شراكة استراتيجية بين المواصفات والمقاييس وشركة سبائك    المريخ يخسر تجربته الاعدادية امام رديف الزمالك المصري    يا قلبي لا تحزن.    مجلس وزراء حكومة الشمالية يناقش خطط الوزارات للعام 2022    (270) حالة إصابة جديدة بكورونا و (6) وفيات    وزارة الزراعة تشرع في وضع سعر تأشيري للقمح    نائب رئيس مجلس السيادة يعود للبلاد بعد زيارة رسمية لإثيوبيا    قريبا.. "واتساب" يطلق ميزة طال انتظارها    السودان يوقع على ثاني أسوأ مشاركاته بالكان في الكاميرون    اكتمال الترتيبات لحملة التطعيم ضد فايروس كورونا بشرق دارفور    انطلاق الحملة الثالثة للتطعيم ضد كورونا غداً    وكيل وزارة الخارجية المكلف يقدم تنويراً لرؤساء البعثات الدبلوماسية    هل تصلح الوثيقة الدستورية لعام 2019 أساساً للانتقال في السودان بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021 ؟!    يونيتامس: تلقينا نبأ اعتقال رئيسة لا لقهر النساء بغضب شديد    مخابز: الدولار سبب في زيادة أسعار الدقيق    صباح محمد الحسن تكتب : الميزانية الواقع أم الوهم !!    اتحاد الكرة يؤكد اهتمامه بالمنتخب ويجدد الثقة في برهان تيه    شكل لجنة للتحقيق مع لاعبين .. مجلس المريخ يمدد معسكر القاهرة    واقعة غريبة.. يحضران جثة مسن إلى مكتب البريد للحصول على معاش تقاعده    أمين عمر: السودانيون بحاجة لتوحيد الكملة لا تسلميها للآخرين    مفاجأة صادمة ومرعبة داخل كيس "البروكلي"    إنطلاق الحملة القومية الثالثة للتطعيم بلقاح كوفيد-19 غداً    بعد (20) يوم من يناير: بدء تطبيق موازنة 2022 بعجز كلي (363) مليار جنيه    صلاح الدين عووضة يكتب : تمثال ملح!!    الكشف كواليس زيارة الوفد الإسرائيلي للخرطوم    القضارف تكمل ترتيباتها لحملة التطعيم بلقاحات كرونا (حماية3)    في المحيط الأطلسي.. نهاية مأساوية لمغامر مسن    مريخ الأبيض يحول تأخره أمام الزمالة ام روابة لانتصار برباعية    العلاقة بين القارئ والكاتب    أسر الشهداء تُطالب بملاحقة البرهان لدى المحكمة الجنائية    السطو المسلح في العاصمة الخرطوم .. إلى أين يتجه المصير؟!    شاهد بالفيديو.. فنانة سودانية مصنفة من ضمن المطربات الملتزمات تتخلى عن حشمتها وتقدم فاصل من الرقص الفاضح بملابس ضيقة ومثيرة    شاهد بالفيديو.. بائع ملابس سوداني يسوق لبضاعته في وسط السوق عبر الغناء ب(الدلوكة) يتصدر التريند ويجذب أنظار المتسوقات    فنانة شكلت حضوراً كبيراً في الوسط الغنائي .. حنان بلوبلو: تحكي قصة (أغاني البلاط) مع الشاعر عوض جبريل!!    قرار قضائي جديد بحق رجل الأعمال المصري المتهم بابتزاز فتيات في دار الأيتام جنسيا    تراجع التضخم.. هل ينسجم مع موجة ارتفاع الأسعار    شركات عمانية: المواشي السودانية وجدت قبولاً كبيراً في أسواق السلطنة    الغربال: انتظروا المنتخب في الاستحقاقات القادمة    الهلال يغادر لجنوب أفريقيا استعداداً للأبطال    السعودية.. السجن 5 سنوات لقاضٍ سابق اتهم بإقامة علاقات محرمة    الشواني: نقاط عن إعلان سياسي من مدني    شاهد بالفيديو: السودانية داليا الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    شاهد بالصور.. شاب سوداني عصامي يستثمر في بيع أطباق الفاكهة على نحو مثير للشهية    مقتل ممثلة مشهورة على يد زوجها ورمي جثتها في كيس    مصر تعلن عن اشتراطات جديدة على الوافدين إلى أراضيها    شاهد بالفيديو: السودانية داليا حسن الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    استدعوا الشرطة لفض شجار عائلي.. ثم استقبلوها بجريمة مروعة    القحاطة قالوا احسن نجرب بيوت الله يمكن المرة دي تظبط معانا    بالصورة.. طلبات الزواج تنهال على فتاة سودانية عقب تغريدة مازحة على صفحتها    منتدي علي كيفك للتعبير بالفنون يحي ذكري مصطفي ومحمود    صوت أسرار بابكر يصدح بالغناء بعد عقد من السكون    الرحلة التجريبية الأولى للسيارة الطائرة المستقبلية "فولار"    مباحث ولاية الخرطوم تضبط شبكة إجرامية متخصصة في السطو    الدفاع المدني يخلي عمارة سكنية بعد ميلانها وتصدعها شرق الخرطوم    تأجيل تشغيل شبكات ال5G بالمطارات بعد تحذير من عواقب وخيمة    اعتداء المليشيات الحوثية على دولة الإمارات العربية ..!!    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



( حريات ) تنشر مداخلة الاستاذ كمال الجزولي في ملتقي الدوحة
نشر في حريات يوم 29 - 09 - 2012


العدالة الانتقالية
بين الواقع السوداني والتجارب العالمية
……………..
