيات الدولية المعنية جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور...". وفي المادة (49) تنص مرجعية التفسير علي أن "تفسر الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور وفق ما تعنيه في الإعلانات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي حالة التعارض تسود أحكام هذه الإعلانات والإتفاقيات والعهود والمواثيق بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض."
تحلل دستور السلطة من هذه المرجعية الحاكمية والتفسيرية القويمة بإخضاع وثيقة الحقوق "لما صّدقت به حكومة السودان منها". وأي حكومة! ومع هذا النقص، دبّج في المادة (3) "حاكمية الدستور القومي الإنتقالي" علي ما به من تضييق في مساحات الحقوق والحريات الدستورية الدولية الرحيبة. ثم بهذا الفارق الخطير، توغل دستور السلطة في تبديد الحقوق والحريات البارزة في وثيقة الحقوق. لقيت منه مبادئ الحريات الثقافية والسياسية والنقابية عنتا ظاهرا أفرغ وثيقة الحريات من أهم ضماناتها الدستورية.
الدستور وثيقة متكاملة
نقرأ هنا بعض ما نص عليه دستور التجمع من أحكام بشأن تلك الحريات لما لها من علاقةٍ شاملة بالمجتمع المدني، نقاباته وأحزابه ومنظماته المستقلة الأخري. علينا أن نقرأ المواد في كليتها، مجموعة متناسقة متكاملة. فالصياغة الدستورية السليمة تستصدر جسدا عضوي المواد، تحمي بعضها بعضا، تقوم معا، وتسقط معا.
مثالا، تنص المادة (60) علي حق العمل: "العمل حق وواجب وشرف لجميع المواطنين، وعلي الدولة أن تسعي لتوفيره في ظل تكافؤ الفرص ومراعاة الظروف الإقتصادية للبلاد". يرادف حق العمل حق التنظيم وحريته. المادة (65) تقرأ: "(1) للمواطنين حق وحرية التنظيم وفقا للتدابير القانونية السليمة ويشمل ذلك: أ) حق تكوين الأحزاب السياسية علي ألا يقوم أي منها علي أساس ديني أو عرقي. ب) حق تكوين النقابات والإتحادات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني". وفي المادة (66) من دستور التجمع: "الإضراب حق لتنظيمات العاملين، ينظمه القانون وفق أحكام المواثيق الدولية وقرارات منظمة العمل الدولية."
يرادف حق العمل وحرية التنظيم حقوق وحريات لا تنفصم عنها: الحق في حرية التعبير والنشر والإعلام والإستعلام وتدفق المعلومات "علي أنه لا يجوز لأي شخص أن يدعو أو يروج لقلب نظام الحكم الديمقراطي التعددي بالعنف" (المادة 63). يدعم هذه الحقوق، "حرية الفكر والبحث العلمي والإبداع" و"حرية الدين والمعتقد والوجدان وفقا للتدابير القانونية السليمة" (المادة 64).
وعلي الدولة إلزامٌ واضح في دستور التجمع في المادة (30) لأن "تعني الدولة بمؤسسات المجتمع المدني وتدعمها وتشجع إنتشارها في البلاد، لتضطلع بدورها في التنمية الشاملة وتعزيز النظام الديمقراطي التعددي، وينظم القانون عمل هذه المؤسسات".
وضع دستور التجمع مواد الثقافة في المواد 15، 30، 31، 58، وغيرهم. في المادة (15): "1) تلتزم الدولة في كافة سياساتها ميزة التعدد العرقي والديني والثقافي لشعب السودان. 2) تعمل الدولة علي تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ مبادئ التعايش السلمي والتسامح والتعاضد ونبذ التمييز العنصري، وتجريم أي دعاية او دعوة للحرب أو الفتنة الدينية، وتصدر التشريعات اللازمة لذلك". وفي المادة (3): "2) لأغراض تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، تشجع الدولة الافراد والمؤسسات علي الإنخراط في النشاط القائم علي الإعتماد علي الذات والإسهام في النشاطات الإجتماعية".
"تؤسس الدولة سياستها الإعلامية والثقافية علي التنوع الثقافي لشعب السودان بما يثري ويطور تلك الثقافات" (المادة 31). "للجماعات والكيانات العرقية والدينية والثقافية الحق في التمتع بثقافتهم الخاصة وإقامة شعائرهم واستخدام لغاتهم، وتوفر لهم الدولة الحماية اللازمة. ويحق للجماعات والكيانات الدينية والثقافية إقامة مؤسساتهم الثقافية التعليمية وإدارتها وفقا لأحكام القانون" (المادة 58).
