يجب ألا يبقى هذا الوزير ليوم واحد .. بقلم: الحاج وراق    بيت البكاء .. بقلم: ياسر فضل المولى    حمد الريح: منارة الوعد والترحال (مقال قديم جديد) .. بقلم: معز عمر بخيت    للمطالبة بحقوقهم.. مفصولو القوات المسلحة يمهلون الحكومة (15) يوماً    مجلس إدارة مشروع الجزيرة يرفض السعر التركيزي للقمح    برمة ناصر: الإسلاميون الذين ظلوا في السلطة الى أن (دقت المزيكا) لا مكان لهم    صديق تاور: عدم إكمال مؤسسات الفترة الانتقالية تقاعس غير برئ    لاعبة كرة قدم سودانية أفضل من ميسي !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    حمد الريح ... الي مسافرة كيف اتت ؟ .. بقلم: صلاح الباشا    فصل الأدب عن الدين معركة متجددة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    تعليق الدراسة بمراكز التدريب المهني    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الساعة الواحدة ظهراً شارب (Sharp): الأثر الثقافي للثورة السودانية .. بقلم: .. د. عمرو محمد عباس محجوب
نشر في سودانيل يوم 11 - 02 - 2019

ارسلت، لشابة تم اعتقالها في ذات مظاهرة، وأستطاع من معها اقتلاعها من التاتشر، احمدل لها السلامة. كانت اجابتها ما استوقفني "ماعدا أنو أمس ماقدرت أمشي الموكب جسمي تعبان من الضرب"، تقصد موكب الخميس يوم 7 فبراير 2019م. كانت هذه الكلمات تعبيراً مختلطاً بين المسئولية الشديدة، الالتزام الصارم والأعتذارعن عدم المشاركة ليس لأنها ضربت فخافت، لكن لأن جسدها خذلها.
غير أن الثورة قد قاربت أن تنهي نظام الإنقاذ وتفكفك بنيته وتطيح بأيديولوجيته لمزبلة جاهزة لكل الأفكار الإقصائية المستبدة الفاسدة، فقد غيرت بمعنى الكلمة حياة ملايين الأسر السودانية والأفراد من شابات وشباب، كانوا حتى ماقبل يوم 13 ديسمبر وتماماً منذ 19 ديسمبر 2019م، يعيشون غبن السنين، لاحاضر يسترهم ومستقبل مدلهم. أحلام منكسره، آمال ضائعة وإمنيات لم تتحقق، سار فيهم أبائهم من قبل في نفس الطريق، وحملوا نفس الأحلام.
هناك ثلاث سمات توصف بها الثورة الحالية: أنها سلمية، أنها بمشاركة كل أهل السودان وأنها أحدثت تغييراً مفاهيميا. حول هذه الأخيرة يجيء هذا المقال.
جدل الهتافات
في ثورة أكتوبر 1964م كانت الهتافات تكاد تنحصر في "إلى الثكنات يا عساكر" و "عاش نضال| كفاح الشعب السوداني". انتقلت نفس الشعارات لثورة أبريل 1985م، وزادت عليها "مليون شهيد لعهد جديد" و "لن ترتاح ياسفاح". سوف يتم اختطاف الثورة بأكملها من خلال التشويش على تسميتها ب"ثورة رجب" لإضفاء الصبغة الدينية عليها ووصول قادة الجيش المنتمين للإخوان المسلمين لجهازها التشريعي وتمهيد الطريق لانقلاب يونيو 1989م.
بديلاً عن الهتافات التقريرية سوف تتغير كافتها منذ 2012م، لهتافات برنامجية وإيجابية: "حرية، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب"، "ياعنصري ومغرور كل البلد دارفور" تعكس إرادة الشعب بدلاً من وصفها: "الشعب يريد إسقاط النظام"، "لن يحكمنا لص كافوري"، "مرقنا مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا" وغيرها.
