حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفكرتي: وادي سيدنا الثانوية (4): الحاج ... وتمرد على الصلاة والصوم .. واشنطن: محمد علي صالح
نشر في سودانيل يوم 04 - 09 - 2017

في عام 1960، وانا في السنة الثالثة في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، بدات كتابة مذكرات يومية. لم تكن منتظمة، وكانت تتوقف شهورا. واحيانا سنوات.
لكن، تستمر حتى اليوم. بعون من الله. يوجد بعضها في مفكرات مكتبية، وبعضها في مفكرات جيبية، وبعضها، مؤخرا، في الكمبيوتر.
ليست هذه اشياء شخصية، بقدر ما هي مواضيع وقضايا وطنية (مع اضافات، وبتصرف):
اولا: سنوات وادي سيدنا الثانوية (قروى في المدينة. مدرسون بريطانيون. مظاهرات ضد دكتاتورية عبود).
ثانيا: سنوات جامعة الخرطوم (اسلاميون وشيوعيون واشتراكيون. ثورة اكتوبر. نفاق الصفوة).
ثالثا: سنوات جريدة "الصحافة" (عرب او افارقة؟ مع الشرق او مع الغرب؟ تقليديون او علمانيون؟ مدنيون او عسكريون؟ رجال او نساء؟ شماليون او جنوبيون؟ حرية او لا حرية؟ المجئ الى امريكا).
-------------------
السبت 27-2-1960
اول أيام رمضان. الصيام اجبارى. الفاطرون نصف المدرسة. حسن فريجون، ناظر (مدير) المدرسة، يتجول من داخلية الى داخلية، ويبحث عن الطلبة "الداكين" الحصص بحجة الصيام، وربما بدون صيام.
يجئ معه "الصول" (عسكرى مسئول عن النظام، على الطريقة البريطانية). ويجلد "الصول" كل طالب يقبضان عليه، إذا لم يهرب عائدا الى فصول الدراسة.
كان كثير من الذين "اعتقلوا" نائمين في غرفهم عندما دخل الرجلان عليهم، في هدوء مخطط.
يذهب فريجون و "الصول"، أيضا، الى "دكان اليماني" الصغير بالقرب من الداخليات. ويبحثان عن طلبة يشترون ساندوتشات طحنية، او جبنة، اومربة، لان غرفة الطعام (الصفرة) مغلقة اثناء النهار. لكن، يهرب كثير من هؤلاء قبل القبض عليهم.
كان فريجون متدينا. وطبعا، يريد من كل الطلبة ان يكونوا مثله. يوقت المذاكرة المسائية في الفصول الدراسية لتشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء في جامع المدرسة (بناه البريطانيون).
ويصرخ في الطبة: "الصلاة يا كفار، الصلاة يا منافقين، الصلاة عماد الدين."
لم يكن عقاب "الصول" مبرحا. لم يكن الهدف هو التعذيب، بقدر ما كان الإهانة، والعظة. عاقبني 3 مرات (خلال 4 سنوات):
اول مرة: تاخرت في الذهاب الى الفصل. (كل صباح، يطوف "الصول" من فصل الى فصل، يسجل الغائبين. ويذهب الطالب المتأخر الى مكتبه لشطبه من قائمة الغائبين، بعد جلده).
ثاني مرة: وجدنى المدير و "الصول"، وقت صلاة العشاء، مع اخرين، ندرس في غرفة خاصة في المدرسة. (كانت مخزنا أيام وجود الجنود البريطانيين في المدرسة خلال الحرب العالمية الثانية. فيها بعض مخلفاتهم. منها صناديق كبيرة وكثيرة لاوراق المرحاض للنظافة الصحية ("تواليت تيشوز"). ما كنا نعرف طريقة استعمالها. وكنا نكتب عليها، وننظف بها المكان).
ثالث مرة: وجدنى المدير و"الصول" نائما في غرفتنا (في داخلية "الداخل") في ظهر يوم في شهر رمضان، اثناء الدراسة. ولا حتى كنت صائما. (كعادتهما، دخلا الغرفة في هدوء مخطط).