أزال دستور السلطة نصوصا كاملة من مشروع دستور التجمع (فلم يأت علي واجبات "إعادة الثقة" للخلاص من أجواء الحرب والعداوة التي أشاعها الإسلاميون في كل خلية من خلايا الوطن)؛ وكبسل فقراتٍ دقيقة في موادٍ مطاطة (مثالا المادة 40 في حرية التجمع والتنظيم)؛ وأبقي علي أحزاب تسييس الدين لنشر النفاق والفساد في قيم المجتمع الروحية، بدلاً من تحريم العبث بالدين في السياسة كما أفلح في النص عليه دستور التجمع.
تسلط دستور السلطة علي الثقافة وحرياتها والنقابات وإستقلاليتها بإخضاعها "للقانون" بلا صفة تحدده، بدلا عن نص التجمع المشترط "للتدابير القانونية السليمة" – أي التي لا تتعارض مع "وثيقة الحقوق"؛ فإن تعارضت معها تقع تحت طائلة البطلان بحكم المادة (48): "أي تشريع أو أمر أو فعل يشكل إنتهاكا لهذه الحريات والحقوق أو إنتقاصا منها يعتبر مخالفا للدستور وفاقدا الأثر والمفعول".
الدولة الوطنية الديمقراطية
في ظل دستور شعبي وضاح الملامح وسيم القسمات، بمثلما أفلح التجمع الوطني الديمقراطي في إخراجه، يصبح لمواد الدستور الخاصة بالمساواة وتحريم التمييز بين المواطنين علي أساس التنمية الإجتماعية والإقتصادية أو الدين أو الجنس أو العرق أوما إليه، وحقوق التعليم، والأسرة، والأمومة والطفولة، وكافة الحقوق والحريات المدنية، ما يستدعيه كل ذلك التواصل الحي لإقامة دولة سودانية وطنية ديمقراطية ناضجة - تتكامل منظومة ًرائعة ًمن المبادئ الحياتية للأمة. بالتالي، يتهيأ المجال تماما لإنهاء الصراع المسلح وثقافة العنف وسياسات العداوة التي عمقها الإنقلابيون الإسلاميون في بلادنا الطيبة بحكمهم الجاهل بحقائق الثقافة السودانية، وخلوهم من مشاعر الوطنية السودانية وآمالها المتألقة.
تأسيس الدولة الوطنية الديمقراطية وبنائها الدستوري شغل قوي التجمع منذ قيامها إلي اللحظة. عبّرت المادة (30) أبلغ تعبير عن هذا الطموح المشروع بالنص الإتي: "1) تلتزم الدولة بالعمل علي إعادة بناء الثقة بين السودانيين بإعادة صياغة الدولة ونظام الحكم فيها علي أساس ديمقراطي يقوم علي المواطنة ذات الحقوق المتساوية، وفق ما أكده هذا الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعلي أساس من العدل والمساواة في إقتسام السلطة والثروة بين كافة أقاليمه، والفصل بين الدين والسياسة، وعدم السماح بإستغلاله فيها. 2) تكفل الدولة حق المصير لجنوب السودان بحدوده الإدارية التي كانت قائمة في الأول من يناير 1956م، وتلتزم الدولة في ذلك بالعمل علي دعم خيار وحدة السودان القائمة علي العدل والرضا الحر لكل مواطن، وإعطاء هذا الخيار الافضلية والأولوية القصوي".
المؤتمر القومي الدستوري
يربط دستور التجمع ربطا بليغا محكما في دستوره المقترح بين مشروع الحكم الإنتقالي وإجراءات تطبيقها بعد إجازتها قوميا بإستفتاء شامل، وفقا لميثاق التجمع الوطني الديمقراطي الذي عكفت عليه "بالسهر والحمي" كل القوي الوطنية السودانية، عدا الإنقلابيين الإسلاميين. تقول المادة (31): "تلتزم الدولة بعقد المؤتمر القومي الدستوري الوارد ذكره في الميثاق خلال السنة الأخيرة للفترة الإنتقالية، وذلك لإستكمال الوفاق الوطني حول كل القضايا التي لم يحسمها مؤتمر القضايا المصيرية في أسمرا في يونيو 1995م، ومقررات التجمع الوطني اللاحقة".
تمضي المادة (32) في النص علي تكليف "لجنة فنية لإعداد مشروع الدستور الدائم علي ضوء هذا الدستور الإنتقالي ومقررات مؤتمر القضايا المصيرية ومقررات التجمع الوطني الديمقراطي ذات الصلة"؛ وتقر المادة (33) "موجهات إعداد مشروع الدستور الدائم وقانون الإنتخابات العامة".
