شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عرض لرواية: "Yearning of the Bird" باللغة الإنجليزية .. بقلم عمر محمد الأمين
نشر في سودانيل يوم 18 - 03 - 2018


الكاتب: د. عبد الجليل عبد الله صالح
الناشر: CreateSpace Independent Publishing Platform
تاريخ النشر: 14 يونيو 2017م
عدد الصفحات 173 مقاس 6×4.×9 بوصة
الرابط:https://www.amazon.com/Yearning-Bird-Abdulgalil-Abdallah-Salih/dp/1548072729#
+++
الكاتب: د. عبد الجليل عبد الله صالح
تخرج في كلية التربية جامعة الخرطوم ويعمل حاليا أستاذاً للغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الباحة في المملكة العربية السعودية، عمل قبل ذلك في الجامعات السودانية (جامعة دنقلا وجامعة الجزيرة) كما عمل في جامعة المرقب في ليبيا.
صدر له باللغة الإنجليزية كتاب: The Sammaniya Doctrine, History and Future (2015)
وله باللغة العربية: الشيخ السماني الشيخ البشير (أبو النسيم) (2016)
++
تنقل الرواية صورة من الداخل للحياة في مجتمع قروي من مجتمعات المتصوفة،حيث يسود التسامح والتعايش وقبول الآخر والسلام والمحبة وهي فضائل إلهية تسير بها قافلة التسامح والحب (تشير إلى مجتمع من المجتمعات) في طريق الرجعى إلى الله ولا مكان فيها لليأس ولا تعرف الصد والإقصاء.
الجامع المحبة والمكان قلب العبد فالنسبة له إن جميع صور الكائنات المتعددة والمتنوعة ما هي إلا تجليات للحقيقة المطلقة، وهو ما عبر عنه ابن عربي في قوله الذي سارت به الركبان، وأورده المؤلف في مقدمة الرواية:
"لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ .. فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبَانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ .. وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن
أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ .. ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني"
أما عن شمول قبولهم للجميع وأن أحدهم لا يعرف الصد والإقصاء لأفراد المجتمع فقد عبر عنه حاج الماحي بقوله:"
يقول الماحي ليك غناي
وقيعا بي نساي وجناي
تلم إخواني للسقاي
عصاتنا البشربوا الدكاي
مع الصديق سديد الراي..
وكذلك قوله:
"المسلمين عموم
اليشرب المتموم
عالي القصور للنوم
حورا لباسن فوم"
فهؤلاء القوم لم يستثنوا عصاة قومهم بل شملوهم بدعائهم ويسألون الله أن تشملهم جميعا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
تجري أحداث الرواية في قرية من قرى وسط السودان، وهي "الواحة نورين" والمسرح الرئيس هو مسيد شيخ الجبارة، بينما تدور بعض الأحداث في نواحي القرية الأخرى بيوت السكان وتحت ظل شجرة ود الحسن وفي اندايه القرية والسوق.
"يا عمي سالم ولدك أصيل مات" دخلت الحُكم وهي تصرخ، هكذا افتتحت الرواية. تمتم الشيخ وقد طفرت منه دمعة "كم هي قصيرة تلك الحياة" ثم استرجع "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " وغادر المنزل حيث تعالت أصوات النساء بالبكاء والنواح. وهكذا فهي رحلة من لحظة الزغرودة فرحا بالميلاد إلى أصوات البكاء لحظة الانتقال وبينهما كسب كل الإنسان. يشير المتصوفة لهذه الرحلة أي حياة الإنسان ب "السير في طريق الرجعى إلى الله"، وسلوك الطريق هو إعداد الفرد بما يتزود به حين يقدم على ربه يوم الحساب.
