شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سياحة فكرية
نشر في سودانيزاونلاين يوم 29 - 05 - 2011


سُودانياتٌ قبلَ قرار ٍبقابل ِالأوْطاَن
"طريق الثورة للأحرار"
من أناشيد الموسيقار محمد الأمين
السبت: 28 مايو 2011
متفكرين في مشاريع الإصلاح والتغيير الإجتماعي في إقتصاديات المجتمع وشؤونه السياسية والثقافية، أصدر كُتابٌ مؤلفاتٍ هامة تناولت أوضاع المسلمين الفكرية في الوقت الحاضر من منظور إدراكهم العميق للإسلام العظيم، ورؤاهم الفلسفية والأيديولوجية الموصولة به ما بلغوا، إعتمادا علي إجتهادهم المعرفي بأصوله الشرعية، مذاهب فقهه، وطرق ممارسته.
نعرض في هذا الأسبوع شيئا من عطائهم الرصين؛ نستطلع بعض ما شدّ فكر الغرب لآرائهم، وما ينأي به الرأي في أكثر من جانبٍ بين العالمين: عالم الغرب الديمقراطي، وعالم المسلمين الروحاني. لا نري من جانبنا حُكما مطلقا علي أي منهما: في الغرب روحانية تجفو، وفي الشرق مادية تطفو. نعالج الفرق بنسبيةٍ قد تبدو وسطا، راجين أن يحفطنا الرب من ناكثيه عهدا، وفي مستودع الرأي آيه الحكيم: "إنّمَا يَبلُوكُمُ اللهُ بِه، وَلَيُبّيٍنّنّ لَكُم يَِِِِِوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُم فِيهِ تَخَتلِفُون" [النحل: 92].
مساهمات ملهمة
عام 2001، أصدرت برنتس هول لعالم إجتماع المعرفة Irving M. Zeitlin مؤلفه الموسوم: الأيديولوجية وتطور النظريات الإجتماعية. إستعرض فيه أشهر أفكار الغرب منذ صدور نظرية مونتسكيو في القرن الثامن عشر في مفهوم القوانين. وبلغ حسن الختام بعرض نظريات علم المعرفة بمساهمة المفكر الألماني كارل مانهايم في منتصف القرن العشرين حول الفكر المحافظ، والأيديولوجية، واليتوبيا، ووضع المثقفين ودورهم في تغيير المجتمع.
يشرح مانهايم نظريته بإبتداع المفاهيم، عدة النظرية وسبيلها للبنآء: "الأيديولوجية في مفهومها تشمل تحديد أفكار المعارضين وفق الموقف من ناحية، مع عدم إدراكها بأن فكرها الخاص يتنفذه الموقف الذي تجد نفسها عليه في نفس الآن. هذا ما يُطلّق عليه "الصياغة الخاصة" للمفهوم الكلي للأيديولوجية. أما "الصياغة العامة" فتُطّبق عندما يكون للفرد الشجاعة لوضع كل وجهات النظر في التحليل، بما فيها وجهة نظره، ليس وجهة نظر الخصم فحسب. فإذا وضع الصيغة العامة للمفهوم الكلي في إستقصاءٍ يُجري بغير تقييم – أي بعدم تقييم إنطوآء الأفكار علي الحق أو البطلان - كإن الحاصل علم إجتماع المعرفة" (387).
نلخص ناتجاً مفيداَ لتنظير المفكر مانهايم في كلمتين: "إن مَنْ يدرس سؤالا إجتماعيا أو تاريخيا معينا، ولو كان مقصده من البحث موضوعيا بحتا، عليه أن يعي الحقيقة التي كشف عنها علم إجتماع المعرفة: كل وجهات النظر، بما فيها وجهة نظر الدارس نفسه، متحيزة وآحادية". فأين الموضوعية إذاً؟
يقول مفكر علم إجتماع المعرفة: "آحادية أفكارنا يهُّب أمامها ما يعارضها. فتُستحضر ربما مواقع فكرية متصارعة بالفعل، وتكمل بعضها بعضا". يعلق زايتلن هنا بأن "معرفتنا واستطاعتنا التوصل للحقيقة تدفع بها افتراضا الحقيقة عينها: الفرد يستعمل تشكيلة من وجهات النظر. يدرس من خلالها ظاهرة معينة. فيدفع بها إكتشاف الأسس الإجتماعية وجهات نظر مختلفة" (ما قبله).