يعلم السودانيون – كما العالم – كيف بددت سلطة الإسلاميين آمال شعبنا في تأسيس الدولة الوطنية الديمقراطية بإستدامة حكمهم الفاشل المريض عن طريق الخداع والغش ونهب الإنتخاب، وما جهدوا في صُنعه من فصل للجنوب، وإنفراد بالشمال بالعنف والنفاق. يستحق هؤلاء القوم ما استخرجوا لأنفسهم من دستور سلطوي معيب الصياغة منقوض المعاني. ولا يستحق مثله من شعبنا إلا الإلغاء.
دارفور جوهرة المؤتمر
تتجلي ضرورة عقد المؤتمر القومي الدستوري في ضوء تأزم الصراع بين الشعب السوداني وسلطة الإنقلابيين الإسلاميين، وتبلوره في فشل الحكومة ووسطائها الإقليميين و"الدوليين" في حل قضية دارفور فشلا دائما مستديما.
كتبنا في كلمة التحرير في العدد 21 من دورية حقوق الإنسان السوداني (مايو 2006) عن المؤتمر الدستوري أن هناك مشكلتان تتكشفان من خلال أزمة دارفور: 1) عدم تعاون الحكومة مع المجتمع الدولي، تحديدا الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة: و2) إهمال المجتمع الدولي نفسه لقدرات الشعب السوداني علي حل الأزمة عبر مؤتمر قومي دستوري يجمع المعارضة والحكومة معا علي حد سواء.
من ناحية، شهد العديد من المراقبين الأداء السيئ لحكومة الوحدة الوطنية التي جاءت في الأصل نتيجة مباشرة لإتفاقيات السلام التي خطط لها وأنفذها المجتمع الدولي، وهي الإتفاقيات التي أخفقت مسيرتها منذ الوهلة الأولي في تحقيق التنوع السياسي للبلاد، والحاجة، من ثم، لتحقيق تقاليد المشاركة الوطنية الشعبية وأنماطها المدروسة دونما تمييز أو تحيز لأي كيان سياسي أو مهني معين.
خطط السلام في السودان، المصادق عليها دوليا، تركز بإستمرار علي احتياجات الضحايا للإغاثة الإنسانية مع غض النظر عن المرمي الحيوي لهموم الضحايا، المتمثل في إنجاز تسوية سياسية دائمة للإقليم والأمة. إن علي المجتمع الدولي أن يعيد النظر في المنهج اللاوطني الذي تبنته مجموعاته المنظمة والمشرفة؛ ولم يحز بعد (علي حساب الحلول الوطنية العملية الممكنة) علي أي قدر ٍمن النجاح لوضع النهاية المنطقية للأزمة، وهي تحقيق العدالة السياسية والمالية والإقتصادية والثقافية الكاملة لأهل دارفور المتألمة.
في مخاطبته مجلس السلم والأمن الإفريقي، أقر رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي بأن "قدرا ملموسا من التقدم تم إحرازه في تسوية الصراعات في بعض مناطق القارة" بما في ذلك جنوب السودان. "مع ذلك، يتبقي الكثير الذي ينبغي عمله لتحقيق أهداف الإتحاد الإفريقي بشكل كامل".
عن صواب، أكد الرئيس "العنف المتواصل ضد المدنيين، في إزدراء كامل لأبسط قواعد الإنسانية وحقوق الإنسان. واقع إنه لم تحدث عودة ملموسة للنازحين واللاجئين. الهجمات المستمرة ضد عاملي الإغاثة. الوضع المقلق علي الحدود التشادية-السودانية. عجز الأطراف السودانية عن التوصل لإتفاق سلام..." وللأسف، تجاهل الرئيس، شأنه في ذلك شأن العديدين من النقاد والمهتمين الغربيين، المعارضة السودانية ودورها في تسوية المشكلة.
حالة الإتحاد الإفريقي
شكا رئيس المفوضية أثناءها من القدرة المحدودة للإتحاد الإفريقي في تدبير التكاليف المتصاعدة للسلام في المنطقة. الجانب الأكبر من شكواه لامس بشدة، مع ذلك، إخفاقات المجتمع الدولي وقبل كل شئ أطراف الصراع السودانية، وبصفة خاصة الحكومة، وجماعات التمرد.
في كلمات كوناري: "إنجازات الإتحاد الإفريقي، عبر فريق مراقبته، لا يمكن تجاهلها، لا سيما وأن المهمة منذ إنطلاقها جاءت في ظل ظروف صعبة: من جانب، لم تكن الأطراف السودانية متعاونة بشكل كامل مع فريق المراقبة، وعجزت عن الوفاء بالإلتزامات التي تعهدت بها في أنجمينا وبروتوكولات أبوجا. ومن جانب آخر، نجد حالة الإنقسام والتشظي المتزايدة بين حركات التمرد واستمرار التوتر والنزاعات القبلية التي تواجه المهمة علي الأرض."
