الشفافية الدولية: 4 دول عربية على رأسها السودان ضمن الدول "الأشد فسادا" في العالم    صعود الدولار مش زي هبوطه: What goes around comes around .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ضبط شبكة اجرامية تتاجر في الأسلحة والذخائر    قيادي ب"التغيير": أعضاء قحت لا يتدخلون في عمل الجهاز التنفيذي    الجيش اليمني يعلن استعادة مواقع من الحوثيين    توتنهام يستعيد نغمة الانتصارات ويعبر نوريتش بثنائية    الحرس الثوري: تابعنا الطائرة التي اغتالت سليماني منذ لحظة إقلاعها    عباس وماكرون يبحثان في رام الله القضية الفلسطينية والاعتراف بدولة فلسطين    مبارك الفاضل : ميزانية 2020 لن تستمر حال عدم رفع الدعم    والي الخرطوم : أزمة الدقيق (شدة وتزول) و(500) مليار لنقل النفايات    بكري المدينة ينتقل لظفار العماني    نيابة مكافحة الفساد تستجوب علي عثمان    تدشين العمل بمطار الضعين الدولي    (عابدون) : ترتيبات لمعالجات جزرية لازمة المواصلات بالخرطوم    إصابة وزير الأوقاف في حادث مروري بالخرطوم    حمدوك: لو اقتضت الضرورة عمل تغيير وزاري سنقوم به    النشاط الطلابي وأثره في تشكيل الوعي !! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد)    روشتة مستعجلة لوقف تدهور الجنيه السوداني .. بقلم: سعد مدني    الوضع الاقتصادي وتصاعد الدولار .. بقلم: الرشيد جعفر علي    الإعلان السياسي لقوي حماية الثورة السودانية: حماية ثورة ديسمبر المجيدة واستكمال مهامها واجب المرحلة .. لجان المقاومة هي الحارس الأمين للثورة والدفاع عن مكتسباتها .. دماء شهداء الثورة السودانية دين في رقابنا    قم الأن .. بقلم: أحمد علام    الشهيد عباس فرح عباس .. شعر: د. محمد عثمان سابل    تقديم (الطيب صالح) لرسائل وأوراق (جمال محمد أحمد): بين جمال محمد أحمد(1915-1986) والطيب صالح ( 1929-2009) .. بقلم: عبد الله الشقليني    مدني حل مشكلة الخبز في ثلاث اسابيع    وزير المالية : (450) كليو جرام تدخل عمارة الذهب عن طريق التهريب    الشرطة: انفجار عبوة قرنيت بحوزة نظامي أدت لوفاته وأربعة اخرين وإصابة أكثر من خمسة وعشرين من الحضور بإصابات متفاوتة    الهلال ومأزق المجموعات ! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد)    الشيوعي والكُوز وشمَّاعة الفشل!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    السيليكا.. صلات مفترضة مع الإرهابيين .. بقلم: كوربو نيوز .. ترجمها عن الفرنسية ناجي شريف بابكر    وزارة الصحة الاتحادية تنفذ حملات تحصين في الولايات    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    نظرة "تاصيلية" في مآلات الإسلاميين .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    زيارة الدكتور Dr.Anne Sailaxmana إستشاري جراحة العظام والسلسة الفقرية لمدينة المعلم الطبية    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    "الصحة" تحذّر من الاستحمام بالماء البارد    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    جريمة قتل البجاوى جريمة غير مسبوقة .. وضحت نواياهم السيئة للسكان الأصليين (1) .. بقلم: عمر طاهر ابوآمنه    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    طهران.. التريث قبل الانتقام .. بقلم: جمال محمد إبراهيم    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    زوج نانسي عجرم يقتل لصّاً اقتحم منزلها    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    إيقاف منصة بث "الأندلس" المالكة لقنوات طيبة    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كيف يمكن تحقيق العدالة والمصالحة والإنتقال السياسي في السودان؟ .. بقلم: عبدالحليم عيسى تيمان
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مقدمة:
إن طبيعة الموضوع تحتم علينا الوقوف على بعض المفاهيم والعبارات من خلال شرح مفهومها خاصة في موضوع مثل العدالة والمصالحة والإنتقال السياسي. والمفاهيم هي:
مفهوم العدالة والإنتقال السياسي:
وتُعَرف العدالة الإنتقالية بأنها تحقيق العدالة في فترة إنتقالية تمرّ بها الدولة فتنتقل خلالها من حكم عسكري أو إستبدادي إلى حكم مدني، أو من حالة حرب داخلية أو خارجية إلى حالة السلم، وذلك من خلال تطبيق مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية تعالج من خلالها ما ورثه المجتمع من إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من جهة، ومن جهة أخرى تمنع إرتكاب جرائم جديدة، والهدف الأساس من كل هذه التدابير هو إحقاق الحق وليس الإنتقام وتأكيد مبدأ عدم الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا والشفاء من ذكرى الألم.
مفهوم الوحدة الوطنية:
تُعَرف الوحدة الوطنية بأنها الحالة الإجتماعية والسياسية في البلد، والتي تعبر عن وحدة الشعب بمختلف شرائحه ومنابته على هدف واحد وهم مشترك دون النظر في إعتبارات إختلاف المنابت وتنوع الأصول، وخضوع جميع المواطنين في البلد للقانون والعدالة والمساواة بعيداً عن التمييز والمحاباة بناءاً على الأعراق والأصول والدين.