يأتي زايتلن علي نقد للإدراك الشائع لفكرة مانهايم في "لا إنتمائية المثقفين لأي طبقة إجتماعية معينة"، مشيرا إلي أن هذا التوصيف قديم نسبيا في أفكار مانهايم. ولكن زايتلن يري في ذلك الفهم "تفسيرا مُخلا لآراء المفكر. فرأي مانهايم في الإنتلجنسيا أنها لا تمثل طبقة إجتماعية [مثل العمال أو المزارعين أو التجارٍ]. لأنه ليست لأفرادها مصالح مشتركة، وليس بإمكانهم أن يكونوا حزبا خاصا بهم، وأخيرا، هم غير قادرين علي إتيان الفعل المتميز بالعمومية والإنسجام. إنهم، في الحقيقة، ضغمائيين، ينتمون لطبقة أو أخري؛ ولكنهم لا يخاطبوا ذاتيتهم أبدا" (388).
معرفة الشرق
الشرق كما نراه مهبط الوحي ومنبع الحكمة وأسرار الروحانية النورانية. ومع تمتع الشرق بفكر الغرب، وما أسهم به من أفكار عقلانية، وتأملات فلسفية، وكشوف علمانية، نجد الغرب محروما لمدي بعيد من التمتع بمساهمات الشرق القديم منها والمعاصر، لضعف الترجمة والتبادل الثقافي، وتعمق علاقات التسلط السياسي والتغول الإستعماري الذي لا تزال آثاره قوية بالتفوق الإقتصادي وتقنية الحرب، مما يضعف من كل محاولات اليونسكو ومنظمات الحقوق والديمقراطية في كل أنحاء العالم لإشاعة أخلاقيات التعامل المتساوي بين الدول والمجتمعات.
لأهل الشرق، والسودانيون في قلب جغرافيتهم السياسية تاريخا وحاضرا وقابلا، مرجعيتهم الخاصة بهم، وإن أفنوا العمر حياة وتعلما في الغرب، والطبع يغلب التطبع. أديان الشرق، وبداواته، وأسره الممتدة، وقيم تكافله العرقي والإثني، وعراقة ثقافاته هي مكونات عقله، ووجدانه الواعي. وهي فطرته ومصدر مجادلاته "وكان الإنسانُ أكثرَ شّئ جَدَلا" [الكهف] في محكم التنزيل. فالفرق بين العالمين في رأينا ليس موضوع تخلفٍ أو تقدم علي الإطلاق. ولكنه واقع اختلافٍ معقدٍ، تكوينا ومعرفة. سواءا بسواء.
لمن عاش في الشرق وأحسن التعرف علي كنه مجتمعاته مرتكزا ومنطلقا، ومن قضي في الغرب زمنا أتاح له تفهم طباعه وأنماط حياته نقاط إتفاق معدودة، دوائر فراق غير محدودة. وطالما تعلق لقآؤنا اليوم يا صاحبي في التعرف علي فهم أساطين المعرفة في الغرب للمفهوم الكلي للأيديولوجية، ودور الإنتلجنسيا في صناعتها وتسخيرها، وعلاقتها بالطبقة الإجتماعية، يظهر لنا علي الفور فرقان أساسيان بين تعامل العالمين الفكري:
ولعُ الغرب بفردية الإنسان، وتمسكه بخصوصيته، في مقابل قوام الشرق بقيمه الإجتماعية وتعلقه بإجماعها العملي. هذه واحدة. والثانية، إنصياع الشرق لروحانياته وهيمنتها الكلية التي يصعب حقا تخطي سلطانها علي وجدان إنسانه؛ ونحن نخاطب هنا إنسانه الحر وجماهيره المستقلة عن تبعية السلطة - ولا نقول أبدا حكوماته أو هيئاتها السلطوية. فهذه جماعات مسخة التفكير مطموسة الأداء؛ - فقاعاتٌ يطالع الدارس في وجودها المتسطح زبداَ، "يًذْهَبُ جُفآءَا".
ديمقراطية سودانية
نأخذ من أفكار مانهايم مدخلا نقارن به مواقف لمفكرين مسلمين في قضايا مجتمعنا الذي تحفل ثقافاته في عهوده الديمقراطية خاصة بمسائل الفكر والأدب الشيقة، في خدمة الإصلاح والتغيير الإجتماعي. عهودٌ شهدت في ظل الإزدهار الثقافي بأجواء الحرية والديمقراطية، علي قصر عمرها المقتول ثلاث مرات بأيدي الجندرمة منذ الإستقلال، إستضافة أول مؤتمر لحقوق الإنسان العربي عام 1986 باكورة حكومة الإنتفاضة الجماهيرية المنتخبة.