كمال الجزولي
(على خلفية فرضية وقوع مساومة تاريخية
تفضي إلى التوافق على الانتقال من الشمولية
إلى الديموقراطية ومن الاحتراب إلى السلام)
مقدمة
مكن انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م حزب (الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة) من بسط السيطرة التامة على البلاد، وإنفاذ خطة الشموليَّة، من ثمَّ، على جميع الأصعدة، سياسيَّاً، واقتصاديَّاً، واجتماعيَّاً، مما ظل يبشر به، ويروج له، ويدفع نحوه، بوجه خاص، بعد التحاقه بنظام جعفر نميرى (من 1978 إلى 1985م) ، ثم بالأخص خلال سنوات الديموقراطيَّة الثالثة (1985 1989م). وقد ظلت أداة (القانون) ، سواء تحت عنوان (الدستور الإسلامي) أو (تطبيق الشريعة الإسلاميَّة)، تشغل دائماً مكان القلب من تلك الخطة بجوانبها كافة، الأيديولوجيَّة والسياسيَّة والدعائيَّة، والتي تكشفت، بعد الانقلاب، وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن، عن نظام لإفشاء شمولية الرؤية الأحاديَّة، على تفاوت قبضته السلطويَّة من فترة إلى أخرى، بين الشدَّة والشدَّة الأقل!
فاقم هذا النظام من حرب الجنوب، وعمَّق من أوضاع التهميش التاريخي الذي ظل يعانى منه أصلاً ملايين المواطنين من منسوبي التكوينات القوميَّة المختلفة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والشرق، بل حتى شمال السودان الأقصى، وصعَّد من نزعة الاستعلاء على الآخر في تلك البقاع، حتى عمَّتها الحرائق أجمعها، وشاعت على يديه ظلامات وحالات مزرية بلا عد ولا حد من إهدار (الحريات العامة والحقوق الأساسية)، والانتهاكات الجسيمة (للقانون الدولي لحقوق الإنسان) و(القانون الدولي الإنساني). وقد تمثلت هذه الحالات في أشكال من التنكيل بآلاف المعارضين السياسيين، والقادة النقابيين، ونشطاء المجتمع المدني، بل والمواطنين العاديين، الأمر الذي نجمت عنه ملاحقة منهجية للخصوم والمشتبه فيهم، واعتقالهم، وحبسهم انفرادياً، وتعذيبهم بدنياً ونفسياً، بل ليس نادراً قتلهم، وذلك بواسطة فرق مدرَّبة على هذه الأنواع من الممارسات، وفى أماكن غير معروفة أطلقت عليها الذهنيَّة الشعبيَّة اسم (بيوت الأشباح) التي يدخلها الضحايا معصوبي الأعين، ويغادرونها معصوبي الأعين أيضاً، ولكن بعد أشهر متطاولة من رؤية نجوم الظهر، دون أن يقدموا إلى محكمة، أو يواجهوا حتى بتهم محدَّدة! وإلى ذلك تعريض الكثيرين للاختفاءات القسريَّة، وللتشريد من الخدمة، وقطع الأرزاق، ولصنوف لا حصر لها من الإذلال، والمعاملة غير الإنسانية، المهينة والحاطة بالكرامة.