مفهوم العدالة التكميلية:
تأتي أهمية هذه المحاكم في النظر في الجرائم التي لا تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية من أجل معالجة كل المظالم وإكمال العدالة لمنع أي حلقة من الإنتقام والثأر، وهي مهمة في مرحلة ما بعد النزاع.
مفهوم إنتهاكات حقوق الإنسان:
والمقصود بها كل الإنتهاكات التي حدثت في تاريخ السودان في كل الحكومات السابقة بغض النظر عن أماكن حدوثها أو تاريخ حدوثها سواء كانت إنتهاكات سياسية أو جنائية خاصة بالنزاعات.
إحتدم الجدل في الفتره الأخيرة حول أي نوع من جهود العدالة والمصالحة هو المطلوب من أجل الإنتقال نحو نظام حكم ديمقراطي حقيقي في السودان.إن العدالة والمصالحة مهمه لإعاده بناء هذا البلد الفقير وغير المستقر وذلك من خلال جمع الفرقاء السودانين في جبهة واحدة من أجل معالجة جميع القضايا الوطنية. حيث لا قيمة في أي عمل عسكري أو مدني في ظل الإنقسام وغياب المصالحة والوحدة الوطنية وعدم التوصل لإستراتيجية وطنية تقوم علي الشراكه السياسيه للجميع.
وسوف يظل المطلب الأساسي للفترة الإنتقالية معالجة إنتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت في الماضي ولابد من القيام بجهود ضخمه للوصول الى الحقيقة والعدالة وتعويض الضرر والشفاء من ذكرى تلك الجرائم. ومن المهم أن تقوم العدالة وفق القانون ولكن ليس من خلال أعمال عدوانيه أو إنتقام ضد الذين كانوا في السلطة.
وعلينا أن نتفهم تعقيد عملية الإنتقال الى الديمقراطية لأن ذلك يتطلب أن تفهم كل جماعة أنها لايكمن أن تطالب بكل ماتريد وأن نعمل مع كل الأطراف والعمل معاً على أهداف مشتركة. عندما تعود الحريه تزاداد المطالب الإجتماعيه وأحياناً الرغبه في الإنتقام، لذلك علينا أن نعمل من أجل أن لا يحدث ذلك وبأن ذلك سوف تعقد الخطوات السياسية الأولية للمرحلة الإنتقالية لضمان مضي التغيير السياسي قدماً كما هو متوقع له.
وسوف نقوم بالتركيز علي إستعراض عمليات العدالة والمصالحة التي جرت في مناطق أخري في أفريقيا والعالم وأين كان التركيز في تلك العمليات ونشر الدروس المستفاده من هذه المصالحات وإمكانيه تكرارها في السودان.
جنوب أفريقيا :
تسبب نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا في موت العشرات من الآلاف ضحية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم الحرب أثناء الأعوام الخمسه والأربعين من المقاومه المسلحه التي شنها المؤتمر الوطني الأفريقي وآخرون.
تم تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة بالقرار رقم 34 في 1995، وكان مقرها في كيب تاون.تفويض اللجنة كان للاستماع إلى وتسجيل شهادات وفي بعض الحالات منح عفو لمرتكبي جرائم متعلقه بإنتهاك حقوق الإنسان، والتعويضات وإعادة الأهليه. وقد ضمت لجنه الحقيقه والمصالحة عدداً من الأعضاء ذائعي الصيت : كبير الأساقفه دزموند توتو ( رئيساً)، د.ألكس بورين ( نائب الرئيس).
إعتمدت لجنة الحقيقه والمصالحة في جنوب أفريقيا تصور العفو المشروط أو الجزئي كسبيل لتحقيق العدالة بدلآ عن العدالة العقابيه فعوضا عن تقديم المنتهكين لحقوق الإنسان إلى المحاكم إعتمدت اللجنه جلبهم للإعتراف بأخطائهم وطلب الصفح من الضحايا. تلقت اللجنه حوالي 7000 طلب للعفو، أغلبيتها أفراد من الحكومة السابقة وكانت لجنه أخرى من اللجان الفرعيه التابعه للجنه الحقيقيه والمصالحة وهي لجنه العفو المستقله ذاتياً، والتي ترأسها قاض في المحكمه العليا مسؤوله عن النظر في هذه الطلبات والبت فيها. وجرى البت في العديد منها. وتوصلت لجنة العفو الى قرارات بخصوص 1000 حالة على الأقل.
ويعتقد كثير من المراقبين أن تجربة الجنوب الإفريقيه نجحت لأنها واجهت الماضي وتناولته بالتشريح مستخلصه منه الدروس والعبر في الممارسه السياسيه وفي الخطاب السياسي الرسمي فصارت أكثر لجان الحقيقه والمصالحة شهره رغم أنها لم تكن الأولى منذ إنشاء أول لجنه في أوغندا عام 1974 بل لأنها حققت أفضل النتائج.