في مناقشاته اللاحقة، نصح الرئيس كوناري مجلس السلم والأمن "بالنظر في العوامل التالية: الحاجة إلي عملية دعم سلام دائمة وفاعلة في دارفور لتيسيير الإلتزام بالإتفاقيات القائمة... خلق ظروف مواتية لإتفاق سلام أولي... ومخاطبة المهام المعقدة لمرحلة إعادة التعمير عقب التوصل لتسوية، بما فيها عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإندماج والإصلاح في قطاع الأمن. سوف يتطلب هذا المزيد من الدمج للنواحي المختلفة للعملية السلمية وتأسيس عملية حفظ سلام، ذات أبعاد متعددة، ما يستلزم دراية وخبرة. وأيضا حشد موارد مالية ولوجستية كبيرة متوقعة، بجانب قدرة إدارية لا تتوفر لدي الإتحاد الإفريقي حاليا."
نؤكد قدرات شعبنا
نقرأ في سياق الحل القاري، وما سبقه من إهمال دولي، تبخيس مزري لقدرات شعبنا في وضع حل نهائي للأزمة. وبالرغم من أن تصريحات كوناري في تلك الفترة لم تستحضر تدخل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي أطلق الغرب يدها هذه الأيام لتدمير الجماهيرية الليبية بقرار فضفاض من مجلس الأمن الدولي يحتج علي ذلك التدمير "بحماية المدنيين"، فقد عززت آراء رئيس مجلس السلم الإفريقي دعوات عديدة من غير السودانيين للتدخل بأساليب مختلفة للتمرين علي امتطاء أدوار دولية علي حصان دارفور – دون إيلاء أي انتباه للكيانات السودانة الرئيسة التي تضم أحزابا معروفة بتاثيرها التاريخي، الأيديولوجي، والسياسي في المنطقة، وبشكل خاص مجموعتي الأمة والإتحادي الديمقراطي المعارضتين لسلطة الإسلاميين.
فشلت أبوجا. ولم تحظ حوارات قطر بفلاح يُذكر. حقيقة الأمر أن الدولة السودانية – الكيان الأكبر في كل هذه القضية – لا كشعبنا ومنظماته الشعبية بقدراتها الهائلة - غير مؤهلة لخوض التفاوض، ناهيك بقيادته. ذلك أن دولة الإنقلابيين الإسلاميين تحكم بدستور إنتقالي معيب: به نهبوا حريات شعبنا ونثروا السم في أجواء وحدته وعناصر وطنيته الكبري – السودان الوطن الواحد. لن تسوي الأزمة في السودان، عامة، أو دارفور، خاصة، بمثل هذا المسخ وما يتمسحه من سلطان عاجز. ما لهذا الدستور الإنتقالي المنقوص مكان غير إلغاء غير منقوض.
متطلبات الحل الوطنية
تتمثل المتطلبات الوطنية في خلق ظروف مواتية لإتفاق سلام مبدئي، ومخاطبة المهام المعقدة لمرحلة إعادة التعمير التالية لإتفاق السلام المأمول، بما فيها عمليات نزع السلاح والتسريح، وإعادة الإندماج، والإصلاح في قطاع الأمن. تتوقف علي إتفاق قومي واسع، مقبول وطنيا، لا نري له حدوثا إلا بعقد المؤتمر القومي الدستوري.
منظمة الأمم المتحدة، الإتحاد الإفريقي، جامعة الدول العربية، والحكومات المهتمة في الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي علي اتساعه، مدعوون بإلحاح لدعوة حكومة السودان لعقد المؤتمر القومي الدستوري مع المعارضة السودانية الوطنية الديمقراطية تحت إشراف الأمم المتحدة والكيانات الإقليمية والدولية الأخري.
إن مؤتمرا مثمرا – لا غير – سيحول دون تصاعد الصراع بالمزيد من العمليات العسكرية في إقليم يسوده بالفعل صراع وعداء وأزمات مسلحة مستحكمة. إن مؤتمرا قوميا دستوريا ناجحا سوف يتمكن من إنجاز المهام الصعبة: الحل السياسي، السلام الدائم، وتجنب المزيد من الضغائن والأحقاد علي مستوي ربما لم تعرفه المنطقة أو العالم من قبل.
قوي السودان الوطنية الديمقراطية وعقلها السياسي الناصح الذي أخرجت به دستورا رائعا للحكم الإنتقالي لمجتمع الديمقراطية والسلام العادل قادرة قطعاً علي عقد المؤتمر القومي الدستوري لإنهاء مهزلة الإنقلابيين الإسلاميين في بلادنا العزيزة.
وغداً يومٌ جديد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.