وفى 9/1/2005م، أبرمت (اتفاقية السلام الشامل CPA) التي تنصُّ على فترة انتقاليَّة مدَّتها ست سنوات، كما صدر، على هذا الأساس، الدستور الانتقالي لسنة 2005م. ورغم كلِّ المظاهر السالبة التي احتوشت هتين الوثيقتين المهمَّتين، والانتقادات الموضوعيَّة التي وجِّهت إليهما، وإلى آليَّة ومنهجيَّة إصدارهما بمعزل عن مشاركة الغالبيَّة الساحقة من الأحزاب والقوى السياسيَّة والاجتماعيَّة في البلاد، فقد أحسن حتى المعارضين الظن بهما، وعولوا على أن بمستطاعهما، في ما لو توفرت (الإرادة السياسيَّة) الكافية لدى طرفيهما، أن يؤسِّسا، في المحصلة النهائيَّة، لمسار سلس صوب هدفيهما الرئيسين: (السلام الشامل المستدام) و(التحوُّل الديموقراطي). لكن كرَّت مسبحة الأيام دون أن يحرِّك النظام شبراً واحداً باتجاه ذلك المسار المأمول، بل العكس كان هو الصحيح تماماً، حيث انفصل الجنوب، وانهار اتفاق دارفور الهش في أبوجا، وها هو اتفاقها الآخر في الدوحة يترنح، ومثله اتفاق الشرق في أسمرا، والأوضاع تتفجر باحتمالات الانتكاس إلى الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأبيي ومناطق كثيرة يتطاير منها الشرر على الحدود الشمالية الجنوبية!
ومن فوق عشرات الأضابير المزنرة من القرارات الدولية والإقليمية، الأفريقية والعربية، أصدر مجلس الأمن الدولي، في الثاني من مايو 2012م، وبناء على مقترحات وتوصيات الاتحاد الأفريقي وتضامن الجامعة العربية، القرار2046 الملزم لجمهورية السودان ودولة جنوب السودان والحركة الشعبية بالشمال حل جميع المشاكل بينهم عن طريق التفاوض خلال ثلاثة أشهر، ثم عاد ومدد المهلة لثلاثة أسابيع أخرى انتهت بالأمس، وسيجتمع بعد أسبوعين آخرين لسماع التقرير الذي ينتظر أن يرفعه إليه ثابو مبيكي، الوسيط الأفريقي السامي، حول نتائج المفاوضات، والبت في ما ىإن كان سيطبق عقوبات على أي طرف بموجب الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، وفق قرار المجلس نفسه.
والآن، إذا ما قدر لأي ترتيبات أن تهدئ من الأوضاع على صعيد جبهة السودان الداخلية، وأن تجعل من الممكن التوافق على شكل من المساومة التاريخية، فسيتبقى على البلاد أن تجابه تركة ضخمة من الانتهاكات تنتظر التصفية، الأمر الذي لا يكون بتجاهلها، فبدون التصدي لتصفية هذه التركة سترمُّ البلاد جرحها على صديد، علماً بأنه ليس لديها، إزاء هذه المهمة، سوى أحد خيارات ثلاثة:
(1) فإما أن تعهد بهذه التصفية إلى المحاكم السودانيَّة، مِمَّا يستوجب إزالة كلِّ العوائق التشريعيَّة التي استنتها الحكومة للحيلولة دون مساءلة أعضائها وموظفيها والعاملين في أجهزتها الأمنيَّة، فضلاً عن استحالة علاج المشكلة القانونية القائمة في عدم وجود نصوص للقانون الجنائي الدولي ضمن تشريعاتنا الوطنية لتمكين محاكمنا من نظر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في دارفور، أو أية منطقة نزاع مسلح، خلال الفترة من 2003 إلى 2010م!
(2) وإما أن تلجأ إلى القضاء الجنائي الدولي، وهو الخيار الذي يوفر إمكانات محدودة للمحاكمات، بالنظر إلى كلفته العالية، بينما جميع المتضررين ينتظرون أن تطبق العدالة على ظلاماتهم، فضلاً عن افتقار هذا الخيار لإمكانية تطبيق المبدأ القانوني الراسخ “العدالة التي تصرف ينبغي أن ترى وهي تصرف”، فلن ينطبق هذا المبدأ إلا بالنسبة لبعض القادرين فقط!
(3) وإما أن تنتهج طريق (العدالة الانتقاليَّة)، كآليَّة حديثة يمكن أن تفضى إلى شكل من أشكال تفريغ الاحتقان وإزالة الغبن في ما لو أخذت بحقها وفق الخبرة الدولية المتراكمة، وهذا ما سنعرض له في هذه الورقة.