غواتيمالا:
إستمرت الحرب الأهليه في غواتيمالا أكثر من 30 عاماً وأسفرت عن حوالي 200,000 قتيل أو مفقود، بين القوات الحكمية والثوار اليساريين. ومن بين أكثر الموضوعات المطروحه للنقاش في مفاوضات السلام إثارة للخلاف كان مسألة كيفية معالجة إنتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب المرتكبه في الماضي أثناء فترة الإنتقال إلى السلم. وقد تم حل ذلك في يونيو 1994 بواسطة ( لجنة إستجلاء التاريخ ).
وقد أختار الأمين العام للأمم المتحدة أجنبياً لرئاسة اللجنة والعضوان الآخران كانا من رعايا غواتيمالا أختارهما الرئيس بموافقة الطرفين. وقد عملت اللجنه على مراحل مختلفة واسخدمت طاقم عمل تراوح مابين 200 موظف في ذروة عملها ( في14 مكتباً ميدانياً ) وأقل من 100 موظف في شهور التحليل والتحقيق وصياغة التقرير. وضم طاقم العمل بعض الموظفين الغواتيماليين والأجانب. وكانت مهمة اللجنه استجلاء إنتهاكات حقوق الإنسان وأعمال العنف المرتبكة مابين 1962 و1996 والمتصله بالنزاع المسلح، وأن تعد بناء على تحقيقاتها تقريراً نهائياً يضم أستنتاجاتها وتوصياتها فيما يخص تعزيز السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان وتخليد ذكرى الضحايا. وكانت أعمال اللجنه سريه إلا أنها كانت ملزمه بإعلان تأسيسها وولايتها ودعوة الأطراف المهتمه للأدلاء بالشهاده.
لم تكن النتائج في حالة غواتيمالا كما كان متوقعاً لها واصبح واقع الحياة في غواتيمالا دون تغيير كبير حيث الفقر كان لا يزال منتشراً حتى بعد المصالحة ولم توزع اللجنة تقاريرها على نطاق واسع.
رواندا :
بعد نهاية الإبادة الجماعية، كانت هناك خسائر مادية وبشريه جسيمه، بما في ذلك الآثار النفسيه في أوساط الروانديين من كل الأطراف، فجاء تشكيل لجنة: (المفوضيه الوطنية للوحده والمصالحة )، ومهمتها لم شمل المجتمع الذى عانى كثيراً ويلات الإباده الجماعيه، كما أعادت الحكومة النظر في الحلول المحلية. والتجربه الروانديه نجحت في جعل المواطنون أن يتفقوا على حل الخلافات بطريقه ( لاغالب ولا مغلوب) وكان هذا هو سبب النجاح.
يضاف إلى ذلك في تجربة رواندا نجاح الحكومة والأحزاب على نقاط اساسية من أجل إعادة بناء الوطن. كما شرعت الحكومه الروانديه في تطبيق نظام تشاركي للعداله يعرف باسم غاتشاتشا وذلك في عام 2001 من أجل مواجهة ذلك الكم العظيم من القضايا المتراكمه في النظام القضائي، وفي هذا النظام يقوم القضاة المنتخبون على الصعيد المجتمعي بالإستماع إلى محاكمات المشتبه في مشاركتهم في الإباده الجماعيه والمتهمين بأيه جريمه من الجرائم، بإستثناء التخطيط لعمليات الإباده أو الإغتصاب، وحاكمت هذه المحاكم الأهليه المتورطين في أعمال عنصريه بالسجن وحكمت على الذين أدينوا بأن يقضوا نصف المده بالسجن والنصف الأخر بتقديم خدمات إجتماعيه.
كما تم إنشاء ( لجنة الوحده والمصالحة الوطنية ) ومهمتها الأساسيه عملية التصالح والتسامح بدءاً من تحقيق العدالة وعرض الحقيقه ومن ثم يأتي التصالح، وهذا يعتبر حقاً طبيعياً لضمان حقوق المظلومين وعدم إهدارها، وقد رأى الروانديون هذه الطريقه مفيده جداً للمصالحه الوطنية، كما ساهمت في إخراج البلاد من أتون حرب أهليه كادت تقضي على كيان الدولة، وبفضل الوحده والمصالحة تمكنت رواندا من الخروج من تمزق النسيج الإجتماعي الناجم عن عواقب الإباده الجماعيه التي حدثت سنة 1994.
من العناصر الأخرى التي يمكن إدراجها في برنامج للعداله الإنتقالية المحاكمات وبرامج الإختيار والتصفيه والإصلاح القانوني وإجراءات رد الحقوق وإعادة الإدماج في المجتمع. ويبدو أن هناك إتجاهاً جديداً صوب إدماج أو توليف عناصر العدالة الإنتقالية المختلفه. ويمكن لنا أن نشهد هذا في عدد من الأماكن، من سيراليون ( حيث ستعمل جنباً إلى جنب لجنه للحقيقه ومحكمة جنائية مؤلفة من عناصر وطنية ودولية )، مروراً برواندا ( حيث يسعى نظام الغاكاكا الجديد إلى دمج أهداف الإحاله الى المحاكمه والسعي إلى الحقيقه وإعادة إندماج المجتمع) إلى تيمور الشرقيه ( حيث ستلعب لجنة للحقيقه دور تسهيل عودة اللاجئين ومحاكمة الجرائم الجسيمه ورد الحقوق وإعادة الإدماج في الجرائم الأقل جسامه).