فتحت حكومة الصادق المهدي لمؤتمر حقوق العرب السليبة أبواب الخرطوم يغترف نشطاؤه ومفكروه من كرم جماهير شعبنا وحسها الراقي بحقوق السودانيين وسائر الشعوب، بعد أن أوصدت كل الدول العربية أبوابها، وأحكمت إغلاق نوافذها، دون إستضافة مؤتمر الدفاع الحقوقي العليم عن إنسانها العربي المكلوم. فلمَنْ لم يتعلم بعد أن يحترم سبق السودانيين عالم الشرق بالإنتفاضات الجماهيرية والثورات الشعبية في القرون القديمة وعهود الحداثة، أن يعلم كيف أن السودانيين نافسوا الغرب بحكوماتهم الديمقراطية في تعاطف السلطة الرسمية مع حركة المجتمع الطوعية ماقبل إستقلال السودان في يناير 1956.
كان في مقدمة زعامات المؤتمر الحقوقي فتحي رضوان وفاروق أبو عيسي ولفيف من عَمّدة المنظمات العربية المناضلة في سبيل الحريات والحقوق من مختلف البلدان العربية. خف لإستقبالهم في ليالي الخرطوم الحقوقية مجلس أمانة المنظمة السودانية لحقوق الإنسان الوليدة بقيادة محمد عمر بشير وبشير البكري وأمين مكي مدني وبيتر كوت وعزيزة عصمت وصدقي كبلو ونورالدين الطاهر وعمر شمينا وعلي سليمان فضل الله وآخرون بينهم هذا الكاتب. ومن أغلي ما شدّد عليه رضوان مقولته الذهبية: "حقوق الإنسان أوجز ذكرها القرآن الكريم في كلمة واحدة بيّن بها حكمة خلق الله البشر"شُعُوبَا وَقبَائلَ، لِتعَارَفُوا".
نتفق مع المفكر المعرفي كارل مانهايم وزايتلن ونظرائهما في أن جماعة المثقفين – الإنتلجنسيا – ليس لها توصيف طبقي واحد. فمن المثقفين من ينسلخ عن موقعه الإجتماعي المحدد بإنتمائه لقوي المجتمع الإنتاجية، أي موقعه الطبقي. المثقف مثالا وليد طبقة ثرية أو مهنية وسطي، ينضم إلي أيديولوجية طبقةٍ أخري يناضل معها لتغيير حياتها للأفضل، ولو أدي به نضاله لمخاصمة أصله. وما لم تقف عليه معرفة الغرب زمنا، أن إنتلجنسيا الشرق يربط زمامها ما تحلل منه مثقفوا الغرب قرونا طويلة: مرجعيات الشرق الروحانية، وروابطه الأسرية، وقيمه الإجتماعية.
ما لم يفهم الغرب تنفذ هذه القوي في عقلية الشرق وقرارات أفعاله، ويستوعب حقيقة ثقافاته، وطغيانها علي ما عداها من فكر وأداء، لن يتعايش العالمان في سواء. ما من حق الغرب أن يفرض مفاهيمه، أو أنظمته، ناهيك بقناعاته السياسية علي الشرق – تماما مثلما أن الشرق لا يحق له أن يغصب الغرب علي تبني أديانه أو أخلاقياته الروحانية. وفي إعتقاده الراسخ: لن يخرج تعايش متمدن صحيح عن حكمة الخالق عباده "شعُوبَا وقبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"، وإلا أضحي التبادل – كما يعيشه الجميع حاليا - صراعا لا غير للتسيطر، تحكما وتسلطا؛ أوعدوانا صريحا غاشما من الاقوياء علي من يقل عنهم بأسا، مهما تقنع بديمقراطية أوإغاثة منكوب.
محاولة لفهم مسلمي الشرق
عام 2006، جمع م. أ. مقتدر خان، الباحث غير المقيم في معهد بروكينقز المرموق بعاصمة الغرب واشنطن، في مؤلفه Islamic Democratic Discourse عرضا إسلاميا ديمقراطيا – نظرية، حوارا ومنظورات فلسفية، توليفة مثيرة لأبحاثٍ في فكر المسلمين، ومواقفهم من قضايا الحداثة والصراع القائم بين أيديولوجيتها وأشكالها السياسية من ناحية، وروحانيات الشرق ومرجعياته الثقافية من ناحية أخري. نقتطف من الكتاب شيئا من مقدمة محرره خان لما أفلح في تقديمه بإيجاز صافٍ لمحتوياته، مع تعليق خفيف.