مفهوم “العدالة الانتقالية” من الناحية النظرية
(1) إذا اعتبرنا تصريف العدالة، فى الظروف العاديَّة، وظيفة أساسيَّة من وظائف الدولة، فإن هذه الوظيفة تتقدَّم، في الظروف غير العاديَّة التي تكون فيها الدولة في حالة انتقال من نظام شمولي إلى نظام ديموقراطي، أو من حرب أهليَّة أو نزاعات داخليَّة مسلحة إلى سلام ومصالحة وطنيَّة شاملة، لتمثل الأهميَّة الأكثر إلحاحاً ضمن وظائف الدولة، بهدف إزالة الظلامات، وتضميد الجراحات التي تكون قد نجمت، ولا بُد، عن الممارسات القمعيَّة أو الاوضاع الحربيَّة السابقة، وإزاحة العقبات التي تعرقل طريق الانتقال المنشود. ومن هنا جاء مفهوم العدالة الانتقاليَّة transitional justice.
(2) يقرن هذا المفهوم بين عنصرين:
الأول: مفهوم (العدالة). فرغم أن حقل (العدالة الانتقالية) يعتمد على المباديء القانونية الدولية، كمحاكمة المجرمين وخلافه؛ فإنه يمتد إلى فهم أكثر أوسع للعدالة، كمطالبته بتأسيس برامج (التعويض)، وآليات البحث عن (الحقيقة).
الثاني: مفهوم (الانتقال). ويشير إلى تحول كبير، كالتحول من الشمولية إلى الديموقراطية، أو من الحرب الى السلام. فرغم أن عملية التحول تستغرق الكثير من الوقت، إلا أن تطبيقاته، في معظم التجارب العالمية، نجحت حيثما ساعدت سياسات (فتح الصفحات الجديدة)، و(خلق البدايات الجديدة) على تقوية وتسريع وتائر عملية التحول أو (الانتقال).
(3) وإذن، هو مفهوم دال على حقل من النشاط يركز على كيفية مخاطبة مختلف المجتمعات لتركة الماضي المثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان، في أزمنة السلم أو الحرب، بغرض تهيئة الأرضية المناسبة لبناء مستقبل أكثر ديموقراطية وعدلاً وسلاماً.
(4) وليست دلالة المصطلح مجرد (تصريف شكل من أشكال العدالة خلال الفترة الانتقالية)، بقدر ما هي (إنفاذ العدالة بصورة غير تقليدية خلال الفترة الانتقالية)، وهو ما سنركز عليه، دون إغفال للأشكال التقليدية.
(5) مع تنوع التجارب فإن ترتيبات الكشف عن الحقيقة، باعتباره بداية الطريق نحو المصالحة، هو القاسم المشترك بينها. وعادة ما يعتبر هذا القاسم المشترك بمثابة منهاج ترتيبات لمجابهة تركة الماضي كشرط لإصلاح سياسي شامل. ويندرج ضمن هذه المنهاج:
أ/ إصدار قانون خاص بتكوين آلية مستقلة لتنظيم هذه الترتيبات والإشراف عليها، وغالباً ما تتخذ هذه الآلية شكل (الهيئة الوطنية للحقيقة والمصالحة) أو (الهيئة الوطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة).
ب/ أخذ اعترافات الجلادين لضحاياهم، أو إفادات الضحايا علانية، وذلك من خلال جلسات استماع عمومي public hearing تنشرها الصحافة ويبثها الراديو والتلفزيون. ج/ يضاف إلى ذلك، كما فى معظم البلدان، ابتداع حزم من أشكال ما يعرف بالانتصاف، أي نظام معالجة الانتهاكات، جسمانياً أو نفسانياً، وتعويض وإعادة تأهيل الضحايا، فردياً وجماعياً؛ وقد يتخذ ذلك، بالنسبة للأفراد، شكل التعويض المالي أو المساعدة على إعادة الإلحاق بالعمل، أو توفير مصدر الرزق المقطوع، أو الدراسة أو السكن المناسب وخلافه؛ وقد يتخذ شكل التمييز الإيجابي positive discrimination في التنمية والإعمار والخدمات وغيرها، بالنسبة للمناطق والمجموعات الإثنية التي طالها التهميش، وكذلك بالنسبة للنساء والفئات التي عانت من الاستضعاف، وإلى ذلك بعض الإجراءات الرمزية، كالاعتذار الرسمي من الدولة، وما إلى ذلك.
د/ إحياء ذكرى الضحايا وتكريمهم، بعد التشاور معهم أو مع ذويهم، وذلك بانشاء النصب التذكارية، ومتاحف الذاكرة، كالمتحف الذي أقيم، مثلاً، داخل مصنع البطاريات بسيربينيتسا في البوسنة، حيث وضعت متعلقات 20 من أصل 8000 ضحية من المسلمين الذين تمت تصفيتهم فيه من جانب الصرب، وإلى ذلك تحويل المواقع التي كانت تستعمل في الماضي كمعسكرات اعتقال أو تعذيب إلى منتزهات تذكارية، فضلاً عن تفعيل الحوار البناء حول أحداث الماضي، فالمطلوب هو العفو، لا النسيان.