خطاب الثورة
عندما أصدر تجمع المهنيين بيانه الأول، كان يضع في الأجندة تغيير خطاب الفضاء السياسي ليتسق مع الروح الجديد. جاءت البيانات الأولى قطعاً في الادب الراقي ومحملة بأشواق الشعب من حقب بعيدة. في نفس الوقت كان هناك خطاب آخر موجود في الشارع الشبابي "لغة الراندوك" وتم الوصول لخطاب متجاوب مع الخطابين. هذا الخطاب رفع الغطاء عن لغة "متقعرة" ذات "ايحاءات إسلاموية" تنضح بالعنصرية، الاقصاء والتمكين، وقطع دابر تعبيرات مثل "الرجالة" كتعبير عن فعل فئة بعد أن تساوى نساء السودان ورجاله في الفعل.
جاءت "كنداكة" من تراث 2012م، و"أضبط أمنجي" و"كتمت" من تراث قرفنا (كانت تصدر نشرة باسم كتمت أيام سبتمبر 2013م)، و"عاصم عمر" منذ ثلاث سنوات. وظهرت "منبرشات" في إعتصام 2016م. لكن سرعان ما نسجت "ثورة" ديسمبر تعبيراتها الجديدة: اقواها وأكثرها استعمالاً وتاثيراً "سلمية" و"تسقط بس" و "تنحى" و "أرحل" و "مدن السودان تنتفض" و"الطلقة مابتكتل بكتل سكات الزول" و "ليلية" و "جدول المظاهرات" و "مسارات المواكب" و"وقفة احتجاجية" و "المنكرات" و"الشهيد علي فضل" و"جعفر خضر" و "صديق يوسف" و "احسان فقيري".
سوف تطلق "ثورة" ديسمبر جديداً لم يكن في البال. فقد ظهرت مهن جديدة في الشوارع والأحياء والقرى: من قبيل "جردل مان" و "جردل ومن" و لستك مان" ثم "علم مان" وطفل المتاريس. ثم اختارت بعض الاحياء والمدن شعارها المحلي "اسود البراري"، "تمساح الكلاكلة"، و"وعل كسلا "، "كمبلا الابيض"، "سلطان سنار"، "نسر رفاعة"، "خيل شندي"، "خرتيت شفاتة بحري" و "الديامة حطب القيامة"، "هنا امبدة" و "العباسية بالليل" وغيرها.
كان الفن بكافة أشكاله حضوراً في الثقافة وواكبها دائماً. واطلقت احداث 2012م سيلا وابلاً من الملصقات، يتم إعدادها بوسطة التشكيليين من جميع أنحاء العالم وتطلق في الأسافير وتنتشر. هذه الثورة صاحبتها ثورة في الملصقات بشكل كثيف. فكل فعالية دعمتها عشرات الملصقات، بدأت اولاً مجرد خبرية واعلانية، ثم تطورت تدريجياً لتصبح فناً مستقلاً بذاته. يعبر الغناء الجديد عن ثورة الشياب، لكننا نشتاق لوردي واناشيده.
التوحد تحت راية التجمع المهني
لم يتوحد السودان في تاريخه الممتد منذ الفيات عديدة، إلا بفعل إستعمار أجنبي "التركي المصري" ثم تحت رايات المهدية والإستعمار البريطاني والاستقلال. في أكتوبر وأبريل توحد تحت رايات النقابات والاتحادات. سوف يواصل هذا فعله في ديسمبر 2019م، ويحدث توحد كامل تحت رايات السلمية وجدول تجمع المهنيين في العاصمة والمدن المتوسطة والقرى.
عشية الساعة الواحدة ظهراً
لم يكن الوقت مهماً في السودان، فأغلب شبابه عطالى لديهم الوقت كله، وخدمته المدنية مترهلة بذوي الكفاءات المنخفضة، والمحبطين من قلة الرواتب وغياب أي مواقيت لبرامج او مهمات يكلفون بها. نصف وقتهم الرسمي في الفطور، الصلاة او التحدث بالموبايلات في تدبير سد نقصهم المالي. هذا ليس جديداً، فكل الدول مرت بها. لم يكن دولة ل"المشروع الحضاري" ما يوحد الناس ويلهمهم ويحمسهم، عكس ذلك كان لديها مخزون غير عادي مما يفرق الناس، يزرع الشقاق بين أحزابهم، يفتق رتق مجموعاتهم السكانية ويمزق نسيجهم الاجتماعي.