ماذا حدث لى؟
لماذا ما عدت اصلى واصوم، وانا ابن قرية "وادي حاج" (على نهر النيل، جوار ارقو، في الولاية الشمالية) المتدينة جدا؟ هل تمردت على والدي المتدين جدا؟ هل تمردت على امام خلوة الشيخ منور في القرية؟ هل تمردت على الجو العام في القرية حيث يسيطر الدين على كل جوانب الحياة؟
انظر الان، بعد نصف قرن تقريبا، والاحظ نقطتين:
الأولى: هذه مرحلة طبيعية في حياة الناس (المراهقة، والتمرد).
الثانية: هذا منطق طبيعى في حياة الناس (كلما تطرف وضع، تطرف تغييره).
----------------------------------
الحاج:
نظرت، يوم جمعة وقت صلاة الجمعة، عبر النافذة، داخل غرفتنا في داخلية "الداخل." (كانت الغرفة تواجه جامع المدرسة مباشرة. وكنت اقف، أحيانا، عند نافذة الغرفة، واشاهد الناس يدخلون الجامع، او يخرجون منه). نظرت، وشاهدت صديقى المتدين الحاج قادما نحوى. كان في طريقه الى الجامع، واتجه نحوى عندما شاهدنى واقفا عند نافذة غرفتنا.
كان الحاج اكبر منى بسنة، في مدرسة ارقو الأولية، وفي مدرسة ارقو الوسطى، والان في مدرسة وادى سيدنا الثانوية. اشتهر بالتدين، وبحب النشاطات الأدبية والثقافية. وشجعني للاشتراك في هذه النشاطات. وكان قدوة لى في هذا المجال.
يوم الجمعة ذلك، اقترب منى، وسالنى اذا اريد الذهاب معه الى الجامع لصلاة الجمعة. فوجئت، واتحرجت، وتمتمت، ووافقت. كان الامام هو الحبر يوسف نور الدائم، الطالب في السنة الرابعة (الأن، أستاذ جامعى كبير، وسيأسى إسلامي كبير).
وكانت تلك اول مرة، واخر مرة، اصلى فيها في جامع المدرسة.
تركت الصلاة، وتركت صوم رمضان. عندما يقترب شهر رمضان، نخطط، نحن الثلاثة الذين نشترك في المذاكرة في "مخزن الجنود البريطانيين" (عبد المنعم، وصديق، وانا). ونخزن الفواكه، والبلح، والطحنية، والمربة.
وثق عبد المنعم، قائدنا، علاقته مع عبد الجبار، المسئول عن غرفة الطعام العملاقة (الصفرة) التي ياكل فيها طلبة المدرسة (1000 طالب تقريبا). وصار يحضر وجبات الفول والعدس لنأكلها اثناء يوم رمضان. وعرف عبد المنعم ان عبد الجبار مسئول، أيضا، عن ارسال وجبات الى كل مدرس يسكن في كل داخلية، ويشرف عليها ("هاوس ماستر"). هذه وجبات فيها بيض، وكبدة، وكلاوى. وكان يحضر لنا بعضها، أحيانا.
-----------------------------
والدى:
والدى هو محمد صالح ود ادريس الكباشى. من كبابيش دنقلا (الفرع الثاني الأكبر: كبابيش كردفان). عمه هو محمد صالح التلودي، الذى كان ناظر (شيخ) الكبابيش في تلك المنطقة. ويرجع نسبهما الى جدهما الأكبر جملله ود شمعيش ود طريف. من الطريفات، أولاد طريف، واحد من فروع الكبابيش.
عاش هؤلاء في وادى القعب، شمال دنقلا، على الجانب الغربي من نهر النيل (منخفض فيه ماء جوفية). في وقت لاحق، انتقلت عائلات، منها ود ادريس والتلودى، من القعب الى شرق نهر النيل، قرب ارقو. واحتفظوا بجمالهم، وسكنوا في بيوت من القش، واخرجوا الماء من أبار عميقة.