والهدف الأساسي من إعتماد هذه التجارب التاريخيه في مجال العدالة والمصالحة، هو تحقيق النتيجه النهائيه المتمثله في السماح للناس الذين يعرفون بعضهم بعضاً إمكانيه إستئناف العيش في المجتمع نفسه، وإستعاده العلاقه بين المجرمين والضحايا.
وهذا يؤكد أهميه إعطاء المجتمع الفرصه في أن يعبّر عن نفسه وفي أن يساهم في إختيار أدوات العدالة المناسبه من أجل انصاف الضحايا وتحقيق المصالحة. كما أعتقد أن التجربه السودانية القادمه يجب أن تضع في الإعتبار أن العدالة المنشوده هي التي سوف تقوم بتناول كل المشاكل والصراعات وآثار الحروب وشتى أنواع المظالم. بمعني أن ننظر إلى خساره جميع الأطراف في الوطن، هنا نستطيع أن ندواي جميع جراحاتنا ونمهد الطريق ونساهم في حل أزمه الحكم وإصلاح الاقتصاد.
إن حديثنا عن هذه المصالحة الوطنية لا يعني بحال أنها العلاج السحري الوحيد القادر علي حلّ مشكلات الوحده في السودان، إنما هي مقترح يستند إلي تجارب سابقه مماثله في غينيا وجنوب أفريقيا ورواندا.. ويسترشد بها، ولا بد أن تصحبها وسائل وآليات ومقترحات أخري تأسيساً علي الإراده الوطنية وروح الوفاق، لتكون نقطه البدايه لإنهاء الحروب وعوده السلام واللحمه الوطنية إلي سابق عهدها.
الأهداف الأساسية للمصالحة الوطنية :
أولاً الهدف الأساسي: بناء الدولة السودانية الجديدة إنطلاقاً من أن حكومة الإنقاذ إرتكبت أخطاء فادحة من خلال سوء إدارة الدولة وتسببت في حروب داخلية أفرزت ظواهر سلبيه في مقدمتها ضعف مفهوم الدولة وتراجع الهوية الوطنية المشتركة لصالح صعود هويات جهوية وتوتر العلاقات بين المجموعات الإجتماعية وأفرزت حروب بين القبائل، فضلاً عن الفساد الإداري والمالي والسياسي الذي تفاقم حتى تسبب في الإنهيار المالي القائم. ويستلزم معالجة هذا الواقع وبناء الدولة الجديدة والتي سوف تكون الحاضن الكلي للمجتمع والقائمة على أساس المواطنة وحكم القانون إنجاز توافق وطني عام إستناداً الى محاور الدولة القومية وعدالة توزيع السلطة والثروه ومعالجة قضايا الأراضي. ويفترض أن تحسم هذه الأمور من خلال دستور دائم يحظى بإجماع وإحترام الجميع. وهذا الهدف يتطلب تغيير الحكومة الحالية إما من خلال إعترافها بالأخطاء وإعلانها عن تسليم السلطة لتكون جزء من العملية السياسية القادمة أو أن يستمر الشعب والأحزاب وباقي المجموعات في مقاومتها حتى يسقط.
عميلة الإنتقال السياسي:
ودائماً يكون السؤال: ماهي الفكرة أو الكيفيه المناسبه التي سوف تمكن البلاد علي الإنتقال من حكومه إستبداديه إلي ديمقراطيه؟، وفي هذا الصدد يجب التركيز علي البحث عمّا يوحّد أكثر مما يفرّق بهذه الطريقه سوف نتمكن من التوصل إلي إتفاق بشان القضايا الأساسيه. ويجب التذكير بأن تحقيق الوحده الوطنية ليس سهلاً وهذا يتطلب درجه من التقارب بين الحكومه والمعارضه، وبين مختلف القطاعات السياسيه. ولذلك يجب أن يكون لدينا هدفين، هدف إعاده بناء الديمقراطية، وهدف تحقيق وحده السودانيين. ومن الواجب علي أطراف المعارضه وقف الإستقطاب من أجل إحراز تفاهم واسع. ويجب أن تفهم المعارضه أن القضايا التي ظلت تفرق بينهم أقل أهميه مع إستمرار الدكتاتوريه .
إن من أهم المسائل في عمليه الإنتقال هي: الأولي، الإتفاق بين القوي الإجتماعيه والسياسيه وهو ما يجعل إنهاء الدكتاتوريه أمراً ممكناً، الثانيه، التفاوض لإقناع حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالتخلي عن الشموليه والمشاركة في عمليه الإنتقال والإجابه عن الأسئله المتعلقه بانتهاكات حقوق الإنسان، والثالثه، عمليه كتابه الدستور القومي الدائم، والرابعه، السعي لتحقيق التنميه الإقتصاديه مع المساواة.
في الوقت الراهن تلعب السياسه الأقتصاديه دوراً مهماً في نجاح عمليه الإنتقال السياسي. لذلك يجب أن تكون إداره الأقتصاد التزاماً جادّاً ومسئولاً، وبالأخص في دوله ناميه مثل السودان لكي يري الناس التغيير حتي لا يخيب ظنهم بالنظام الديمقراطي الذي سوف يُعاد إنشاؤه.