الوقت الألماني، الياباني والكوري
أورد الباحث الكوري ها جوون تشانج في كتابه "السامريون الأشرار": " ما كان يقوله البريطانيون عن الألمان الذين كان وصفهم النمطي قبل انطلاقتهم الاقتصادية في أواسط القرن التاسع عشر بأنهم «قوم ثقال بلداء»، وكانت كلمة (الكسلان) مرتبطة بالطبيعة الألمانية وقتها، وكان البريطانيون يعتبرون الألمان مفرطين في عاطفيتهم وغير أمناء ويعانون من بطء الفهم". (ها-جوون تشانج (ترجمة أحمد شافعي): السامريون الأشرار، الدول الغنية والسياسات الفقيرة وتهديد العالم النامي، الكتب خان للنشر والتوزيع، 2015م).
يستشهد الباحث تشانج ببلده، كوريا، التي "كان الناس فيها قبل نحو عشرين عامًا، يستخدمون تعبير "الوقت الكوري"، للإشارة إلى تأخر الناس عن مواعيدهم ساعة أو اثنتين، بدون أن يعتذروا عن ذلك، وحين ازداد إيقاع الحياة تنظيماً، اختفى ذلك السلوك واختفى معه التعبير نفسه، ما يجعل الأقرب إلى الصواب القول إن الشعوب تصبح جادة في العمل ومنضبطة وتتحلى بالسمات الثقافية الصالحة، بسبب التنمية الاقتصادية وليس العكس.
وصف الاستشاري الاسترالي اليابانيين بعد تقييم أداء العمال بأنهم "جنس لايقيم للوقت وزنًا"، وأن المسئولين يتبنون رأي ماكس فيبر الذي يعتقد بأن هناك ثفافات أنسب للتنمية الاقتصادية من غيرها. رأي كذلك أن اليابان تعتبر فقيرة مقارنة باستراليا في ذلك الوقت. أغلب الخبراء كانوا يرون اليابانيين كسالى وغير قابلين لتحقيق التنمية. المبشر الأمريكي سيدني جوليك، والذي عاش 25 عامًا في اليابان، كتب في كتاب "تطور اليابان" الصادر عام 1903م "اليابانيين كسالى ولايبالون بمرور الوقت".
كتبت بياتريس ويب القيادية في تيار الاشتراكية الفابية، بعد جولة في آسيا بين عامي 1911-1912م "أنه ما من رغبة في تعليم الناس أن يفكروا في اليابان". وصفت الكوريين بأنهم "اثنا عشر مليوناً من الهمج القذرين المنحطين النكدين الكسالى معدومي الدين، ينتقلون في التراب بثياب بيضاء من أسوأ الأنواع ويعيشون في بيوت طينية قذرة".
الساعة الواحدة ظهراً شارب (Sharp)
عندما دعا "تجمع المهنيين" لأول مظاهرة كبرى في الخرطوم يوم 25 ديسمبر 2018م، كنت جزعاً جداً أن تفشل، لذلك خرجت. ولانني اعتدت على "المواعيد السودانية" وأنا منضبط في مواعيدي، ذهبنا حوالي الثانية. كانت المفاجأة أن الشباب ظهروا في تمام الواحدة ظهراً، وظلوا كذلك طوال الخمسين يوماً. سوف يصبح إنضباط الجميع محل ملاحظة من الكل، وعليها أطلقت نكات وحكايات وقصص. لقد ألهمتهم الثورة، أعطتهم مهمات محددة ووجدوا في "تجمع المهنيين" منظماً ومنسقاً، وموحداً لأهدافهم بدون حتى أن يعرفوهم. هذه ملاحظات أولية ربما سوف تدرس لاحقاً ويتعمق الباحثون في سبر اغوارها وجعلها سلوكاً عاماً في حياتنا اليومية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.