تنقل الرواية في 12 فصل واقع الحياة في القرية وأنماط من تصرفات وسلوك الناس، ويدور كل ذلك بدون وصف تقريري فإما عبر حوار يدور بينهم أو رؤية يرويها أحدهم، ومال الكاتب إلى أسلوب جد طريف لطيف جنبه التقريرية وأهمية سرد الحوادث تظهر الشخصيات مقبولة في المجتمع كما هي ثم يتركها تسير في رحلة الحياة هذه القصيرة كما هي لتظهر مرة أخرى وقد ثابت إلى رشدها وتابت توبة نصوحا وتزودت للسفر وهذا تجسيد لقول شاعرهم:
يا مسافر سويلك زاد
والمسافر زادو الأوراد
سلوك الطريق هو إعداد الفرد بما يتزود به حين يقدم على ربه يوم الحساب. وهكذا يتوالى دخول شخوص الرواية وكل شخصية تجسد بسلوكها وتصرفاتها قيم وسلوكيات محددة حث عليها الدين وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وظف الكاتب بعض الرموز لأنها محمّلة بالكثير من الدلالات والمحمولات ونبدأها بالأسماء:
 فقد قال ابن القيم رحمه الله:" الأسماء قوالب للمعاني وفي الغالب يكون بين الاسم والمسمى تناسب وارتباط". كما جاء في الأثر لكل مسمى من اسمه نصيب
فالأسماء التي اختارها الكاتب لحمل رسالة معينة سواء أكان ذلك بالنسبة لاسم القرية مسرح الرواية "الواحة نورين"، والواحة منطقة خصبة ذات نبت وسط الصحراء، وأي واحة أخصب من مسيد للمسافرين في طريق سير الرجعى حيث يتزودون بما يعينهم على قطع رحلة الحياة القصيرة بالعمل الصالح والصحبة الخيّرة!! وبالرغم من أنها تنسب للجد الأكبر "نورين" إلا أن دلالات "النورين" لا تخفى على المسلم. ثم ننظر في أسماء شخوص الرواية فنجد شيخ الجبارة هو متكأ وركازة وتاية مجتمع القرية والمنطقة المحيطة، وهو الساقي خمر الطلى لمريديه، والمربي لهم بما يجسده بسلوكه وتصرفات، فأي جبارة لهم أكثر من ذلك. وحتى عندما رحل نجد أن خليفته حمل اسما يجسد واقع عصره وهو "شمس المعارف"!! ثم ننظر لشخوص الرواية فنجد أسماء مختار ودراج، فرح الرابطي (ثم فرح الحبيب ما يعكس التحول)، الحُكم، رضينا، الليم،وهدى و ساندا الأمر، ومولانا الرشيد، وأبو خلف والمقدم دينق المؤذن، وغيرهم والسائح لاذي يفد على القرية من حينٍ إلى آخر (والسياحة أو الغربة عند القوم مفارقة الوطن في طلب المقصود، يطلبون بالغربة وجود قلبهم مع الله).
 ووظف الليل والخمر [خمر الطلى] أو "القهوة" كما في قولهم ونجد أن ساندا الأمر صانعة القهوة هي أم الكل. والليل ليل العاشقين وشتان ما بين عشقٍ وعشقٍ، ولهذا تحفظ مرويات الثقافة الشعبية قصص اللقاءات التي جمعت بعض المغنيين ببعض الشيوخ عندما تناهى إليهم ليلا صوت المناجاة و(كلٌ يُغني على ليلاه)، وفي الرواية تمت دعوة مغني القرية نديم (السكير) لخلوة الشيخ حيث وقف يغني أمامه وأكمل وخرج وظن في دخيلة نفسه بغنائه هذا(تحقيق للنصر في مسيد الشيخ نفسه)وكعادة الكاتب تترك الأحداث الداخلية مفتوحة النهاية ليصادفنا الغني السكير (نديم) لاحقا وقد صار يعرف باسم حادي الأرواح!!
 وظف شخصيتي مولانا الرشيد وأبو خلف لإظهار الفرق بين الوسطية والاعتدال وفقه الأحوال كما في فهم وتصرفات وسلوك مولانا الرشيد العالم الأزهري، والتشدد المفضي للتكفير والتحريم والمنفر كما في سلوك وتصرفات أبوخلف الحافظ للقرآن الكريم، والكثير من الأحاديث النبوية ولكنه آحادي النظرة والمشرب.
ثم إن الدين قول وعمل، والشيخ جبارة يجسد ذلك بسلوكه وتعامله مع الجميع، يستقبل الشيخ فرح الرباطي (والاسم موحي) جاره في خلوته وهو الذي لا يدخل المسجد ويتحاشاه الجميع، يتبسط معه الشيخ ويستمع لحديثه ويتبسم في وجهه وهذه أمور كانت تحير المريدين والفقراء، وذات مرة قال الشيخ فرح يحبنا ونحبه وكانت نقطة تحول في سلوك فرح والذي تحول إلى "فرح الحبيب" بعد أن سلك الطريق، ثم إن الشيخ فتح المطامير في عام المجاعة ووزع ما فيها لناس المنطقة من حوله ودون مقابل.