خطوات العدالة والمصالحة في السودان:
وكما رأينا فإن تجارب "المصالحة الوطنية" قد قادت الى نتائج مبهرة في رواندا وجنوب افريقيا وغواتيمالا، وساهمت في تعزيز المسار الديمقراطي وتكريس العدالة وسيادة القانون. فمن الواجب الاستفادة من هذه التجارب وأعتمادها كواحدة من أدوات العدالة القادمة في الحالة السودانية من أجل طي صفحة الماضي وفتح الطريق أمام السلام والاستقرار والتنمية.
وكما حدث في رواندا فقد حوكم معظم الجناة الرئيسيين في محاكم عادية في رواندا وأوروبا والمحكمة الجنائية الدولية برواندا. أما بالنسبة إلى باقي المتهمين بالقتل فقد تمت محاكمتهم إستناداً إلى نظام العدالة التقليدي المجتمعي المعروف باسم "غاكاكا".
وعليه من المتوقع أن تأتي جهود العدالة في السودان مماثلة لتلك التي حدثت في رواندا. وذلك من خلال المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم العادية والتقليدية.
المحكمة الجنائية الدولية:
كانت قضيه دارفور قضيه غايه في البساطه لكن وجد المنتفعون فيها فرصه لتحقيق مكاسب خاصه وتسويه حسابات محليه، فأختلقوا الروايات ونشروا الأكاذيب وضللوا الحكومه وبذلك نجحوا في خلق أكبر كارثه إنسانيه وأخلاقيه في تاريخ السودان وستظل ذكراها تطارد المسئولين عنها فترة طويلة من الزمن.
فمنذ بداية عام 2003م، إندلع الحرب في دارفور بين القوات الحكوميه ومليشياتها من جهه وبعض الجماعات المتمرده. وقامت الحكومه ومليشيا الجنجويد باحراق وتدمير مئات القري، متسببه في عشرات الآلاف من الوفيات في صفوف المدنيين، وتشريد الملايين، وأصبح ما يقارب 2,2 مليون شخص مشرد يقيمون في معسكرات في دارفور، وأكثر من 200,000 من الأشخاص لاجئين في دوله تشاد. كما أن هناك أكثر من 2 مليون شخص آخرين يعتبرون "متاثرين بالنزاع". وتتحمل جميع اطراف النزاع المسئولية عن الانتهاكات الإنسانية التي حدثت. وتسبب هذا الحرب بأضرار بالغه بلإقتصاد المحلي والقومي في السودان.
وترتب على ذلك إحالة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الوضع في دارفور بالسودان إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2005م. وذلك في مواجهة إنعدام الإرادة والقدرة في النظام القضائي السوداني للقيام بالإجراءات القضائية اللازمة على الجرائم المرتكبة في دارفور. لذلك جاء دعم مجلس الأمن للمحكمة الجنائية الدولية لتمكين الضحايا من الحصول على العدالة وتؤكد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة من أجل إنصاف الضحايا ومنع إستمرار إنتهاكات حقوق الإنسان مستقبلاً. وبناءاً على ذلك فمن المتوقع أن تنظر المحكمة الجنائية الدولية في محاكمة بعض الجناة الرئيسين في محكمتها. لكن بعد مرور اكثر من ثلاثة عشر عاماً منذ احالة مجلس الأمن الوضع في دارفور الى المحكمة لا يزال الناس في أنتظار العدالة، وعليه يكون السؤال: كم عدد السنوات والتقارير الإضافية التي تحتاجها المحكمة من أجل تحقيق العدالة. ومن الواضح جداً ان المحكمة سوف تنظر في هذه القائمة الرئيسية فقط، لكن يبقى الأهم هو النظر في كل المظالم التاريخية من أجل عدالة ومصالحة تمهد الطريق نحو سلام شامل وانتقال سياسيى. لذلك هناك ضرورة لعدالة محلية تكميلية وتعويضية للقيام بهذه المهمة للنظر في تهم ضد عشرات الآلاف الأخرين المتهمين بالقتل خاصة في دارفور في القتال بين الحكومه والحركات ومابين القبائل وتلك المرتبطه بجرائم فرديه.
العدالة التكميلية (المحاكم العادية والتقليدية):
أما بالنسبة للجرائم الأخرى فمن المنتظر أن ينظر فيها في محاكم عادية أو من خلال المحاكم التقليدية حسب نوع الجريمة. وسوف يكون من المفيد الإستفاده من بعض العادات والتقاليد المحليه من أجل تعزيز العدالة والمصالحة وإستعادة العلاقات بين الجناه والضحايا وإستئناف العيش المشترك في المجتمع نفسه. ومن العادات السودانية التي تسهم في تقديم الحلول في مرحله العدالة والمصالحة. وخاصه في حاله نزاع دارفوروجنوب كردفان والنيل الازرق هي:
أولاً: مبادره"الأجاويد"
هي العاده الإجتماعيه عندما تجمع شيوخ القريه أو المنطقه لحلّ مشكله ما، ومن هنا يمكن تطوير هذه العاده لتأخذ شكل محاكم محليه في القري والمناطق التي حدثت فيها الحروب والمشاكل القبليه ومن الأفضل أن يشرف علي المحاكمات قضاه تقليديون لكن من المجتمع المحلي.