ه/ العمل على تحقيق ودعم مبادرات (المصالحة) في المجتمعات المنقسمة، بمشاركة الضحايا، أو من يمثلونهم سياسياً ومدنياً، حول ما يمكن عمله لإبراء الجراح، وخلق فرص التعايش السلمي مع (أعداء) الماضي، وفتح الطريق نحو بناء المستقبل الوطني الأفضل.
و/ إصلاح المؤسسات الحكومية التي استخدمت في الانتهاكات (الأمن الشرطة الجيش القضاء)، كإجراء وقائي ضد الانتهاكات مستقبلاً.
(6) المفهوم يستند إلى ركيزتين:
الأولى: (مجتمعيَّة)، فبفضل تطوُّر حركة حقوق الإنسان تمحور المفهوم حول مركز (الضحية)، فانصبت الجهود على حقوق الضحايا وأسرهم والمجتمع ككل، فردياً وجماعياً، إذ بغير ضمان هذه الحقوق تبقى الجراح مفتوحة تهدد بانهيار أي مسعى ل (السلام) أو (الاستقرار) أو خلافه.
الثانية: (سلطويَّة) مستقاة من القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث تعتبر بلدان الفترات الانتقالية ملزَمة:
أ/ بوقف الانتهاكات الجارية لحقوق الإنسان،
ب/ بمحاكمة ومعاقبة الجناة في الانتهاكات السابقة،
ج/ بجبر الضرر REPARATION للضحايا وذويهم والمجتمع ككل، فردياً وجماعياً، ومنع الانتهاكات المستقبلية، وتدعيم السلام، وتعزيز المصالحة الفردية والجماعية.
(7) المفهوم، كمنهج، يعترف بكون التحول أو الانتقال عملية معقدة، ومحفوفة بالمعوقات، بقدر ما هي محفوفة بفرص قيام ديموقراطيات مبتكرة. فمثلا، يمكن أن تنتج هذه العملية عن مفاوضات مطولة، فتؤدي إلى سلام ضعيف، وديموقراطية هشة، أو يكون عدد المنتهكين كبيراً، مما قد يفوق قدرة النظام القضائي على التعامل معهم؛ أو يكون عدد الضحايا أو ذويهم ممن يرغبون في حكي قصصهم ونيل التعويضات كبيراً، أيضاً؛ أو توجد معوقات قانونية أو دستورية ناجمة عن جولات تفاوض سابقة، كالعفو عن مجرمين مرتبطين بالنظام السابق؛ وقد تعاني الديموقراطيات الوليدة من تدخلات السلطة الجديدة، أو تأثيرات مجرمي النظام السابق، مما يجعل المفهوم منتقَصاً من ناحية قيم أخرى مهمة، كالديموقراطية، والاستقرار، وسيادة حكم القانون، والمساواة أمامه، وتحقيق العدالة للضحايا وأسرهم .. الخ.
مفهوم “العدالة الانتقالية” من الناحية التاريخية
(1) غير معروف بدقة التاريخ الفعلي لنشأة المفهوم. فقد جرى تداوله، ابتداءً، في حقل السياسة الفرنسيَّة. لكن ظهوره، بدلالته التطبيقية الراهنة، يعود إلى العام 1992م، في كتاب من ثلاثة أجزاء حرره نيل كيرتز بعنوان (العدالة الانتقالية: كيف تنظر الديموقراطيات الوليدة إلى الأنظمة السابقة)، ويضم أهم الكتابات الباكرة التي استخدم فيها المفهوم ضمن أدبيات السياسة والقانون في مختلف البلدان، كمفهوم استثنائي يربط بين مفهومي العدالة والانتقال، كما قد رأينا، ويشتغل فقط في البلدان التي تروم استدبار الأوضاع الشموليَّة ، وإقرار السلام وإنجاز التحوُّل الديموقراطي ، وترميم شروخات الجبهة الداخليَّة ، والسير باتجاه إعادة البناء الاجتماعي، وتحقيق المصالحة الوطنيَّة الشاملة، وذلك من فوق تاريخ مثقل بتركة انقسام اجتماعي ناجم عن حرب أهليَّة متطاولة أو نزاعات داخليَّة مسلحة، أو ممارسات إبادة جماعيَّة، أو قمع وحشي عام، أو تعذيب منهجي للخصوم السياسيين، أو ما إلى ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانيَّة.