وتجسد ذلك تصرفات وأعمال شخوص الرواية فهم قوم بسطاء وبالرغم من قلة كسبه العلمي إلا أنهم أصبحوا يجسدون ما عقلوا من القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في أعملهم ومعاملاتهم مع الآخرين ومع كافة مخلوقات الله. فهذا زرق الدرويش مرابط ومداوم على أداء الفرائض مع الجماعة وخص ذكر الله بمزيد من التحصيل فهو دائم الذكر عملا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن بُسر قال: "أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إنَّ شرائعَ الإسلام قد كثُرت علينا، فبابٌ نتمسَّك به جامع؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عزَّ وجلَّ". ثم إنه يحسن معاملة حماره والذي ما شوهد قط وهو يضربه واشتهر بين الناس أنه يحسن علفه والاعتناء به والرفق به وفي ذهنه المروي عن سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم " عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". وهو دعوة للحذر من الجراءة على ما نظنه من يسير الأعمال وأن الظلم خطر ولو للحيوان فما بالك بالإنسان ولا يحوز تعمد إيذاء الحيوان.
ثم هذا دراج مدمن القمار المشهور عنه وسط أهل القرية أنه لم يشاهد يوما مصليا في المسجد كما أنه لا يصوم شهر رمضان، ولكنهم جميعا مجمعون على أنه مطلقا لم يسئ لأحدهم أو يسبب له أذى، فمنهجه مع الناس هو هذا الحديث؛ سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سلم المسلمون من لسانه ويده).وعند دراج هذا تقول بت داود اليتيمة ذات الأعوام الخمسة أن دراج "هو والدها وعند سؤالها قالت بفرحٍ إنه كل يوم يحضر لها الطعام والشراب وقبل أن يغادر يلاطفها ويمسح على رأسها، وهذا أخذ من منهج النبوة له عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلًا.
ثم لننظر لشخصية "رضينا" صاحبة الإنداية والتي تصنع وتبيع المريسة ولم تقف يوما لتتسأل: هل المريسة حرام أم حلال؟ وهل هي شراب أم طعام؟ وهل؟ وهل؟ ولكنها أخذت نفسها طالما أنها تبيع شئيا للناس ألا تغش أحد!! فالغاش مذموم كما في الحديث: (من غشنا فليس منا). وإن الإحسان مطلوب لكافة المخلوقات، ولهذا كانت تقوم بوضع الطعام والماء للدواب والحيوان والطيور في تلك المنطقة بطرف القرية (الجو)، وانكشف ذلك عندما مرضت وسافرت للعلاج فقد شاهد زوار المحل هذه المخلوقات تتردد على المكان لمدة كم يوم ثم انقطعت وانشغل الناس عنها ولما عادت "رضينا" من رحلة العلاج ظهرت هذه الحيوانات واقتربت منها وصارت تتمسح بها وهو مشهد أثار دهشة الناس وحيرتهم وفجر وسطهم جدل فمن قائل إنها من أولياء الله الصالحين ومن قائل إنها من الملامتية!!! ولكنها وبسليقتها تدرك أن الرياء مذموم ومفسدة للعمل وفي ليلتها تلك وبعد أن ذهب الناس جمعت متاعها القليل وغادرت القرية ولم تظهر فيها ثانية إلا ليلة رحيل الشيخ.
شهدت القرية حوادث كبيرة كادت أن تذهب بسلامها وتجانسها وأمنها: ظهور شخص غريب (إيراني) في القرية والإقامة فيها بل وطلبه الزواج من حسناء القرية {حُكم}، فانقسم الناس بين مؤيد ومعارض لذلك الزواج والذي تم وكانت ثمرته الطفلة (أزادا) والذي هرب بها والدها بعد فترة لبلاده (وسلمها لأسرة أمريكية من العاملين في حقل البترول فأخذتها معها وتربت وعاشت هنالك وعادت تبحث عن أمها وجذورها بعد أن أخبرها أبوها بالتبني بالحقيقة قبل موته)، انكسرت الأم نفسيا وأصبحت بغيا!! ولكنها صلحت ما انكسر وانصلح حالها قبل ظهور ابنتها في القرية. ثم وفاة شيخ الجبارة والخلاف بين ابنيه غير الشقيقين: شمس المعارف يريد أن يحافظ على المجتمع كما هو تحفيظ القرآن وإرشاد السالكين وإكرام الضيف وقضاء حوائج الناس وأخيه (نورين) الذي أراد أن يجيّر هذه الجماهير للعمل السياسي ويربطها بالنظام الحاكم ولكن في النهاية سادت روح المسيد كوعاء جامع متجانس ليس فيه صد أو إقصاء ولكن محبة مكانها القلب.