(قبل 3 سنوات، زرت القعب لأول مرة. وشاهدت اثارا من أيام الفراعنة، ربما قبل 3 الاف سنة. وشاهدت اسماكا حجرية، منذ ان كانت الصحراء الكبرى غابات ومستنقعات، ربما قبل مليون سنة).
اتفق جدى، ود ادريس، مع مفتشين بريطانيين على نقل البريد بالجمال من دنقلا الى ارقو. (كانت البواخر على نهر النيل تنقل الناس والبضائع والبريد الى دنقلا من كريمة، حيث آخر محطة للسكة الحديد، تربطها بعطبرة وبورتسودان والخرطوم).
تمردت انا على والدى عندما تركت القرية الى مدرسة وادى سيدنا الثانوية. قبل ذلك بأكثر من 20 سنة، تمرد والدى على والده، وترك حياة الابل، ونقل البريد.
كان والدى اول من تعلم القراءة والكتابة في عائلة ود ادريس، في مسجد الشيخ منور (في قرية وادى حاج، قرب ارقو). فعل ذلك سرا، خوفا من والده الذي لم يرد له شيئا غير حياة الابل، كان والدى، أحيانا، عند غروب الشمس، بعد ان يربط الجمال، ويطعمها، ويسقيها، يهرب بحمار من "حلة العرب" الى "حلة الدناقلة"، حيث خلوة الشيخ منور. ثم يعود عند منتصف الليل تقريبا.
في ذلك الوقت، هاجرت الى القرية عائلة باشرى، من الرواويس، من البديرية، جيران الشايقية، على نهر النيل في منطقة العفاض. كان باشرى بحارا في بواخر نهر النيل. ونقل عائلته الى ارقو، ليقضى معها وقتا اكثر.
هناك، لاحظت زوجته (جدتي) "ولد العرب" الذي، أحيانا، يركب حماره بالليل من الخلوة عائدا الى الصحراء. وعرضت عليه، اذا تأخر الوقت، ان يقضى الليل في منزلها. هناك قابل والدى الكباشى والدتي البديرية، وتزوجها. (عارض اهله، وقاطعوا الزواج. لكنهم غيروا رأيهم لاحقا).
بعد 30 سنة تقريبا من تمرد والدى على والده، تمردت انا على والدى. تزوجت أميركية عندما جئت الى أمريكا لدراسات عليا في الصحافة في جامعة انديانا (بلومنقتون، ولاية انديانا)، وحتى الأن. (أعاد التاريخ نفسه. عارض أهلها، واهلى. لكنهم غيروا رايهم لاحقا).
------------------------------
"اعوذوا":
ربانا والدى (انا اكبر اخوانى واخواتي) تربية دينية متشددة. على خطاه، ادخلنا نفس الخلوة التي درس فيها، قبل سنتين من دخولنا مدرسة ارقو الأولية. وهكذا، كانت الخلوة هي روضة الأطفال (كيندرقاردين) بالنسبة لنا.
لم نتوقف عن الخلوة عندما دخلنا المدرسة الأولية، وكانت "المدرسة الصيفية" بالنسبة لنا.
علمنا والدنا، بالإضافة الى الصلاة المنتظمة (والصيام لاحقا)، دعوات يومية: دعوات عندما نستيقظ من النوم، وعندما نخرج الى المدرسة، وعندما ندخل الفصل، وعندما نعود الى البيت، وعندما نستعد للنوم. وعندما ندخل المرحاض، وعندما نخرج منه، وعندما نسمع رعدا، وعندما نشاهد برقا، وعندما يظهر هلال، وعندما يكتمل، وعندما نشاهد شروق الشمس، وعندما نشاهد غروبها.
دعاء غروب الشمس: "اعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق."
سميناه، اخوانى وانا، دعاء "اعوذوا." وكنا نتنافس في مشاهدة غروب الشمس، عبر نهر النيل، على الضفة الغربية، لنردد الدعاء. ونسرع الى والدنا، ويفتخر الذي ردد الدعاء قبل الاخرين. وعندما نتعارك، نسرع الى والدنا، ونشتكى بان واحدا منا "ما قال اعوذوا"، او "ما كمل اعوذوا"، او "كسر اعوذوا."