ثانياً: مبادره "النفير"
في الثقافه السودانية كان أعضاء المجتمع يلتزمون للعمل معاً في هدف مشترك لتحقيق النتيجه. فمن الممكن أن يعمل الضحايا والجناه في حرث المزارع سوياً أو أي أعمال إجتماعيه وإقتصاديه أخري. هذه العاده يجب تطويرها ومن الممكن أن تكون جزء من الجهود التي سوف تساعد علي جبر مساحات الكراهيه وإعاده بناء العلاقات بين أعضاء المجتمع المحلي والمساهمه في إعاده بناء الوطن.
ثالثاً: مبادره "المساهمه الجماعيه"
وهي الممارسه الثقافيه القديمه في السودان، حيث يساهم كل شخص من أجل مساعده أفراد من المجتمع علي إكمال مهمه صعبه كالزواج أو إقامه مأتم. هذه العاده يمكن الإستفاده منها من أجل تعزيز عمليه التبادل المشترك بين الضحايا والجناه في مثل هذه المناسبات كجزء من الجهود الراميه للعيش المشترك ومن أجل تحسين معيشه أفراد المجتمع وتعزيز الهويه الوطنية المشتركه.
رابعاً: مبادرة "الضرا"
وهي عباره عن عاده إجتماعيه يساهم من خلالها كل أنسان في القريه أو الحي بطعام من منزله وبذلك يكون الأكل جماعياً، وهي من القيم الإجتماعيه التي تساعد علي التعاون وتنميه صفات الكرم والشعور المشترك وفرصه للإلتقاء الجماعي. يجب أن يستفاد من هذه العاده من أجل جمع الخصوم السابقين في موائد الدار من أجل جبر مساحات الغبن والكراهيه.
خامساً: مبادره "الفزع"
وتشير إلي ثقافه العمل الجماعي، من أجل البحث عن أي مفقودات في القريه أو المجتمع يمكن الإستفاده من هذه الثقافه الإجتماعيه بأن يتم تقديم ممثلين من أطراف النزاع السابقين للقيام بهذه المهمه من أجل توطيد العلاقات الإجتماعيه وتعزيز الوجود المشترك بين الخصوم السابقين.
سادساً: مبادره "الراكوبه"
وهي الممارسه الثقافيه القديمه في السودان، حيث كانت القبائل تعقد اتفاقاً بينها بالعفو وعدم قبول الديه عندما يقوم طرف من أفراد القبيله بقتل فرد من القبيله الأخري. يمكن الإستفاده من هذه العاده في إقامه مثل هذه الإتفاقات بين القبائل التي بينها نزاعات وحروب سابقه من أجل معالجه المشاكل التاريخيه. ومن ناحيه أخري من الممكن أن تساعد هذه العاده في تفادي حروب ومشاكل بين المجتمعات والقبائل بسبب الجرائم الفرديه.
سابعاً: مبادره "المصاهره"
تقوم هذه الممارسه الإجتماعيه في السودان، حيث كان الشخص يعرض الزواج من مجتمع أو قبيله أخري، باعتبارها علامه علي الإحترام ورغبه في الإستقواء الإجتماعي أو من أجل الشعور بالأمان، أو كجزء من الرغبه في تفادي إحتكاكات أو حروب. يمكن أن تطلق هذه المبادره لقيام مصاهرات إجتماعيه بين مختلف المكونات التي حدثت بينها حروب وخصومات وذلك من أجل نسيان الماضي وفي التصدي للتحديات القادمه.
ثامناً: مبادرة "رموز المجتمع"
وسوف نهدف من خلال هذه المبادرة للإستفادة من جهود رموز المجتمع لما لهم من تأثير على المجتمع. مثال (الإدارة الأهلية، الطرق الصوفية ورجالات الدين، فنانين، شعراء، مطربين، كتاب، علماء، ورجال أعمال ومنظمات المجتمع المدني).
هذه المعاني والعادات يجب أن يستفاد منها في التصدي للتحديات الخاصه من أجل إعاده التعايش في مرحله ما بعد النزاع وسوف تشكل أساساً لإيجاد حلول لكثير من المشكلات التي خلفتها الحروب. وهذا يؤكد أهيمه إستخدام أدوات الثقافه التقليديه من أجل حياه أفضل.
خاتمة بالتوصيات:
لدي التأمل في التجارب التاريخية في مجال العدالة والمصالحة والإنتقال، ما الدروس والمبادئ الرئيسيه المستفاده التي تساعد السودان من تحقيق تجربة مماثلة؟
هناك ضروره لفهم أهميه المفاوضات بين أطراف النزاع. ولا يمكن حل نزاع من النزعات إذا لم يتحادث الأطراف فيها بينهم من أجل تحقيق سلام دائم.
وأشدد علي أهميه التحول في إطار تحالفي بين معتدلي النظام والمعارضه. ومن أهم شروط العدالة والمصالحة تحقيق عمليه السلام الشامل وعدم التفكير في فرض الإستسلام، ويجب أن نعلم كذلك أن إنهاء العنف ليس كافياً؟ بل يجب معالجه الظروف التي خلقت الصراعات. يتماشي السلام والتنميه مع بعضهما لذلك يجب تحقيق التنميه المستدامه في المناطق المتضرره من الصراع.