طريقة إسلام دينق ومن ثم أخذه للطريق الصوفي تقف شاهدا على واحدة من الوسائل السلمية التي انتشر بها الإسلام في السودان. فمقدم دينق قبل إسلامه كان قد نشا تحت رعاية والديه الوثنين في إحدى قرى جنوب السودان، فهاجر إلى وسط السودان ليعمل مع المأمون التاجر الذي كانت له عدد من الكمائن في الضفة الغربية للنيل الأزرق. كان صوت النوبة قريبا إلى مسامع دينق وكانت مصدر دهشة له خاصة ليلتي الاثنين والجمعة. فذات يوم ما كان أمامه إلا الذهاب إلى مسيد شيخ الجبارة ليسلم ويأخذ الطريق الصوفي. جرت أحداث الرواية قبل استفتاء دولة جنوب السودان ولعل الأحاديث قد جرت بينه وبين إخوانه في الطريق والذي جاء بالإجماع عدم موافقته على مغادرة دينق لهم حتى ولو تم الانفصال، فكان لهم ما أرادوا إذا ظل مقدم دينق بينهم حتى بعد الانفصال.
ومن أحداث الراوية غياب طائر السمبرية والذي تعارف عليه في المنطقة باسم "رسول المطر"، ولعل غيابه كان قد ألقى بظلاله القاتمة على بيئة المنطقة، تزامن هذا الغياب لهذا الطائر مع تدهور مريع أصاب "الشريان" الاسم الذي يفضل أهل المنطقة اطلاقة على المشروع الزراعي الضخم الذي أسسه الرجل الأبيض إبان استعمار البلاد.
وفي الراوية هنالك مساحة تناولت صراع الحضارات العبارة التي سمى بها هنتغتون كتابا له مثل فكراً انطلق به اليانكي ليغزو العالم الإسلامي فكان ضرب أفغانستان فيما عرف الحرب على الإرهاب والتي أخذت صيغة الحرب على الإسلام بامتياز، ثم أردف بالطامة الكبرى في تلفيق واضح وخرق للقوانين والأعراف الدولية والأخلاق فكان غزو العراق. وغزو العراق فيه افتضحت قيم الحضارة الغربية التي ادعت جلب الحرية والديمقراطية فكانت فضيحة ابوغريب.
في الفصل الختامي والذي كان وصفا لحولية الشيخ جبارة السنوية في "الواحة نورين"، اجتمع الشمل وتلاقت الأرواح مرة أخرى في الرحلة القاصدة، فوجدنا (أزادا) السودانية الأم، الإيرانية الأب، الأمريكية المنشأ، ووجدنا حمزة (استيف سابقا) ومراد (بيتر سابقا) والذين سبق أن حضرا أول مرة لتسجيل فيلم وثائقي عن التصوف لقناة فضائية، وكذلك كان هنالك يوسف البريطاني وأحمد الألماني وبشير الأثيوبي، بالإضافة للسودانيين من مختلف الجهات.
استخدم الكاتب أشعارا لابن عربي وجلال الدين الرومي والشيرازي وابن الفارض كما أورد قصيدة شيخ عبد الرحيم البرعي "بوريك طبك"، وهي منهج في التربية.
وفي الراوية هنالك دعوة للتجديد والنقد الموجه لأولئك النفر من المتصوفة الذين يعنون باختزال التصوف في المظهر متناسين أصل نشأته.
يحمد للكاتب أنه أبقى على المفردات السودانية في المسيد كما هي، وأفرد لها مسردا في نهاية الكاتب وبهذا أدخلها ضمن القاموس المتداول في هذا الباب.
شكرا د. عبد الجليل عبد الله على هذا الجهد.
+++
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.