كنت اول الفصل في المدرستين، الأولية والمتوسطة. وكان والدي يسعد بدفاترى عندما اعود من المدرسة، وعليها علامات "صح." لكن، يوم شاهد علامة "غلط" (اكس)، غضب مرتين:
غضب على لانى أخطأت.
وغضب على المدرس لانه وضع علامة "اكس."
وذهب معى الى المدرس. وقال انه لا يعارض انى أخطأت، لكنه يعارض علامة "اكس." قال انها "صليب الكفار." واقترح ان تكون علامة الخطأ هي "دائرة." أصيب المدرس بحرج. لم يريد اغضاب والدى، وقال في دبلوماسية، اننى اخطى نادرا، على أي حال.
----------------------------------
دعاء حبيب:
بعد 50 سنة تقريبا، وجدت "الصورة الكبيرة" لتأثير الدين على حياتي وانا في تلك السن المبكرة. وجدت صورة اكبر من والدى، ومن الشيخ منور، ومن الحاج، ومن الحبر يوسف نور الدائم، وغيرهم. وجدت صورة الإسلام القوي. وتاثيره القوى على كل جانب من جوانب حياة المسلمين.
بدات، في السنة الماضية، هاشتاقين في موقع "تويتر":
#IslamMostDemandingReligion
#IslamMostInfluencingRelgion
وجدت علاقة قوية بين الممارسة والسلوك. وجدت ان 5 صلوات كل يوم، منتظمة، ومنظمة، ومع طقوس، ووضوء، ودعوات، لابد ان تؤثر على الشخص، نفسيا، اذا ليس دينيا. (قارنت ذلك بصلاة ساعة واحدة كل أسبوع، او برياضة يوغا ساعة واحدة كل أسبوع، او بالتامل الصامت 20 دقيقة كل يوم).
وجدت ذلك في قريتى وادى حاج، كلما اعود اليها. وجدت ان الهدوء فيها ليس فقط لانها بعيدة عن المدينة، او لقلة عدد سكانها. ولكن، أيضا، لتاثير الممارسة الدينية اليومية. لاحظ ناسها، او لم يلاحظوا، أخلصوا في صلواتهم، او لم يخلصوا.
وجدت ان تاثير الاسلام مثل الاوكسجين، يستنشقه الناس ليلا ونهارا، واعين او نائمين، يحسون به او لا يحسون.
مثلا: اثر الاسلام على علاقتى مع حبيب، صديق الطفولة في القرية. درس في المدرسة الأولية. لكن، منعه والده من مواصلة تعليمه. قال انه يحتاج له في مزرعته.
حزن حبيب، وشاركنى حزنه. لكنه، فرح لدخولى المدرسة المتوسطة، وكانه هو الذي دخل.
كنا نلتقى مرة واحدة كل أسبوع، لان والده كان يكثر عليه العمل والمسئوليات. نلتقي مساء الخميس. يأتي لنصلى المغرب معا في رمل على نهر النيل (بلاج وأدى حاج). ويعود بعد ان نصلى العشاء معا. وبعد ان يردد دعوات حفظها من والده.
كان يتابع دراستى وكانه معى في الفصل. يفرح لفرحى، ويحزن لحزنى.
ليلة اخر خميس قبل ان اسافر من القرية الى المدينة، الى وأدى سيدنا الثانوية، جاء كعادته. صلينا المغرب معا. كان فرحا لسفرى، وتحدث عن وأدى سيدنا الثانوية وكأنه سيذهب معى. وتخيل معى المدرسة، والفصول، والداخليات، والمدرسين، والطلبة.
بعد ان صلينا العشاء معا، احاطنى بيديه، ودعا دعاء جميلا وطويلا. وسالت دموعه، وسالت دموعي. وافترقنا.
---------------------------
دعاء السفر:
لم اسمع دعوات كثيرة، ومؤثرة. مثلما سمعتها يوم سفرى من القرية الى وادى سيدنا الثانوية. كان يوم سبت. وجاء، في الصباح، كبار رجال ارقو ليودعوني. كنت الأول، ورأوني فخر المدرسة المتوسطة، وفخر ارقو.
