من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    وزارة البنى التحتية والنقل تُطلق خدمة إلكترونية لإصدار شهادة عدم الممانعة للمستوردين    والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قضايا فكرية في الاسلام (3) ... بقلم: بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي
نشر في سودانيل يوم 14 - 10 - 2017

لقد أشرنا في المقال (2) الي ضرورة تأصيل قيم الآيات التي تخاطب إنسان الألفية الثالثة، واعتبار الآيات المخالفة لها، التي خاطبت قيم مجتمعات صدر الاسلام لحل مشاكلها، منسوخة بحكم الوقت. وفي هذا الإطار نتناول واحدة من أهم القضايا الانسانية الملحّة المعاصرة، وهي قضية حقوق المرأة في المجتمعات الاسلامية. و من أكثر المواضيع التي تشغل المجتمع الاسلامي في هذا الجانب هي تلك التي تتعلق بالقوامة والعنف ضد المرأة والميراث وشهادة المرأة والحجاب.
الواقع انه لا توجد أي آية في القرآن تقرر بصورة مباشرة مساواة المرأة بالرجل، لذلك تختلف المواقف من قضية المرأة باختلاف القراءات المستخدمة في تفسير وفهم النص القرآني. ونستعرض هذه المسألة هنا بتعريف ثلاث قراءات مختلفة، والتفريق بينها في فهم آية القوامة أو الوصاية، وهي:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْض وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء 34).
القراءة النصوصية تأخذ بظاهر المعاني وتعتبر كل آيات القرآن مطلقة (غير مقيدة بزمان أو مكان) وكلية (لكل الناس)، ولهذا جعل النصوصيون آية الوصاية سيفاً مسلطاً على المرأة لاذلالها وضربها وإهانتها وانتقاص حقوقها باسم الدين. و لأن هؤلاء هم الأعلى صوتاً والاكثر حضوراً في الاعلام الرسمي للدول ومناهج التعليم و القنوات الدينية التي يشاهدها الملايين، فقد أصبح الشائع عند العامَّة وكثير من المتعلمين ان للرجل قوامة وأفضلية على المرأة، وأن له حق تأديبها بالضرب إذا رأى انها اعوجت. وقد أصبحت بعض المقاطع أو الأجزاء من آية الوصاية مثل {الرجال قوامون على النساء} و {واضربوهن} و {فضل الله بعضهم على بعض} شعارات رائجة لترسيخ هذا المفهوم الخاطئ في المجتمع. مثل هذه القراءة، التي لا تراعي السياق التاريخي الذي نزلت فيه الآية، لم تقدم فهم مفيد للبشرية، بل أكثر من ذلك أدت إلى تشويه فهم مقاصد الشرع بإنتاج خطاب مشوّش يتبنّٓى قيم وأعراف القرن السابع ويعمل على تأصيلها في عالم يضج بمنتجات الحداثة، فمن منا لم يفغر فمه وهو يستمع لبعض فقهاء اليوم وهم يبررون لصحة فتاواهم بعدم جواز قيادة المرأة للسيارة بأسباب موغلة في الغرابة منها: أولاً: حفاظاً على المجتمع لأن قيادة المرأة للسيارة يؤدي الى تفشي الدعارة ، وثانياً: حفاظاً على الاسرة لأنه بؤدي الى الزيادة في نسبة الطلاق، وثالثاً: حفاظاً على سلامتها لأن ذهنها ينشغل اثناء القيادة لانها ناقصة عقل، كما يعتريها إضطراب في الرؤية اثناء الدورة الشهرية، ورابعاً: حفاظاً على صحتها لأن حوضها يرتد عندما تجلس طويلاً لقيادة السيارة، وهذا الضغط، الناتج عن الارتداد،يُحدث ضغط على المبايض فيؤثر على الإنجاب. كل هذا هكذا، رجماً بالغيب، بلا هدى ولا كتاب منير. أيعقل أن يُترك أمر الدين لمثل هؤلاء، الذين أصبحت فتاواهم محل تندّر حتى من الذين لا حظّ لهم في التعليم!