(2) بالتالي لا يمكن إدراك محتوى المفهوم والمصطلح، حسبما تمخضا عن تجارب وخبرات أكثر من أربعين بلداً في مختلف القارات، مثل تشيلي (1990) وغواتيمالا (1994) وجنوب أفريقيا (1994) وبولندا (1997) وسيراليون (1999) وتيمور الشرقية (2001) والمغرب (2004)، بمعزل عن شبكة من المفاهيم والمصطلحات التي يتضمَّنها مثل (لجان الحقيقة، والانصاف، وإعادة البناء الاجتماعي، وإعادة تأهيل الضحايا، والمصالحة الوطنية، والإصلاح القانوني والقضائي والسياسي)، بما في ذلك إعادة صياغة مؤسَّسات الدولة كافة، المدنيَّة منها والعسكريَّة. كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الخبرات والتجارب الدولية تولد عنها المركز الدولى للعدالة الانتقالية ICTJ، بفضل جهود البروفيسير أليكس بورين والقس ديزموند توتو، واللذين يعتبران المهندسين الحقيقيين للتجربة فى جنوب أفريقيا. لقد أفضت جملة تلك التجارب إلى الارتقاء بخطاب المجتمع الدولى من مجرد المطالبة بتيسير الوصول للعدالة Access to Justice، فى سبعينات وثمانينات القرن المنصرم ، إلى تعزيز مبادئ المحاسبية accountability والتشديد على عدم السماح بالافلات من العقاب impunity، منذ مطالع تسعيناته، حتى أضحت هذه الخبرات تشكل علامة انعطاف فارقة في التاريخ الإنساني جديرة بالاستهداء بها، وبابتداع أشكال جديدة لإثرائها من واقع المخزون الاخلاقي، الديني، والثقافي، لدى مختلف الشعوب.
(3) هذا التطور الذي لحق تاريخياً بتطبيقات المفهوم لم يقع بضربة واحدة، وإنما بالتدرج، وعبر خبرات بلدان وشعوب مختلفة:
أ/ ففي أوروبا الغربية:
يعود المبحث إلى ما بعد الحرب الثانية، مما يعكسه نموذجا (نورمبرج وطوكيو). لكن (العدالة الانتقالية)، كمفهوم وكمنهج عمل، نضجت أكثر، خلال ما يقارب الأربعين سنة الماضية، وتحديداً مع بداية محاكمات جنرالات اليونان (1975م)، والأرجنتين (1983م)، وملاحقة القادة النازيين الفارين، والقبض عليهم، ومحاكمتهم.
ب/ وفي أوربا الشرقية:
أسهمت الجهود المجتمعية في التعامل مع انتهاكات الماضي، عبر فتح ملفات وكالات الأمن السابقة (مثل قانون سجلات استاسي في ألمانيا 1991م)، في الدفع بالنضال العالمي من أجل العدالة خلال فترات الانتقال السياسي.
ج/ وفي أمريكا اللاتينية:
أسهمت جهود الكشف عن (الحقيقة)، مثل (اللجنة القومية الأرجنتينية لتقصي المختطفين، 1983م)؛ والجهد غير الحكومي في الأورغواي، والذي أفضى إلى التقرير الأكثر ذيوعا (الأورغواي: ليس مرة أخرى)؛ و(لجنة الحقيقة والمصالحة الشيلية، 1990م)، توسيعاً لآفاق مفهوم (العدالة الشاملة) خلال فترات الانتقال، وذلك بالاعتماد على فكرة أن (الحقيقة) مبدأ جوهري لا يجب الانتقاص منه (زالاكيت 1993م، ضمن المقدمة، ص 31). كما وأن الجهود الإضافية في الأرجنتين وتشيلي لتعويض الضحايا أسهمت أيضا في توفير العدالة للضحايا.
د/ وفي أفريقيا:
واستهداءً بتجارب أمريكا اللاتينية وشرق أوروبا (بورين، ليفي، وشيفر 1997م)، كونت جنوب أفريقيا، عام 1995م، (لجنة الحقيقة والمصالحة) لتتناول جرائم التفرقة العنصرية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح نموذج هذه (اللجنة) آلية عالمية لل (العدالة الانتقالية)، حيث تكونت لجان مشابهة في تيمور الشرقية، وغانا، والبيرو، وسيراليون، والمغرب، وغيرها، رغم أنها تمايزت، وابتدعت أساليب جديدة، لعل أهمها إضافة الإنتصاف بين الحقيقة والمصالحة (المغرب).