وتوضح كثير من حالات الإنتقال السياسي الأهميه المركزيه للقوه في الشوارع، وبالطرق السلمية وقد خلق الإرتباط بين المكونات الإجتماعيه والسياسيه القوه والإمكانيه لإجبار الحكومات الإستبداديه قبول التسويه والإنتقال إلي الديمقراطية، لذلك يجب بذل مزيد من الجهود من أجل تحريك الشارع والتنسيق بين المكونات الإجتماعيه والسياسيه ومنظمات المجتمع المدني من أجل الضغط علي الحكومه وإجبارها علي الإنتقال إلي الديمقراطية.
وعلي الحكومه أن تدرك ضروره أن تتغير، وأن التسويه ضروريه. يجب أن تكون المفاوضات قائمه علي الصدق، ولا يجوز أن تتحول إلي مجرد خداع كما يحدث الأن. ومن الواضح جداً أن الوضع الحالي لايمكن أن يستمر هكذا. وعلي الأحزاب والقوى الأخري بناء توافق في الأراء حول أجنده سلام وطني ومصالحه شامله ومن أجل تنميه وطنية مستقله لكي تتمتع بثقه الجمهور. ويجب التاكيد علي أن بناء نظام ديمقراطي ناجح مسئوليه مشتركه، وهو الطريق الأمثل لضمان السلام الإجتماعي والتنميه الإقتصاديه.
يجب كتابة دستور قومي يشارك فيه الجميع، كي يتمكن الناس من التعبير عن تطلعاتهم بطرق شرعيه ووفقاً للدستور. يجب إطلاق سراح السجناء السياسيين (من الأحزاب أوالحركات أو الحركات الإجتماعيه الأخري)، ومنح حريه التعبير وحريه الصحافه.
علي جميع الأطراف الإنتباه إلي أهميه تطوير الأحزاب، وذلك لتنظيم الناس وتوعيتهم وإبعادهم من الإنتماءات الضيقه وتمكينهم من العمل في شراكه وطنية مع الأطراف الأخري. ففي حال غياب الأحزاب وسقوط الدكتاتورين، ستكون هناك حريه، لكن حريه من أجل الفوضي (كما حدث في ليبيا واليمن والعراق) أو لأجل مجموعه ذكيه تتسلم السلطه بسرعه في أول إنتخابات، ومن ثم تجد الوسيله لتقويض الديمقراطية.
من المؤكد أن تشرذم الأحزاب السياسيه يجعل التحول الديمقراطي والمحافظه عليه أمر في غايه الصعوبه، لذلك هناك ضروره لتجميع الأحزاب في كتل رئيسيه من أجل إنجاز التحول الديمقراطي بشكل ناجح.
لا شك هناك ضرورة لأن تواجه الحركات المسلحة في دارفور كل التهم المنسوبة إليها للنظر فيها لمواجهة العدالة وتحقيق المصالحة حتى يتسنى لجميع أفرادها ليعودوا للعيش بسلام مع مكونات المجتمع، وهذا يؤكد أن العدالة والمصالحة فائدة للجميع. ولكي تكون للحركات المسلحة صلاحية للمشاركة في تشكيل خارطة المستقبل الوطني عليها ألا تحصر نفسها ضمن حدود جغرافية محدودة، وهذا يتوجب عليها تغيير طبيعتها والإنتفاح على مساحات جغرافية وإثنية تتجاوز حدودها السابقة.
لقد إتسمت تجارب كثير من الدول التي حققت العدالة والمصالحة والإنتقال السلمي من خلال إقامه هيئة للحقيقة والمصالحة. إذا صرح الناس بالحقيقه كامله، فانهم يستطيعون الإستفاده من العفو العام مع الإعتذار والتوبه. أما من يرفض طلبه من أجل العفو فسوف تتم محاكمته.
يجب الإستفاده من كل الجهود السابقه الراميه لإحلال السلام بدارفور والسودان، بدءاً من لجنه حكماء أفريقيا برئاسه ثامبو أمبيكي. وإتفاقيه أبوجا وإتفاقيه الدوحه وبقيه إتفاقيات السلام، وضروره الإستفاده من الإيجابيات التي أفرزتها هذه الإتفاقيات، والغرض من ذلك هو بناء السلام المنشود من خلال الإستفاده من الدروس السابقه وأن نجعلها جزءاً مكملاً للمشروع القادم.
يجب أن تتجه الجهود نحو معالجة أثار تقسيم المجتمع عندما إستغلت الحكومة مجموعات عرقيه لمحاربة مجموعات عرقيه أخرى لأغراضها السياسية، في التحول السياسي القادم يجب إعطاء المجتمع الفرصة في أن يعبر عن نفسه، وأن يساهم في إختيار أدوات العدالة المناسبه. يضاف الى ذلك على المستوى السياسي أن تتفق الأحزاب والتكوينات الأخرى على ميثاق شرف من أجل العدالة ورفض الإنتقام لايمكن تجاوزها مهما بلغ بينها الخلاف.