ركّز خان همه في "فشل المسلمين في إخراج نموذج ناجع للحكم لتقلب الأنظمة بين الديكتاتورية والديمقراطية نظرا لطبيعة البني السياسية المزعزعة في عالم المسلمين، مقارنا بإستقرار الحكم في بلدان الغرب والهند في العالم الثالث... سعي المسلمين لم ينفد، مع ذلك، لتبني عمليات تحقق الديمقراطية في دولهم. يبرز دور الإسلام في دائرة المسلم العامة علي أنه السؤال الوحيد الذي يستلزم بحق إجابة، ولم يصدر إلي الآن إجماعٌ بين المسلمين عليه…".
"يطالب الجمهور بالمزيد من الحريات والحقوق السياسية والثقافية في إيران؛ وبالتشدد في تطبيق الإسلام في المملكة السعودية؛ والتوسع في أحكام الشرع في تركيا وباكستان. ونلاحظ في نفس الأقطار معارضة كافية للإسلاميين من أنظمة علمانية سلطوية تتمتع بقدر كاف من الدعم لتمنع قيام ثوراتٍ إسلاميةٍ شعبية" (xiii-xii).
لا يجد الباحث مقتدر خان حرجا في وصف أفكار العلمانيين والإسلاميين علي اختلافها بالتطرف، لذا اختار أبحاثا "معتدلة تبغي إيجاد مكان للإسلام والديمقراطية معا". ومن المعتدلين، يكتب خان عن أفكار الشاعر محمد إقبال (1910-1930) الداعية لقيام ديمقراطية إسلامية في شبه القارة الهندية، "فالإسلام عقيدة ترفض كلا من الكهنوت والأرستقراطية. ومع نبذه لنزعات الهيمنة من الإمبراطورية البريطانية، لم يمتنع إقبال عن إبدآء إعجابه بميولها الديمقراطية".
ويشير خان ضمن ذكره دراساتٍ في توافق الديمقراطية والإسلام، إلي مساهمات محمد ناصر في إندونسيا (1955)، وس. م. ظفار في باكستان (1980)، ومهدي بازرجان في إيران (1983)، وحمايون كبير (1968)، وعلي بالاك في تركيا، و مساهمة إلياس أحمد (1944) التي افاضت البحث في "دور العقد الإجتماعي والدولة الإسلامية. واستنبأ فيها كثيرا من الحوار الجاري في الحال، قائلا إن المجتمع المدني مثله مثل الدولة الإسلامية يؤسس علي العقود الإجتماعية... وتوقف مليا في دستور المدينة الشهير ليُظهر طبيعة الإسلام المدنية الديمقراطية" ((xiv.
فهم غربيين للإسلام
تطرقت مقدمة خان إلي معالجة الأبحاث الأكاديمية في أمريكا لمسألة الديمقراطية والإسلام. خص بالذكر كاتبتين: فاطمة مرنيسي، باحثة مسلمة في الفكر الأنثوي، وعزيزة الحبري التي تعمل مع بيت خبرة غربي حكومي. مؤلف مرنيسي بالفرنسة الإسلام والديمقراطية تُرجم إلي الإنجليزية. تقول فيه بأسلوب قصصي"لم يفئ بالمعايير العقلانية في علوم الإسلام، ولم يتبع تمحيص النظرية السياسية، ولا دقة تحليل السوسيولوجيا المنهجي: إن الديمقراطية غائبة عن العالم العربي لأن الإسلام والديمقراطية لا يتفقان". أما الحبري في مقالتها الطويلة "دستورية الإسلام ومفهوم الديمقراطية"، فتخلص إلي أن "الشريعة متفقة مع الحكم الديمقراطي. وهي في بنيتها وصيغتها تشبه تماما الدستور الأمريكي. وكمثل الدستور الأمريكي، يجب أن يُطبق الشرع الإسلامي بالإجماع الشعبي" [xvi].