المنطق من وراء ابتداع العدالة الانتقالية
ويقوم منطق هذا النمط من التدبير في:
(1) اتساع وضخامة الجرائم المرتكبة خلال الفترة السابقة على الانتقال، وذلك رأسياً من حيث النوعية، وأفقياً من حيث الأعداد الكبيرة لمرتكبيها وضحاياها، والمكونة لتركة الماضي المراد تصفيتها، بحيث تصعب معالجتها جميعها عن طريق إجراءات المحاكم العادية.
(2) كون التقاضي العادي أمام المحاكم الجنائية يتقيد بقواعد صارمة:
أ/ كالإثبات دون الشك المعقول beyond a reasonable doubt، والذي يستلزم عدم استعجال الإجراءات، وبالتالي لا يفي بالكشف عن نطاق واسع من الجرائم.
ب/ وهناك الاصطدام بين بعض إجراءاته، كمنح العفو Pardon مقابل تقديم إفادات عن أدوار الشركاء King's Evidence، وبين بعض المبادئ القانونية الدولية التي تعتبر منح العفو غير مقبول في حالات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي.
ج/ وهناك أيضاً حصانة المعلومات التي يدلي بها الشهود أمام جلسات الاستماع من أن تستخدم فى أية دعوى تقام ضدهم أمام المحكمة، كون هذه المعلومات مطلوبة فقط للكشف عن الحقيقة.
(3) أقرب هذه الخبرات إلينا تجربتا المغرب تحت عنوان: الحقيقة والإنصاف والمصالحة، وجنوب أفريقيا تحت عنوان: الحقيقة والمصالحة، مع رجحان التناسب بين تجربة المغرب وتجربتنا، حال توافقنا على التحول المنشود، دون إغفال قرابة الأربعين تجربة عالميَّة أخرى جعلت خطاب المجتمع الدولي الذي كان منصباً، خلال سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، على ما يُعرف بتسهيل التقاضي Access to Justice فحسب، يرتقى، منذ مطالع التسعينات، باتجاه التشديد على ما يُعرف بعدم السماح بالإفلات من العقاب Impunity.
(4) لقد أفضى جدل التطوُّر الطبيعي لعلاقات وصراعات المجتمع المدني مع النظام السابق في المغرب، إلى إحداث تحوُّل أكثر تأثراً بالديموقراطية داخل بنية النظام نفسه، بينما أفضى فى تجربة جنوب أفريقيا إلى نموذج مغاير بإنجاز القطيعة التامَّة مع نظام الفصل العنصري السابق. لقد اضطر الكثير من الجلادين لمواجهة ضحاياهم فى جنوب أفريقيا، وقدموا اعترافات علنية بما اقترفوا، كما وتمكن الضحايا فى المغرب من “..إسماع أصواتهم من منبر عمومي رسمي .. (و) تأسيس حكي وطني حول المعاناة والآلام الماضية” (التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة).
(5) ولئن استندت التجربة في بيئات الثقافة المسيحية، كما في جنوب أفريقيا، على التعاليم الكنسية ، فإن مما يرجح سداد تطبيقاتها في بيئات الثقافة الإسلامية، كالمغرب، أن تعاليم الإسلام قائمة، في هذا الجانب، على الإعلاء من فضيلة (العفو عند المقدرة). ويقيناً تكفل آلية الاستماع العمومي وما شابهها هذه (المقدرة) بحمل (الجلادين) و(دولتهم) على الاعتراف بالحقيقة علناً، أو، على الأقل، بتمكين (الضحايا) من رواية (ما جرى) علناً أيضاً.
(6) والتجربتان مطروحتان في أفق الخبرة الإنسانية المشتركة، من خلال الاشتباك مع دور المجتمع المدني في عملية التحوُّل، أو تجاوز (سنوات الرصاص)، بالمصطلح المغربي، لفظاً للعنف، وتفادياً لنزعة الانتقام، واعتماداً للوسائل الديموقراطية في تقصي الحقيقة، وأداء (واجب الذاكرة)، وفق علم النفس الاجتماعي، وجبر الأضرار بإعادة الاعتبار للضحايا مادياً ومعنوياً، ونقل الشعب من خانة (الرعايا) إلى خانة (المواطنين)، وابتداع (الإصلاحات الهيكلية) لقطع الطريق أمام انتهاكات حقوق الإنسان مستقبلاً، وضمان ألا يتكرر ذلك مرة أخرى، أى إجراء مصالحة حقيقية وكاملة، لا مع النظام كما قد يتبادر للأذهان خطأ ، وإنما مع التاريخ الوطني والذاكرة الوطنية في المقام الأول!
