الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الانقلاب: عين الحداثيين الحارة (6-10) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 21 - 07 - 2017

قدمت هذا المقال بالإنجليزية لمؤتمر انعقد في أوغندا في 2015 عن الأحزاب القائمة على نازع ديني واستحقاقها السياسي. وأردت منه اجتهاداً حول كيف فرطنا في الديمقراطية البرلمانية حين كدنا نعتقد بتحريم العمل السياسي على مثل هذه الأحزاب مثل حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي عندنا. فحسدتها القوى الحداثية (بما فيها الإخوان المسلمين) على غزارتها الاقتراعية التي سدت عليها الدروب إلى سدة الحكم. فارتكبت هذه القوى لسوء ظنها بالناخب جناية معادة مبدأ الاقتراع لذي لا تكون الديمقراطية إلا به. وقصد المقال إلى الرد على حجة مستهبلة مفادها أننا لم نحسن التعاطي مع ذلك الوافد الوستمنستري لأننا خلو من ثقافة. ومتى قالت صفوة القوى الحديثة بهذه الحجة المحفوظة قصدوا أن النخبة دون سائر السودانيين هي التي تمتعت بهذه الثقافة (لكين قول شنو في البجم ديل؟). نظر المقال في التدافع الطبقي حول البرلمانية وانتهي إلى أنه، لو كنا نعاني من نقص ثقافي في مادة الديمقراطية فعلاً، فهو مما ابتلى الله به الصفوة الحداثية التي سارعت أبداً بخطة الانقلاب برعونة تصرخ بمشروعاتها المكتملة من أعلى بيوت السلطان. وخلافاً لذلك رأينا عافية شعبنا الديمقراطية وحسن فأله بها على المستوى القاعدي: في النقابات والاتحادات والأندية الاجتماعية والرياضية الشعبية. يحرصون عليها ويتوسلون بها في المعاش والمعاد. فالنقص في الديمقراطية متى تبين تبين في ساحة السلطان الحكومي الذي تعاركت فيه القوي التقليدية وأحزابها مع أحزاب القوى الحديثة. وكان لكل من هذه القوى الجديدة يومها في الحكم بعد القضاء المبرم على البرلمان أي مبدأ الاقتراع العام: ودقر يا عين.
نظرنا في الحلقة الأولى إلى صور اشمئزاز القوى الحديثة والهامش الجذري من الأحزاب التقليدية ومن ديمقراطيتها المسماة "طائفية". وتناولنا في الجزء الثاني حيل هذه القوى لتلتف حول حق الاقتراع العام لتكيد للقوى التقليدية وتقتطع حظاً أوفر لها في البرلمان بغير نجاح. وفي هذا الجزء نعرض للتنظير الصفوي البرجوازي الصغير الكامل لعداء الاقتراع العام كما روج له منصور خالد قبل عهده بالحركة الشعبية وبعدها. ونظرت الحلقة الثالثة في نفور منصور خالد من الديمقراطية على مبد الاقتراع العام، الأصل في الديمقراطية الليبرالية، لأنه لا يلد غير ديمقراطية طائفية. وقد أوفى منصور التنظير لهذا الموقف في "حوار مع الصفوة" ثم مارسه كنجم بارز عضواً بتحالف الشعب العامل وحزيه الفرد: الاتحاد الاشتراكي. وسنرى كيف تطابق استنكافه الديمقراطية الليبرالية مع موقف العقيد قرنق في الحركة الشعبية التي صار منصور نجماً بارزاً بين مفكريها والمروجين لها. ووقفنا في الحلقة الماضية على إصرار الحركة على انعقاد المؤتمر الدستوري للأحزاب