لأن العدالة والمصالحة ليست شأناً خاصاً بالحركات المسلحة والأحزاب فقط، فأن إختلاف الأطراف في نداء السودان حول كيفية العدالة والمصالحة لايعني عدم وجود بدائل من الشعب الذي تضرر مباشرة من الأحداث، وبالتالي من الممكن أن نرى بداية حركات من أجل السلام لممارسة الضغط على الفصائل المتحاربة والحكومة من أجل إتمام عملية السلام وربما تشكيل قوى ضد العنف وتسويف الحلول وتأجيل القضايا. خاصة أن الواقع على الأرض في تغير مستمر، فبعد القبض على أكبر المتهمين عن جرائم الإباده وحرق القرى وبعض من أعوانه ومع حملة جمع السلاح في دارفور عاد عدد كبير من الأهالي لزراعة أراضيهم هذا العام، وبدأت تتشكل ملامح إعادة بناء العلاقات على أساس من المصالح المشتركة بين من كانوا يعتقد أنهم متعاطفون مع الحركات وأولئك الذين هم محسوبون على الحكومة.
وبهذه المناسبة أرى أنه من الضروري إقامة ورش عمل وسمنارات أو مؤتمر حول الدروس المستخلصه من تجارب العدالة في إفريقيا وفي دول أخرى حول العالم من أجل إستعراض التجارب المذكوره، وبهدف تعزيز الدور الذي يجب القيام به من أجل إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وإرساء المصالحة الوطنية في السودان.
ومن المأمول أيضاً تكوين هيئة سودانية مبكرة لتقوم بتقديم رؤية للمجتمع المحلي والدولي في مجال العدالة الوطنية السودانية القادمه وتهدف الفكره أن تتعاون هذه الهيئه مع كل مؤسسه أو فرد إشتغل في مجال العدالة والمصالحة في إفريقيا وأماكن أخرى في العالم للإستفادة من التجارب السابقة وتطوير المحددات الرئيسية لعملها والأخذ بعين الإعتبار لرأي الضحايا والتنسيق بين المحاكم المتنوعة (المحاكم المحلية والعدالة الدولية) وتحشيد الموارد والدعم الخارجي والعمل مابعد العدالة والتسويات.
كما أعتقد أن الندوات والمناقشات غير الرسميه يجب أن تبدأ من الأن في معسكرات اللجوء والنزوح وفي البلدان الأخرى التي لجأ اليها أعداد كبيره من السودانيين وأهمها الدول الاوربيه وأمريكا حتى يتثنى لنا إنجاز تنظيم دقيق لعملية العدالة والمصالحة من أجل إخراج البلد بأكملها من المشكلات بغض النظر عن أماكن حدوثها سواء أكانت في دارفور أو في أماكن أخرى.
وعلينا أن نتذكر أن الحكم السئ هو الذي زرع بذور الشقاق، وأن الحكم الرشيد هو الذى سوف يغير الأمور وأن الإراده السياسيه سوف تساعد على حدوث التغيير، لكن يجب أعطاء الشعب الذي تأثر مباشرة بالأحداث الدور الأساسي في تغيير الأمور نحو الأفضل.
المراجع وقراءات إضافية
المراجع الرئيسية:
- Hayner, Priscilla B. Unspeakable Truth: Confronting State Terror and Atrocity. New York: Routledge, 2001 (paperback edition, published as Hayner, Priscilla B. Unspeakable Truth: Facing the Challenge of Truth Commission. New York and London: Routledge, 2002).
- Truth Commission: A Comparative Assessment, An Interdisciplinary Discussion Held at Harvard Law School in May 1996. Cambridge, Mass.: Harvard Law School Human Rights Program, 1996.
مراجع أخرى:
- Kritz, Neil (editor), Transitional Justice: How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes, Vol. I-III. Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 1995.
- Nunca Mas: The Report of the Argentine National Commission on the Disappeared. New York: Farrar Straus Giroux, 1986.
- Report of the Chilean National Commission on Truth and Reconciliation (translated by Phillip E. Berryman; introduction by Jose Zalaquett), Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1993.
- From Madness to Hope: the 12-year War in El Salvador: Report of the Commission on the Truth for El Salvador. New York: United Nations, 1993.
- Informe de la Comision de la Verdad de Panama, 2002. (Panama Truth Commission Report).
- Biggar, Nige (editor), Burying the Past: Making Peace and Doing Justice After Civil Conflict, Washington, D.C.: Georgetown University Press, 2001.
المراجع الموجودة على شبكة الإنترنت:
Report of the Truth Commission on El Salvador,
http://www.derechos.org/nizkor/salvador/informes/truth.html
Commission for Reception, Truth and Reconciliation in East Timor,
http://www.easttimor-reconciliation.org
Peru Reconciliation Commission,
http://www.cverdad.org.pe/
Sierra Leone Truth and Reconciliation Commission,
http://www.sierra-leone.org/trc.html
International Center for Transitional Justice,
http://www.ictj.org
Centre for the Study of Violence and Reconciliation,
http://www.wits.ac.za/csvr
Truth Commission Project,
http://www.truthcommission.org
United States Institute of Peace Library,
http://www.usip.org/library/truth.html


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.