كتاب غربيون أخر يذكرهم خان. وضعوا الإسلام نصب أعينهم في أعقاب سقوط الإتحاد السوفيتي: مقالة برنارد لويس في سبتمبر (1990) يدّعي فيها أن البعث الإسلامي يمثل التحدي القابل للغرب علي اساس الحرية تمثل أهم فارق بين الإسلام والغرب. أضاف أستاذ هارفارد صمويل هنتنغتن بُعدا مستطالا لمخاوف لويس بمقالاته في "تصادم الحضارات بين الإسلام والديمقراطية" - صيغة أجندة بحثية لإثارة تدخل القوي المعنية.
كلمة حق وتقدير أزجاها المقتدر خان لكاتبين أمريكيين: جون إسبزيتو وجون فل لنشر مؤلفهما Islam and Democracy الذي بيّن في جلاءٍ النظرية الإسلامية، وتتبع التطورات السياسية في عالم المسلمين. الإسلام ليس متفقا فحسب مع الديمقراطية، وجداه؛ ولكن نهوض الإسلام السياسي كان بطريقته الخاصة مثيرا ديمقراطيا، في رأيهما. صناع القرار ظلوا في ريبةٍ من ذلك الرأي. وبقي الإعلام ومعه الحكومة تحت نفوذ مستثمري السياسات. يقولون: طالما اتبّع المسلمون قيم الإسلام، فإن الديمقراطية سوف لا تتجذر في الشرق الأوسط المسلم" (.(xvi بئس ما يقولون!
تعليقنا: "لا تقضوا برأي واحد"
رأينا تعدد الآراء حول الإسلام العظيم بين مفكري الغرب والشرق. مختلفين كانوا أم متفقين. وشأن الفكر الإختلاف. "لا إكْرَاه فِي الدِين"، رددتها معي في فرح وإعجاب زميلة من تايوان في مناقشةٍ مع آخرين في جامعة براون عام 1982 حول حرية الرأي والعقيدة في الشرق.
نحتكم الآن إلي مرجعيات الغرب والشرق معا علي سبيل المقارنة. خلص مانهايم بعلمانيته قبل 50 عاما إلي أن "كل وجهات النظر، بما فيها وجهة نظر الدارس نفسه، متحيزة وآحادية"، وهي من كشوف علم إجتماع المعرفة التي يعتبر المفكر من مؤسسيها المهمين. ثم أغنانا المقتدر خان عن إيجاد الدلائل البحثية الموثقة في تعمق الإختلاف بين كتاب المسلمين وغير المسلمين في شأن تآخي تعاليم الإسلام والقيم الديمقراطية.
فإذا رغب دارسٌ في مقاربة هذه الحقائق البحثية بالنظر في مصادر الإسلام الأزلية، عليه بحديث المصطفي لعلي إبن أبي طالب عن "الأمر ينزل بنا فيه قرآن ولم تمض فيه منك سُنّة؟" فقال: "إجمعوا له العالمين [أو العابدين] من المؤمنين، فاجعلوه شوري بينكم، ولا تقضوا فيه براي واحد." ما أبلغ حكمتك أيها النبي الكريم. وما أبغض سياسات التسلط وممارسات القمع! ما أكبرها جريرة إذ تنفذ بإسم دينك الحنيف. وما أبشع الجهل الذي استعاذ بالرّب منه خير عباده من الأنبيآء والمرسلين، وورثتهم من العلماء والمفكرين.
فانظر صاحبي، ماذا يفعل الإستبداد والظلم والجهل الظلوم بكتابنا السودانيين والصحفيين هذه الأيام؟ وماذا يخطط له جهاز الإستخبارات والأمن الوطني لمحاكمة الكاتب عمر عبدالله القراي علي آرائه وانتقاداته لأداء السلطة أمام محكمة الجنايات!
• أمنعوا محاكمة القراي بالإستخبارات.
• وكُفوا الإضرار بالإسلام وعباد الله.
ستاتي بلادنا لا شك في ذلك سلطة ديمقراطية منتخبة، يفخر الجميع بها، كما سجل التاريخ بالحق لحكومة الإنتفاضة المنتخبة عام 1986؛ أخطأت وأصابت؛ ولكنها لم تكتفِ بكفالة حرية الصحافة والرأي علي أوسع نطاق بحكم القانون في الوطن؛ فمدت يداً طويلةً لكل حُقوقًِي المنطقة العربية، يقيموا دون من ٍأو أذي مؤتمرهم في الحريات وحقوق الإنسان في عاصمة النيلين الفريدة.
وغداَ يومُ جديد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.