(7) لقد شكلت التجارب العالمية في مجال العدالة الانتقالية، وبالأخص تجربتا المغرب وجنوب أفريقيا، علامة انعطاف نوعيَّة فارقة في التاريخ الإنساني. أما التعويل القديم على خداع النفس والشعب والعالم بفبركة نماذج من مصالحات صوريَّة وديموقراطيَّات شكلانيَّة يكاد لا يتبدَّى لها مردود سوى فى ضجيج دعائي لا يرُدُّ حقاً أو يجبر ضرراً، ومحاولة تسويق موقف مناهض، بعد ذلك كله، للعدالة الجنائيَّة الدوليَّة، باعتبارها مجرَّد آليَّة للاستكبار الدولي، كما يشاع، فقد أمسى نهجاً مفضوح البوار والخسران، بل، بالأحرى، محض وهم غارق في الكساد واللا تاريخيَّة.
الخلاصة
(1) يمكن تلخيص المسألة في أنه، ولتثبيت مبدأ العدالة الشاملة في اللحظة التاريخية المعينة، تبنت استراتيجيات العدالة الانتقالية، في بلدان كثيرة، أشكال من التطبيقات التي تجري المفاضلة في ما بينها وفق كل حالة على حدة، وأهمها شكلان:
الأول: محاكمة المجرمين بالطريق التقليدي
أ/ في محاكم البلدان التي تشتمل تشريعاتها على عناصر القانون الجنائي الدولي (بالعدم تصبح محاكمة مرتكبي جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، أمراً مستحيلاً)، أو
ب/ في محاكم البلدان الأجنبية التي تقبل الاختصاص الجنائي الدولي (مثال ملاحقة ديكتاتور تشيلي السابق بينوشيه في كل من أسبانيا وبريطانيا، وملاحقة شارون بواسطة القضاء في أسبانيا، وأمر الملاحقة الصادر من محكمة في أسبانيا، أيضاً، بحق مرتكبي هذا النوع من الجرائم في غزة)، أو
ج/ في محاكم دولية هجين (مثال محاكم سيراليون وكمبوديا)، أو
د/ في محاكم دوليَّة خاصة (على غرار محكمة جرائم يوغسلافيا السابقة في لاهاي، ومحكمة جرائم رواندا في أروشا بتنزانيا)،
ه/ في المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست من فوق سياق هائل للتطور، وتفاقم لأعداد الضحايا المدنيين في حربين كونيتين، وما لا حصر له من النزاعات المسلحة، الأمر الذي أفضى إلى ضرورة إيجادها كأداة دائمة ومقتدرة للعدالة الجنائية الدولية، بدلاً من النوعين (الهجين والخاصة) كمحاكم مؤقتةAd Hoc Tribunals على النسق القديم الذي عرفه القضاء الجنائي الدولي منذ الحرب الثانية، ومعلوم أمر ملف دارفور الذي تمت إحالته إليها من مجلس الأمن، وما استتبع ذلك من توجيه الاتهام لبعض الرسميين السودانيين، بمن فيهم رئيس الجمهورية ووزير الدفاع.
الثاني: محاكمة المجرمين بالطريق غير التقليدي
وهو طريق العدالة الانتقاليَّة الذي ركزنا عليه النظر في هذه الورقة. لكن إنجاز مهامه يتطلب توفر إرادة سياسيَّة قويَّة من جانب السلطة الحاكمة لتفعيل جوهر المادة/21 من دستور 2005م التي توجِّه بأن “تبتدر الدولة عمليَّة شاملة للمصالحة الوطنيَّة وتضميد الجراح من أجل تحقيق التوافق الوطني والتعايش السلمي بين جميع السودانيين”. فبرغم ورودها ، للأسف ، ضمن الفصل الثاني من الباب الأول، بعنوان: (المبادئ الهادية والموجِّهات)، على حين كان ينبغي أن تكتسي، وبتفصيل أوفى، صفة أكثر إلزاميَّة، إلا أن ثمَّة ضرورة سياسيَّة وطنيَّة تستوجب، مع ذلك، الاهتداء بروحها في ضوء الخبرات والتجارب المذكورة.
وهذا الأمر يستوجب شكلاً مناسباً من أشكال الشراكة بين الدولة وبين المجتمع المدني، فالمصالحة التي تنتج عن إجراءات العدالة الانتقاليَّة، إن أخذت بحقها، ليست هي ذلك النمط الذي تفضله الأنظمة الشمولية في بلادنا تحت عنوان (عفا الله عما سلف) !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.