وهناك من يقدم قراءة معاصرة بأدوات مختلفة مع الايمان بإطلاق وكلية النص. فالدكتور محمد شحرور مثلاً، الذي يقدم قراءة تعتمد على اللسانيات الحديثة والأرضية المعرفية المعاصرة، على حد قوله، يفسر آية القوامة بتشريحها معجمياً، ويرى أن كلمة «الرجال تطلق على صاحب الكفاءة سواء كان ذكراً أم أنثى، وكذلك النساء تطلق على الذكور والإناث الأقل كفاءة»، وكونه قال {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} ولم يقل (على بعضهن) تعني «ان بعض الذكور أفضل من بعض الإناث وان بعض الإناث خير من بعض الذكور»، وعليه يقرر«ألا قوامة لمطلق ذكر على مطلق أنثى، ولا تفضيل لمطلق ذكر على مطلق أنثى، بل ان بعض الذكور أفضل من بعض الإناث وان بعض الإناث خير من بعض الذكور». أما فيما يخص ضرب المرأة فيرى د. شحرور أن كلمة ضرب هنا لا تعني الضرب الفيزيائي «لأننا في اللسان العربي نستخدم (ضرب) بعدة معاني، مثل ضرب مثلاً، وضرب النقود، والضريبة بمعنى ما يضرب على الإنسان مقابل خدمة ما أو كسب معين، وضرب بيد من حديد أي اتخذ إجراءً صارماً. ويقول أبو داوود في سننه : إن بعض الصحابة فهم من {واضربوهن} هذا المعنى المباشر، لكن الرسول الأعظم خرج إليهم قائلاً: لا تضربوا إماء الله، فلو صح قول أبي داوود هل يمكن أن ينهى الرسول (ص) عما أمر الله به؟». نحن نرى أن الفهم الذي أورده د. شحرور، رغم وجاهته، لا يقفز إلى ذهن المتلقي تلقائياً عند قراءة النص، لأن معاني المفردات مثل رجال ونساء واضربوهن جاءت على غير ما اعتاد الناس بالمدلول الظاهر لهذه الكلمات. ولهذا يبدو هذا التأويل كأنه محاولة تلفيقية لمواءمة الحداثة بتوليد معاني لا يحتملها النص. فالتشريح اللّغوي بهذه الصورة أخرَج التأويل عن السياق، اذ جعل صدر آلآية يساوي بين الذكر والأنثى وعجزها يخاطب الرجل بان يضرب المرأة التي يخاف نشوزها {واضربوهن}، أيّاً كان نوع هذا الضرب. هذا الالتباس عند د. شحرور، في راينا، هو نتيجة لمحاولته التوفيق بين اطلاق النص ومواءمة الحداثة في آية لا تتسع للإطلاق ومخالِفة لقيم الحاضر الذي شبّت فيه المرأة عن الطوق. وهذا الالتباس هو ما دعى د. شحرور للاستنجاد بحديث ابي داؤد ليتسق عجز الآية مع صدرها.
أما القراءة الثالثة، فهي الانتقال من نص لآخر بما يناسب الوقت. فالآيات ليست كلها مطلقة وكلية، ولذلك فهي بالضرورة تستدعي استصحاب السياق التاريخي لفهمها وتأويلها. فالأستاذ محمود محمد طه مثلاً، يرى ان «ليس مطلق رجل أفضل من مطلق امرأة.. وهذا ما لا ينبغي، ولا يكون، والواقع المعاش يرفضه..»، وأن آية الوصاية قد نُسخت بقوله تعالى {لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف} في الآية {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة 228). وهنا يقول الاستاذ محمود: «أصبح عندنا من ((المعروف)) أن نعلم الفتاة في أساليب العلوم الغربية، وإلى أعلى المراحل، حتى لقد أصبح عندنا الطبيبة، والقاضية، والمحامية، والمعلمة في أعلى المستويات، والمهندسة، والزراعية، والبيطرية، والإدارية.. ولقد أنجزت فتياتنا، في كل أولئك، إنجازات تشرح الصدر، وتقر العين.. ولا يمكن لعاقل، أو لغير عاقل، أن يزعم أن صنيعنا هذا بالفتاة من المنكر، وليس من المعروف، وبالطبع فإن نهوض الفتاة بهذا المستوى من الواجب يعطيها الفرصة في التمتع بحق مساو له.. هذا هو معنى قوله تعالى: ((لهن مثل الذي عليهن بالمعروف)).. حقوقهن لقاء واجباتهن، ((حذوك النعل بالنعل))».