وغيرها كالموضع الشرعي لحل أزمة البلاد بما يعني استباق الجمعية التأسيسية إلى وظيفتها المنوط بها بعد انتخابات عامة. فكانت خشية الحركة أن تأتي الانتخابات بما لا تشتهي سفنها. وفي الجزء الخامس عرضنا لجوانب من اعتزال الحركة الشعبية للديمقراطية الثالثة بما أضعف حلفاءها في القوى الحديثة والتجمع النقابي في الخرطوم عزلة مغامرة أعمتها من ميزان القوى الذي كان يرجح لصالح الانقلاب ولصالح القوى المحافظة في البرجوازية الصغيرة الدينية في الإخوان المسلمين. ووقفنا عند الإمكانات لوطن ديمقراطي التي أهدرتها الحركة الشعبية لا طريق المخاطرة و"ركوب الرأس الثوري" الذي أنتهى بنا إلى انقلاب 1989. ونواصل في الحلقة السادسة البحث كيف سكبت الحركة الشعبية لبن الديمقراطية المستعادة بالانتفاضة ثم راحت تبكيها بالسلاح حتى 2005. وهو سرح ارتد إلى صدرها في الجنوب والشمال معاً وأفرغ مشروعها بالسودان الجديد من كل جاذبية من فرط دمامة السلاح عليه. فإلى الحلقة السادسة:
وربما كان من أوسع المداخل لسياسات النفس اللوامة المنتظرة من الحركة الشعبية هو عما إذا لم تكن انتفاضة 1985، وفترتها الانتقالية، سانحة ضاعت من بين أيديهم لوضع بصمة تقدمية على الديمقراطية السودانية وإلى الأبد. وقد دعاهم إلى هذا المنشط المستكره لهضم النفس عبد الرحمن أبو زيد، اللصيق بوقائع فترة الانتفاضة والفترة الانتقالية في موقعه كمدير لجامعة جوبا. فلام حكومة الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة، وقال إنها غير راغبة في فض النزاع لأنه تمسكت بتطبيق الشريعة الإسلامية في ما سمته القوانين البديلة لقوانين الشريعة التي فرضها الرئيس المخلوع نميري في سبتمبر 1983. ولكنه أخذ الحركة اخذاً وبيلاً أيضاً. فشكك في جدية رغبتها في حل النزاع بالمؤتمر الدستوري الذي لوحت به لأنه سبق لها وأهدرت فرص الانتفاضة وفترتها الانتقالية. وهي سوانح لو اهتبلتها لحرمت الأصوليين الإسلاميين من اكتساب الحجم السياسي الذي مكنهم من لعب الأدوار التي يلعبونها. فلم تحسن الحركة تقدير شوكة الأصوليين، ولا قدراتهم التنظيمية في حين وثقوا بصورة مبالغ فيها في قدرات التحالف الشعبي (اليساري) للتأثير على الأوضاع من حوله وتطبيق سياسات متفقة معها. وبدا أنهم اساءوا الحكم على قادة حكومة ما بعد انتخابات 1986. وعلى الحركة الشعبية أن تتحمل نصيبها من اللوم التاريخي للأوضاع العصيبة التي نحن فيها الآن (عبد الرحمن أبو زيد، سودان تايمز، 6 ديسمبر 1988. ويبدو أن أبو زيد لم يقصد بوثوق الحركة الشعبية من التحالف اليساري أنها أعانته بحلف موثق وتنسيق وثيق لإدارة دفة سياسات الفترة الانتقالية لصالح الحركة التقدمية الحداثية. فبدا أن الحركة الشعبية كمن كلف التحالف ليقوم وحده بما كان ينبغي أن يقوما به معاً في إطار الديمقراطية. واكتفت بالحكم بفشله في تحقيق ما علقته عليه. وربما كان ذلك الفشل هو ما ارادته له للبرهنة على بؤس الديمقراطية كسبيل لحل مسألة الجنوب.