جاء الشيخ محمد أبو يوسف، من مؤسسى المدرسة المتوسطة.
(عندما عدت بعد سنوات في اميركا، قلت له: لولاك ما كنت ذهبت الى وادى سيدنا الثانوية، والى جامعة الخرطوم، والى أمريكا).
وجاء مدرسون، خاصة الثلاثة الذين حاولوا ان يؤثروا على سياسيا:
جاء فاروق، الشيوعي، من امدرمان (كان اهداني كتاب احمد بهاء الدين، "شهر في روسيا").
وجاء امين الاسلامى، من دنقلا (كان اهداني كتاب حسن البنا، "مذكرات الدعوة والداعية").
وجاء تميم الليبرالي، من امدرمان (كان اهداني كتاب إسماعيل الازهرى، "الطريق الى البرلمان")
تمنوا لى التوفيق، وعادوا.
وبدات الدعوات:
دعاء الشيخ منور كان جزءا من خطبة صلاة الجمعة في اليوم السابق، كتبتها له. كان، صباح كل جمعة، يدعونى الى منزله. يحيط نفسه بكتب دينية كثيرة. وياخذ من كل كتاب مقتطفات. يقرأوها، وانا اكتبها. وهكذا، نكون جهزنا خطبة الجمعة.
كانت في تلك الخطبة، التي اهداها لى للذكرى، الاية القرأنية: "ما تعبدون من بعدى؟ قالوا نعبد الهك، واله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق، الها واحدا، ونحن له مسلمون."
وكانت تلك اخر مرة اشاهد فيه الشيخ منور.
(حتى الان، أحيانا أتذكر الشيخ منور، وأتذكر السؤال: "ما تعبدون من بعدى؟")
وجاء دور والدى في الدعاء. دعا دعاء السفر: "اللهم انا نسألك، في سفرنا هذا، البر والتقوى. اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم انت الصاحب في السفر، وانت الخليفة في الاهل. اللهم انا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب، في المال والاهل والولد."
(اسمع هذا الدعاء كلما اسافر في الخطوط الجوية السعودية)
وأخيرا، جاء دور جدتي في الدعاء. ودعت دعاءها المشهور: "يغطيك بى جناح جبريل. اللا ينكسر، ولا يلين. شوكة لا تطعنك، وحجرة لا تعترلك. تبقى غابة والناس حطابة. ركيزة ما تنقلع، وجبلا ما ينطلع."
عندما انتهت الدعوات، غادرت العربة القرية، تحملنى نحو عالم جديد.
----------------------------------
وجئت الى وادي سيدنا الثانوية، وتمردت على اسلام القرية، وتركت الصلاة والصوم.
لكن، ظلت تتبعنى تلك الدعوات، وتحيط بى، في كل مكان وزمان -- حتى ألان.
========================
20 حلقة:
1. اول كهرباء، اول ثلاجة، اول دش، اول تفاحة
2. نواي الغرباوى ... والدناقلة
3. بوثويل ... والامبراطورية البريطانية
4. الشيخ احمد المصطفى ... و"الهيولة"
5. الحاج ... وتمرد على الصلاة والصوم
6. ثيودورا ... وحزب البعث
7. لبيب ... والناصرية (عبد الناصر في الخرطوم)
8. سبايروقايرا ... ومنشورات شيوعية
9. نور الدائم ... والاسلاميون
10. مأمون ... وخواجيات حوض السباحة
11. "مارتن لوثر" ... وثورة على التفسخ الأخلاقى
12. حمدى ... والشقراوات السويديات
13. النويرى ... والقصائد المحرمة
14. هارفي ... بريطاني ليبرالي
15. سلافا ... "الطالبة" الوحيدة
16. تايم ... والادب الغربي
17. عبد الخالق... عائد من أمريكا
18. أبو القاسم ... ومظاهرات ضد عبود
19. احمد سعد ... وإبقار عبد الباقي
20. صلاح ... وافلام امريكية
==================
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
MohammadAliSalih.com
Mohammad Ali Salih, Facebook


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.