الواضح عندنا أن الآية {لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف} لا تقرر مساوة المرأة بالرجل بصورة مباشرة، وإنما تقرر مساواة حق المرأة بما عليها من واجبات. فاذا اعترفنا أن ما على المرأة من واجبات يساوي، إن لم يكن يفوق، ما على الرجل، فإن حق المرأة يكون، على الأقل، مساوياً لحق الرجل. وفي تقديرنا أن الرسول الكريم حثّ الرجل على إكرام المرأة لأن ماعليها يفوق ما على الرجل، فيعوضها الرجل عن الزيادة في مشقتها باكرامها. إن العمل المنزلي وحده، فضلاً عن أعباء الحمل وآلام المخاض ورعاية الأبناء قد يفوق في مشقته كل ما يقوم به الرجل من عمل خارج المنزل، فما بالك اذا كانت المرأة اليوم قد تضاعفت مسؤلياتها وأعباءها بالعمل أيضاً خارج المنزل لمواجهة ألمتطلبات المعيشية.
ولذا فقد أقرت قوانين المجتمعات الغربية أن عمِل المرأة في المنزل لرعايته، وإن كانت المرأة غير حاضنة، مساوٍ تماماً لعمل الرجل خارج المنزل، ولهذا، في حالة الطلاق، يتم إقتتسام الثروة مناصفة بين الزوج والزوجة. أما عندنا، ولسوء فهمنا لمقاصد الشرع الحنيف، فيستأثر الرجل بكل الثروة التي شاركت الزوجة في تكوينها معه بعد الزواج ويذهب ليتزوج بها إمرأة اخرى ويتمرغ بها في نعيم آخر، تاركاً الزوجة الأولى (بعد أن يعطيها مؤخر صداق تآكلت قيمته الحقيقية بفعل التصخم) فريسة لقسوة الحياة وعالة على الآخرين، إما أبويها اللذان أصابهما الكبر أو إخوانها أو أخواتها أو من هو منشغل بنفسه وأسرته عنها. وقد طالب كثيرون بهذا الحق للمرأة المسلمة. ونذكر من هؤلاء الدكتورة سعيدة أبو سوسو، رئيسة قسم علم النفس في جامعة الأزهر، التي ترى «أن هذا الاقتراح اذا احسنا دراسته وتطبيقه ووضع ضوابط عادلة له سيحل العديد من المشاكل المترتبة على الطلاق»، وأن «للمرأة دور كبير في تكوين ثروة زوجها حتى إن لم تكن عاملة»، وأمينة طلال التي استعرضت أمثلة من بعض المشاكل التي تواجهها المرأة المسلمة بعد الطلاق، و آراء بعض المدافعين عن حق تقسيم الثروة. وهناك اخرون كثيرون لا يسعنا المجال لذكرهم.
ويذهب البعض إلى أن {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} تعني أن الرجال أفضل بدرجة من النساء. فالنصوصيون مثلاً يأخذون بتفسير ابن كثير الذى يرى انها تعني درجة «في الفضيلة في الخَلق والخُلُق والمنزلة ...». وذلك، كما شرح البيضاوي «بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد في الأعمال والطاعات». وبهذا المعني فهده الآية عندهم تعضّد آية القوامة. أما د. شحرور فيرى أنها تعني أنه «في حال وجود الحمل ، وأراد الزوج أن يردها، فرأيه له الافضلية على رأيها من أجل جمع شمل العائلة والطفل». أما الاستاذ محمود فيرى انها لا تعني «درجة التفضيل في المساواة أمام القانون، وان وقع التفضيل بالدرجة في منطقة الأخلاق.،». ونحن نرى أن هذه الدرجة ليست تفضيلية، وإنما هي تمييزية من حيث الإعفاء عن بعض الأعباء، إذ أن الرجل لا تقع عليه أتعاب الحمل وآلام طلق الولادة وصبر إرضاع المولود. و الشاهد أن التفضيل بدرجة أو درجات في أمر ما، في القران، يأتي دائماً صريحاً ومقروناً بكلمة فضّل أو رَفَع أو أعظمُ درجة أو مشتقاتها، مثل: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} (النساء95)، و {أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (الحديد 10)، و {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (الانعام 165).