بني التحالف، الذي قاد الانتفاضة، آمالاً عِراضاً على كسب الحركة الشعبية لصفه لقناعته الراسخة بأنه الحليف الموضوعي لكل الجماهير التي أخذت للشارع لتزيل حكم النميري" (خالد 1990، 353). فأمل التحالف أن تلقي الحركة بوزنها السياسي الثقيل لصالح الأجندة التقدمية للتغيير. فأصدر في 11 إبريل 1985 بياناً أشاد فيه بالحركة الشعبية، وميز دورها في الإطاحة بنميري، وتمنى على قرنق أن يأتي للخرطوم والانضمام إلى ركب الثورة (بيردج 2015، 20). وهكذا نجد التحالف عقد الأمل بأن الحركة، متى ما عادت للخرطوم على رأس ثلث سكان البلد من الجنوبيين ممن هم قاعدتها المؤكدة، رجحت كفة الميزان لصالحهما في الانتخابات بصورة ملموسة. وحسب التحالف "أن بوسعه أن يهزم الأحزاب الطائفية التقليدية في الانتخابات المجدولة. إلا أن الحركة الشعبية لم ترغب في أن تلعب هذه اللعبة معهم. ويروى أن محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي الذي سنتطرق إلى أفكار حزبه عن الديمقراطية الليبرالية لاحقاُ، قال لقرنق: "لقد وقع تغيير يا صديقي. اكتسبت الأحزاب شرعيتها، وأطلقوا سراح المعتقلين السياسيين، وعاودت الصحف الصدور" (بيردج 2015: 185).
ولكن تخبط الحلف المرتجى بين تقدميّ السهل-الخرطوم وتقدمي الغاب تهافت من ضربة البداية لمناداة الحركة الشعبية بحل المجلس العسكري والإلغاء الفوري لقوانين سبتمبر 1983 الإسلامية. فلم يكن المطالبان، اللذان لم يكن لهما مكاناً من إعراب توازن القوى بين الكتل المتصارعة آنذاك، واقعيان ليقوم عليهما حلف مستدام بين الطرفين في الفترة الانتقالية. فلم تكن دعوة قرنق لحل المجلس العسكري وإلغاء قوانين سبتمبر 1983 واقعية.
وأحسن بيردج كشف شطط موقف الحركة الشعبية في كتابه الجيد عن ثورتي أكتوبر 1964 وابريل 1985 في 2015. فقال إن المجلس العسكري جاء ليبقى في السلطة التي اختطفها من أيدي المدنيين الثائرين وفق مكر محسوب. فقد جاء الجيش إلى مسرح السياسة بغير دعوة من أحد ليدوس الفرامل على أي مسع نحو تحول ثوري عميق. فلم يقم الجيش ب"انقلاب حرس" يزيح النظام القديم، ليعود أدراجه إلى الثكنات بعد أن يعيد ترتيب البيت. إنه بالأحرى "انقلاب الفيتو" تدخل به الجيش لقطع الطريق أمام اندفاعات المثقفين الثورية. ونجح الانقلاب في منع المهنيين والنقابات من الحصول على نفوذ مشتهى أوسع في الديمقراطية المنتظرة. ومهد للأحزاب التقليدية الأكثر محافظة لتسود في ديمقراطية السودان الثالثة (2015: 184).
ولم يكن التحالف النقابي غافلاً عن تهديد المجلس العسكري لتطلعاتهم الثورية في التغيير. فنادى بحله أول ما تكون. ودخل بجمهوره في إضراب ليسلم المجلس الحكم لحكومة من المدنيين. وخرج المجلس علناً ليدين ذلك الاضراب. وأصر على إنهائه واستجابت العناصر الأقل ثورية في التحالف وانصاعت (2015: 177). ولما عرف التحالف أن ميزان القوى رجح لغيره اتصل عمله مع المجلس بواقعية. غير أن الحركة الشعبية تمسكت بمطلبها بحله وبإلغاء قوانين سبتمبر "بينما كان السلاح يهدر في الجنوب" (خالد 1990، 345). فنشأت أزمة ثقة على الجانبين بين جنرالات الحكومة وجنرالات الحركة. وراحا يتفاهمان باللغة التي يحسنونها فتعرقل كل مسع للسلام (1990، 353). وخرج تحالف المدنيين الحداثي من اللعبة إلى غير رجعة إلى يوم المسلمين هذا.
الصيف ضيعت الديمقراطية
ربما جاز السؤال هنا: هل كانت الفترة الانتقالية فترة عقيم لا تستولد تغييرات ذات معنى ينهض بها تحالف القوى النقابية في المركز وقوى الهامش في الحركة الشعبية؟ ليس بوسع المرء سوى الحدس عما كان بوسع ذلك التحالف أن يعمل لاختراق السطوة الانتخابية للأحزاب التقليدية. ولسنا نبعد النجعة متى قلنا إنه كان في الإمكان للحلف أن يحقق مكاسب انتخابية مرموقة. فمثلاً: صمتت الحركة الشعبية والحكومة توزع الدوائر الانتخابية عن طريق لجنة الانتخابات القومية للجمعية التأسيسية الموعودة. وهو موقف متسق بالطبع مع جماعة لا ترغب في الدخول في الانتخابات كثرت دوائر الجنوب أو قلت. ولكن لما قضي الأمر وجاء حظ الجنوب من الدوائر بما لم يرض الحركة، احتجت. وجاء في احتجاجها أن الدوائر للجمعية التأسيسية على نطاق القطر زادت من 218 إلى 237 بينما لم تزد دوائر الجنوب بسوى 3 منها، من 60 إلى 68. ولفتت إلى الزيادة الدراماتيكية لدوائر الخرطوم: من 13 إلى 31 (1990، 367). وهذا من باب من يعد أيام شهر لا نفقة له فيه كما حذر المثل. فلو ضغط تحالف الحركة والنقابات معاً، وفي الوقت المناسب، لربما لم ينظلم الجنوب كما انظلم ولصار موقعاً مميزاً لوجود برلماني مرموق لقوى الحداثة والهامش يرفع من قدراتهما التشريعية درجات. وحتى مع ظلم الجنوب في تخصيص الدوائر، ونقول بذلك جدلاً، فمن شأن دوائره الثمان والستين أن تصبح نواة لكتلة برلمانية لا يستهان بثقلها وخطرها ناهيك مما يستلقطه التحالف من دوائر الشمال. ولم تجر الانتخابات مع ذلك في سوى 37 دائرة في الجنوب لظرف الحرب التي الحركة الشعبية فيها طرف مبادر ومؤثر. فلو دخلت الحركة في حلف مع التجمع النقابي بأكثر دوائر الجنوب لكانت كتلة لا مناص منها في تحالفات الحكم والمعارضة التي سادت الديمقراطية الثالثة. وكانت احتمالات كسب هذا التحالف لعدد من الدوائر في الشمال كبيرة. فكسب الحزب الشيوعي 4 دوائر باسمه أو باسم حلفائه. وكسبت أحزاب جبال النوبة 8 دوائر، وكسبت أحزاب جنوبية صغيرة نزلت في الدوائر التي جرت التصويت فيها في الجنوب 16 دائرة علاوة على ستة مستقلين. وكسبت اتحادات بين البجا في شرق السودان مقعداً. بل كسب الهامش دائرة في الخرطوم ذاتها نالها عن دائرة الحاج يوسف بالخرطوم بحري الأب فليب عباس غبوش، الناشط القديم في حركة القوميين من جبال النوبة. وقد ظفر بها في دائرة كانت قبل سنوات قليلة مرعى لماشية شعب البطاحين العربي. وصعد نجم غبوش بتصويت أفواج النازحين من حرب الجنوب وجبال النوبة التي سكنتها. ومن الطريف أن قرنق كان من سكان هذه الناحية في وقت من الأوقات وعبر في مرة من المرات عن رغبته، متى وضعت الحرب أوزارها، أن يمثلها في البرلمان.