وهنا نود أن نأكد، دون إطالة، أن {لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف}، آية المساواة، في حقيقة الامر، (عابرة للآيات) وتنسخ عدم مساواة الأنثى للذكر في الميراث {للذكر مثل حظ الأنثيين} ( النساء 11). واليوم نرى جماعات الاخوان المسلمين ومؤسساتهم خارج السودان مرتبكة بين مؤيد ومعارض للمساواة في الميراث، خاضعةً لحكم الوقت، بعد ان حكمت فروعها في السودان، في ستينات القرن الماضي، على الاستاذ محمود بأنه كافر مرتد باعتبار انه، فيما يدعو اليه أيضاً، يدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث ولأن «عدم المساواة المطلقة» بين الرجال والنساء «معلوم من الدين بالضرورة»، حسب ما جاء في حيثيات الحكم على الاستاذ محمود بالردة في 18 نوفمبر 1968م أمام محكمة الإستئناف العليا الشرعية،
وهكذا نرى ان آية الوصاية اخرجت المرأة من وهدة الاستعباد (في الجاهلية) الى القوامة (في صدر الاسلام) واية المساواة تخرجها من القوامة الى رحاب المساواة بالرجل (في عالمنا المعاصر). ولمثل هذا، فمن الضروري تحرير الايات، من الإطلاق والكلية، والانتقال من آية لأخرى لفهم مقاصد الشرع بما يناسب الوقت. ولذا فلا يستقيم أن تكون القوامة والضرب والتفضيل، باي درجة كانت، هي مُنْتََهى قصد الشرع والله سبحانه وتعالى قد جعل المودة والرحمة ذروة سنام العلاقة بين الرجل والمرأة، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم 21)، وجعل التقوى وحدها أساساً للتفاضل بينهما، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ( الحجرات 13).
وفي ضوء هذا، نحن بحاجة شديدة لمراجعة حقوق النساء وانصافهن بالمساواة في الميراث والشهادة وحق العصمة وعدم التعرض لهن بسوء (ويشمل ذلك العنف الجسدي واللفظي والنفسي) والمناصفة في اقتسام الثروة عند الطلاق. ولا يليق أن يُترك هذا الامر ليكون تفضلاً عليهن من الرجال، بل يجب أن يُحرس لهن بقوة القانون لحمايتهن من إبتزاز الازواج المتلاعبين. هذا هو غاية الشرع الذي ابتغاه الله تكريماً للنساء و ذهل عنه المسلمون. ورغم اننا في السودان قد ارتددنا الى حضيض جلد النساء في الساحات العامة وانتهاك حرماتهن بقانون النظام العام، بعد أن قدمنا أول نائبة برلمانية منتخبة في الشرق الأوسط عام 1965 (الأستاذة فاطمة احمد ابراهيم)، إلا أنه مازال هناك بصيص أمل. فهاهي تونس قد خطت خطوات كبيرة للقضاء على التمييز ضد النساء باقرار «قانون القضاء على العنف ضد المرأة» في 26/7/2017، لتكون اليوم بحق رائدة حقوق المرأة في العالم الاسلامي. ونرجو أن تحذو بقية الدول الاسلامية حذوها لتنصف أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا.
المراجع:
1- دكتور محمد شحرور، الصفحة الرسمية للدكتور محمد شحرور، أبريل 23، 2014
2- الاستاذ محمود محمد طه، تطوير شريعة الأحوال الشخصية، الطبعة الاولى، ديسمبر1971.www.alfikra.org
3- الدكتورة سعيدة أبو سوسو، "إقتسام الثروة بين الزوجين بعد الطلاق"، أغسطس 5، 2009.
4- كامل كامل - مصطفي السيد - أحمد عرفة، "خبراء: مساواة المرأة بالرجل في الميراث تفضح الأخوان"، جريدة اليوم السابع، أغسطس 23، 2017.
5- أمينة طلال، "إقتسام الثروة بعد الطلاق .. مطلب نسائي يتجاهله القانون"، أصوات مصرية، قضايا المرأة، مايو 11، 2026.
6- الشيخ محمد صالح المنجد، الاسلام سؤال وجواب، فقه الاسرة، الحقوق الزوجية، أكتوبر 13، 2017.
14/10/2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.