أجرينا في الفقرة الماضية حساب كسب حلف النقابيين بوجه إيجابي، أي، إذا نظرنا بصورة إيجابية للحصاد المنتظر من الحلف النقابي والهامش. أما إذا نظرنا لاحتمالات كسبه من ناحية سلبية فيكفي القول إن الجبهة القومية الإسلامية نالت دائرة جغرافية على حساب الأحزاب التقليدية. وكان أكثر جاذبيتها للناخبين أنها كانت الأوضح في الوقوف مع القوات المسلحة ضد الحركة الشعبية. وليس بعيداً أنها ربم لم تلق هذا الكسب لو وضعت الحرب أوزارها. ووظفت بصورة ماكرة لإفساد كل مساومة تاريخية لبناء أمة متآخية فساداً ارتكبت به الانقلاب المعروف في 1989. فكان كرتها الرابح هو الضرب على وتر الأمن في الشمال بالترويج عن دبيب الحرب من الأطراف إلى صحن العاصمة. فكانت لا تكف عن الحديث عن "الحزام الجنوبي" من قرى النازحين الذي تقول إنه سيلتف على عنق العاصمة. وكان بعض ذلك صحيحاً في شق تصميم الحركة على الحرب الوطنية حتى تدخل الخرطوم.
لما خسرت الحركة الشعبية الانتخابات بمقاطعتها كانت قد سبقت إلى خسران ذاتها. فعاد لام أكول، عضو القيادة العسكرية العليا من الحركة الشعبية منذ 1988 حتى خروجه منها في 1991، للربط بين جفاء الحركة للديمقراطية في داخلها وجفائها في المجتمع في كتابه "الحركة الشعبية لتحرير السودان والجيش الشعبي لتحرير السودان: داخل ثورة أفريقية (الذي صدر في الإنجليزية، 2001). فجاء فيه أبلغ عبارة في نفور الحركة الشعبية من الديمقراطية البرلمانية التي سادتها الأحزاب التقليدية ما ورد عن لام أكول، الأكاديمي والعضو البارز في الحركة الشعبية حتى في 1991 وعاد إليها بعد ذلك، ثم خرج على رأس حركة جديدة باسم الحركة الشعبية-التغيير الديمقراطي في 2010. فمن رأيه أن الحركة لم تكترث للديمقراطية الليبرالية مثل التي وقعت للسودان في 1985 لأنها هي نفسها غير ديمقراطية. فكلمة "ديمقراطية" لم ترد أبداً في ميثاق الحركة الذي ميزها بأنها المنظمة الوحيدة التي ستحرر الوطن الموحد وتحكمه على نهج الاشتراكية. وقد درجت الحركة في الترويج لاشتراكيتها بإهمال لعنصر الديمقراطية مثلها في ذلك مثل النظم والأحزاب الشمولية المعروفة في أفريقيا وغير أفريقيا التي ابتدعت فكرة الديمقراطية الجديدة وهي كلمة حق أريد بها باطل استبدادي. وزاد بأنه لم يطل مع ذلك صمت الحركة عن الديمقراطية. فقد صدرت منها بيانات مختلفة تشجب الديمقراطية الليبرالية. ويرى لام أن هذا الجفاء للديمقراطية الليبرالية هو الذي حال دون الحركة ودون الخروج بتحليل واقعي مفيد لانتفاضة أبريل 1985. فلم تكن الحركة مستعدة برنامجياً للحديث إلى الأحزاب الطائفية التقليدية. فهذه الأحزاب هي قوام الجماعة التي وصفتها الحركة بالصفوة العربية المبتذلة المتبرجزة، التي يقع لها الحكم والسلطان عن طريق الانتخابات متى ما استردت البلاد نظاما ديمقراطياً ليبرالياً من براثن نظاماً عسكري. ونجح فرعها بالخرطوم، الذي كان لام من قادت وامتلك تقديراً أفضل لميزان القوى في الخرطوم، بصعوبة إلى لفت انتباه قيادة الحركة العليا لمراجعة موقفها من خصام الأحزاب الطائفية التقليدية. واستمعت الحركة للقول واتبعته وأخذت تتعامل مع الأحزاب التقليدية بطريقتها.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.